سكان البحيرة.. الحياة تحت حصار الأمراض

1 ديسمبر 2013

الوطن –  يوم جديد في حياة صائد الاسماك الخمسيني حسن الشوا ولكنه ليس باليوم السعيد. فقد استيقظ من النوم وحاول الخروج من البيت ليصطاد في بحيرة المنزلة بشمال دلتا النيل، وهي مهنة ورثها عن أبيهوجده الذى توفي قبل 26 عاما.

لكنه عاد الى السرير بعد دقائق لأنه بات غير قادر على العمل لإصابته بتليف الكبد وتضخم الطحال بفعل التلوث الذي أصاب مياه البحيرة وجعل مياهها كريهة الرائحة طوال العقود الثلاثة الماضية وأثّر على أكثر من 5,000 صياد يعملون بنفس طريقة الشوا.

يستذكر الشوا كيف كان يصطاد الأسماك بيديه واقفا وسط المياه التي كانت تشتهر بنقائها لدرجة انه كان بالإمكان رؤية قاعها بسهولة قبل أن تتحول إلى “مزبلة” سبع محافظات تطل عليها. كان يعود يوميا بأسماكه لبيعها في السوق مقابل جني 20 جنيها في اليوم (كانت 600 جنيه في الشهر مبلغا ضخما في تلك الأيام).

لكن الحال تغير عمّا كان عليه. إذ بات الآن يعمل يوما واحدا ويلازم الفراش ثلاث أو أربع أيام. أما أبناؤه  الخمسة فهاجروا إلى محافظات بعيدة للصيد في المياه المالحة.

يقول الشوا: “بعد ساعات قليلة من الوقوف في مياه البحيرة أرجع وجسمي كله آلام وأعاني إرهاقا شديد.”

وحين قام الدكتور علاء داوود بمدينة المطرية بفحص  الشوا تبين أنه مصاب بتليف في الكبد وتضخم في الطحال ومرض السكر بالإضافة إلى وجود دمامل وبثور جلدية. وقال الشوا إنه يحصل على علاج السكر من المستشفى العام مجانا أما علاج تليف الكبد وتضخم الطحال فإنه يحصل عليه بنصف الثمن من جمعية رعاية مرضى الكبد بالدقهلية ويكلفه 90 جنيها شهريا.

ويرى خبراء أن مياه البحيرة تلوثت بكافة أنواع الملوثات البحرية والكيميائية والبيولوجية بما فيها المياه غير المعالجة القادمة من مصانع حكومية وخاصة بينما تلقي محافظات القاهرة والقليوبية والشرقية وبورسعيد والإسماعيلية ودمياط والدقهلية بمخلفاتها من الصرف الصحي والزراعي. تصل المياه غير المعالجة من هذه المحافظات الى البحيرة من خلال 5  مصارف كبرى و35 مصرفا فرعيا. وتتناسل المشكلة بفعل ترسانة من القوانين المتداخلة والمتقادمة ما يتطلب إصدار قانون جديد خاص بالبحيرات المصرية يفرض غرامات رادعة على من يلوث أو يجفف مياهها.

يقول الدكتور أحمد رخا، الخبير بجهاز شؤون البيئة فرع المنصورة: “البحيرة  باتت موبوءة”. وأوضح رخا أن مشاكل البحيرة بدأت عام 1981 مع تعطل البواغيز (القنوات) الرئيسية التي كانت تساعد على تجديد مياهها من البحر المتوسط؛ فبوغاز أشتوم الجميل تم تعطيله بسبب إنشاء الطريق الدوليعام 1983،وبوغاز البغدادي أغلقته السواتر الترابية لبناء مزارع سمكية – تملك الحكومة بعضها وتم تأجير البعض الآخر للصيادين عام 1995، وبوغاز الجميل القديم لم يتم تطهيره منذ 10 سنوات بسبب عدم توفر مخصصات للمعدات اللازمة في ميزانية عام 2002، أما بوغاز الرتم فيربط البحيرة بنهر النيل حيث تدخل منه كميات قليلة من المياه العذبة، ويدخل معها أيضا ورد النيل الذي يستهلك النبات الواحد منها لترين من المياه في اليوم.

في ميناء الشبول، وهو أحد الموانئ المطلة على البحيرة، وصف لنا حارس الميناء عبده أبو النور، 69 عاما، حال البحيرة التي تربى على شاطئها في الماضي قائلا: “زمان أيام جدودنا كان الخير كثير والأسماك وفيرة وأنواع لا حصر لها من الأسماك وبكميات أكثر بعشرة أضعاف مما يخرج الآن”. وتابع قائلا: “رغم أن الصيادين كانوا يستخدمون مراكب بالمجداف معتمدين على قوتهم الشخصية في تحريكها فقد كانوا أصحاء ولا يتعبهم العمل. وكان الواحد منهم يستطيع أن يعمل 18 ساعة في اليوم.”

