"خط أنابيب غاز الجزائر-إيطاليا" يُهدر حق فلاحي تونس

3 سبتمبر 2023

كل صباح، يجتمع توفيق رحيمي (45 سنة) في أحد مقاهي مدينة القصرين (وسط غربي تونس)، مع عدد من زملائه من مالكي الأراضي، التي يمر عبرها خط أنابيب الغاز، القادم من الجزائر باتجاه إيطاليا؛ يناقشون الخطوات المقبلة التي سيقومون بها؛ بهدف الضغط على شركة “خدمات أنبوب الغاز العابر للبلاد التونسية” (السيرغاز)، لزيادة سعر إيجار (كِراء) أراضيهم، التي يمر عبرها خط الأنابيب.

تابعنا على مدى أكثر من سنة، مساعي الفلاحين وملاك الأراضي بمحافظة القصرين؛ لإقناع شركة “السيرغاز” برفع سعر إيجار الأراضي، التي يمر عبرها أنبوب الغاز، العابر للأراضي التونسية، والحصول على مستحقاتهم المالية، الواجب الحصول عليها منذ عام 2020، حسب السعر الذي يطالبون به.

يكشف هذا التحقيق عدم استجابة شركة السيرغاز، الممثلة لشركة إيني الإيطالية، لمطالب الفلاحين بزيادة سعر إيجار الأراضي، إلى جانب عدم التزامها بوعودها، فيما يخص بعض مشاريع التنمية بمنطقة القصرين، في إطار مسؤوليتها الاجتماعية.

يمتد أنبوب نقل الغاز، العابر للأراضي التونسية المكون من خطين، إلى 370 كيلومتراً، انطلاقا من منطقة أولاد مرزوق بمحافظة القصرين، على الحدود التونسية الجزائرية، وصولاً إلى منطقة الهوارية، التابعة لمحافظة نابل الساحلية. ويضم الأنبوب خمس محطات ضغط للغاز، موجودة في مناطق “فريانة ” و”سبيطلة” بمحافظة القصرين، ومنطقة السبيخة بمحافظة القيروان، ومنطقتي “قربة” و”الهوارية” بمحافظة نابل.

ويمثل أنبوب نقل الغاز جزءاً من خط الأنابيب “ترانسميد”، الذي ينطلق من حقل الغاز “حاسي الرمل” بصحراء الجزائر، ليصل إلى شمال إيطاليا. ويبلغ طوله الإجمالي 2500 كيلومتر، ويشقّ بذلك مئات الكيلومترات من الأراضي التونسية، تحت إشراف شركة “إيني” الإيطالية؛ وتبلغ سعة النقل في تونس 34 مليار متر مكعب سنوياً. ويقوم هذا الخط بتزويد إيطاليا من الغاز الجزائري بنحو 30 بالمائة من حاجياتها.

أُنشئت شركة “سيرغاز” عام 1980، وهي شركة خفية الاسم، رأس مالها 99 ألف دينار (32 ألف دولار). جاء ذلك تطبيقاً للاتفاقية المبرمة بتاريخ 25 تشرين أول/أكتوبر عام 1977، بين الحكومة التونسية والمجمع الإيطالي للمحروقات “إيني”؛ بغرض التسيير الفني، والتعهد بصيانة أنبوب الغاز، الذي تعود ملكيته إلى الدولة التونسية، وتشرف عليه “الشركة التونسية لأنبوب الغاز العابر للبلاد التونسية” (سوتيغات SOTUGAT)، التابعة لوزارة الصناعة والطاقة والمناجم التونسية. وتبلغ حصة “إيني” من شركة “سيرغاز” 67 بالمئة؛ في حين تبلغ حصة الحكومة التونسية 33 بالمئة.

تملك الشركة التونسية للأنشطة البترولية “إيتاب”، ثلث رأس مال شركة “سيرغاز”. وقد كلّفتْ “سوتيغات” شركة “سيرغاز”، في إطار عقد معها، بالإشراف على مشروع إيجار الأراضي، إضافة إلى مهمتها في التسيير الفني لعملية نقل الغاز، وصيانة المحطات والأنابيب.

