"ذهبوا مع البحر".. و حرموا حتى من حقّهم بدفن لائق غياب المحاكم المتخصصة، تراخي المراقبة على الصيانة يطيل عمر مشكلة البحارة المفقودين

23 فبراير 2010

سيريا نيوز/ مونا فرح- أم أحمد ما تزال تحلم بعودة ابنها الذي اختفى في البحر بتاريخ 13/12/2003. مذ ذاك، أدمنت الأم الخمسينية المكلومة مناجاة اليمّ وزيارة العرّافين ؛ لعلها تسمع خبراً يطفئ نار صدرها.

الابن محمد ياسر سلهب كان بين عشرة بحارة “قضوا غرقا” مع الباخرة ( دينا k) ، التي ما يزال مصيرها مجهولاً. فبينما يصر صاحب الشركة عبد الرزاق كنفاني ونجله محمد أنها تعرضت للاختطاف، تؤكد الوثائق الرسمية محليا ودوليا أنها “غرقت”.

تتباين الظروف المحيطة باختفاء “دينا k” عن تفاصيل غرق الباخرة (حاج اسماعيل) التي قضى لدى غرقها أواخر2007 خمسة عشر بحارا، فيما نجا اثنان فقط؛ باسل كل آغا وخضر يحيى. على أن التشابه بين الواقعتين يتجلّى في طريقة تعامل أصحاب الباخرتين مع البحارة وحقوقهم، وإن بدرجات متفاوتة.

سيريانيوز تفتح ملفي السفينتين بعد سبع سنوات على إثارة الجدل المصاحب لفقدان الأولى وثلاث على غرق الثانية.

ما يزال أصحاب (دينا-K) يرفضون الإقرار بغرقها تحاشيا لتعويض ذوي البحارة المفقودين، فيما دفع أصحاب (حاج اسماعيل) أقل من نصف حقوق الغرقى المستحقة بموجب القانون الدولي، بحسب حزمة وثائق ومقابلات مع محامين، بحارة ناجين وأهالي مفقودين.

الأسوأ أن أصحاب الباخرة الثانية واصلوا تشغيلها بعد أن “تحايلوا” على قرارات بحجزها في السنة التي غرقت فيها داخل ميناءين (بلغاريا والأدبية في السويس –مصر)، بحسب الوثائق المرفقة.

مأساة عائلات المفقودين وضياع حقوق الناجين كان يمكن تلافيهما لو طبّقت المعاهدات البحرية الدولية الموقعة عليها، في مقدمتها إحداث محاكم مختصّة لفض النزاعات البحرية، على ما يؤكد الباحث أحمد حلمي الشامي المتخصص في قطاع النقل البحري متسائلا حول عدم إقدام وزارة العدل على إحداث هذه المحاكم حتى تاريخه ،رغم وجود الكثير من القوانين والاتفاقيات الدولية النافذة التي تؤكد إحداث هذه المحاكم منها معاهدة بروكسل لعام 1924ومعاهدة قواعد هامبورغ 1978 واتفاقية الأمم المتحدة للنقل الدولي ، وقد انضمت سورية إلى جميع القوانين والمعاهدات الدولية المذكورة أعلاه وهي ملتزمة بتنفيذها ومن هنا ينشأ الإلزام بضرورة إحداث المحاكم البحرية المتخصصة.

ذهبت مع البحر :

عشية غرقها، غادرت ديناK ميناء أرواد قرب مرفأ طرطوس رافعة علم كوريا الشمالية باتجاه ميناء الإسكندرون. من هناك كان يفترض أن تبحر صوب بيروت بعد تحميلها ب 3000 طن من التربة الإسمنتية. لكن في اليوم التالي، اختفت السفينة المسجلة في كوريا الشمالية وعلى متنها الربان الروماني ( لاغومار) وتسعة بحارة سوريين.

أما مكان اختفائها، بحسب التقارير التي رصدت حركتها، فكان شمال غربي “البسيط” ضمن المياه الإقليمية السورية.