وتابع أبو النور قائلا “كنت تنظر إلى البحيرة فلا ترى إلا المياه أو المراكب وأقرب مكان يمكن أن ترى فيه مباني كان على بعد 8 كيلومترات من الشاطئ.” قبل أربعين عاما كانت البحيرة مؤلفة من خمسة أقسام رئيسية: منطقة المثلث وقعر البحر وبوز البلاط ومنطقة الجحر والبحيرة الام. أما الآن فقد حاصرت المنازل والمباني – حتى الحكومية منها – البحيرة من كل جانب بل داخلها على مساحات تم ردمها. ويظهر موقع جوجل إيرث البحيرة الآن كمستنقعات وممرات ضيقة بعد أن انتشر فيها البوص وورد النيل.

وقد تناقصت مساحة البحيرة من 750 ألف فدان عام 1970 إلى حوالى 100 ألف فدان فقط حاليا بحسب تقرير جهاز شؤون البيئة لعام 2012.

ويظهر التقرير أن متوسط عمق بحيرة المنزلة انخفض من 170 سنتيمترا عام 2011 إلى 115 سنتيمترا عام 2013 بسبب ترسب المواد العالقة التي تدخل البحيرة مع مياه الصرف الصحي. كما أن التجفيف المستمر لردم مساحات واستخدامها في بناء منازل وحظائر للمواشي – مع غياب عقوبات رادعة – يساهم في انكماش البحيرة حوالي 5.22 كيلومتر مربع سنويا، بحسب التقرير.

ويؤكد رخا أنه نتيجة لتلوث المياه اختفت الأسماك التي كانت تشتهر بها البحيرة مثل اللوت والقاروص والدنيس والجمبري والسردين وكابوريا حنجل وغيرها التي كانت تدخل للبحيرة من مياه البحر الابيض المتوسط ليحل مكانها القراميط والبلطي والبياضوهي من الأنواع التي تتحمّل التلوث.

وتشير تقديرات هيئة الثروة السمكية إلى أن انخفاض الثروة السمكية يصل إلى 4.3 ألف طن سنويا. فإنتاج البحيرة عام 2001 كان 68.4 ألف طن وفي 2009 وصل الى 45.5 ألف طن قبل أن يهبط إلى 42 ألف طن عام 2010  و39.5 ألف طن عام 2011 و35 ألف طن عام 2012.

وتراجعت كميات الأسماك نتيجة الصيد الجائر للأسماك بكافة أحجامها بالرغم من تطور وسائل الصيد وهو ما جعل سبل الرزق تضيق على الصيادين الذين خرجوا يبحثون عن الرزق في أماكن أخرى. فقد ذكر نقيب الصيادين نسيم البلاسي أن ما لا يقل عن 10 في المائة من الصيادين يتركون البحيرة سنويا بسبب انخفاض الإنتاج وتلوث المياه باتجاه المياه الإقليمية لليبيا أو السودان أو إريتريا. وأضاف أنه لا يوجد حصر رسمي للصيادين لكن التقديرات تشير إلى وجود حوالي 200 ألف صياد حاليا نحو 60 ألفا منهم خارج منطقة البحيرة.

تتحدث ماجدة الريس عن أبنائها الأربعة الذين كانوا يعملون جميعا صيادين في البحيرة. وتقول “البحيرة أصبح رزقها بسيط واحتياجات الحياة كبيرة، فتركوا الصيد هنا وذهبوا في بلاد الله كل واحد في بلد يصطادون هناك في محافظات السواحل بالسويس وبورسعيد والإسكندرية، ولا نراهم إلا كل عدة شهور عندما يحصلون على إجازة أو في أوقت منع الصيد. وعندما يقيمون في المطرية لا يوجد لهم أي دخل.”

الطيور المهاجرة أصبحت أيضا عملة نادرة في البحيرة.

فقد أظهرت تقديرات وزارة البيئة أن البحيرة كان يصلها نحو ربع مليون طائر سنويا في أواخر الثمانينات لكن أعداد هذه الطيور شهدت انخفاضا كبير حتى وصلت إلى بضعة آلاف في أواخر التسعينات. ويندر وجودها حاليا إذ لا يأتي سوى مئات من طيور الغر والشرشير العجاج فقط، واختفت أنواع أخرى كثيرة مثل الكيش والبلول والخضاري.

