رغم عدم تنفيذ الاستملاك منذ نصف قرن, مازال مجلس الوزراء يرفض إلغاءه

3 أغسطس 2008

تحقيق: سمر طراف

كان بدر الدين في التاسعة والعشرين من عمره في العام 1960 عندما صدر قرار استملاك أحياء أثرية عدة تقع جنوب الجامع الأموي غيّر مجرى حياته.

وما زال رئيس لجنة أحياء دمشق القديمة مصرّ على مقاومة هذه البيروقراطية وإبطال قرار استملاك أحياء الحمراوي، النقّاشات، المصبغة الخضراء، والأزقة التابعة لها لإقامة سوق حديث وسط استمرار مسلسل تداعي البيوت وتشققها وانهيار جدرانها وأسقفها.

محافظة دمشق تشدد على أنها لن تتراجع عن القرار رقم 281 القاضي باستملاك الحي ومحيطه لتجنب مضاعفات اجتماعية واقتصادية بالرغم من صدور سبعة اقتراحات بقوانين عن مجلس الشعب توصي بإلغاء الاستملاك، من بينها اقتراح عام 1982 أشارت مقدمته إلى “أن الاقتراح تم بناء على توجيهات السيد رئيس الجمهورية لأمين فرع دمشق للحزب” ، وقرارات وتوصيات أخرى حكومية وأهلية (بالمئات) ، وآخر أممي اعتبر مدينة دمشق الواقعة داخل السور القديم منطقة أثرية يمنع فيها الهدم والبناء والترميم وشق الطرق.

أغلب أهالي الحي، كحال بسام الموظف في شركة المغازل, لا مصادر دخل لحياتهم سوى وظيفة متواضعة ومصابون بقلق مزمن حيال المستقبل الغامض الذي ينتظرهم. فبسام لا يملك في هذه الحياة إلا دراجة هوائية تقله إلى عمله، وتعيده إلى منزله، ليبدأ بعد وصوله مسلسل أرقه اليومي، فهو يخشى النوم خوفاً على أطفاله الثلاثة، لأنه يعتقد أنه ببقائه متيقظاً قد يستطيع فعل شيء إذا ما تداعت جدران منزله.

فجدران أغلب مباني حي الحمراوي تحول دون انهيارها أعمدة خشبية وضعتها محافظة دمشق في جميع منازل الحي بما فيها منزل لطفية الأسطواني، التي انتشلت جثتها من تحت الأنقاض بعد انهيار منزلها الذي منعت من ترميمه لأن قانون الاستملاك يمنع الترميم.

ومنذ تلك الحادثة و أهالي الأحياء المستملكة الساكنين في 74 داراً تضم في معظمها أكثر من عائلتين وقد تصل إلى خمس عائلات ((بعضها تحول إلى ركام نتيجة منع الترميم))، و56 محلاً تجارياً، تنتابهم أحاسيس عدة، تبدأ بعدم الأمان، مروراً بالظلم لأن قرار الاستملاك صدر بهدف إنشاء سوق إسمنتي حديث، وهذا الهدف ,بغض النظر عن صحته, لم ينفذ منذ نصف قرن، وانتهاء بالخسارة المادية فهم عاجزون عن استثمار منازلهم فيما يستفيد أهالي الأحياء الأخرى في دمشق القديمة من تشغيلها وتأجيرها.

بين عالمين

خسارة الأهالي المادية جراء عدم تمكنهم من تشغيل أملاكهم أيضا كبيرة إذا ما قورن وضعهم بأحوال جزء من سكان حي القيمرية المجاور، بين جادتي الشاويش والقيمرية، الذي تحول إلى مقصد سياحي ترفيهي بين ليلة وضحاها. هناك يتوزع 51 محلاً تجارياً، و6 مطاعم، وآخر قيد الإنشاء. ويؤمن المحل التجاري فرصتي عمل بشكل مباشر، وتتراوح الفرص التي توفرها المطاعم حسب حجمها بين 25 و60 فرصة عمل.

عصام صاحب احد المقاهي في القيمرية قال “قبل عشر سنوات لم يكن هذا الشارع في حي القيمرية يحوي أكثر من محلين تجاريين”، لتبدأ بعدها نظرة جديدة للاستثمار في دمشق القديمة، “لأنها أصبحت مقصداً ترفيهياً لأبناء البلد قبل السياح”.

