رصد عمليات بيع وشراء الاصوات الانتخابية بالجملة

7 نوفمبر 2010

العرب اليوم- إبراهيم قبيلات وعماد الرواشدة

كانت مجرد صدفة تلك التي جمعت كاتبي التحقيق بذاك الشاب، الثلاثيني أكرم تلقى عرضا ماليا تجاوزت قيمته الأربعين ألف دينار؛ للعمل على شراء أصوات في انتخابات البرلمان التي ستجرى بعد غد الثلاثاء. من هنا بدآ رحلة تقصي ما بات يعرف في الأردن “بالمال الانتخابي”.

هذا التحقيق يذهب خلف كواليس سوق بيع أصوات الناخبين ليكشف بعض مظاهرها، مدفوعا بما يترتب على تفشي تلك الظاهرة من مخاطر إفراز برلمان باهت يسعى أعضاؤه لتعظيم مكاسبهم الخاصة على حساب المصلحة العامة في ظل عجز العقوبات المغلظة في قانون الانتخاب عن لجم مشتري الاصوات و بائعيها.

سمسار أحد أبرز مرشحي الثالثة…

كان التوتر باديا على ملامح أكرم و حركاته حين التقى بكاتبي التحقيق. وبحسب روايته لتفاصيل الأربعين ألف السالفة الذكر، أن شخصاً يعمل لصالح أحد مرشحي الدائرة الثالثة، وعده بالمبلغ شريطة جلب أصوات  لصالح المرشح. كان عرضاً تجاوز كل توقعاته؛ ما دفعه لتحري الأمر. لم يحتج وقتا طويلا ليتناهى الى مسامعه أن “انكشاف الصفقة سيقذفه خلف القضبان”.  حينها لم يتردد في رفض العرض.

للتأكد من هذه الرواية؛ صورنا إتصال أكرم بمن قال إنه قدم له العرض، يفاوضه على جلب عشرات الأصوات مقابل مبلغ قارب المائة دينار لكل ناخب. إبان الحديث مع الشاب، بدا أن هذا النوع من الصفقات يتم  عبر سلسلة من الوسطاء تنتهي خيوطها في يد سمسار واحد، غالبا ما يكون أحد أعضاء لجنة مؤازرة المرشح ومن دائرته الضيقة. ولأن غاية التحقيق الرئيسة هي الوصول إلى أبعد حلقة في تلك السلسلة،  و التقاء المرشح ذاته أو سمساره الرئيسي على اقل تقدير، اتفق كاتبا التحقيق مع أكرم على تنفيذ ذلك.

بصفتهما سمسارين، التقى كاتبا التحقيق بالسمسار المحامي وعضو لجنة مؤازرة أحد أبرز مرشحي الدائرة الانتخابية الثالثة – عمان، بجعبتيهما  كاميرة مخفية سجلت كامل اللقاء. باختصار، يعتقد السمسار أن مرشحه لن يفوز إلا إذا اشترى 1000 صوت على الأقل، سنؤمن نحن بعضها مقابل 125 دينارا عن كل واحد منها؛ 75 لكاتبي التحقيق و الباقي للناخب، الذي “سيحلف يمينا مغلظا على  القرآن يتعهد بموجبه بانتخاب المرشح فلان” كما اشترط.

بائعو الأصوات و مشتروها في مأمن من العقوبات المغلظة

بحسب لقاءات أجراها كاتبا التحقيق تنوعت بين (المصورة والمسجلة صوتيا) لناخبين يسعون لبيع أصواتهم) و وسطاء في الدوائر الثالثة و الثانية -عمان، الدائرة الثالثة- الكرك ومادبا، تبين أن المسؤول الأول و الأخير عن عمليات بيع و شراء الأصوات هو السمسار، فيما يحرص المرشح على البقاء خلف الكواليس. كان بوسع كاتبي التحقيق الذهاب حتى النهاية في اتمام صفقات البيع و الشراء مع هؤلاء جميعا، لكن أخلاق المهنة و قواعد القانون كانت السبب الرئيسي في قطع الخيط من طرفنا نحن.

فيما يشبه الدائرة المفرغة، يغلظ قانون الانتخاب المؤقت لعام 2010 العقوبة على المرشحين؛ فينسحب هؤلاء خلف المشهد ملقين بالمهمة على عاتق سماسرة ليس في قانون الانتخاب أي نص صريح بتجريم شرائهم للأصوات، رغم أن الحكومة قدمت ثمانية منهم للقضاء، لم يعرف حتى الآن لحساب من يعملون، إضافة لمرشح يجري التحقيق معه.