تلوث مياه البحيرة يتجاوز التوقعات

أوضح تقرير حديث لجهاز شؤون البيئة أن إجمالي الصرف في بحيرة المنزلة عام 2012 وصل إلى حوالي  6.86 مليار متر مكعب منها 6.64 مليار متر مكعب من الصرف الزراعي، و2.75 مليون متر مكعب من الصرف الصناعي، و226 مليون متر مكعب من الصرف الصحي.

وتصب في بحيرة المنزلة على مسافات متباعدة 5 مصارف رئيسية: بحر البقر، وحادوس، والسرو، ورمسيس، وفارسكور. في الأساس كانت مصارف زراعية لكن مع إنشاء مصانع كبرى بالقرب منها ومحطات صرف صحي أصبحت تلك المصارف تحمل أيضا مياه الصرف الصناعي والصحي.

ويلقي تقرير لوزارة البيئة صدر عام 2012 بالمسؤولية عن التلوث الصناعي في البحيرة أساسا على 4 شركات كبرى أنشأتها الحكومة في مطلع الستينات من القرن الماضي وتلقي بمخلفات سائلة غير معالجة في مصرف بحر حادوس هي: شركة مصر للزيوت والصابون وتشمل مخلفاتها النترات والأمونيا والفوسفات والكبريتات، وشركة المنصورة للراتنجات والصناعات الكيماوية ويشمل ما تصرفه فورماليدهايد وفورمالين، وشركة أجا للتصنيع الغذائي وتحتوي مخلفاتها على ألوان صناعية وكيميائية مثل الكلوريدات، وشركة الدقهلية للغزل والنسيج وتشمل مخلفاتها معادن ثقيلة كالنحاس والكادميوم والكروم والنيكل والقصدير. (شركة شركة المنصورة للراتنجات هي الوحيدة من بين هذه الشركات التي تم تخصيصها سنة 2004 ويمتلكها حاليا مستثمر هندي). وقد قامت مكتب شؤون البيئة بتحرير مخالفات لكل هذه الشركات لإلقائها المياه العادمة بدون معالجة، وهو أقصى ما في وسع وزارة الدولة لشؤون البيئة.

 ويذكر التقرير أن 23 محطة صرف صحي كلها حكومية تصرف نحو 133 مليون متر مكعب سنويا من الصرف الصحي غير المعالج عبر المصارف الخمسة الرئيسية والمصارف الفرعية إلى بحيرة المنزلة.

وخلال إحدى رحلاتنا داخل البحيرة على قارب صيد، وصلنا إلى أماكن التقاء البحيرة بمصرف بحر حادوس. وقد أجبرت شدة الروائح الكريهة ركاب القارب على سد أنوفهم. لكن الأسماك لم تكترث، فبحسب أحد الصيادين الموجودين بالمنطقة تجذب العلائق القادمة من المصارف والروائح الأسماك التي تأتي إلى مكان التقاء البحيرة بالمصارف لذا يكثر وجود الصيادين.

تحليل مياه البحيرة

لم نكتف بالتقارير الرسمية. قرر معد التحقيق الاستقصائي الذي استغرق 6 شهور إجراء تحليل لمياه البحيرة. ذهبنا أولا إلى معمل تحاليل حكومي متخصص واتفقنا معه على تحليل أربع عينات وحصلنا منه على العبوات الخاصة بالتحاليل حتى لا تتأثر العينات بالعوامل الخارجية وبالفعل تم أخذ العينات وتسليمها للمعمل. بعد أربعة أسابيع غير المعمل موقفه ورفض تسليم النتائج مؤكدا أنه لا يستطيع أن يتحمل إعلان نتائج تلك التحاليل التي ستنشر.

لجأنا إلى وحدة التحاليل الدقيقة بكلية العلوم جامعة المنصورة والتي وافقت على إجراء التحاليل. حصلنا على أربع عينات جديدة من نقطتين: عند التقاء مصرف بحر البقر مع البحيرة والثانية عند التقاء بحر حادوس مع البحيرة ثم ابتعدنا نحو 3 كيلومترات من كل نقطة وأخذنا عينة أخرى من قلب البحيرة. وبعد شهر ظهرت نتائج العينات.