وتتراوح دخول أصحاب المحال والمطاعم بين أربعين ألف ليرة سورية ( ثمانمائة دولار أمريكي ) شهريا كحد أدنى، ونصف مليون ليرة (عشرة آلاف دولار) كحد أعلى، بحسب تقديرات عدد منهم، مع الإشارة إلى أن هذه المداخيل قد تتضاعف لعدة مرات في استثمارات أخرى من دمشق القديمة، بحسب حجم الاستثمار وموقعه.

لولا الاستملاك

وحسب عادل ,الذي يملك عدة مطاعم في المنطقة, يصل متوسط سعر المتر في دمشق القديمة المشابه لما يوصف بأنه (على الهيكل) ولا يقع على شارع رئيسي إلى مئة ألف ليرة سورية، أي أن السعر التقريبي في الحد الأدنى لمساحة حي الحمراوي البالغة 5736 متراً مربعا يصل إلى 573 مليون و600 ألف ليرة سورية، (ما يعادل 11مليون و472 دولار أمريكي) وهو الأمر الذي يجعل سكان المناطق المستملكة يضربون أخماساً بأسداس. فثمن منازلهم لو وضع في البنوك لعاد عليهم بفائدة سنوية 45 مليون و888 ألف ليرة، إذا كانت الفائدة 8%. ولو اتجهوا إلى المشروعات السياحية لعاد عليهم المشروع بثمن منازلهم خلال ست سنوات, كما يقول عادل من خلال تجربته كمستثمر لثلاثة مطاعم في القيمرية.

وبالعودة إلى قرار الاستملاك، قدرت البيوت في المناطق المستملكة بأسعار تقل كثيرا عن الأسعار الرائجة في حينه ,حسب الأهالي. حيث قدر سعر منزل ومحلين تجاريين في عام 1975 يملكهما عبد الله بـ 13 ألف ل. س، في حين كان السعر الرائج 400 ألف للمنزل ومليون ليرة للمحل التجاري، وتم دفع مبالغ التعويض لمستحقيها عن طريق البنك ولم يتم استلامها إلا من قبل أبناء الحي القاطنين خارجه, ونسبتهم أقل من 10% “لأن الباقي لم يقبل بالبدل البسيط جداً تجاه ملكيته” كما يقول الأهالي.

وهم يؤكدون أن المحافظة لا تنظر إلى تعلق السكان بمنازلهم والقيمة المعنوية والتاريخية التي يستشعرونها بسبب انتماء منازلهم إلى منطقة أثرية وهذا ما يعني أن التعويضات المادية لن تكون عادلة حتى لو تضمنت السعر المادي الحقيقي فكيف والتعويض هو أقل من ذلك بكثير!.

خسائر للدولة والمواطن

صدر عشرات القرارات لاستملاك 4500 عقار في دمشق وريفها تتمركز في 30 منطقة وحي من بينها الحمراوي، قاسيون، باب توما، المعضمية، الغزلانية….، والملاحظ أن جزءاً بسيطاً منها نفذ والباقي لم ينفذ لأسباب أولها البيروقراطية، وقد أوصت اللجنة الأخيرة التي تم تشكيلها في مجلس الشعب بإلغاء أغلب هذه الاستملاكات وبإنصاف المتضررين من القرارات التي لابد من تنفيذها وتعويضهم بالأسعار الرائجة

وفيما يتعلق بالحي موضوع تحقيقنا أشارت وزارة الاقتصاد إلى أن المواطنين تحملوا الخسارة الكبيرة نتيجة قرار لم يوضع موضع التنفيذ رغم تجميده لأعمالهم، وذلك في كتاب وجهته إلى رئيس مجلس الوزراء عام 1994.

وأوضح الدكتور محمد العمادي وزير الاقتصاد السابق أن “هذا الاستملاك عطل أعمال مالكي وشاغلي هذه العقارات ومنعهم من القيام بإصلاحها أو ترميمها رغم الأهمية التاريخية لتلك المنطقة”.