عقدت شركة إيني اتفاقية نقل الغاز مع الجانب التونسي؛ لنقل الغاز عبر الأنبوب الأول عام 1977، وقد أُبرم عقد مع الفلاحين لفترة تمتد إلى 30 عاماً بداية من سنة 1979، وجُدد الاتفاق عام 2009، بين شركة “سوتيقات” ومالكي الأراضي لمدة 30 عاماً إضافياً، حتى عام 2039.

في عام 1991، عُقدت اتفاقية حول مرور أنبوب ثانٍ، عبر الأراضي التونسية، في مسار الأنبوب الأول نفسه. وقبيل انتهاء المدة؛ جُددت الاتفاقية عام 2019، ولمدة 10 سنوات إضافية، حتى عام 2029.

في الثاني من تموز/يوليو 2019، أصدرت الحكومة التونسية، برئاسة يوسف الشاهد، بلاغاً مفاده تجديد الاتفاقية، المتعلقة بالأنبوب الثاني للغاز، العابر للأراضي التونسية.

وتمكّن هذه الاتفاقية -التي تأتي مواصلة للاتفاقيتين السابقتين، المبرمتين عامي 1977 و1991، اللتين تمّ انتهاء العمل بهما- من توظيف نسبة على الغاز المنقول، تقدر بـ 5.25%، لفائدة “البلاد التونسية”، تبلغ سنوياً نحو 500 مليون دينار (نحو 162 مليون دولار)؛ أي بإضافة 41 مليون دينار (نحو 13.3 مليون دولار) لمعدل المعلوم السنوي (الرسوم السنوية)، المدفوع للدولة التونسية؛ مقابل استغلال مجمع “إيني” لسعة نقل الأنبوب.

ويتكفل الجانب الإيطالي، بصيانة، وتطوير، وتأهيل التجهيزات والمعدّات الخاصة بالأنبوب، بتكلفة تقدر بنحو 160 مليون دولار، أي ما يقارب 490 مليون دينار، على امتداد 10 سنوات؛ بالإضافة إلى تزويد الأراضي التونسية بالغاز الطبيعي بـ 3.8 مليار متر مكعب من الغاز، أي ما يعادل 65% من الاستهلاك السنوي للغاز في تونس، وفق البلاغ نفسه، الذي نشرته رئاسة الحكومة. وبلغ الاستهلاك التونسي للغاز الطبيعي 5634 ألف طن مقابل نفط عام 2021.

وعبر هذا الأنبوب، يتمّ تزويد الشركة التونسية للكهرباء والغاز (الشركة الحكومية الوحيدة المزودِة للكهرباء والغاز في تونس) بجزء مهم من حاجياتها من الغاز الطبيعي؛ ما يسهم بصفة حيوية، في تأمين استمرارية تزويد الأراضي التونسية بالكهرباء.

انطلاقاً من هذا التجديد للاتفاقية، وزيادة مقدار “الإتاوة” التي تدفعها شركة “إيني” للدولة التونسية؛ أبدى الفلاحون -الذين يمرّ خط الأنابيب بأراضيهم- رغبتهم في رفع رسوم إيجار الأراضي.

احتجاجات الفلاحين لزيادة سعر إيجار الأراضي

منذ أواخر عام 2020، ينتظر بعض الفلاحين بمحافظة القصرين -الذين يمرّ عبر أراضيهم خط أنابيب الغاز الجزائري- صرف مستحقاتهم من شركة “خدمات أنبوب الغاز العابر للبلاد التونسية” (السيرغاز)، مقابل إيجار أراضيهم لمدة 10 سنوات.

في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2021، نفّذ عدد من أصحاب الأراضي، بهذه المحافظة، وقفة احتجاجية أمام محطة ضخ الغاز، بمنطقة القرعة الحمراء، التابعة لمعتمدية القصرين الجنوبية؛ لمطالبة شركة “السيرغاز” بصرف مستحقاتهم المالية.