تكمن المفارقة في أن عقوبة السبع سنوات المنصوص عليها في المادة 46 (أ)، تطبق بحسب نص المادة عشرين (أ) على “المرشح “، دون أن تمر على ذكر السماسرة.

حين أخبرناه بغياب نص صريح يدين السمسار بدا المستشار السياسي لرئيس الوزراء الناطق باسم الانتخابات سميح المعايطة متفاجئا، لكنه استدرك بالقول إن”الأولوية تقديم المشتبه بهم إلى القضاء و ليس إثبات جدوى العقوبة “.

يقول مساعد المفوض العام للمركز الوطني لحقوق الإنسان د.علي الدباس- و بعد بحث مضن لم يفض لأي نتيجة عن أي مادة في قانون الانتخاب تدين السمسار- :” على كل حال، حتى لو خلا القانون من نص يتعلق بالسمسار فإن القواعد  العامة في قانون العقوبات تدينه باعتباره متدخلا في جريمة، و قد تصل عقوبته إلى ثلثي عقوبة الفاعل الأصلي” لكنه أكد أن “وجود نص واضح سيكون له أثر أكبر في الحد من هذه الظاهرة”.

جريمة شراء الاصوات تتغذى على صعوبة اثباتها

وفي هذا السياق، يؤكد الناطق باسم الانتخابات سميح المعايطة، “أن عمليات التحقيق جارية مع كثير من الوسطاء، لكن عددا قليلا منهم يحوّل إلى القضاء نتيجة نقص الأدلة”، مضيفاً، “نواجه مشكلة حقيقية في تقديم الأدلة القضائية على شراء الأصوات”.

“عادة لا تضع القوانين آليات إجرائية لكشف جرم معين؛ لذا ينحصر الأمر في توافر الأدلة المادية و المعنوية للجريمة محل التقصي. توفير الأدلة و المعلومات مسؤولية يجب ان يتحملها الضابطة العدلية التي تتدرج من المختار وحتى الحاكم الإداري”. بحسب المحامي محمد الصبيحي.

ويرى النائب السابق في مجلس النواب المنحل يوسف البستنجي و الذي لم يترشح للانتخابات الحالية، أن الحكومة ليست جادة في تعقب مشتري الأصوات. مشيراً أن  بإمكانها نشر عناصر أمنية بلباس مدني وسط المرشحين وفي المقرات؛ لتتبع السماسرة و اثبات اقترافهم لهذه الجريمة بالبينة و الدليل”.

جديد انتخابات 2010 … نساء و فتيات يحترفن السمسرة

قائمة تتضمن 180 اسما ورقما وطنيا في الدائرة الأولى عمان، تحتفظ بها هناء في العقد الثالث من عمرها،  بانتظار زبونها من  المرشحين ممن سيدفع أكثر. حين التقيناها متقمصين صفة مندوبي أحد مرشحي الدائرة ذاتها، جادلناها في صدقية القائمة و طلبنا التأكد من فحواها، لكن إجابتها بقيت على وتيرة واحدة” سلمني المصاري بلففك عليهم واحد واحد، يحلفوا قدامك إنهم يصوتوا للي بتشتغلوا إلو”.

في لقائنا (المصور) معها، طلبت هناء 10 دنانير للناخب بدل صوته و مثلها لها، ليقارب ما تقبضه عن مجمل القائمة  1800 دينار، طلبت تحصيل المبلغ قبل إيصالنا لأصحاب تلك الأسماء. يعزز هذه الحالة 3 تسجيلات بين (مصورة و صوتية)  لنساء و فتيات يعملن كسماسرة في جيوبهن هويات الأحوال، بانتظار مزادات المرشحين عليها.

كما توصل التحقيق ضمانة التصويت واحدة، يمين يحلفه الناخب على القرآن لمندوبي المرشح يتعهد وفقه بالتصويت له.

تجريم بائعي الاصوات..ضبابية في نص القانون

في لقاءات مسجلة مع عدد من الناخبين، أكد أكثر من نصفهم رغبته في بيع صوته لمن يدفع أكثر و ضمن سقف تراوح بين الخمسين و المئتي دينار.

فتاة في العقد الثالث من العمر مسجلة في مادبا، تسعى لتسويق هويات أفراد أسرتها السبعة مقابل 100 دينار لكل منهم. حين تواصلنا معها في لقاء هاتفي مسجل وعبر فتاة عملت لصالح التحقيق بوصفها سمسارة، بدا عليها الفرح و نحن نؤكد لها أننا على استعداد لدفع المبلغ الذي طلبت.

