أهالي الزقازيق يشربون "مياها ملوثة" من خزانات الحكومة

13 أبريل 2015

تحليل مختبري: المياه غير صالحة للاستخدام الآدمي وخزاناتها يأكلها الصدأ

عيوب  إنشائية واهتلاك أعمار الخزانات جعلها مرتعا للبكتيريا والطحالب والطفيليات

الوطن – «إنت عايز تطلع فوق الخزان»؟! يتساءل بدهشة عامل محطة مياه «مجمع آبار الزراعة» الحكومية بينما يرمقتنا بنظرة مستنكرة. ثم يردف: «سلالم سطح خزان المياه، أكلتها البرومة (الصدأ) وتسرح فيها»، ويلوّح بيده محذرا: «لو طلعنا ممكن السلم يقع فينا في أي لحظة».

على هذا السلم الصدئ، كان يفترض أن يصعد الفنيون والعمال إلى خزان المياه لإجراء صيانة دورية. لكن فزع العامل من فكرة استخدامه تؤشر إلى عدم إجراء مثل هذه الصيانة.

وحين وافق عامل آخر على مرافقتنا في رحلة الصعود، تجلت الحال المتردية للخزان من انتشار الصدأ والطحالب وعدم الالتزام بالمواصفات؛ حال وثّقتها «الوطن» في خمس محطات مياه حكومية بمحافظة الشرقية بدلتا النيل، تتغذّى من مياه النيل والآبارالجوفية.

يظهر تحليل عينات من مياه الخزانات في معمل جامعة القاهرة عدم مطابقتها للمواصفات، بما يؤكد شكاوى سكان مركز مدنية الزقازيق (مليون نسمة)؛ عاصمة محافظة الشرقية من نوعية المياه.

ثبوت تلوث مياه جميع خزانات المحطات الخمس التي تفقدتها «الوطن»  – مختبريا أو ميدانيا – تؤشر إلى انسحاب هذه الحالة على سائر ثلاثين خزانا بالمحطات الرئيسية التى يقدر عددها بـ 39  في محافظة الشرقية. وتوصلت «الوطن» إلى أن التلوث يرجع إلى: عدم تحديد مرجعية واضحة للجهات الرقابية والتفتيشية، غياب رقابة وزارة الصحة وتقصير شركة مياه الشرب (الحكومية) في تنفيذ أعمال الصيانة الدورية.

يضاف إلى ذلك تراخي جهاز تنظيم مياه الشرب والصرف الصحي وحماية المستهلك التابع لوزارة الإسكان – الذي تشكل بقرار جمهوري عام 2004، وبدأ العمل عام 2007-  في الإشراف على محطات المياه.

ينحصر دور وزارة الإسكان ممثلة بجهاز تنظيم مياه الشرب، بإصدار توصيات دون محاسبة الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، أو توجيه إنذارات لها، في غياب قانون ينظم قطاع مياه الشرب ويحدّد مسؤوليات كل هيئة مكلفة بإدارة هذا القطاع أو الإشراف عليه.

يفاقم الحال، تضاعف الحمل على خزانات المياه التي يفترض أن تخدم قرابة ثمانية ملايين نسمة (سكان محافظة الشرقية)، وتجاوز غالبيتها العمر التصميمي المقدر بـ 25 عاما. ويبرر مسؤولو المحطات تقصيرهم في أعمال الصيانة والتتنظيف بالضغط المتزايد على الخزانات «نتيجة» زيادة معدل الاستهلاك.

تباعد فترات تنظيف الخزانات يخالف المواصفات القياسية للمياه والكود المصري لصيانة وتشغيل محطات مياه الشرب الحكومية، التى يحددها بـ«سنة أو كلما ظهرت نتائج غير مرضية لمياه الخزان».