كما طالبوا بزيادة سعر إيجار أراضيهم؛ خاصة وأن سعر إيجار المتر المربع الواحد في السنة، لم يتجاوز 0.5 دينار (0.16 دولار)، بعد أن كان يبلغ 0.13 دينار للمتر المربع الواحد، وفق الاتفاقية الخاصة بالخط الأول.

و بسؤالنا للمتحدث باسم تنسيقية أصحاب الأراضي -التي يمرّ عبرها أنبوب الغاز- توفيق رحيمي، أكد أن هذه الوقفة الاحتجاجية، هي الأولى من نوعها، منذ دخول الاتفاقية -بين الجانب التونسي والإيطالي- حيز التنفيذ.

وأضاف رحيمي، أن أصحاب الأراضي يؤكدون أن شركة “السيرغاز”، فرضت عليهم هذا المبلغ، من دون أن تتفاوض أو تتشاور معهم، في حين كانوا يأملون أن يكون سعر المتر الواحد 12 ديناراً على الأقل، بحسب لافتات رفعها المحتجون، خلال وقفة نفذوها في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2021.

وقفة احتجاجية نفذها أصحاب الأراضي يوم 4 تشرين أول/أكتوبر 2021 أمام محطة ضخ الغاز في معتمدية القصرين الجنوبية



أردنا الاطلاع على نص الاتفاقية المبرمة بين الدولة التونسية والجانب الإيطالي، الممثل لشركة “إيني”، فتقدمنا بطلب الحصول على المعلومة إلى وزارة الصناعة والطاقة والمناجم التونسية، للحصول على نسخة من الاتفاقية. فكان الرد بالرفض؛ وأرجع المسؤول السبب إلى أن الوثائق المطلوبة “تندرج ضمن الاستثناءات القانونية، المنصوص عليها بالفصل 24 من القانون الأساسي عدد 22 لسنة 2016، والتي تعطي المسؤول حق رفض طلب الحصول على المعلومة؛ إذا كان ذلك يؤدي إلى إلحاق ضرر بالأمن العام، أو بالدفاع الوطني، أو بالعلاقات الدولية”.

رد وزارة الصناعة والطاقة والمناجم التونسية بالرفض على طلب الاطلاع على الاتفاقية

عمّار نصري (63سنة)، صاحب أرض بمنطقة العويجة في القصرين الجنوبية، يشق خطا الغاز أرضه، التي ورثها مع إخوته عن والدهم. لا يملك عمّار أو أي أحد من أشقائه عقداً مع شركة “السيرغاز” يخص إيجار الأرض، لأي من الخطين. يسعى “نصري” جاهداً مع بقية الأعضاء في “تنسيقية أصحاب الأراضي”، إلى إقناع الشركة برفع سعر الإيجار، خاصة وأن أغلبهم يعيشون وضعيات اجتماعية صعبة.

يقول عمّار: “فرضت علينا شركة “السيرغاز” سعر 500 مليم (0.16 دولار)، للمتر المربع الواحد لمدة عشر سنوات، عن طريق خبراء حددتهم، ولا نعلم بأي المعايير حُدد هذا المبلغ”.

فيديو عمّار نصري

في يوم 20 تشرين الأول/أكتوبر 2021، رفع عدد من الفلاحين -من جميع معتمديات ولاية القصرين، التي يمر عبرها خط الأنابيب- “شكوى” إلى وزيرة الصناعة والطاقة والمناجم التونسية؛ للتدخل لحل ما يعدّوه “مظلمة مسلطة عليهم” من طرف الشركة.

وأشار الفلاحون إلى أن العقود، التي تربطهم بشركة “السيرغاز”، قد انتهت ولم يحصلوا على مستحقاتهم المالية، وقد أخبروا الشركة بتجاوزها للآجال المحددة. وتختلف قيمة المستحقات من فلاح لآخر، حسب مساحة الأرض المُستَغَلّة.