في تعقيبه على التقرير، قال الدكتور محمد اسماعيل، أستاذالميكروبيولوجي بكلية العلوم جامعة المنصورة، إن العينات عالية التلوث وذلك لأن الأكسجين الكيميائي الممتص في تلك العينات وصل إلى 110 ملليجرامات/ لتر والمفروض ألا يزيد عن 10 ملليجرامات/ لتر  فقط. ويعبر الأكسجين الكيميائي الممتص عن وجود كائنات بالمياه تستهلك الأكسجين فكلما زاد الأكسجين الممتص، أي المستهلك، كان ذلك دلالة على وجود كائنات في المياه. وتزيد في المياه أيضا أملاح الكلوريدات. وأضاف أن مياه العينات ملوثة أيضا بمياه المجاري.

وعرضنا التقرير أيضا على الدكتور عادل المرسي، الأستاذ بكلية العلوم جامعة المنصورة، الذي أوضح قائلا إن التحليل الميكروبيولوجي للعينات الأربعة أظهر وجود بكتيريا لا تعيش إلا في أمعاء الإنسان وهو ما يؤكد أن العينات الأربعة تحتوي على مياه صرف صحي.

والحدود المسموح بها لهذه البكتيريا في مياه البحيرات يتراوح بين 20 و50 بكتيريا / ملليجرام في حين أن نتيجة العينتين الأولى والثانية (قرب مصبي المصرفين) أظهرت وجود “عدد لا نهائي من البكتيريا” والعينتين الثالثة والرابعة (في وسط البحيرة) 200 بكتيريا / ملليجرام “وهو في حد ذاته عدد كبير جدا”.

وأضاف المرسي أن نتائج تحاليل الحموضة والأملاح الذائبة الكلية والكلوريد في كل ملليلتر تبين أن العينات “عبارة عن مياه لمخلفات منزلية وصناعية”.

وفي إشارة إلى قلوية المياه (الأملاح الذائبة في الماء، وزيادتها تشير إلى وجود عناصر غير ذائبة) ذكر المرسي أن الحد المسموح به هو 20 في كل مللي/لتر ماء، لكن نتائج العينات كانت 275 مللي/لتر و390 مللي/لتر و290 مللي/لتر و280 مللي/لتر على الترتيب، “وتجاوزت معدلات الكلوريد جميع التوقعات” ففي حين أن المعدل المسموح به لا يزيد عن 50 مللي/ لتر فقد سجلت العينات 1683 مللي/ لتر و2409 مللي/لتر و740 مللي/لتر و957 مللي/ لتر على التوالي.

وأوضح الدكتور خالد إبراهيم أبو الفتوح، أستاذ الرقابة الصحية على اللحوم والأسماك بكلية الطب البيطري جامعة المنصورة، أن مياه الصرف الصحي تحتوي على معادن ثقيلة كالرصاص والكاديوم، فضلا عن المبيدات الحشرية في مياه الصرف الزراعي.

وتابع قائلا “الأسماك مخزن للمعادن الثقيلة… ولا تتأثر تلك المعادن بدرجات الحرارة عند القلي أو الشي، بل إن الحرارة قد تتسبب في ظهور عناصر جديدة تؤدي إلى السرطان والتسمم الكيماوي… والفشل الكلوي.”

يشير جمال حمود، وهو صياد يبلغ من العمر 57 عاما إلى مرضه قائلا “لم أجلس في بيتي طوال حياتي التي قضيتها في البحيرة  منذ أن كنت صغيرا حتى اكتشفت إصابتي بالفشل الكلوي. ومن يومها وأنا أذهب للغسيل الكلوي ثلاث مرات في الأسبوع، وانقطع رزقي، فلم يكن لي دخل إلا من الصيد الذي أصبحت لا أقدر عليه، وأعيش أنا وأولادي الخمسة على تبرعات أهل الخير وما يرسله لي ابني الذي يعمل (صيادا) في السويس.”

الأمراض تنتشر في المنطقة

كشف لنا مسؤول بمديرية الصحة بالدقهلية، رفض نشر اسمه، أن الدقهلية تضم أربعة آلاف مريض بالفشل الكلوي يجري علاجهم بمستشفيات وزارة الصحة هذا العام. وأكد المسؤول على تركز الإصابة بالفشل الكلوي في مراكز المطرية والمنزلة والجمالية المطلة على بحيرة المنزلة. وتتسم هذه المراكز بأقل كثافة سكانية في المحافظة إذ تمثل 12 في المائة من مجموع سكان المحافظة، إلا أنها تضم ألف مريض بنسبة 25 في المائة من إجمالي مرضى الفشل الكلوي الذين يعالجون في مستشفيات وزارة الصحة بالمحافظة.