ناخب عشريني آخر، مسجل في الدائرة الاولى البلقاء، أكد في لقاء مسجل معه  استعداده لبيع صوته مقابل سبعين دينارا.” المرشح شغل حكي قبل الانتخابات حبيبك وبعد الانتخابات ما بتشوفه” بهذا يبرر الشاب سعيه للبيع رافضا كل الاعتبارات.

ويضيف،” نصف الناخبين يشترون و يبيعون، فضلا عن أن الكثير من النواب لا همّ لهم سوى مصالحهم الشخصية”.

ويندم محدثنا على عدم بيعه لصوته في انتخابات 2007 ؛ ويقول:” كأنني لم أصوت، اهتممنا بالمشاركة في انتخابات ما أن انتهت حتى اختفى معها نوابها”. وينتظر بفارغ الصبر اقتراب موعد الاقتراع لأن “حمى الشراء و الدفع ستنتشر في اللحظات الاخيرة” حسب قوله.

بحسب استطلاع رأي مركز الدراسات الاستراتيجية حول قانون الانتخاب الجديد و المشاركة الانتخابية المنشور في حزيران من هذا العام ، أكد 10 بالمئة من المستجيبين تلقيهم لعروض مالية من أحد المرشحين أو أحد مؤازريه. ” النسبة عالية جدا و تؤثر بشكل كبير في شكل البرلمان المنتخب و نوعيته” بحسب تعليق المركز ذاته.

“كما السمسار لم تكن نصوص القانون حازمة مع بائع الصوت أيضا”، كما يرى المحامي محمد الصبيحي؛ فمن يطلب الهدايا أو التبرعات أو المساعدات أو الوعد بها من أي مرشح بحسب نص الفقر (ب) من المادة 20 يعاقب ” بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن سنة أو بغرامة لا تقل عن 200 دينار و لا تزيد عن 500 دينار أو بكلتا العقوبتين” حسب نص المادة (44). تعني  هذه المادة فيما تعنيه، وفقا للصبيحي “من  السهل على بائع الصوت إنكار طلبه للمال فالمادة لم تقل: من يأخذ المال، بل من يطلبه”.

المال الانتخابي  يفرز برلمانا باهتا.. انتخابات 2007 نموذجا

طفت ظاهرة المال الانتخابي على سطح الحياة الاجتماعية في الأردن خلال الانتخابات البرلمانية الماضية حسب تأكيد الدكتور علي الدباس مساعد المفوض العالم للمركز الوطني لحقوق الانسان. تقرير المركز حول تلك الانتخابات يؤكد ان:”  شيوع ظاهرة المال لشراء أصوات الناخبين بالجملة و غياب الإجراءات الحكومية الرادعة لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة اثر سلبا على إرادة الناخبين و سلامة العملية الانتخابية و مصداقيتها”.ن وسل

يؤكد النائب السابق وعضو اللجنة المالية في مجلس النواب الماضي يوسف البستنجي أن ” المال الانتخابي أساء كثيراً للبرلمان الذي كان عضوا فيه، و أفرز مجموعة من المتنفذين ماليا أظهروا عجزا في التعامل مع القوانين و التشريعات”.

وأضاف، “بعضهم لم يناقش أي مشروع خلال سنتين هي عمر المجلس،  وأن أزيد من  14 مقاولاً و 15  رجل أعمال وصلوا لذلك البرلمان، مشكلين في معظمهم أداة ضغط بمحاولتهم تعديل القوانين لتمرير مصالحها المالية”.

بحسب رصد أجراه كاتبا التحقيق لخلفيات نواب المجلس الخامس عشر، تبين أن ثلاثة أرباعهم ليس لديهم أية خبرات سياسية، فيما كان أكثر من ربعهم رجال أعمال، لكن الملفت هو أن نحو أربعة منهم ، لا يحملون أية مؤهلات أو أنهم لم ينهوا المرحلة الإعدادية.

نواب المال السياسي يسعون خلف مصالحهم

الانعدام في الخبرة السياسية لمعظم أعضاء المجلس السابق، تجلى في مفاصل تشريعية عديدة من عمره، ويتضح ذلك وفقا للبستنجي في مناقشة قانون الضريبة الموحد المقر مؤقتا بعد حل البرلمان.

يقول نص  كتاب تقدم به البستنجي إلى رئيس اللجنة المالية لمجلس النواب حصلت “العرب اليوم” على نسخة منه:” بتاريخ 21-7-2009 وافقت اللجنة المالية لمجلس النواب على شطب الفقرتين( ج) و(د) من المادة 3 من القانون، والتي تخضع تحويلات الاردنيين في الخارج للضريبة؛ ما سيدفعهم لتغيير ميزانيتهم و التهرب من الضريبة، الامر الذي سينعكس سلبا على احتياطي الودائع في البنك المركزي بخفضها من 19 مليار دينار الى 3 مليارات”. لكن المفاجئة بالنسبة إليه أنه وبعد يومين فقط ، “تراجعت اللجنة عن قرارها بالاغلبية”.