اعترض الفلاحون على أسلوب الشركة، الذي وصفوه بـ “الفوقي والمتعالي”، والساعي إلى فرض سعر “مهين وبخس”، يناهز 500 مليم (0.16 دولار) للمتر المربع الواحد في السنة؛ كما طالب الفلاحون بالتفاوض المباشر مع الشركة الأم (شركة ENI الإيطالية) من دون وساطة أي طرف ثالث، وذلك برعاية السلطات المعنية الجهوية منها والوطنية، بالإضافة إلى “المطالبة بالتعامل بشفافية مع مسألة إيجار الأراضي”.

هذه ليست المرة الأولى، التي يتقدم فيها الفلاحون بشكاوى للمسؤولين؛ فقد تكرر الأمر عدة مرات، لكن من دون حل.

توجهت معدة التحقيق بالسؤال إلى الوالي السابق للقصرين في تلك الفترة، عادل المبروك، حول موقف الولاية من مطالب الفلاحين؛ فكانت إجابته أن للموضوع جانبين، قانوني وتقني، يتجاوز صلاحيات الولاية، ثُمّ أحالها على الممثلين المحليين لشركة السيرغاز.

تأتي هذه الاحتجاجات؛ نتيجة لما سمّاه الفلاحون عدم التزام مدير عام شركة السيرغاز، بالوعود التي أعطاها لهم، خلال زيارته إلى ولاية القصرين عام 2020. وتعهّد حينها، مدير عام شركة السيرغاز، بتعديل سعر الإيجار، من دون أن يُحدّد السعر الجديد، وذلك وفق بيان، وُزع على الصحفيين خلال الزيارة.

في عام 2022، رفعت شركة “السيرغاز” سعر إيجار الأراضي، من 0.4 دينار إلى 0.5 دينار؛ لكنّه لم يرتقِ إلى تطلعات أصحاب الأراضي، الذين كانوا يأملون أن يصل السعر إلى 12 ديناراً للمتر المربع الواحد (3.88 دولار).

وعن المعايير التي تمّ اعتمادها لتحديد سعر الإيجار، قال الرئيس المدير العام لشركة “السيرغاز”، منصف الماطوسي: “إنه تمّ الرجوع إلى المحكمة، التي عينت خبراء، حددوا سعر إيجار الأراضي عام 2021؛ ليصل إلى 500 ملّيم (0.16 دولار)، ولا مجال لتغييره”.

طلبت معدة التحقيق الحصول على الوثيقة أو التقرير، الوارد عن الخبراء، الذي تمّ بموجبه تحديد أسعار الإيجار؛ لكنّ رئيس مدير عام شركة السيرغاز قال: “إنه لا يمكن إعطاء هذه الوثيقة، إلا إذا تمّت المطالبة بها عن طريق القضاء؛ لأنها تخص إدارة الشركة وحدها، ولا يمكن نشرها”.

حصلت معدّة التحقيق على نسخة من “عقد خلاص”، لأحد مالكي الأراضي في منطقة مقدودش، التابعة لمعتمدية القصرين الجنوبية، تمّ توقيعه بتاريخ 6 شباط/فبراير 2023؛ ويتضمن العقد دفع 292 ديناراً و958 مليماً (95 دولارا)، مقابل مساحة قدرها 58 متراً مربعاً، لمدة 10 سنوات؛ أي أن ثمن إيجار مرور أنبوب الغاز، قُدّر بـ 500 مليم، مقابل المتر المربع الواحد في السنة.

وتبلغ التكلفة الإجمالية لإيجار الأنبوب الواحد -على كامل المسار (من منطقة فريانة الى منطقة الهوارية)، والتي تدفعها شركة السيرغاز إلى الدولة التونسية- 70 مليون دينار (22.7 مليون دولار)، وفق رئيس مدير عام شركة السيرغاز، منها 60 مليون دينار مخصصة لأصحاب الأراضي (19.4 مليون دولار) و10 ملايين دينار (3.24 مليون دولار) مصاريف الشركة التونسية للكهرباء والغاز.