يصر ابن مالك الباخرة محمد بن عبد الرزاق كنفاني أنها “لم تغرق بل تعرضت للخطف”، ذلك أنها كانت كاملة التجهيز. كنفاني واصل الدفاع عن فرضية الاختطاف، معتبرا أن الغرق يترافق مع العديد من المؤشرات؛ ومنها “وجود جهاز يسمى (ايبرب) يرسل نداءات استغاثة إلى الأقمار الصناعية ومعلومات عن موقع واسم السفينة بمجرد لمسه للماء”.

ويجادل كنفاني الابن بأن إشارة الاستغاثة المسجلة لدى الموانئ “جاءت لأن السفينة فقدت دون أن يتم تأكيد ذلك. وأشّر اتصال قام به المهندس الأول, إلى وجود مشكلة ما تصادف السفينة, وأن هناك وقتاً لتلافيها”.

والد كنفاني كان أيدّ أيضا فرضية الاختطاف منذ الأيام الأولى لاختفائها. إذ صرّح بعد يومين من الحادثة بأن سفينته “مجهزة بأحدث الأجهزة والمعدات. ورغم كل ذلك لم يتم استلام ما يدل على غرقها”. ويرجّح كنفاني الأب “وقوع حريق منع استعمال الأجهزة, أو أن تكون السفينة قد خطفت”.

مدير عام الموانئ السابق محسن حسن يؤكد من جانبه أن (دينا k ) “غرقت وفقا للاستغاثة التي وردت إلينا آنذاك من مهندس السفينة”. ويشرح الحسن أن “مركز الإنقاذ البحري التركي أرسل، بناء على مخاطبة مديرية الموانئ (السورية) حوامتين وسفينة استمرتا في البحث لمدة خمسة أيام. وعندما لم يجدوا أي أثر أوقفوا عملية البحث”. وعن احتمال الاختطاف، يجيب الحسن “أنه وارد بنسبة 10%”فقط .

لا أحياء ولا أموات :

أهالي البحارة قدّموا شكوى قضائية لنيل شهادات وفاة لأبنائهم على الأقل، مع تعويضات من المالك أو عبر شركات التأمين.

لكن مطالب الأهالي اصطدمت بتصريح لابن مالك الباخرة أمام المحكمة المدنية بطرطوس يفيد بأن والده “لم يكن له يوماً علاقة بالسفينة (دينا k)”، مؤكدا أنه اشتراها من شركة كورية وسجلت مناصفة باسمه ومستثمر عراقي. (مرفق شهادة تسجيل مؤقتة رقم /497/ بأسماء محمد عبد الرزاق كنفاني، أسامة خليل معيشر). وينفي كنفاني الابن “ثبوت وفاة البحارة بوثيقة قانونية. كما لم

يتم العثور على جثثهم، ولا يوجد ضبط يؤكد غرق السفينة”.

محامي أهالي البحارة يوسف شاهين يرى أن الجدل الذي أثير حول ملكية السفينة استهدف “تمييع القضية وإطالة أمد التقاضي” المتواصل منذ سبع سنوات، تعاقب عليها قاضيان في محكمة البداية.

غداة اختفاء “دينا k” ، أبلغ مدير ميناء طرطوس علي خليل نجل صاحب الباخرة بأن “خفر السواحل التركية سمعوا نداء استغاثة من السفينة”.

بعد شهر ونصف من تلك الواقعة، أبرقت السفارة السورية في أثينا لمديرية الموانئ بأن السلطات اليونانية في جزيرة (رودوس) عثرت على جثة أحد بحارة السفينة (عبد القادر أحمد دحّة).

بعد ثلاث سنوات على اختفائها، قدم أهالي البحارة المفقودين كتابا إلى مكتب رئيس الجمهورية ناشدوه فيه بالتدخل لمعرفة مصير أبنائهم. جواب الكتاب آنذاك بأن المراسلات “الواردة من الانتربول الدولي في لبنان، تركيا واليونان بينت غرق البحارة وعدم نجاة أحد منهم”.

أهالي البحارة المفقودين يأملون الآن في أن يبت قاضي بداية طرطوس سريعا في هذه القضية الشائكة، من أجل تثبيت واقعة وفاة أبنائهم أصولاً، تمهيدا لنيل تعويضات.

ليس لسلهب (60 عاما) وسائر الأهالي أي فكرة عن حجم التعويضات التي يمكن أن يحصل عليها.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.