وتابع المسؤول قائلا إن المرض زاد بمعدلات كبيرة في السنوات الأخيرة وصلت إلى نحو 15% بالدقهلية ففي عام 2012 سجل 3400 مريض مقابل 3000 مريض عام 2011 وبالتالي توسعنا في وحدات الغسيل الكلوي بشكل كبير. وترجع زيادة معدلات المرض بين السكان إلى تلوث المياه والأسماك بمياه الصرف الصحي والصناعي، وإلى أن معظم السكان في تلك المراكز لهم علاقات مباشرة بالبحيرة سواء بالصيد أو العمل بداخلها.

وقال الدكتور محمد محسن اللبان، وهو طبيب أمراض الباطنة بالمنزلة، إن أهم المخاطر الصحية التي تواجه المواطنين في مراكز بحيرة المنزلة هو مرض البلهارسيا الذى ينتقل للإنسان عن طريق المياه الملوثة بالصرف الصحي.

وتابع اللبان قائلا إن مواطني المنزلة تتهددهم أيضا “دودة الهتروفس هتروفس” التى تصيب نحو 30% من السكان وتصل للمريض عن طريق أكل الأسماك غير المطهوة جيدا حيث تعيش في خياشيم الأسماك، موضحا أن هذه الدودة تنمو في المياه الملوثة بالصرف الصحي، وتؤدي إلى التهابات في جدار الأمعاء لإحداث بؤر في الأمعاء كي تتغذى على الدم والنسيج اللمفاوي ما يؤدي إلى حدوث إسهال وارتفاع كريات الدم البيضاء والتهاب في عضلات القلب نتيجة وصول  بيض الدودة لمجرى الدم. لذلك ننصح المواطنين بطهي الأسماك جيدا وعدم أكل رأسها.” وتتحمل الدولة توفير الأدوية مجانا خاصة للأمراض المنتشرة في تلك المنطقة كدودوة الهتروفس هتروفس أو البلهارسيا، ولكن الإصابة بتلك الأمراض تُكتشف بعد أن يكون المرض قد أثر على الكبد ما يصيب المريض بتليف الكبد الذي يؤدي إلى الوفاة بحسب من الدكتور اللبان.

وأشار اللبان إلى ارتفاع نسبة التسمم بالعناصر الثقيلة ما يؤدي إلى حدوث فشل حاد في وظائف الكلى والقلب والرئة، إضافة إلى أمراض الدوسنتاريا والديدان الشريطية، كما أن بحيرة المنزلة من أكثر المناطق التي يظهر فيها زيادة في أعداد مرضى القدم السكري، وهو مرض يحدث نتيجة عدوى جرثومية تسبب تغييرا في أنسجة القدم المصابة وحدوث إصابات متكررة بالقدم نتيجة المشى حافيا وهذا ما يحدث عادة مع الصيادين خلال أداء عملهم. ويحمل المرضى بهذا المرض أوراقا طبية تفيد هذا التشخيص ويتم العلاج على نفقة وزارة الصحة.

وأكد الدكتور مجدي حجازي، وكيل وزارة الصحة بالدقهلية حديث الدكتور اللبان قائلا “نقوم بتطوير قسم مرضى القدم السكري في مستشفى المنزلة المركزي نتيجة زيادة أعداد المترددين.وكذلك نحتاج إلى التوسع في (مركز) الغسيل الكلوي الذي يضم 18 ماكينة غسيل لكن نحتاج مضاعفتها لأنها لا تستوعب أعداد المرضى.”

وذكر مصدر مطّلع بوزارة الصحة أن إحصاءات الوزارة تظهر أن نسبة الإصابة بدودة الهتروفس هتروفس تبلغ 30% في المراكز التي تطل على البحيرة وهي الجمالية والمنزلة والمطرية. وقال المصدر أن أعداد المرضى تتزايد بنسبة تقترب من 2 في المائة سنويا منذ بدء تفشي المرض قبل 12 عاما. وقد حاولنا الحصول على إحصاءات من مديرية الصحة عن مدى انتشار هذه الأمراض لكن الوزارة لا تعد إحصاءات في هذا المجال.

مراكز التلوث الصناعي

في المصانع الملوثة للبحيرة، ذكرت هبة الغندور، مسؤول العلاقات الإنسانية بشركة المنصورة للراتنجات، أن الشركة تعاقدت مؤخرا مع مكتب استشارات هندسية لمعالجة مياه الصرف الصناعي وقامت لجنة من جهاز شؤون البيئة بأخذ عينات من مياه الصرف للمصنع لمدة أسبوع كامل ولم تظهر النتائج بعد.