خزانات مياه الشرب.. “أرضي وصهريج”

تشيد خزانات مياه الشرب في المحطات الحكومية لمعالجة المياه من الخرسانة المسلحة، وتنقسم إلى نوعين «أرضي وعلوي». يقول مدير عام محطة مياه الشرب المرشحة بمدينة الزقازيق الكيميائي هشام عبد الكريم  إن النوع الأول يطلق عليه خزان «استراتيجي»، وغالبا ما يكون داخل محطات تنقية مياه الشرب المرشحة، والهدف منه تخزين المياه لاستخدامها في وقت الذروة أو خلال حالات الطوارئ، بينما الخزان العلوي «الصهريج»، يوجد في محطات المياه التي تعتمد على المياه الجوفية غالبا، وأحيانا في المحطات المرشحة التي تعتمد على مياه النيل. ويستخدم هذا النوع من الخزانات لإحداث توازن في شبكات المياه وتحسين الضغوط بما يتيح للمياه الصعود إلى البنايات المرتفعة، وفقا لمدير مجمع آبار الزراعة الواقعة على أطراف مدنية الزقازيق المهندس سامي بهي.

 المسؤول الإعلامي للشركة القابضة العميد محي الصيرفي، المظلة الإدارية لشركة مياه الشرب بمحافظة الشرقية، يقر بتقصير كوادر الشركة بعد أن واجهته «الوطن» بلقطات فيديو توثّق مخلّفات الخزانات وتظهر الصدأ. ويتوعد الصيرفي بمحاسبة المسؤولين عن التقصير، لكنّه يرفض الاعتراف بنتيجة تحاليل العينات المأخوذة من الخزانات، بسبب تحليلها خارج معامل الشركة.

على أن رئيس الإدارة المركزية الفنية بجهاز تنظيم مياه الشرب والصرف الصحي وحماية المستهلك المهندس خالد ضياء الدين يلقي بالمسؤولية على الشركة القابضة، موضحا أنها المسؤولة عن تطهير خزانات المياه وتنظيفها وصيانتها. أما دور جهازه فيقتصر على الرقابة والتفتيش، وفق القرارالجمهوري الصادر بتأسيس الجهاز، وفي حال رصد مخالفات، تعطى الشركة مهلة لتصويب أوضاعها – نسبة إلى حجم العطل. وإن لم يعالج العطل ترفع المخالفات إلى وزير الإسكان ومجلس الوزراء ضمن التقرير السنوى  للجهاز.

يشتكي ضياء الدين من عدم منح الجهاز الذي يراقب العمل داخل محطات المياه صلاحية إنذار شركة المياه أو فرض عقوبات عليها، ولو «أن هذا ما سيتضمنه مشروع قانون تنظيم المياه الذي لم ير النور حتى الآن». ففي حال صدوره سيعطى الجهاز الحق بـ«محاسبة الشركة القابضة والمسؤولين عنها إذا ثبت تورطهم  في مخالفات فنية أو صحية».

ويدعو ضياء الدين لاستبدال سلالم الحديد المعرضة للصدأ بسلالم من مادة مادة (الستانلس ستيل) على غرار محطة مياه القاهرة الجديدة، أو من (البلاستيك) أو الحديد المطلي المقاوم للصدأ.

مدير معهد بحوث الهندسة الصحية بالمركز القومي للبحوث والبناء  التابع لوزارة الإسكان د. عمرو حسن يقول إن عمر خزانات الخرسانة المسلحة الافتراضي يتراوح بين 20 و30 عاما، حسب مستوى الالتزام بأعمال الصيانة الدورية. مضيفا أن الكود المصري يتضمن جزءا عن الخزانات الخرسانية، موضحا أن المركز الذي وضع الكود، غير مسؤول عن متابعة عمليات إنشاء الخزانات، وإنما يقتصر دوره على وضع المواصفات والاشتراطات الفنية.

ويؤكد حسن أنه يتم تشكيل لجنة لفحص الخزان، وهي التي تقرر ما إذا كان يحتاج إلى عملية صيانة شاملة أم أن ذلك لا يجدي وبالتالي لا بد أن يخرج من الخدمه ويستبدل بخزان جديد.