بينما يؤكد تقرير لجنة الصناعة والطاقة والثروات الطبيعية والبنية الأساسية والبيئة، حول مشروع القانون المتعلق بالموافقة على الاتفاق الخاص بالتصرف في أنبوب الغاز العابر للبلاد التونسية وملحقاته، عدد 50 لسنة 2019، حول كلفة إيجار سعة النقل، يؤكد أن مشروع الاتفاقية يتضمن إضافة معلوم سنوي، يُقدر بـ 143 مليون دولار لمدة عشر سنوات، ويُسدد شهريا لصالح الدولة التونسية؛ مقابل استغلال شركة “إيني” لسعة نقل الأنبوب.

فيما تتحمل شركة “إيني” كامل ميزانية الشركة التونسية لأنبوب الغاز العابر للبلاد التونسية “سوتيغات”، وشركة الخدمات “سيرغاز”.

مشكلات الصيانة تنعكس على الفلاحين

يشكو محمد الصحبي مدايني -أحد ساكني معتمدية القصرين الجنوبية، الذي يمرّ خطا الغاز عبر أرضه- حدوث تشققات في جدران منزله، الكائن في الأرض ذاتها، إلى جانب تلف معدّات البئر التي حفرها، وكل ذلك -حسب رأيه- يعود إلى خط الأنابيب.

تقع أرض “محمد الصحبي” في منحدر للمياه، تسبب خطا الغاز في تحويل وجهة مياه السيلان إلى البئر، التي اقترض من البنوك لِحَفرها؛ ليسقي بها أرضه، كما أحدث خط الأنابيب تشققات كبيرة في الأرض، تسربت عبرها المياه إلى تجهيزات البئر، وأتلفت معدّاته، وتوقفت عن ضخ الماء؛ ما نجم عنه موت أشجار الزيتون واللوز.

فيديو لمحمد الصحبي

في المقابل، نفى نور الدين سعيد، المسؤول عن الصيانة والسلامة في شركة “السيرغاز”، وجود أي تهديدات أو تأثيرات جانبية للأنبوب على الأراضي والمنازل، مؤكدا لـ “معدة التحقيق” أن فِرق الصيانة، تتابع الأنبوب ومحطات الضخ، بصفة دورية ومستمرة، على كامل مسار الأنبوب، انطلاقاً من منطقة فريانة الحدودية مع القطر الجزائري، إلى منطقة الهوارية الساحلية.

وعن الاهتزازات التي يشعر بها الأهالي بصفة دورية، أكد سعيد بأنها ناتجة عن عملية وضع آلة لمتابعة تدفق الغاز، ومراقبة سمك الأنبوب وسلامته من الداخل، وهذه الآلة تُحدث اهتزازات، ولكنّها، وفق رأيه، لا تشكّل خطراً على الساكنين. وأشار المسؤول إلى أن المواطنين، يريدون الحصول على تعويضات مالية، بأي طريقة من الشركة.

وتتكفل شركة “السيرغاز”، ضمن مهامها، بعمليات الصيانة؛ كما تشرف على عمل الأنبوب، وسلامته، والحفاظ عليه من أي تهديد قد يطاله. ووفق الرئيس المدير العام للشركة، فإن الميزانية المخصصة لعمليات الصيانة، تصل إلى نحو 100 مليون دينار سنوياً (32.4 مليون دولار)، وتتضمن مصاريف الصيانة والإمدادات، والتنقل والتصرف في عمليات الصيانة والمراقبة.

مناطق عبور أنبوب الغاز من دون غاز!

تقع أول محطة لمراقبة ضخ الغاز في منطقة أولاد مرزوق، التابعة إداريا لمعتمدية فريانة، وترابيا التابعة لمعتمدية ماجل بلعباس (الحدود التونسية الجزائرية)، حسب أهالي المنطقة، في ولاية القصرين، وهي نقطة الانطلاق الأولى لأنبوب الغاز، عبر الأراضي التونسية؛ إلا أن منطقة ماجل بلعباس، مصنفة ضمن أفقر المناطق على المستوى الوطني، فتحتل المرتبة الرابعة جهوياً، بنسبة فقر تقدر بـ 41.40 بالمئة، وفق آخر إحصائيات نشرها المعهد الوطني للإحصاء عام 2020، المتعلقة بخريطة الفقر في تونس.

