حقول الشرقية الخصبة من مزارع قمح إلى ملاعب كرة القدم

14 نوفمبر 2013

تقترب عقارب الساعة من الموعد الذى حجز فيه محمود صلاح الملعب لمدة ساعتين تبدأ من الثامنة مساء، بعد دفع قيمة الإيجار، يتجه صلاح إلى غرفة تغيير الملابس مع أصدقائه لبدء المباراة.

يمرر اللاعب الكرة بحرفية كبيرة إلى زميله ليسدد هدفًا جميلاً، لكن الهتافات الحماسية لا تنطلق من حول الملعب، فالجمهور ليس إلا أعواد الذرة والقمح!

هذا الملعب ليس إلا واحدًا من بين عشرات الملاعب التى تنتشر سريعًا فى قرى الشرقية لتعوض أعباء الزراعة التى لم تعد مجزية كما كانت فى الماضى.   

رصدت «المال» من خلال هذا التحقيق نحو 200 ملعب فى محافظة الشرقية، قامت على حوالى 100 فدان من أخصب الأراضى الزراعية فى مصر، كانت تنتج أجود أنواع القمح والذرة والأرز بواقع 350 ألف طن من محصول الأرز أو 230 ألف طن من القمح، أو 250 ألف طن من الذرة الشامية فى العام.

ومع الارتفاع الصاروخى فى تكلفة الأسمدة والمبيدات وانخفاض أسعار بيع المحاصيل ازداد الفلاحون فقرًا، وفى أوائل عام 2012، راودت أحدهم فكرة تحويل مساحة من أرضه الزراعية إلى ملعب مغطى بالترتان «النجيل الصناعى»، لتأجيره بالساعة لشباب القرية، وسرعان ما قام غيره من الفلاحين بتقليده، لتنتشر الظاهرة فى أنحاء المحافظة، ويصل مردود إيجار الملعب إلى حوالى 60 جنيهًا للساعة نهارًا وحوالى 100 جنيه فى المتوسط ليلاً.

ومع الوقت لم يعد يمر بضعة أشهر إلا ويتحول نصف فدان من أخصب الأراضى الزراعية، إلى ملعب لكرة القدم يفترشه النجيل الصناعى، ويحيط به سور لمنع الكرة من الوقوع فى “حقول الذرة أو الأرز”

يقول عرفة السيد، ابن قرية سمارا بمدينة ديرب نجم، الذى كان يمتهن زراعة القمح والذرة والأرز، إن دخله بسيط لا يتعدى 20 ألف جنيه سنويًا من زراعة فدان و10 قراريط “الفدان يعادل 24 قيراطًا”.

ويعترف بأنه قام بتحويل نصف فدان من أرضه إلى ملعب لكرة القدم، قائلاً: أغلبية فلاحى المحافظة ممن لديهم القدرة المالية يقومون بتحويل جزء من أراضيهم إلى ملاعب مفروشة بالنجيل الصناعى.

ويحتل الملعب، الذى يتكلف حوالى 300 ألف جنيه مساحة من الأرض تصل إلى نصف فدان، يحيطه سور من الخرسانة أو السلك المشدود على أعمدة حديدية، لمنع الكرة من العبور إلى الزراعات المجاورة، وتعلو الأعمدة كشافات كبيرة للاستخدام ليلاً، كما تقام على جانب الملعب غرفة لخلع الملابس، وأخرى لدورات المياه، وثالثة عبارة عن كافيتريا صغيرة، وتحيط ذلك زراعات الذرة الشامية والأرز من ثلاث جهات.

صبحى رضوان، مزارع قام بتحويل قطعة من أرضه إلى ملعب لكرة القدم، قال إن المساحة الخضراء التى تصلح لعمل ملعب تكون عادة 42X 22 مترًا، وذلك كى تسمح بلعب فريقين كل فريق يتكون من 5 أفراد، موضحًا أنه كلما كانت مساحة الملعب كبيرة كان أفضل للاعبين، ويرتفع بالتالى سعر الإيجار بالساعة.