مسرح التلوث 1 

ترتفع درجات السلم المتآكلة نحو 40 متراً عبر وصلات متعامدة، وصولا إلى خزان المياه المثبت فوق أعمدة خرسانية بمحطة «مجمع آبار الزراعة». وعلى عمق ثلاثة أمتار أسفل درجات السلم، لا ينقطع ضجيج مضخات رفع المياه إلى الخزان، الذي تبلغ سعته 500 متر مكعب، ويمتد على جانبيه انبوبان، يتراوح لونهما بين البني الداكن والأسود القاتم بفعل الصدأ، الأول لرفع المياه والثاني لضخها من الخزان إلى الشبكة العمومية.

يضيق السلم ويتكاثف الصدأ كلما اقتربنا من مستوى الخزان الذي يتجاوز عمره 25 عاما، وفق تقديرات مسؤولي المحطة. قطرات المياه تتساقط من فواصل ومحابس مواسيره. من مستوى قاعدة الخزان وحتى سطحه، يتخذ السلم شكلا حلزونيا وتشتد ظلمته حتى لا تكاد ترى خطوات قدميك، لولا ضوء يتسلل من نوافذ زجاجية محطمة. قرب نهاية السلم يتسرب خيط نور من باب صغير موارب ليبشرنا بالوصول إلى سطح الخزان.

السطح دائري بقطر ثمانية أمتار، يحوي ثلاث فتحات طول كل منها متر بعرض نصف متر. اثنتان منها بدون غطاء، أما الفتحة الثالثة فعليها غطاء من الصاج بثقوب عديدة. على السطح أيضا، سياج حديدي بارتفاع متر، في وسطه مخروط خرساني يعلوه فنار «منارة» معطل، حسبما يؤكد العامل. ويفترض أن تتلألأ  لمبة الفنار ـ في حال صلاحيته – بضوء أحمر متقطع إذا امتلأ الخزان وكذلك في حالات الطوارئ.

من إحدى فتحات السطح المكشوفة، يتدلى سلم صدئ يصل إلى عمق المياه الراكدة، التي يعاد ضخها في شبكة المياه العمومية. أشعة الشمس تخترق ظلمة الخزان عبر الثقوب والفتحات المكشوفة لتنعكس على مياه ذات لون داكن مائل للون الأخضر.

لدى اطلاعه على مقاطع الفيديو التي توثّق حال الخزان، يفسر أستاذ تلوث المياه بالمركز القومي للبحوث الدكتور حملي الزنفلي قتامة لون المياه بوجود «طحالب» تكاثرت نتيجة ترك الخزان مكشوفا.

حال هذا الخزان تخالف الشروط الفنية لأعمال التشغيل والصيانة في محطات تنقية مياه الشرب الحكومية، الصادرة ضمن الكود المصري بقرار وزير الإسكان رقم 331 لسنة 2007، وينص الكود على أنه: «يمنع منعاً باتاً استعمال خزانات لمياه الشرب تكون غير مغطاة، لأنها تكون عرضة للتلوث بالأتربة والملوثات الجوية والطيور والحيوانات والقوارض (..) كما تكون عرضة لبقاء مخلفات ومواد بها نتيجة إهمال أو تخريب متعمد، وبالتالي تتكون الطحالب وتنمو بسرعة وينتج عنها طعم ورائحة علاوة على نمو اليرقات والديدان».

مستوى المياه في الخزان لا يتجاوز ثلثه. ولا تقتصر طبقات الصدأ على السلم الحديدي المتهالك، بل تتراكم أيضا على ماسورة التغذية الحديدية ذات الشكل الإسطواني بقطر 30 سنتيمترا، وهي تخترق الخزان على شكل حرف (U). وتتساقط طبقات الصدأ في أرضيته بمجرد لمس الماسورة.