وأكد مسؤول من جهاز شؤون البيئة وجود لجنة حصلت بالفعل على عينات وتقوم حاليا بتحليلها بسبب رصد مخالفات للشركة. وتبين أن اللجنة كانت مكلفة من وزيرة البيئة ليلى إسكندر بعمل التحاليل وعمل تقرير سري جدا عن الشركة وبالفعل انتهت اللجنة من إعداد التقرير وإرساله إلى الوزيرة ولم يتم الكشف عن نتائجه.

لكن عاملا سابقا بالشركة أكد إلقاء المياه غير المعالجة في الشركة إلى المصرف ومنه إلى البحيرة. وقال عبد اللطيف سالم، وهو الرئيس الفني للوحدة وأحد المفصولين من الشركة: “أنا وزملائي رفضنا الصرف المباشر للشركة على المجرى المائي فكان جزائي الفصل التعسفي بعد أن رفضنا قيام الشركة بهدم محطة المعالجة حتى لا تتحمل تكاليف المعالجة اليومية.”

وأقر مسؤول بشركة الدقهلية للغزل والنسيج بالتلوث الناجم عن الشركة قائلا “الصرف الموجود بالشركة لا يمكننا معالجته في الوقت الراهن نظرا للخسائر التي يتعرض لها قطاع الغزل والنسيج في مصر.”

أما شركة المنصورة للزيوت والصابون فقد رفضت الإجابة عن أي أسئلة بحجة عدم وجود رئيس مجلس الإدارة. ورفض المسؤولون في مصنع أجا كذلك الرد على الاتهامات بإلقاء مياه الصرف الصناعي في المجرى المائي.

أعمال التطهير أساس للفساد

خلال رحلة أخرى في البحيرة شاهدنا أكواما كبيرة من الطين والنباتات ذكر دليلنا في الرحلة يسري أبو النجا أنها “نواتج عمليات تطهير البحيرة” تتركه الحفارات فيتم استغلالها في ردم أجزاء من البحيرة والاستيلاء عليها حيث تتحول تلك المساحة إلى يابسة وسط المياه. ولم يتسن الحصول على مستندات تثبت هذا الاتهام، فتحوّلنا إلى إثباته عن طريق مصادر متعددة تعمل في جهات مختلفة.

فقد أكد نقيب الصيادين نسيم بدر الدين أن البحيرة يخصص لها سنويا 100 مليون جنيه لإجراء أعمال التطهير. ويتولى هذه الأعمال هيئة الثروة السمكية. وأضاف “من المفترض أن يتم تطهير الممرات وإزالة التعديات ولكن كل ما يحدث هو ترك أكوام من نتاج عمليات التطهير (بما يسمح) لأصحاب النفوذ كي يردموا بها مساحات أخرى من البحيرة والاستيلاء عليها.”

وأضاف المسؤول أن فرع الهيئة بالدقهلية يمتلك 14 حفارا لا يعمل منها سوى ثلاثة فقط ويتم تعطيل الباقي إما بحجة الصيانة أو عدم كفاية الوقود. والمسؤول عن تشغيل الكراكات هو رئيس الهيئة العامة للثروة السمكية خالد الحسني الذي برر عدم تشغيل كل الكراكات – حين تمت مواجهته – بضعف الإمكانيات والمخصصات سواء للصيانة أو للتشغيل.

وأكد مصدر أمني بشرطة البيئة والمسطحات المائية هذه الاتهامات أيضا، قائلا “الصيادون يفهمون أن القانون حدد عملنا في البحيرة من الشروق للغروب وليس لنا نزول البحيرة ليلا حفاظا على حياتنا فاستغلوا ذلك القانون في عمل التعديات في فترة الليل باستخدام الحفارات وماكينات المياه التي تجفف مساحات من المياه.” وأضاف المصدر أنه علاوة على ذلك فإن قوة الشرطة الموجودة لا تكفي لمواجهة العصابات المسلحة داخل البحيرة وخاصة “في منطقة داخل البحيرة تسمي الجحر وتضم عددا كبيرا من العائلات المسلحة”.

وينظم أعمال شرطة البيئة والمسطحات المائية قانون صيد الأسماك والأحياء المائية وتنظيم المزارع السمكية رقم 124 لسنة 1983. ويصعب بشدة نزول الأغراب إلى البحيرة نهارا إلا في وجود الحماية الكافية نظرا لأن أصحاب التعديات غالبا ما يكونوا مسلحين وبعضهم يمتلك أسلحة آلية وثقيلة، أما النزول إليها ليلا فأمر مستحيل. ولكن بتتبع الوضع في البحيرة لاحظنا وجود إنشاءات لا تتم إلا ليلا وتظهر فجأة في الصباح، وقد تم توثيق ذلك بالفيديو.

