تفاقم ازمة المياه في الاردن.. و "الديسي" يوفر حلا مرحليا

1 ديسمبر 2013

بضع مئات من الامتار فقط تفصل ما بين تضاريس الاردن القاحلة في الشمال وحقول سوريا الخصبة الممتدة عبر الحدود بين البلدين.

وعلى الرغم من توصل الاردن وسوريا الى اتفاق لتقاسم مياه اليرموك في اطار خطة اقليمية وضعت في العام ،1953 والتي تم تعديلها في العام 1975 ولاحقا في العام 1987, الا ان هذه الاتفاقات لم تنفذ حتى اليوم. وعلى مدى عقود مضت, عمدت جارة المملكة الاكبر على استغلال مياه نهر اليرموك,عب بناء سدود وحفر ابار للاستخدام الزارعي, تاركة بالكاد قطرات من المياه لجارتها الجنوبية العطشى.

 في اواخر التسعينيات توصل البلدان الى تسوية تلت فترة من التحسن النسبي في العلاقات الديبلوماسية. وتمكن الاردن من بناء سد “الوحدة” على ضفاف نهر اليرموك, لتزويد عمان ب 50 مليون متر مكعب من المياه وضخ 30 مليون متر مكعب من مياه الري في وادي الاردن على اعتبار ان دمشق ستلتزم بتعهداتها. وتم تمويل بناء السد عن طريق قرض من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.  وبعد تكلفة بلغت $95 مليون, اكتملت اعمال بناء السد في العام 2006, وبلغت سعته 110 مليون متر مكعب.

الا ان كمية المياه المحتجزة في السد حاليا لا تكاد تصل الى 3 ملايين متر مكعب وذلك بسبب تراجع سوريا عن التراماتها ومواصلتها في الاستغلال شبه الكامل لمياه النهر والمياه الجوفية المحاذية.

 ويقول شادي دهامشة, الذي يملك مزرعة بالقرب من قرية “الشجرة” الشمالية المطلة على الحدود السورية: “لديهم وفرة من المياه على الجانب الاخر [من الحدود] ومزارعهم خصبة.” وابدى حسرته على استهلاك سوريا معظم مياه النهر قبل أن تصل إلى الأردن، اضافة الى حظر الحكومة في عمان المزارعين من حفر الآبار لري مزارعهم.

ومع انعدام الامل في حصوله على حصته من مياه اليرموك, حول الاردن انظاره نحو حلول اخرى لمعالجة ازمة نقص المياه, اضافة الى حظر استغلال المياه الجوفية بصفة غيرشرعية على الجبهة الداخلية.

وتقول الحكومة انها تحاول التضييق على حفر الابار غير المرخصة واستخدام المياه في شكل غير مشروع والتي تكلف الاردن 100 مليون متر مكعب من المياه سنويا.

لكن الدكتور الياس سلامة، استاذ الجيولوجيا والمياه في الجامعة الاردنية, وعضو اللجنة الملكية للمياه، اعتبر ان الحكومة تساهم ايضا في استزاف مياه الاردن الجوفية باعتمادها على حفر ابار المياه الجوفية ومنح المزارعين  تراخيص لحفر آبار في اراضيهم على مدى العقدين الماضيين.

وباعتباره واحدا من اكثر الدول المحرومة من المياه في العالم, يستخدم الاردن اليوم 900 مليون متر مكعب من المياه سنويا لكنه يفتقر الى 500 مليون متر مكعب ما زال بحاجة الى توفيرها قبل تفاقم الازمة في شكل خطير.

ومن شان مشروع الديسي ,الذي تم تدشينه في تموز (يوليو) الماضي، والذي بلغت تكلفته مليار دولار, ان يزود بعض مناطق الاردن ب100 مليون متر مكعب من المياه لمدة عشر سنوات  على الاقل.

وفيما يضخ خط انابيب الديسي المياه الى المدن الشمالية بكامل طاقته, اطلقت وزارة المياه والري عدة حملات لمجابهة واغلاق الابار غير الشرعية التي حفرها كبار المزارعين لسرقة المياه.

واعلنت الوزراة مؤخرا عن القبض على 131 الة حفر لاستخراج مياه من ابار تقع على اراضي مملوكة للدولة. ويوجد حاليا 1363 بئر غير شرعي في الاردن, معظمها في محافظة المفرق وايضا في حوض منطقة الزرقاء-عمان.