في الأرضية تظهر فتحة أنبوب سحب المياه للشبكة العمومية. وهذا يخالف الكود المصري للشروط الفنية لأعمال إنشاءات الخزانات، الذي ينص على أن يكون مخرج الخزان مرتفعا قليلا عن أرضيته.

الكود المصري لمياه الشرب

يتضمن الكود المصري لتشغيل وصيانة محطات تنقية مياه الشرب وروافعها، شروطا فنية لأعمال التشغيل والصيانة التى يفترض أن تلتزم بها محطات تنقية مياه الشرب وروافعها وشبكاتها ومحطات الرفع وفقا للقانون رقم 6 لسنة 1964، ويعتبر الدليل  الذي تعتمد عليه الشركة القابضة لمياه الشرب وفروعها في تيسير العمل داخل محطات  المياه الحكومية.

ويؤكد رئيس الإدارة المركزية الفنية بجهاز تنظيم مياه الشرب ضياء الدين، أهمية أن تكون مخارج الأنابيب أعلى من أرضية الخزان وتتراوح بين 30 إلى 50 سم، لكي لا تترسب أي شوائب في قاعه وتتسرب إلى الشبكة.

مسرح التلوث 2 

حال المياه لا تختلف في محطة «رافع مياه الزراعة» على أطراف مدينة الزقازيق التي تغذي قرى مركز الزقازيق بمياه الشرب (75 قرية يقطنها أكثر من 600 ألف نسمة). وتحوي خزانا استراتيجيا؛ مسطحا مستطيلا من الخرسانة سعة 7200 متر مكعب، يمتد بطول المحطة ويغوص في الأرض نحو ثمانية أمتار بارتفاع مترين فوق سطحها، وتبرز من سقفه الخرساني أنابيب حديدية على شكل حرف «ل» مقلوبة يطلق عليها «كوع»، وتمثل مخرج تهوية، بحسب عبد الكريم.

يتبع هذا الخزان قطاع محطات مياه الشرب الخاصة بقرى مركز الزقازيق، والذي يضم سبعة خزانات علوية «صهاريج» وخزانا استراتيجيا آخر، بحسب رئيس القطاع المهندس عادل يوسف.

سنوات بدون تنظيف

في أحد أركان الخزان، تكشف فتحة مربعة عن المياه بداخله، وتبرز من وسط المياه بقايا سلم حديدي، أكل الصدأ درجاته التي تتساقط كسرات منها كأوراق الشجر بمجرد غمرها بالماء. ويجزم موظف بالمحطة يرفض الإفصاح عن اسمه، بأن الخزان لم يتم تنظيفه منذ أكثر من خمس سنوات، ولم تفرغ المياه منه طيلة هذه الفترة، مرجعا ذلك إلى صعوبة تفريغه، فهو يغذي عشرات القرى والنجوع، رغم أن الكود المصرى لتشغيل وصيانة محطات مياه الشرب الحكومية ينص على تصفية الخزان كل 6 أشهر بصفة دورية لتنظيفه.

رئيس القطاع المهندس عادل يوسف، يرفض التعليق على تشخيص العامل، بل يكتفي بالإشارة إلى ضغوط استهلاك متزايدة على الخزان الذى يغذي معظم قرى مركز الزقازيق، «لكن لا يمكن أن تصل إلى هذه المدة التى ذكرها العامل». وحول تآكل السلم الحديدي، يؤكد يوسف أن الشركة ستقوم بـ«صيانة الأجزاء المتهالكة داخل الخزان في وقت قريب».

الخزان ينقسم إلى جزئين يفترض أن يكون أحدهما بديلا عن الآخر أثناء الصيانة أو التنظيف، لكن الضغط على الشبكة وتزايد معدلات الاستهلاك دفعا مسؤوليها لاستخدام الجزئين معا كخزان واحد.

وأثناء جولة «الوطن» في محطة الزقازيق الرئيسية للمياه – إحدى المحطات الخمس التي جال فيها معد التحقيق – يرفض عبد الكريم السماح بالاقتراب من الخزان أو تصويره من الداخل، منبها إلى أن محاولة فتحه يمكن أن تتسبب بسقوط سقفه المتحرك المؤلف من بوابات حديدية متلاصقة بها عيوب تتطلب صيانة.

لكن مصدرا في شركة مياه الشرب بالشرقية، يقول إن بعثات التفتيش التي ترسلها الشركة القابضة أو الجهاز، تضم غالبا شخصين أو ثلاثة يقتصر دورهم على متابعة ما يحدث على مدى العام من خلال الأوراق التي تعدها شركة المياه. ويتفقدون أيضا معمل التحاليل لكنهم لا يجولون فعليا على أرض الواقع في منشآت المحطات لفحصها.

لون ورائحة

لون المياه الداكن ورائحتها العفنة، يخالفان المواصفات القياسية المصرية لمياه الشرب التي تنص على «أن تكون المياه خالية من العكارة، وعديمة اللون والطعم والرائحة، وأيضا خالية من المواد المضرة بالصحة، أكانت كيميائية أو بكتيرية».

لكن هذه المخالفات التي رصدها ووثقها  التحقيق، كانت مجرد «قمة جبل الجليد» حسبما كشفته تحاليل عينات مياه أجريت في مركز التحاليل الدقيقة التابع لجامعة القاهرة، أحد المراكز البحثية الحكومية. وحددت الباحثة بالمركز هبة الله محمد، المتخصصة في تلوث المياه، الشروط العلمية لسحب العينة، وكيفية نقلها من محافظة الشرقية التي تبعد عن مركز التحاليل 80 كيلومتراً عبر طرق من المعتاد أن تشهد زحاما في حركة المرور.

وتتضمن الشروط غسل زجاجات العينات بالماء المقطر جيدا قبل سحب العينات، وأن تسحب العينة، ثم تنقل إلى القاهرة في نفس اليوم باستخدام ثلاجة صغيرة مخصصة لهذا الغرض، لضمان عدم تأثر العينات بالحرارة والعوامل الجوية الأخرى.

سحبت «الوطن» عينات مياه من خزان علوي «صهريج» وآخر أرضي، وفقا للشروط التي حددتها الباحثة. وكان ذلك أثناء زيارة «الوطن» لـخمس محطات حكومية، و بعد هذه الزيارات برفقة عدد من المهندسين والكيميائيين العاملين بها، دون معرفتهم بسحب العينات التي تم وثقت بالصوت والصورة.

بعد عشرة أيام أظهرت نتيجة تحليل العينات ارتفاعا كبيرا في نسب الحديد والرصاص والنيكل والبكتيريا عن النسب المسموح بها، وفقا للمواصفات القياسية لمياه الشرب في مصر حسب الجدول التالي:

Untitled

Untitled333333

Untitled444444444444444

التحاليل حكر على الشركة

وفي زيارة إلى المقر الرئيسي للشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، عرضت «الوطن» فيديوهات توثّق ما رصده التحقيق على الصيرفي، وكان رده المطالبة بـ«تقديم أسماء هذه المحطات لمحاسبة المتسببين عن هذا الإهمال». ولدى مواجهته بنتائح تحليل العينات، قال في البداية إن «الطريقة التي سحبت بها غير عملية».

وبعد إبلاغه بأن سحب العينات تم وفقا لشروط علمية حددها متخصصون بمركز البحوث الدقيقة، عرض الصيرفي تشكيل لجنة من المتخصصين بالشركة لمرافقة معد التحقيق، وسحب عينات أخرى لتحليلها بمعمل الشركة «المرجعي». وأكد أن الشركة لا تعترف إلا بالنتائج التي تخرج من المعمل المرجعي لمياه الشرب، رافضا الاعتراف بنتائح التحاليل التي أجريت بجامعة القاهرة، رغم أنها جهة محايدة.