وطالب بـ”إزالة الغبن والظلم الذي لحق بهؤلاء المواطنين الذين لم يكن لهم أي علاقة بموضوع التنظيم وتحملوا الخسارة الكبيرة نتيجة قرار لم يوضع موضع التنفيذ رغم تجميده لأعمالهم”.

النائب حنين نمر رئيس لجنة الاستملاك في مجلس الشعب يجد أن “إحدى معضلات الاستملاك أنه يؤدي إلى تجميد المشاريع والتوقف عن النمو، علماً أن الدولة خسرت لعدم التنفيذ، وكذلك المواطن كانت خسارته مضاعفة أيضاً”.

حقيبة بدر الدين

يحمل بدر الدين حقيبته الصغيرة التي تحوي في طياتها كل ورقة رسمية صدرت حول الموضوع منذ العام 1960 وتوثق معاناة أهل الحي مع البيروقراطية، جمع بدر الدين خلال 47 سنة أكثر من ألفي وثيقة بينها وثيقة تعتبر بموجبها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة و العلوم “اليونسكو” في قرار صدر العام 1975دمشق القديمة ضمن الآثار العالمية والإنسانية التي يجب حمايتها وعدم المس بها بأي شكل من الأشكال، وأخرى تمنع بموجبها وزارة الثقافة السورية الاستملاك في مدينة دمشق الواقعة ضمن الأسوار، بالقرار رقم 192 تاريخ 1976، إضافة إلى مطالبات لجهات عدة أخرى، بإلغاء قرار الاستملاك. كما أن نقابة المحامين رأت أنه “لمضي أكثر من أربعين سنة على صدور القرار دون اقترانه بالتنفيذ، وللأضرار الفادحة الناجمة عنه، يجب رفع الاستملاك وطي المطالبة الجارية لبعض المواطنين بدفع بعض المبالغ”.

بالمنطق الاقتصادي

“بعين الأخصائي العمراني التاريخي” رأت نقابة المهندسين كما تشير في كتابها رقم 296/ص لعام 2006 أن “القرار سيقضي على الشاهد التاريخي الأثري للمنطقة، ويشوه الذاكرة الحضارية الحرفية للبناءات الموجودة في هذه الأماكن”.

أما الباحث الاقتصادي هشام خياط فيتحدث من المنطق الاقتصادي قائلاً “عندما يتم تجميد استثمارات لفترة معينة فإن هذا معناه أن هذه الاستثمارات تتعطل، وهنا توجد ملكيات تم حرمانها منذ خمسين عاماً من الفرص الاستثمارية والتجديد، وهذا معناه خسائر كبيرة، إضافة إلى أن لدمشق القديمة دور أساسي باستقطاب السياح، ولذلك من الصعب تقدير الأموال الضائعة نتيجة استمرار قرار الاستملاك”.

وتؤيد مطالبة من قبل وزارة السياحة لعام 1994 هذا الحديث نظرا لـ”الأهمية السياحية للمنطقة”, مؤكدة في كتاب لها على “ضرورة إلغاء الاستملاك ليتمكن أصحاب العقارات من ترميمها وصيانتها وإظهارها بالمظهر السياحي اللائق بسمعة دمشق القديمة لأن المنطقة يقصدها السياح والزوار الأجانب من جميع أنحاء العالم.

عودة إلى الوراء

عندما صدر قرار نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة المشير عبد الحكيم عامر عام 1960 باستملاك منطقة الحمراوي والصاغة القديمة والقباقبية والمصبغة الخضراء والنقاشات لهدمها وإنشاء محلات تجارية حديثة بدلاً من سوق الصاغة الذي تعرض لحريق كبير، قامت المحافظة بتأمين محلات بدلاً من السوق المحترق في منطقتي الحريقة والتكية السليمانية في حينه. وتم استيعاب كافة الأشخاص المتضررين، ( جميعهم من خارج حي الحمراوي كما يؤكد بدر الدين والأهالي) ولم يعد هناك غاية لهذا الاستملاك بعد القيام باستيعاب هؤلاء الحرفيين، لذلك تركزت العديد من المبادرات لإلغاء الاستملاك على انتفاء الغاية التي توجب الاستملاك، فاقترحت وزارة الثقافة في عام 2004 مشروع مرسوم وقرار رقم 3977/ 3449 ص/ 16، لرفع الاستملاك لانتفاء الأسباب الأساسية الموجبة، وأشار الاقتراح إلى تأكيد كافة الجهات الرسمية والحكومية والأهلية والنقابية في سورية على ضرورة إلغاء القرار رقم 281 لعام 1960 وإلغاء كافة الآثار الناجمة عنه بحيث تعاد العقارات لأصحابها.