دخل عدد من الأهالي والشباب العاطل من العمل، يوم 18 كانون الثاني/يناير 2021، في اعتصام مفتوح بالمحطة؛ للمطالبة بالتنمية والتشغيل، وتخصيص جزء من أرباح شركة “سيرغاز” للمشاريع التنموية بالجهة، بالإضافة إلى توصيل شبكة الغاز المنزلي.

يعاني سكان معتمديتي ماجل بلعباس والقصرين الجنوبية -التي يمر عبرها خط أنابيب الغاز في محافظة القصرين- عدم وصول شبكة الغاز المنزلي إليهم؛ ما يضطرهم إلى البحث عن قوارير الغاز خلال فصل الشتاء، وهو ما يتناقض مع واقع محافظة، تمرّ عبر أراضيها كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، ولا يستفيد منها سكانها.

وبحسب محضر جلسة، جمعت أهالي معتمدية ماجل بلعباس بالوالي الأسبق، عاطف بوغطّاس، عام 2015، فقد تقرر إنجاز مشروع تزويد مدينة ماجل بلعباس بالغاز الطبيعي؛ إلا أن ذلك لم يحدث إلى الآن (إلى وقت نشر التحقيق). وفي حين يحمّل السكان مسؤولية ذلك لشركة السيرغاز؛ فإن المدير العام للشركة، يقول إن مشروع ربط المدن بالغاز، تتعهد به الشركة التونسية للكهرباء والغاز “ستاغ”، وإنّ تأخر ذلك بسبب المشكلات المالية، التي تعيشها الشركة حالياً.

وخلال مقابلتنا مع مدير الشركة التونسية للكهرباء والغاز بإقليم القصرين، فرجاني حناينية، (للاستفسار عن سبب عدم ربط بعض المدن، مثل مدينة ماجل بلعباس، بالغاز الطبيعي، رغم وجود برامج ودراسات لإنجاز مثل هذه المشاريع) أكد أن تكلفة إنجاز المحطة، المُقدّرة بنحو 4 ملايين دينار (1.29 مليون دولار)، مرتفعة جداً، مقارنة بالعدد الضئيل للمواطنين (لا يتجاوز 3 أو 4 أشخاص)، الذين أبدوا فعلياً رغبتهم في التمتع بخدمة الغاز الطبيعي، في معتمدية ماجل بلعباس؛ وهو ما يتعارض مع عدد الموقعين على محضر الجلسة التي عقدت عام 2015.

في إطار مسؤوليتها المجتمعية: ضعف تدخل الشركة في مناطق وغيابه في أخرى

خلال زيارة إلى ولاية القصرين عام 2021، أفاد مدير شركة السيرغاز، المنصف الماطوسي، في بيان صحفي، بأن “الشركة كانت سبّاقة منذ سنوات، وقبل صدور قانون المسؤولية المجتمعية سنة 2018، في دعم الحركة التنموية، بالمناطق المحاذية لأنبوب الغاز، العابر للأراضي التونسية، وأرست أسس التنمية المستدامة، بالتعاون مع السلطات الجهوية والمحلية”.

ووفق البيان الصحفي نفسه، فقد أُبرمت اتفاقية ثنائية، بين الشركة ومحافظة القصرين، لعامي 2020 و2021، تشمل تزويد عدد من المناطق -التي يمر عبرها أنبوب الغاز- بالماء الصالح للشرب. وتضمنت هذه الاتفاقية حفر بئر عميقة بمنطقة ماجل بلعباس، بميزانية تقدر بـنحو 300 ألف دينار (101 ألف دولار)، وحفر بئر بمنطقة أولاد خليفة، بميزانية تقدر بـ 200 ألف دينار، وغيرها من المشروعات.