من جانبه، يؤكد رئيس قطاع المشروعات بشركة مياه الشرب بالشرقية  المهندس شاكر عبد الفتاح أن الشركة تعتمد على شبكة معامل موزعة في جميع مراكز المحافظة، تسحب 503209عينة سنوياً. وتسحب العينات إما من  منازل مستهلكين في حال الشكاوى، أو عبر مراحل المعالجة المختلفة. ويوضح أن النتائج تظهر مطابقة كيميائية وبيولوجية بنسبة 99.9%، وأن إنتاج المياه تتم متابعته من خلال معامل الشركة والتأكد من مطابقتها للمواصفات المصرية.

قرار وزاري على الورق

وكيل وزارة الصحة بالشرقية د.عصام عامر يقول إن المحافظة تضم 70 مفتش صحة يتولون التفتيش على 39 محطة رئيسية، منها 30 تحوي خزانات بينما تضخ المحطات التسع الأخرى في شبكة المياه مباشرة، بحسب بيانات شركة مياه الشرب بالشرقية. ويسحب المفتشون عينات من المحطات الحكومية في حال ورود شكاوى أو حالات تسمم، ثم يحللونها بمعامل الوزارة. وإذا أثبتت التحاليل عدم صلاحية مياه الشرب تخطر شركة المياه، لإتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه مصدر التلوث. وينفي د. عامر وجود مراقبة دورية على خزانات المياه داخل محطات مياه الشرب، رغم قرار وزير الصحة رقم 166 لعام 2001، الذي يكلف مفتشي الصحة بالتأكد بصفة دورية من استيفاء خزانات المياه للاشتراطات اللازمة بحسب الكود المصري لتشغيل محطات مياه الشرب، ومن وجود بطاقة صحية لكل خزان مدون فيها موقع الخزان ونوعه والمادة المصنوع منها ومادة العزل ومادة التبطين ومواعيد التطهير.

ويشير د. عامر إلى أن قرية الزهراء التابعة لمركز الزقازيق شهدت تسمم 82 من أبناء القرية بسبب تلوث المياه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2013 . وقطعت المياه عن القرية بالكامل، بعد سحب عينات منها. وأظهرت التحاليل خلو المياه من الكلور. وأعادت شركة المياه ضخ الكلور في الشبكة لكن تبين أن النسبة تتجاوز الحد المسموح به فتم قطع المياه مجددا عن القرية حتى ضبط النسبة، وأظهرت عينة ثالثة جودة المياه.

الفلاح الأربعيني سالم حسين من قرية السلام التابعة لمركز بلبيس ينتمي إلى قطاع كبير من أسر لا تجد بديلا عن شرب هذه المياه. ويقول حسين الذي تكسو وجهه سمرة نيلية «إحنا اتعودنا عليها خلاص لأن مفيش غيرها». ويضيف الرجل نحيل الجسد: «طوال عملي في أرضي بشرب من ماكينة المياه الإرتوازية التي تروي الأرض». ولتأكيد ذلك يلف حسين ذراعه حول ماسورة الماكينة الهادرة ويضع فمه في طريق تيار المياه المندفع ليروي عطشه. ثم يشد قامته وهو يمسح بقايا قطرات المياه عن فمه قائلا: «الميه دي أفضل من مية الحكومة».

“تنظيم مياه الشرب” وحماية المستهلك

يتبع جهاز تنظيم مياه الشرب وزارة الإسكان، وهو مكلف بالرقابة والمتابعة والإشراف على شركات مياه الشرب في الجمهورية، وتحقيق التوازن بين مصالح جميع الأطراف في إطار من المبادئ العامة المتمثلة بالشفافية والكفاءة وحماية حقوق المستهلكين للارتقاء بخدمات مياه الشرب.