لا عودة عن القرار

يشير مدير التنظيم والتخطيط العمراني في محافظة دمشق عبد الفتاح إياسو إلى أن آخر إجراء يتعلق بالحمراوي هو قرار مجلس الوزراء بتاريخ 12/ 4/ 2006، المتضمن عدم الموافقة على إلغاء الاستملاك، لتجنب مضاعفات اجتماعية واقتصادية، بسبب وجود سبعة شاغلين فقط للعقارات من الشاغلين القدامى (لم يشرحها إياسو بدقة إلا فيما يتعلق بكون الشاغلين أصلاء أم وارثين).

وفي محاولة أخرى مع المحافظة حاولنا الوصول إلى أسماء الشاغلين الأساسيين الذين تمت الموافقة على حق بقائهم في الحي ((شريطة التزامهم بالصفة العمرانية ـ سكني ـ )) لكن لم نتمكن من ذلك لأن هذا ,حسب العديد من موظفي دائرة الاستملاك, ليس من اختصاص المحافظة.

إياسو اعتبر أن نحو 50% من الموجودين حالياً هم واضعي يد، لذلك فإن اللجنة المشكلة منذ أشهر مكلفة بإعطاء سكن بديل لواضعي اليد وترميم بيوت المالكين الأصليين.

وينفي أهالي الحمراوي ما ذكره مدير التنظيم في المحافظة ويؤكدون أن غالبية السكان موجودون في الحي أباً عن جد، وعددهم ليس سبعة فقط وهم ملاك لهذه البيوت، منهم :آل العوف وتيناوي والزرعي والقصيباتي والفواخيري والأشقر والسرميني والبيروتي والنجار وطيفور ومنصور والعلبي وحمودة والسادات والخجا وكنجو والصعب وشخاشيرو والنحلاوي وعجنجي وتوفيق الجبان، وطالب الجبان (عائلتان منفصلتان).

وبزيارة أخرى للحي أكد الأهالي مرة أخرى على أن كل هذه العائلات من الملاك الأصليين أو الورثة، وقلة منهم من المستأجرين.

إضافة إلى ذلك يستغرب الأهالي الجدل حول كون المالك أصلي أم وارثاً أم مستأجراً، فكثيراً ما تعوض الدولة شاغلي عقارات وواضعي يد، فكيف بمن يرث عن أبيه؟

ويعتبر خالد ,وهو أيضاً من سكان الحي أباً عن جد, أن المحافظة باستملاكها للبيت من المالك الأصلي ومن ثم إخراجها للمستأجر الذي شغل المنزل هي عملياً أخذت حق المالك الأصلي باستملاكها منزله بثمن قدره لا يزيد عن ثمن باب منزل من المنازل الحديثة, فكيف في منازل لها قيمة تاريخية؟!..

وفي سياق هذا الجدل يشير السيد علي العلي مدير التخطيط في مديرية سياحة دمشق إلى تجربة وزارة السياحة مع أرض كيوان الواقعة خلف شيراتون دمشق، حيث قامت الوزارة بتعويض شاغلي الأرض بمنازل رغم كون ملكية الأرض تعود أساساً إلى الدولة.

بدلات الاستملاك

ويشير السيد حنين نمر عضو مجلس الشعب إلى أن الحكومة رفضت إلغاء مرسوم الاستملاك على أساس أنها إن فعلت ذلك فإن عليها إلغاء 45 قرار استملاك مشابه، مضيفا أنه “لا يجوز أن نضع مصالح الدولة في تعارض مع مصالح الأفراد وخاصة الفقراء منهم”.

عندما يُسأل أحد أبناء هؤلاء الفقراء: هل أنت ذاهب إلى المنزل؟ يجيب دائماً “أنوي الذهاب إلى المنزل لكنني قد أصل إلى ركام!!. “.

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) www.arij.net



تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *