"دكرنس" .. مدينة غارقة في مستنقعات المجاري

12 أبريل 2013

تقرير خبري

 – سكان دكرنس “يسبحون” في مياه الصرف الصحي

– انهيارات متكررة لشبكة جديدة للصرف الصحي بمدينة دكرنس

– مشروع للصرف الصحي يتكلف 150 مليون جنيه ولا يصمد أكثر من خمس سنوات

 

دكرنس، الدقهلية – الوطن – توقع سكان مدينة دكرنس في محافظة الدقهلية أن تنتهي معاناتهم اليومية مع مياه المجاري بعد الانتهاء من مشروع الصرف الصحي الجديد قبل خمس سنوات بكلفة 150 مليون جنيه.

 

لكن فرحتهم لم تدم طويلا، إذ باتت الشوارع الغارقة بمياه المجاري مشهدا معتادا في هذه المدينة التجارية الهادئة بشمال مصربعد حدوث 17 هبوطا في الشوارع منذ شهر يونيو الماضي

 

تتزايد شكاوى المواطنين مع تفاقم الوضع منذ منتصف عام 2012 على وقع تبادل الاتهامات حيال الجهة المسؤولة عن ذلك. فالهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي تلقي اللوم على عوامل خارجة عن نطاق مسؤوليتها، وتلقي المحافظة باللوم على الهيئة القومية لأنها المسؤولة عن التنفيذ. ويؤكد الخبراء أن أخطاء في التصميم والتنفيذ هي السبب فيما آلت إليه الأوضاع.

 

حين بدأ العمل في المشروع بتمويل من وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة (وزارة المرافق حاليا) شعر سكان المدينة بالتفاؤل لأنه سيكون لديهم أخيرا خدمة جيدة للصرف الصحي بعد أن تآكلت الشبكة القديمة التي يرجع عمرها إلى 60 عاما ولم تعد قادرة على مواكبة الزيادة السكانية. لكنهم أصبحوا الآن يتحسرون على تلك الشبكة القديمة المتهالكة بعد أن حول المشروع الجديد مدينتهم إلى مستنقعات من الماء الآسن كريه الرائحة، ويهدد بتشريدهم من مساكنهم التي أصبح بعضها آيل للسقوط.

 

فمنذ سبع شهور يستخدم حسن حسين شريف، المدير العام بمديرية التموين، سطح العمارة المجاورة أحيانا في الخروج والدخول إلى مسكنه لأنه لا يستطيع استخدام مدخل منزله الذي يمتلئ بمياه الصرف الصحي بين وقت وآخر. ويقول إنه كلما تم شفط المياه من أمام المنزل عادت مرة أخرى حتى أصبح منزله آيلا للسقوط. ويتذكر قائلا: “الشبكة القديمة كانت منشأة بطرق بدائية… ومع ذلك لم تحدث فيها انهيارات ولم تتعرض بيوتنا للأذى. أما الآن فشبكة الصرف الصحي [أنشئت] بملايين الجنيهات وتهدد حياتنا وحياة أولادنا وأصبحنا مهددين بالتشرد.”.

 

واحدة من أحدث الشكاوى وصلت إلى الادارة الهندسية في مجلس المدينة صباح يوم الأحد 27/1 /2013، حين اتصل الدكتور عصام ميخائيل مسؤول كنيسة السيدة العذراء مريم في وسط المدينة بالشرطة والجهاز المسؤول في مجلس المدينة بعد أن حاصرت مياه الصرف الصحي المتدفقة بغزارة ساحة الكنيسة وفاجأت المصلين وهم يستعدون للمغادرة بعد الانتهاء من صلاة الصباح.

 

ولم تكن هذه هي الحادثة الأولى لطفح الصرف الصحي في شوارع تلك المدينة التي تقع في شرق محافظة الدقهلية ويقطنها نحو 100 ألف نسمة، ولن تكون الأخيرة  فمنذ شهر يونيو الماضي وحتى اليوم تم تسجيل 70 شكوى في مجلس المدينة و 20 محضرا بالشرطة دون ان يحرك أحد ساكنا. أما في السنوات الخمس الأولى من تشغيل الشبكة الجديدة فلم تحدث انهيارات بل مجرد بوادر على المشكلة مثل تشققات بسيطة في بعض المباني.

 

قامت لجنة فنية من محافظة الدقهلية بمعاينة موقع الكنيسة وتعهدت الشركة المنفذة بعمل الإصلاحات اللازمة في شبكة الصرف الصحي أمام الكنيسة وبدأت بالفعل عمليات الحفر، وهو ما يتكرر في مناطق أخرى من المدينة منذ بدأت حوادث الهبوط في الشوارع.

 

يقول الدكتور ميخائيل إن الشركة المنفذة بدأت أعمالها بالحفر لعمق 7 أمتار حتى تصل إلى خط الصرف الصحي. ويشير بحسرة إلى التشققات التي تزداد اتساعا كل يوم وتفصل المنارة الآن عن مبنى الكنيسة قائلا: “كلما زاد الحفر تظهر تشققات في مبنى الكنيسة والمباني المجاورة التي بدأت تميل أيضا تجاه الحفرة العميقة. وأصبح السكان ينتظرون كل يوم انهيار منازلهم.”

 

لم ينتظر جعفر الزهيري، وهو أحد جيران الكنيسة، إلى أن ينهار منزله فقام بتحرير محضر بالشرطة ضد الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي كي يثبت الهبوط الكبير الذي أصاب منزله والتشققات التي تتسع كل يوم. ويقول “قمت بعمل إثبات حالة في  مركز الشرطة وطلبت لجنة هندسية من مجلس المدينة عاينت العقار على الطبيعة وأثبتت التصدعات وقالت في تقريرها أنه توجد تصدعات نتيجة هبوط في شبكة الصرف الصحي.”

 

ويتساءل الزهيري وعلى وجهه ترتسم علامات القلق “لا نعرف ماذا سنفعل ولا أين سنذهب وكيف نترك بيتنا؟” ويتيح القانون لأي مواطن يتعرض عقاره لأضرار بسبب خطأ الشركة المنفذة المطالبة بتعويض وإعادة بناء العقار، لكن هذا لا يحدث إلا بعد رفع دعاوى قضائية قد تستغرق سنوات.

مع تصاعد المشكلة تم تكليف المهندس محمد رجب الزغبي رئيس القطاعات الفنية بشركة الدقهلية لمياه الشرب والصرف الصحي – وهي الجهة المسؤولة عن تشغيل الشبكة – بإعداد تقرير فني عن حالة المشروع  انتهى فيه إلى تسرب مياه الصرف من الأنابيب التي تتعرض للكسر بسبب انهيار التربة تحتها لعدم اتخاذ عوامل الأمان الهندسية المحيطة بالأنابيب “ما يؤدي إلى تفريغ في التربة وما قد يتبع ذلك من انهيارات أرضية مفاجئة.”

 

وحذر الزغبي في تقريره الذي أعده في شهر يناير الماضي من تأثير الهبوط على العمارات السكنية التي تقع في مناطق مرور أنابيب الصرف الصحي على عمق يزيد على ستة أمتار “فاحتمالات الخطورة على أساسات تلك المباني أمر وارد”.

 

وهاجم الزغبي “ضعف الرقابة” من قبل الجهة المشرفة وهي الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي وسوء التنفيذ من جانب الجهة المنفذة للمشروع من الباطن والتي أسند إليها أعمال المشروع “بالأمر المباشر بالمخالفة للقانون”.

 

وتقر الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي بأن أعمال المشروع أسندت للشركة المنفذة بالأمر المباشر وفقا لقرار من رئيس الوزراء حينها والذي يتيح له القانون ذلك.

 

لكن الهيئة القومية تنفي مسؤوليتها عن أي عيوب في تنفيذ المشروع. ويرجع رئيس الهيئة عن محافظتي الدقهلية وكفر الشيخ المهندس فرج زكي عطية ما تشهده دكرنس من مستنقعات الصرف الصحي إلى “مرور سيارات النقل الثقيل وعيوب في حنفيات الحريق”، قائلا إن تسرب المياه الشديد من حنفيات الحريق أدى إلى تخلخل التربة تحت أنابيب الصرف الصحي وكسرها.

 

ويفند أحد الخبراء تصريحات المهندس عطية قائلا إن أي مشروع لابد وأن يراعي الأحمال المتوقعة فضلا عن أن السيارات الثقيلة كانت تمر فوق الشبكة القديمة دون أن تنهار. وقال المهندس الاستشاري أحمد إبراهيم، مقرر لجنة الإسكان بنقابة المهندسين في الدقهلية “من الأصول التصميمية الهندسية مراعاة الأحمال الناجمة عن السيارات بكافة أنواعها وكافة الأحمال المتوقعة بالإضافة إلى أن بعض الشوارع الضيقة التي لا تمر عبرها سيارات ثقيلة قد حدث بها هبوط أيضا.”

 

ولا يوجد في المدينة كلها أكثر من 10 حنفيات حريق وجميعها لا يعمل، كما ذكر المهندس إبراهيم، متسائلا: “إن حنفيات الحريق لا تعمل أساسا فكيف تكون سببا في انهيار خطوط الصرف.”

وباتت ماكينات شفط المياه مشهدا معتادا في جميع أحياء دكرنس.

 

تصرخ حسنية حسن عبد الرازق (55 عاما) التي تسكن في عقار بمنطقة ميت الحلوج في المدينة قائلة “بيتي المكون من ثلاثة طوابق وأسكنه أنا وأبنائي أصبح معرضا للانهيار في أي وقت. وكل يوم الشروخ تزداد مع زيادة الهبوط بالشارع.”

 

وتُظهر حسنية التقرير الفني الصادر عن الإدارة الهندسية بمجلس المدينة عن حالة عقارها والذي يثبت ما به من “شروخ نافذة وهبوط بالأرضيات” نتيجة للهبوط في الشارع. وقد أثبتت حسنية في التقرير أن المتسبب في حدوث الشروخ بمنزلها هو قيام الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي بالحفر العميق الذي يتجاوز 7 أمتار بجوار منزلها. ويقول محامون متخصصون إنه يجب عليها في هذه الحالة اللجوء للقضاء لطلب التعويض عن الأضرار التي لحقت بها.

أما  جعفر موسى الزهيري، رئيس الشؤون القانونية في دائرة الري بالدقهلية وأحد سكان المدينة، فلم يكتف باستصدار تقارير فنيه بل حرر عدة محاضر في مركز الشرطة ضد الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي. وعن شعور السكان بالقلق من المستقبل المجهول الذي ينتظرهم، يقول الزهيري “أصبحنا جميعا مهددين بالتشرد بعد الحالة التي وصل إليها العقار .”

 

وتمضي الإصلاحات بطيئة وتستمر معاناة السكان اليومية مع مياه الصرف الصحي. ويزيد الزغبي في تقريره محذرا من أن “انهيار أنابيب الصرف الصحي سيؤدي أيضا إلى احتمال تسرب مياه الصرف  إلى أنابيب مياه الشرب واختلاطها بها.”

تم اعداد هذا التقرير الاخباري بدعم شبكة أريج ضمن برنامج تدعيم الاعلام لتغطية قضايا الإدارة العامة في المحافظات وبإشراف الزميل عصمت صلاح الدين


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.