ويكمل قائلاً: إن عدد الساعات التى يتم تأجير الملعب فيها خلال اليوم تصل فى بعض الأحيان إلى 10 ساعات ليكون إجمالى المتحصل من إيجار ساعات اليوم 740 جنيهًا فى المتوسط، أى 22 ألفًا ومائتى جنيه شهريًا، يدفع منها 5 آلاف جنيه ثمنًا لوقود المولد الكهربى، وأجرة العمال، ويتبقى 17 ألفًا ومائتى جنيه صافى ربح وهو ما يعادل دخل الفدان على مدار عام كامل.

ويغطى المشروع تكلفته خلال 15 شهرًا وله جاذبية استثمارية لدى الفلاح، لأنه يوفر مصدر دخل يومى يزيد على 500 جنيه، مما يعوض الفلاح عن انتظار المبالغ البسيطة التى يجمعها من الحصاد بعد انتظار فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، وغالبًا ما يكون مدينًا بنصفها لتجار البذور والأسمدة.

ولا يسعى الفلاح إلى استصدار أى تراخيص للملعب حين إنشائه، وذلك ببساطة لأنه غير قانونى، وعوضًا عن المسائل القانونية والاستثمارية يجد الشباب فى قرى المحافظة متنفسًا لهم يمارسون من خلاله الرياضة بدلاً مما لا يفيد.

الملاعب متنفس الشباب

يقول محمود صلاح، أحد شباب قرية سمارا بديرب نجم، إنه يمارس كرة القدم على ملعب القرية يوم الأربعاء من كل أسبوع، مشيرًا إلى أنه قبل إنشاء هذا الملعب قبل 8 أشهر لم يكن هو أو أصدقاؤه يمارسون اللعبة ويقضون معظم وقتهم فى المقاهى يدخنون الشيشة، كما كان بعضهم يتعاطى المخدرات.

ويضيف: ملعب النجيل الصناعى أضاف الفرحة وروح التنافس بين شباب القرية.

أما حمدى محمد جمعة، أحد شباب القرية، فقال إنه يمارس كرة القدم ثلاث مرات أسبوعيًا، وأضاف أنه قبل إنشاء الملعب كان يمارس كرة القدم على ملعب نادى شباب ديرب نجم التابع للشباب والرياضة، لكن ذلك كان يمثل عبئًا ماديًا من حيث التنقلات ورسوم الدخول إلى جانب إيجار الملعب الذى يصل إلى ضعف إيجار ملعب القرية.

يرى المهندس محمد أشرف، رئيس مجلس إدارة شركة تبارك لأعمال «اللاندسكيب» والنجيل الصناعى، التى قامت بتنفيذ العديد من ملاعب النجيل الصناعى بمحافظة الشرقية، إن هذا الاتجاه لتحويل الأراضى إلى ملاعب بالنجيل الصناعى ينتشر سريعًا فى المحافظة، وأن مالكى الأراضى الزراعية يسعون إلى ذلك بسبب ربحية المشروع العالية مقارنة بدخل الزراعة.

وأضاف أنه نظرًا لأن تكلفة إنشاء ملعب نجيل صناعى مرتفعة فإن الشركة تقوم – إذا لم تتوافر لدى الفلاح السيولة المالية – بتنفيذ المشروع وتشغيله لحسابها مع دفع هامش ربح لصاحب قطعة الأرض، ثم يؤول الملعب بعد تغطية التكلفة إلى صاحب الأرض.