ويعلق على تلك الواقعة:” على ما يبدو أن هناك قوة خارقة أقنعت اللجنة بعدم شطب المادة”. مثل هذا النوع من الأداء التشريعي عزز في ذهنية الناخبين صورة المجلس الساعي خلف مصالحه الخاصة على حساب المصلحة العامة كما يبين استطلاع رأي لمركز الدراسات الاستراتيجية حول تقييم اداء المجلس الخامس عشر، والمنشور  في ايار 2009.

وكما جاء في الاستطلاع، “أكثرية الرأي العام توافقت (بما يزيد على ثلاثة أرباع المستجيبين) على ستة عوامل أدت دوراً أساسياً في أداء  نواب المجلس السابق،  كان أبرزها تحقيق العضو مكاسب ذاتية وشخصية بنسبة بلغت (79%)”.

ضعف الأداء النيابي أرخى بظلال من اليأس على موقف المواطنين من الحياة التشريعية في البلاد، دون أن ينحصر الأمر في المجلس الفائت، حسب ما يمكن استنتاجه من  استطلاع مركز الدراسات؛ “فأكثر من  60% من المستجيبين أكدوا أنهم  لم يتابعوا على الإطلاق، أعمال المجلس، و هي نتيجة تتطابق مع  اخرى تتعلق بتقييم أداء (المجلس 14) ” حسب الاستطلاع.

شراء الأصوات… جدل الأسباب و الحلول

لمعالجة ظاهرة المال الانتخابي، كان بإلامكان تطوير قانون الانتخاب، كما يرى المحامي محمد صبيحي. فيقترح “تحديد سقف أعلى لميزانية المرشحين بما يكفل تقييد قدرتهم على توظيف المال في حملاتهم”.

ويرى آخرون أن العلاج يكمن حيث بدأ الداء؛ أي من قانون الانتخاب تحديدا. مساعد المفوض العام للمركز الوطني لحقوق الانسان د.علي الدباس  يشير”أن القانون عمم شعورا باللاجدوى من ممارسة الحق في الانتخاب واختيار المرشحين؛ ما يدفع لبيع الصوت باعتباره عديم القيمة”. والحل برأي محدثنا، يكون “بتعديل القانون عبر إدخال القوائم الحزبية كجزء أساسي منه بما يعظم الشعور بأهمية العملية الانتخابية”.

يتحفظ  الناطق باسم الانتخابات سميح المعايطة على “المبالغة” بتصوير حجم ظاهرة شراء الأصوات من جهة وعلى ربطها بقانون الانتخاب من أخرى؛ ويقول : ” الأردن لم يعرف نظام القوائم الحزبية طيلة تاريخه لكن المال السياسي لم يظهر إلا مؤخرا، و أن شراء الأصوات في المحافظات و القرى لا يشكل ظاهرة؛ إثر الإجماعات العشائرية التي تغني المرشح عن مثل تلك السلوكيات، وأن هناك شرائح غير مهتمة سياسيا بالانتخابات هي من تبيع صوتها نظرا لانعدام قيمته في نظرها”.

في المقابل كان لكاتبي التحقيق لقاء مسجل مع ناخب في الدائرة الثالثة– الكرك، يستنتج من تجربته الشخصية، أن “الاعتقاد السائد لدى السماسرة هو أن شراء أصوات أسرة واحدة لصالح مرشح؛ سيدفع اقاربها و انسباءها للتصويت له دون دفع أية نقود”.

و يروي الشاب كيف عرض سمسار أحد المرشحين على رب أسرته بيع اصوات العائلة كاملة مقابل بضعة الالف، أملا في سحب بقية أقربائهم و أنسبائهم، لكن والده رفضها “صونا  لحريته و كرامته”.

في تقرير الفساد السياسي للعام 2004 الصادر عن جمعية الشفافية الدولية، خصص التقرير فصلا كاملا عن شراء الأصوات كان خلاصة بحث واستطلاعات رأي وزعت في ثلاث بلدان نامية جاء فيه، أن “شراء الاصوات ينتشر حيث تضعف الأحزاب؛ مفسحاً المجال أمام تنامي العلاقات الفردية بين المرشح والناخب بدلا من العلاقة المؤسسية الحزبية”.

انجز هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية وبإشراف الزميل عمر الكحكي.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.