وقال المتحدث باسم وزارة المياه والري عدنان الزعبي انه “اذا اخذنا منطقة جنوب عمان مثالا, فان المخالفات في هذه الشبكة وعلى خطها الرئيسي تكلفنا 10 ملايين متر مكعب سنويا وهو ما يساوي حجم المياة التي تحتاجها محافظة مدينة اربد،” ثالث اكبر مدينة في المملكة.

بدوره قال الخبير البيئي باتر وردم ان “الحكومة تعمل ببطء حاليا على المحافظة على المياه عبر اضافة عدادات ومحاكمة سارقي المياه, لكن المسائلة تحتاج الى تطبيق افضل للقانون.”

واعتبر وردم انه “بسبب الوضع الاقتصادي والسياسي الحرج, فان الشرطة لا تتدخل لفرض القانون على ابسط الامور في البلد.” واضاف انه على الرغم من محاولات الحكومة لمعالجة هذه المسالة, لكنهم احيانا يواجهون “ضغط ونفوذ عشائري يقلل من نجاح هذه الحملات. لكن الارادة موجودة لفرض القانون حتى ولو ان الوسائل غير كافية للتعامل مع حجم المشكلة.”

وراى الزعبي ان الحكومة الان باتت اكثر تشددا في حملاتها ضد عمليات سرقة المياه. الدرك, قوات الصحراء، وسلطات المياه “يعملون جميعا على مواجهة المزارعين المعتدين وحثهم على التوقف عن سرقة المياه.”

ووفقا لخبراء المياه, فان حوالى 508 مليون متر مكعب من مياه الشرب يتم استخراجها من احواض جوفية في الاردن,اي حوالي 233 مليون كتر مكعب فوق المستوى الامن الذي ينبغي ان لا يتعدى 275 مليون مترا مكعبا.

وتبنت الحكومة  برنامجا تقنين المياه في اوائل الثمانينيات والذي يسمح بضخ المياه الى المنازل لفترات محدودة اسبوعيا تتراوح بين 24 و48 ساعة.

وقامت السلطات بعدة مساع تبدو عقيمة لمحاولة توفير كميات كافية من المياه. واستثمرت الحكومة في اصلاح شبكة توزيع المياه خلال الاعوام الماضية, لكن عالم جيولوجيا المياه وعضو اللجنة الملكية للمياه الياس سلامة, قال ان مئات الملايين تم انفاقها على اصلاح الشبكة, ليتبين لاحقا ان “الخسائر الحقيقية كانت قليلة جدا وان معظم المياه تم سرقتها.” ووصل حجم خسائر المياه التي فقدت قبل وصولها الى المستهلك الى 6% (54 مليون متر مكعب) من امدادات الاردن السنوية من المياه.

وتأمل الحكومة بأن تساهم المياه المستخرجة من طبقة الديسي للمياه الجوفية ,الواقعة في الجزء الجنوبي من الاردن والمشتركة مع المملكة العربية السعودية, في اغلاق جزء من الفجوة  بين العرض والطلب على المياه خلال العقد المقبل.

وقال الزعبي انه  من الممكن الاستمرار في ضخ 100 مليون متر مكعب لمدة 50 سنة لكن مع زيادة عدد السكان فان حصة الفرد ستتراجع فيما تبقى المصادر ثابتة.” واشار الى ان “التاثير الايجابي سيستمر حتى العام 2020, لكن يجب التطلع نحو مصدر بديل للمياه لمواجهة نقص المياه المتزايد.”

واعتبر سلامة ان قرار المضي قدما في مشروع الديسي كان حكيما في ضوء وضع المياه في الاردن, لكن ربما كان ينبغي تطويره بطريقة مختلفة.

وراى انه كان ينبغي على الحكومة ان تتبنى نظرة اكثر شمولية للتخطيط الاستراتيجي قبل التفكير في مد خط انابيب مكلفة بطول 325 كيلومتر عبر الاردن.

وقال انه كان من الافضل بناء مدينة صناعية في الجنوب, قرب ميناء العقبة وحوض الديسي, وخلق فرص عمل للاردنيين المقيمين والذين يعملون في المدينة.

واضاف سلامة ان “هذا التوجه بالتفكير كان من شانه توفير تكاليف بناء خط [الديسي] لعمان ونقل السكان الى حيث تتواجد المياه. ولكن الآن فات الاوان.”

بدوره وصف وردم مشروع مياه الديسي ب “خيار الحل الموقت” الذي من شانه تخفيض عجز المياه لكن دون تقديم حل جذري للمشكلة. وقال ان “الديسي لا يعني انه بامكاننا الان ان نتمتع بالافراط اكثر بالمياه.”

ويصل حجم استهلاك الاردن من المياه 900 مليون متر مكعب حاليا, يستخدم منها حوالى  40% لتوفير مياه الشرب. ومن المتوقع ان ترفع مياه الديسي نسبة توفر مياه الشرب بنسبة 30%.

لكن المهندس المعماري والناشط البيئي عمار خماش رفض فكرة المخططات الهندسية المضخمة مثل مشروع خط الديسي واعتبر ان الحل للاردن هو اكثر بساطة. واقترح خماش, الذي درس الجيولوجيا في جامعة اليرموك, بناء عشرات السدود في مدينة عمان وضواحيها من اجل تخزين مياه الأمطار وإعادة شحن الطبقة الجوفية للمياه الواقعة في باطن المدينة.

واعتبر خماش ان الفكرة تقضي بتخزين المياه العذبة خلال موسم الامطار في المواقع الاكثر علوا والاقرب الى النقاط التي تحتاج المياه بدلا من نقل المياه من على بعد مئات الكيلومترات وتحمّل تكاليف الضخ والصيانة الباهظة.

وقال خماش “من الافضل التطلع بكل بساطة الى مياه الامطار المهدورة في جوف عمان. وهو تاريخيا ما جعل عمان [مدينة] بالاصل. بامكاننا العمل على نظام الاحواض الاقل كلفة والتي بحوزتنا وضخها بتكنولوجيا جديدة وحلول مركبة.”

وفي دراسة اجراها استاذان في الجامعة الاردنيه ووزير المياه والري الاسبق منذر حدادين  في العام 2006, تم مقارنة حصة الاردني من المياه مع الحصص المتوسطة في المنطقة. وقدرت الدراسة انه بعد حذف نسبة المياه المفقودة او المياه غير المستغلة, فان متوسط استهلاك المواطن الاردني للمياه يصل الى 70 لتر يوميا وهو ما دون متوسط استخدام المياه في دول اخرى ( 840 في الكويت, 280 في اسرائيل و120-140 في العراق, سوريا ومصر.)

واعلنت الحكومة مطلع العام الحالي خططا للمضي احاديا في مشروع البحر الاحمر لتحلية المياه, والذي كان سابقا اقتراحا ثلاثيا بين الاردن, الاراضي الفلسطينية, واسرائيل من اجل تحلية مياه البحر الاحمر وضخ الفائض في البحر الميت الايل الى الجفاف والذ يتراجع منسوبه بنسبة متر سنويا.

ومن المتوقع ان يكلف المشروع $980 مليون وان يزود الاردن ب 100 مليون متر مكعب اضافية من المياه.

وكان الهدف من المشروع التعاوني حمل الدول الثلاث على التعاون على مشروع بيئي غايته الاساسية اعادة تاهيل البحر الميت, اضافة الى انتاج مياه للشرب وتوليد الطاقة الكهربائية باسعار معقولة للدول الثلاث.

واجرى البنك الدولي دراسة, بلغت كلفتها $16 مليون, للنظر في جدوى المشروع اضافة الى تاثيره البيئي والاجتماعي. ووجدت الدراسة  ان هيكلية المشاريع الستة ذات جدوى اقتصادية, وان “التاثيرات البيئية والاجتماعية يمكن ادارتها نحو مستوى مقبول,” لكن الدراسة حبذت وصل خط الانابيب بمحطة عالية المستوى لتحلية المياه.

وقال الزعبي انه “تم تقديم الدراسة لكنهم واصلوا في تاخيرها بسبب المناخ السياسي,” واعتبر  ان “الاردن لا يمكنه الانتظار اكثر لان لديه استراتيجية… فاذا لم يتم ايجاد مصادر مياه اضافية بحلول ال 2020, فإن العجز المائي سيتزايد.”

واعلن رئيس الوزراء عبدالله النسور في اب (اغسطس) الفائت, ان الاردن مستعد لبيع اسرائيل مياه محلاة وشراء حوالى 50 مليون متر مكعب من مياه الشرب سنويا من مخزون بحيرة طبريا. وسيبيع الاردن اسرائيل مياها بسعر دينار للمتر المكعب وسيشتري من اسرائيل بسعر 0.3 دينار للمتر مكعب, لان المياه من بحيرة طبريا تحتاج الى معالجة.