للتأكد من حقيقة إنجاز هذه المشروعات، ومدى التزام الشركة بمسؤوليتها الاجتماعية تجاه المناطق المحاذية للأنبوب، تقدمت معدة التحقيق بطلب الحق في الوصول إلى المعلومة، لدائرة الشؤون الاقتصادية بولاية القصرين، للحصول على محاضر الجلسات المتعلقة بالاتفاقيات المبرمة بين شركة السيرغاز وولاية القصرين منذ عام 1979 إلى 2021.

في المقابل، حصلنا على كشفين للاعتمادات المرصودة من الشركة، لولاية القصرين؛ بغرض تمويل إنجاز مشروعات حفر عدد من الآبار، وربط بعض المناطق بالماء الصالح للشرب، وتهيئة عدد من المقرات الأمنية والمدارس.

صدر الكشف الأول بتاريخ 29 آذار/مارس 2017، ويتضمن حفر وتجهيز بئر عميقة، بمنطقة أولاد مبارك، بتكلفة تقدر بنحو 150 ألف دينار، وربط قرية بوكحيل بشبكة الماء الصالح للشرب، بتكلفة تقدر بنحو 50 ألف دينار.

ويتضمن الكشف الثاني، الصادر بتاريخ 26 أيلول/سبتمبر 2020، بعض المشروعات نفسها، المدرجة في الكشف الأول، مع إضافة مشروع حفر بئر عميقة لتزويد منطقة أولاد خليفة، التابعة لمعتمدية سبيطلة، بالماء الصالح للشرب، بتكلفة تقدر بنحو 200 ألف دينار.

كما لم تتضمن الوثيقتان أي مشروعات تتعلق بمعتمدية “القصرين الجنوبية”، التي يعبرها أنبوب الغاز بالكامل.

وبسؤال الرئيس المدير العام لشركة السيرغاز، عن عدم إدراج معتمدية القصرين الجنوبية، ضمن المناطق المستفيدة من المشروعات المندرجة، ضمن المسؤولية المجتمعية للشركة، فقد أقر بالمسؤولية المشتركة بين الشركة ومسؤولي ولاية القصرين، الذين يحددون حاجيات كل منطقة.

أما عن عدد الآبار، التي لم تدخل “حيز الاستغلال”، رغم برمجتها منذ سنوات، قال الرئيس المدير العام لشركة السيرغاز، إن الشركة تتكفل بحفر الآبار فقط، ولا تتكفل بعملية التجهيز والكهربة، وهي من مشمولات المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية.

اتصلت معدة التحقيق، “بمصالح المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية”، المسؤولة عن حفر الآبار ومراقبة ومتابعة أشغالها، وأكد لها رئيس قسم المياه بالمندوبية، منجي الساهلي، أن بئر أولاد مبارك، تمّ تجهيزها وقتياً عام 2022، ويستفيد منها الأهالي بالصهاريج، لكنّها تفتقد إلى منظومة الخزان والكهربة، التي تبلغ تكلفة إنجازها نحو 30 ألف دينار (9.72 ألف دولار).

يقول توفيق خليفي، ناشط في المجتمع المدني، وأحد أبناء منطقة أولاد خليفة، حيث قاد عدة وقفات احتجاجية؛ للمطالبة بتوفير الماء الصالح للشرب لأهالي المنطقة، إنهم يشربون من المياه الملوثة والمُهدِدة لصحتهم، يضيف قائلاً: “استبشرنا خيراً بمشروع السيرغاز، لكن لم يتمّ حفر البئر في منطقتنا؛ بل تمّ تحويل وجهة هذا المشروع إلى مكان آخر، من دون تحديد أسباب لذلك”.

اتجهت معدة التحقيق، رفقة توفيق خليفي، وعدد من أهالي المنطقة، إلى المكان الذي حُفرت فيه البئر بمنطقة الغرادق، وعاينت وجود البئر التي حُفرت عام 2021؛ لكن لم يتمّ إلى الآن تجهيزها وكهربتها، فهي حاليا مُغلقة، ولم تُستغل، ولم ينتفع بمائها أحد.