قانون تنظيم قطاع المياه

ينظم مشروع قانون تنظيم قطاع مياه الشرب الذي لم ير النور حتى الآن بعد ثماني سنوات على وضع مسودته الأولى، العلاقة بين الجهات المسؤولة عن قطاع مياه الشرب والصرف الصحي من حيث تقديم الخدمة ودور جهاز تنظيم مياه الشرب والصرف الصحي وحماية المستهلك في إصدار التراخيص اللازمة لمزاولة نشاط مياه الشرب والصرف الصحي. كما يحدد حقوق وواجبات المستهلكين واستثمارات القطاع، ويعد جزءا مكملا لهيكلة قطاع مياه الشرب والصرف الصحي التي تستهدف ضمان سلامة وصول الخدمات للمواطنين، طبقاً للمواصفات والمعايير.

أحيل المشروع إلى اللجنة التشريعية بمجلس الوزراء في أغسطس/ آب 2010. وفي مطلع 2013، خضع للنقاش أمام لجنة الإسكان بمجلس الشورى بحضور وزير مرفق مياه الشرب والصرف الصحي آنذلك الدكتور عبد القوي خليفة، تمهيدا لإقراره رسمياً، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.

000000000000000000000

لماذا الشرقية؟

اختارت «الوطن» محافظة الشرقية لإجراء هذا التحقيق لعدة أسباب؛ أبرزها الكثافة السكانية لمركز المحافظة (مليون نسمة)، كما أن المحافظة نموذج لأغلب محافظات الجمهورية في الاعتماد على مصدري مياه رئيسيين: نهر النيل  بنسبة 86 % ومياه الآبار الجوفية بنسبة 14 %. وكذلك جراء قدم شبكة مياه الشرب، بما فيها الخزانات التي يتجاوزعمرها ربع قرن، وفقا للمهندس إبراهيم عطية الذي يعمل ضمن فريق المنحة اليابانية الداعم لمشروع إدارة توزيع المياه.

ويوجد في المحافظة 30 خزانا أرضيا وعشرات الخزانات العلوية «الصهاريج»، وفقا للبيانات الصادرة عن قطاع الدعم الفني لمياه الشرب بالزقازيق.

وتنتج شركة مياه الشرب والصرف الصحي بمحافظة الشرقية أكثرمن 362 مليون متر مكعب سنويا تقريبا، بحسب المهندس شاكر عبدالفتاح رئيس قطاع المشروعات.

بدائل لمياه الشرب الحكومية

بعد أن أصبح طعم المياه ورائحتها ولونها حقيقة ملموسة للأهالي في قرى الزقازيق، بات عشرات الآلاف منهم يعتمدون على مصادر بديلة أو يستخدمون مرشحات (فلاتر) لتنقيتها. ومن أبرز هذه المصادر محطات تنقية مياه الشرب التي أنشأتها فروع الجمعية الشرعية بالمحافظة، ويتجاوز عددها 45 محطة تخدم 540 ألف مواطن مجاناً، بحسب مدير إدارة التنمية بالجمعية الشرعية الرئيسية وائل علون، الذي يقول إن الجمعية توفر مياه شرب نظيفة وصالحة للاستخدام الآدمي في القرى المحرومة من المياه الصالحة للشرب، كما توفر المحطة في اليوم الواحد 24 ألف لتر مياه نظيفة يستفيد منها 12 ألف نسمة.

الشركة القابضة لمياه الشرب

تعتبر الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، الجهة المناط بها إدارة وتشغيل وصيانة محطات مياه الشرب  الحكومية على مستوى الجمهورية، وفقا لقرار رئيس الجمهورية رقم 135 لسنه 2004. وتتولى عملية تنقية وتحلية ونقل وتوزيع وبيع مياه الشرب، وهي تضم 23 شركة فرعية في 21 محافظة.

أنجز هـذا التحقـيـق بـدعم وإشراف من شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائيـة عربية)

Untitled9999999999999


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.