المسؤول

أخذنا نتائج التحاليل وتوجهنا بها إلى المسؤول الأول عن البحيرات في مصر – رئيس الهيئة العامة للثروة السمكية خالد الحسني. لكن حين واجهناه بها قال “إننا نتابع مياه البحيرة باستمرار ولدينا نتائجنا وأنتم أخذتم العينات من مناطق المصارف.”

أثبتنا له وجود تصوير بالفيديو لعملية أخذ العينات عند مصبات المصارف وعلى بعد 3 كيلومترات من الشاطئ، وأبرزنا التحاليل التي أجريت في معامل كلية العلوم وهي جهة بحثية محايدة وأطلعناه على نتائج خلاصة تقرير جهاز شئون البيئة الذي يعزز نتائج تحليل العينات. لكه رده كان: “عندنا نتائجنا ومعاملنا التي نثق فيها ولم تظهر لنا مثل تلك النتائج مطلقا. ونحن لا نمنح تراخيص لإقامة أي إنشاءات على البحيرة أو داخلها.”

ومع ذلك فقد أقر بأن “المخصصات الحالية لا تكفي لحجم الأعمال التي تتطلبها البحيرة”. وفي اعتراف ضمني بوضع البحيرة قال الحسني إن الهيئة لديها كراكات حاليا في مناطق البواغيز لتطهيرها “حتى تدخل مياه البحر المتوسط المالحة إلى البحيرة وتغيير خواص المياه… وبمجرد أن توفر الحكومة المخصصات سنبدأ في العمل مباشرة.” وأضاف الحسني أن الهيئة طلبت المخصصات من الحكومة بالفعل ولكنها وفرت المعدات ولم توفر المخصصات التي تقدر بنحو 20 مليون جنيه.

وفي اعتراف آخر يؤكد ما آلت إليه البحيرة، قال المهندس فريد أبو المعاطي  ، مدير إدارة الثروة السمكية بالدقهلية، إنه عندما يتم تطهير البوص وورد النيل من البحيرة يتم تجميعها في أكوام “داخل البحيرة… لأن تكاليف إخراج نواتج التطهير من البحيرة مكلفة للغاية ثم أنه لا يوجد مكان يتم وضعها فيه بعيدا عن البحيرة.” وطالب أبو المعاطي بتوفير معدات متطورة كالتي تطهر قناة السويس “حتى نتخلص من مخلفات التطهير بشكل صحيح”.

ومن جانبه، قال رئيس قطاع البيئة ياسر علي محمود: “إننا نطبق القانون على المنشآت المخالفة سواء كانت مصانع أو محطات صرف صحي ونحرر لها مخالفات، والتي مع تكرارها تصل إلي غلق المنشأة و سحب الترخيص الخاص به، ولكن دورنا يقف عند تحرير المخالفة أما المنوط به تنفيذ قراراتنا فهي المحليات التي تقع المنشأة في دائرتها، وغالبا قراراتنا لا يمكن تطبيقها على الجهات المخالفة خاصة إذا كانت حكومية لأن وقف محطة صرف صحي مخالفة مثلا معناه إذا كانت تعالج بنسبة 50% فإن وقفها يعني ضررا أكبرا.”

نقلنا اتهام البيئة لمحافظة الدقهلية التي عادت وألقت بالاتهام على هيئة الثروة السمكية. ففي مقابلة مع السكرتير العام للمحافظة اللواء أحمد الخميسي، قال إنه بمجرد تحرير مخالفة بيئية تقوم المحافظة بإخطار هيئة الثروة السمكية ومديرية الأمن إذا كنت المخالفة داخل البحيرة أما إذا كانت خارج البحيرة فتخطر المحليات التابعة لها والشرطة. وتابع الخميسي قائلا “في كلتا الحالتين نقوم بحملات لإزالة المخالفات ونقوم بوقف الجهات المخالفة أيا كانت الجهة التي تتبعها حتى ولو كانت حكومية.” لكن حين سئل عن محطات صرف صحي حكومية مخالفة، قال “نحاول تطويرها حتى لا تلقي بتلك المخلفات بدون معالجة.”

حلول محتملة

أوضح نقيب الصيادين نسيم بدر الدين أن حل مشاكل البحيرة يكمن في تحويل المصارف التي تلقي بمخلفاتها في البحيرة إلى صحراء بلبيس المجاورة وعمل غابة شجرية بها تستفيد منها الدولة مؤكدا وجود دراسات كثيرة في هذا الصدد بدأت في سنة 2001 وصدر أحدثها عن جهاز شؤون البيئة عام 2012. وأضاف بدر الدين أن البحيرة بحاجة إلى هيئة مستقلة لإدارة شؤونها.