وقال الزعبي انه “سيكون هناك نوع من تبادل المصالح بين البلدين”. واضاف ان البلدين توصلا الى هذا الاتفاق لان اسرائيل تحتاج الى المزيد من المياه في الجنوب, فيما الاردن يعاني نقصا في الشمال.

وعزا الخبير سلامة تردد اسرائيل في المضي قدما في مشروع قناة البحر الاحمر-البحر الميت الى تمتعها بخيارات اكثر جاذبية ومتوافرة داخل حدودها. فمن شان انشاء محطاة لتحلية المياه على طول الخط الساحلي للبحر المتوسط ان يمد اسرائيل بكامل حاجتها من المياه وعندها ستتخلى اسرائيل عن بحيرة طبريا كمصدر للمياه.

واشار سلامة الى انه على عكس مياه البحر, فإن المياه من بحيرة  طبريا ذات قيمة مختلفة, وببيعها للاردن فان اسرائيل ستحصل على ارباح لتغطية تكلفة تحلية مياه البحر المتوسط.

وتمنع السدود السورية على نهر اليرموك تدفق المياه الى الاردن وتعيق الامال في تقاسم مصادر المنطقة من المياه كما تنص الاتفاقيات بين البلدين. واعتبر سلامة ان سوريا تشكل مشكلة كبرى وتعد السبب الاساسي في ازمة نقص المياه في شمال الاردن.

وعبر وزير المياه السابق موسى الجمعاني عن مشاعر مشابهة العام الفائت بقوله انه لم يتم التوصل بعد الى قرار لانهاء التعديات السورية على مخصصات الاردن من مياه نهر اليرموك الذي يشكل جزءا من الحدود بين البلدين فإنه سيكون من الصعب معالجة الازمة المتفاقمة.

ويذكر انه في العام 1953, اتفق كل من الاردن, سوريا, لبنان واسرائيل على “خطة جونستون” برعاية اميركية, والتي بموجبها تم تخصيص 375 مليون متر مكعب من المياه للاردن سنويا. وفي العام 1987, تم ابطال الاتفاق بعد زيارة قام بها رئيس الوزراء الاردني زيد الرفاعي الى دمشق وتم توقيع اتفاقية جديدة بدلا منها، خفضت حصة الاردن الى 200 مليون متر مكعب سنويا. وبحسب سلامة فان سوريا لا تلتزم بهذه الاتفاقية ايضا. ويحصل الاردن حاليا على ما لا يزيد عن 40-50 مليون متر مكعب سنويا.

واعتبر سلامة ان “سوريا بنت حينها 20 سياجا لحجز المياه على طول نهر اليرموك وحصلت على اكثر من 60 بالمئة من كامل [مياه اليرموك], فبدلا من توقيع [الاتفاقية الجديدة] كان بامكان [الرفاعي] ان يقول كفى, من غير المسموح لكم بناء السدود.”

وكشف الجمعاني لصحيفة جوردن تايمز في العام 2012 ان عدد السدود السورية تضاعف من 26 الى 48 منذ تاريخ توقيع الاتفاقية في العام 1987.

ومع وصول عدد اللاجئين السوريين في الاردن الفارين من الحرب الاهلية الى 600,000 شخص والذي من المتوقع ان يصل الى مليون لاجئ بنهاية العام الحالي, فمن المتوقع ان تعاني رابع افقر دولة بالمياه في العالم من نقص للمياه يفوق ما كان مقدرا منذ عامين. وربما يكون مشروع الديسي قادرا على تقديم اعانة موقتة, لكن ذلك لن يتجاوز بضعة سنوات على الاغلب.

ولخص عمر خليل, مزارع اردني من مدينة اربد الشمالية قرب الحدود السورية, مشاعر العديد من الاردنيين بقوله “أولا تاخذ [الحكومة السورية] مياهنا, ثم يجبرون شعبهم المسحوق على الهرب الى بلادنا. امل ان تتغير الامور الى الاحسن من اجلنا ومن اجل الشعب السوري… الله يساعدنا جميعا.”

تم إعداد هذا التقرير من قبل فريق مشروع حوكمة، وهو برنامج اعلامي استقصائي أطلقته مؤسسة طومسون رويترز في الاردن بالشراكة مع شبكة “أريج” إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.