وأوضح أن خطوات الإنشاء تشمل تسوية الأرض ودكها بالرمال وحصى البناء وتركيب البلدورات «الحدود» الخرسانية، ثم فرش الأرض بالنجيل الصناعى، وأشار إلى أن تكلفة المتر الإنشائية تصل إلى 120 جنيهًا تقريبًا حسب نوع النجيل، حيث توجد منه أنواع عدة بينها التركى والصينى والهولندى، وفى المرحلة الأخيرة يتم بناء حمام وغرفة لخلع الملابس وكافيتريا ووضع كشافات إضاءة حول الملعب، علاوة على بناء سور خرسانى أو شباك على حدود الملعب لمنع الكرة من العبور إلى الأراضى الزراعية المجاورة.

المسئولون يهاجمون

المسئولون يهاجمون هذه الملاعب باعتبارها تهديد للأراضى الزراعية المحدودة فى مصر، وبالتالى للأمن الغذائى.

من جانبه أوضح أحمد سالم، مدير إدارة حماية الأراضى بمحافظة الشرقية، أن إجمالى عدد الملاعب التى أقيمت على أراض زراعية فى المحافظة يبلغ 69 ملعبًا وهو تصريح ينافى الواقع، حيث رصد «كاتب التحقيق» نحو 200 ملعب فى مختلف قرى الشرقية.

وتابع سالم قائلاً: هذا يؤثر على مساحات الأراضى الزراعية بالمحافظة، وتصل مساحة الأراضى إلى حوالى 900 ألف فدان، وهو ما يؤثر سلبًا على الدخل القومى.

وأشار إلى أن قانون تبوير الأرض الزراعية رقم 116 لسنة 1983 ينص على أن عقوبة المالك الذى يقوم عمدًا بتبوير مساحة من أرضه لا تقل عن غرامة 500 جنيه، ولا تزيد على ألف جنيه.

وأضاف أن الإجراءات التى تتخذها إدارة حماية الأراضى عند رصد تحويل الأرض إلى ملعب عبارة عن تحرير محضر ارتكاب أفعال من شأنها تبوير الأرض الزراعية، مشيرًا إلى أن نوع التعديات فى المحضر يكون «مبانى وملاعب»، علاوة على أن الإدارة تقوم بإبلاغ مصلحة التهرب الضريبى بإقامة مشروع يهدف للربح، وإذا تم رصد بناء سور من الخرسانة أو مبان حول الملعب يتم إبلاغ الوحدة المحلية التابع لها الملعب لاتخاذ اللازم لإزالته وفقًا لقانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008.

ويعود سالم ليبرر استمرار وجود تلك الملاعب حتى الآن بقوله: تردى الحالة الأمنية فى الوقت لا يمكننا من إزالتها، وقال إن الإدارة قامت بتحرير 69 مخالفة ضد من قاموا بتحويل أراضيهم إلى ملاعب.

وطالب سالم بتشديد عقوبة التبوير لتصل إلى الحبس قائلاً: ضعف قانون حماية الأراضى الزراعية يتيح الفرصة لتبوير الأراضى التى تعد دخلاً مهمًا للبلاد فى ظل أزمتها الاقتصادية الحالية.

من ناحيتهم يطالب المسئولون عن الشباب والرياضة بتدخل الدولة للحفاظ على صحة اللاعبين، حيث يقول عادل وليم، وكيل مديرية الشباب والرياضة بمحافظة الشرقية، إن بداية ظهور ملاعب النجيل الصناعى بالمحافظة، كانت فى شهر يناير 2012 ثم بدأت بالتوسع والانتشار فى العام الحالى.

كما يطالب وليم بأن يكون السماح بإنشاء هذه الملاعب بعد ترخيص مسبق وبضوابط وشروط أمان تضعها وزارة الشباب والرياضة للحفاظ على صحة اللاعبين، مؤكدًا أنه تتم تغطية أرضية الملعب بالخرسانة قبل وضع طبقة النجيل الصناعى، مما يؤدى إلى تدمير مفاصل اللاعبين بعد فترة من اللعب.

تم إعداد هذا التقرير الإخبارى بدعم شبكة” أريج”، ضمن برنامج تدعيم الإعلام لتغطية قضايا الإدارة العامة فى المحافظات.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.