وعن جدوى هذا الحل، قال الدكتور عصام الجمل، وهو مسؤول بجهاز شؤون البيئة لمنطقة شرق الدلتا، أنه تم إعداد دراسات عن إنشاء غابة شجرية بعد تحويل مياه الصرف إلى صحراء بلبيس بمحافظة الشرقية وسيكون لها أثر اقتصادي وبيئي إيجابي كبير، ولكن الأمر يحتاج إلي تمويل وميزانية خاصة وقرار سياسي “ننتظره منذ عدة سنوات”.

وفي حديثنا مع “شيخ الصيادين” عبده الرفاعي فيمحافظة الدقهلية ذكر أن البحيرة بحاجة إلى “شفاطات عملاقة  لتطهير البواغيز والتخلص الآمن من ناتج أعمال التطهير خارج البحيرة”، مطالبا شرطة المسطحات المائية بمنع المعتدين من استخدام نواتج التطهير صباحا في ردم مساحات من البحيرة ليلا.

أكد المهندس محمد الشناوي، رئيس الاتحاد النوعي للبيئة بالدقهلية للجمعيات الأهلية،على ضرورة تغليظ العقوبات في قانون البيئة 9 لسنة 2009 من أجل وقف الجرائم على المجاري المائية. وطالب الشناوي أيضا بأن ينص القانون على عقوبات عن المخالفات الحكومية، قائلا “حماية البيئة من التصرفات الحكومية غير موجودة في القانون، فمخالفات محطات الصرف الصحي التي تصب مخلفاتها مباشرة في بحيرة المنزلة دون معالجة لا يمكن عقابها وكل ما يتم هو محضر إداري فقط دون عقوبة حقيقية.”

وقال الشناوي إن المجاري المائية لا تقل أهمية عن مياه البحر ويلزم إعادة النظر في تشديد الغرامات برفع الحد الأدنى للغرامة كما تم في المادة 90 من القانون 4 لسنة 1994 في شأن البيئة، حيث نصت على معاقبة مرتكبي جرائم تلويث البحار وحماية البحر الإقليمي بغرامة لا تقل عن 300 ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه مع إلزام المتسبب بإزالة آثار المخالفة في الموعد الذي تحدده الجهة الإدارية المختصة، فإذا لم يقم بذلك قامت الجهة المختصة بالإزالة على نفقته.

وأشار إلي أن الغرامات الواردة في قانون البيئة غير رادعة لمرتكبي جرائم تلويث المجاري المائية، بل إنهم ينظرون إليها بحسبانها عقوبة تافهة ولا يلقون إليها بالاً، حيث نزل المشرع بالحد الأدنى للغرامة إلى 200 جنيه ولا يفرض عقوبة الحبس إلا في حالة التكرار. ومما يذكر أن القضاة دائما ما يلجأون إلى الحكم بالحد الأدنى من الغرامة في مثل هذا النوع من الجرائم مهما تفاقمت آثارها، كما أن الحد الأقصى للغرامة الذي ينص عليه القانون – وهو متغير حسب المخالفة إذ يتراوح بين ألف و20 ألف جنيه – لا يتناسب مع المتغيرات الحالية لقيمة النقود. ولا يتوفر إحصاء بالمخالفات وإن كان مسؤولون يقولون إنها بالآلاف سنويا.

وتتداخل القوانين المنظمة للحفاظ علي البيئة والثروة السمكية بما لا يسمح لكل جهة أن تؤدي مهامها علي أكمل وجه، فيطالب خبراء مثلا بإدماج أحكام القانون 93 لسنة 1962 في شأن صرف المخلفات السائلة ، والقانون 27 لسنة 1978 في شأن تنظيم الموارد العامة للمياه.

ودافع جمال رمضان مأمون المحامي عن هذا الرأي قائلا إن النظام معمول به في الدول المتقدمة في مجالات صيانة  البيئة هو “الملوث يدفع”، ويعني ذلك أن من يلوثون البيئة عمداً أو إهمالاً يتحملون مسؤولية إزالة هذا التلوث وآثاره على نفقتهم الخاصة.

وإلى أن يتم ذلك ستظل بحيرة المنزلة تتناقص مساحتها إلى أين يأتي يوم – قد يكون قريبا – وتختفي تماما من على الخريطة.

(تم اعداد هذا التقرير الاخباري بدعم من شبكة أريج اعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية www.arij.net ضمن برنامج تدعيم الاعلام لتغطية قضايا الإدارة العامة في المحافظات)


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.