في المقابل، أكد رئيس قسم المياه والتجهيز بالمندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية، أن البئر تمّ حفرها في منطقة “الغرادق”، وسيتمّ تخصيص المعدّات اللازمة، لنقل الماء إلى “أولاد خليفة”؛ نظراً لعدم “نجاعة المائدة المائية فيها”، مشيراً إلى جاهزية الدراسة المتعلقة بالتجهيز والكهربة، وأن البنك الإفريقي للتنمية، سيتكفل بتمويل المنظومة (التجهيز والكهربة).

توفيق خليفي

الحرب الروسية الأوكرانية جلبت الملايين لخزينة الدولة التونسية ولم ينتفع بها الفلاحون

إثر اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، التي دفعت بالاتحاد الأوروبي إلى إيجاد خطوط أخرى لنقل الغاز؛ لتعويض الغاز الذي كانت تستورده من روسيا، زادت نسبة استهلاك إيطاليا للغاز الجزائري، فوقعت شركة سونطراك البيترولية الجزائرية، مذكرة تفاهم مع شركة “إيني” الإيطالية في أيار/مايو 2022؛ لزيادة شحنات الغاز الجزائري نحو الأراضي الإيطالية، عبر خط “ترانسميد”، حيث كان من المتوقع أن يبلغ حجم الإنتاج بالمناطق المعنية بالاتفاقية، نحو 3 مليارات متر مكعب سنوياً.

انعكس ذلك إيجابياً على خزانة الدولة التونسية، وبحسب الرئيس المدير العام لشركة السيرغاز، فإن الدولة حصلت على مبلغ 600 مليون دولار؛ أي ما يعادل ملياري دينار تونسي خلال عام 2022، في حين كانت الدولة تحصل على مبلغ يتراوح بين 500 و600 مليون دينار (162 و195 مليون دولار)، بينما يشير تقرير حول ميزانية الدولة لسنة 2023، إلى أن دخل عبور الغاز الجزائري، بلغ نحو 1537 مليون دينار تونسي في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2022. لم تنعكس هذه الزيادة التي تدخل خزينة الدولة مباشرة، على سعر الإيجار.

حاولت معدة التحقيق التواصل مع “مصالح وزارة الصناعة والطاقة التونسية”؛ للاستفسار عن سبب عدم تخصيص جزء من تلك الأرباح، لصالح الفلاحين ومالكي الأراضي، أو استغلالها في مشاريع تنموية، في المناطق التي تمرّ عبرها أنابيب نقل الغاز؛ لكنّ أحداً لم يرد على مكالماتها، رغم محاولات الاتصال المتكررة.

حتى كتابة هذه الأسطر في شهر يونيو/حزيران 2023، لا يزال توفيق رحيمي وعدد من أصحاب الأراضي -خاصة من ساكني معتمدية القصرين الجنوبية، وفريانة- ينتظرون الحصول على المبلغ المخصص، مقابل إيجار أراضيهم. كما أنهم أعلنوا رفضهم للسعر المفروض عليهم من قبل شركة السيرغاز.

من جهته، أكد رحيمي -لمعدّة التحقيق- أن أعضاء التنسيقية توجهوا بمراسلات إلى رئاسة الجمهورية، لمطالبة الرئيس قيس سعيد بالتدخل مباشرة لحلّ هذه القضية؛ لكن لم يتفاعل أحد مع مطالبهم إلى الآن.

يأتي هذا في وقت، أعربت شركة إيني عن عزمها إنهاء الارتباط مع الجانب التونسي، في مجال الاستكشاف والإنتاج؛ لمحدودية الموارد في تونس، حسب منصف ماطوسي، الرئيس المدير العام لشركتي “سوتيغات” و”سيرغاز”.

وقد نقلت شركة إيني الإيطالية 49.9 بالمئة من حصتها، لصالح مجموعة سنام للغاز رسمياً، يوم 10 كانون الثاني/يناير 2023؛ وستدير الشركتان عملية نقل الغاز معاً، من خلال شركة جديدة باسم “سي كوريدور”، التي ستؤمن عملية نقل الغاز في مرحلة قادمة، من الجزائر إلى إيطاليا.