حسين سالم نفذ إحدى صفقات بيع «ميدور» بالبورصة يوم «الجمعة» والسوق مغلقة (الجزء الأخير)

21 يوليو 2011

أسس حسين سالم شركة بترولية ضخمة فى الإسكندرية، واقترض لها ملايين الدولارات من بنوك مصرية وأجنبية، ثم باعها فى الهواء قبل أن تبدأ العمل، واحتكر عقود تقديم خدمات الكهرباء والمياه لها.. هذه باختصار قصة شركة الشرق الأوسط لتكرير البترول «ميدور»، التى ارتبط اسمها طويلا بشخص حسين سالم. قد لا تحمل المعلومات السابقة أى جديد بعد أن نُشرت فى وسائل إعلام عديدة وفجّرها الكاتب الراحل «مجدى مهنا» فى عموده «فى الممنوع»، لكن الجديد هو ما تكشف عنه مستندات صادرة عن السجل التجارى البريطانى، وتوضح العلاقة بين شركة «ماسكا»، العملاق الاقتصادى لحسين سالم فى سويسرا، وشركة الشرق الأوسط لتكرير البترول «ميدور»، التى أسسها برأسمال قدره مليار و٣٠٠ ألف دولار فى عام ١٩٩٤. كانت الصفقة قد جاءت لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتشكل نصف رأس المال من الجانب المصرى، ويمتلكه رجل الأعمال حسين سالم، والنصف الآخر (٥٠٪) للجانب الإسرائيلى، وتمثله شركة «ميرهاف»، وتم تمويل مشروع الشركة التى احتوت على مصفاة لتكرير البترول الخام وتصدير منتجاته، وإنشاء خطوط الأنابيب اللازمة للمشروع من بعض البنوك المصرية والأجنبية من خلال قروض ضخمة. وتقول مستندات صادرة عن البنك الأهلى إن حسين سالم أسس شركة ميدور للكهرباء «ميداليك» مع عدد من البنوك والشركات لتكون المزود الوحيد بالكهرباء لشركة «ميدور» لتكرير البترول، بخلاف شركة أخرى لإمدادها بالمياه، واللافت للنظر أن سجلات إنشاء شركة «ميداليك» تشير إلى أن غرض تأسيسها هو خدمة «ميدور» فقط، ما يعنى أنها تحتكر تقديم الخدمات للشركة الأم. ظلت المعلومات المتداولة فى سوق المال المصرية تشير إلى ملكية حسين سالم ومجموعته المكونة من عائلته كامل حصة الجانب المصرى منذ التأسيس فى ١٩٩٤، وحتى البيع الذى اكتمل فى ٢٠٠٢، غير أن ثمة دراسة صادرة عن المركز العربى للدراسات بعنوان «الاستثمارات الإسرائيلية فى مصر»، أشارت إلى أن شركة «ماسكا» كانت تمتلك ٢٠% من «ميدور»، ولم تذكر أن «ماسكا» مملوكة لحسين سالم أو أن جنسيتها سويسرية. تمتاز المعاملات المالية فى أوروبا وأمريكا بمزيد من الشفافية التى يضبطها القانون، وإذا كانت هذه الشفافية لم تتوافر حول صفقات حسين سالم فى مصر، فإن البيانات المحفوظة فى السجلات الغربية لا تتكتم بشكل كامل على معلومات الشركات المؤسسة على أراضيها، وكان هذا هو الخيط الذى قادنا للبحث فى شبكات المعلومات، وشراء ١٥ مستنداً من موقع «ليكسس نكسس» الأمريكى المتخصص فى البيانات المالية للشركات حول العالم، وتحكى هذه المستندات تفاصيل الصفقات التى تمت على أسهم شركة «ميدور». تقول المستندات الجديدة التى حصلت عليها «المصرى اليوم» إن الهيئة المصرية العامة للبترول قامت بشراء نسبة ٢٠٪ من رأسمال «ميدور» بسعر السهم ١٢٠٠ دولار فى نهاية عام ١٩٩٩، ثم تقررت زيادة حصة هيئة البترول إلى ٦٠٪ لتنخفض حصة حسين سالم والجانب الإسرائيلى (ميرهاف) إلى ٤٠٪ مناصفة فيما بينهما ليصبح كل منهما يمتلك ٢٠% فقط. وفى عام ٢٠٠٠ كانت النقطة الفاصلة فى بيع شركة «ميدور»، قامت مجموعة حسين سالم ببيع ١٨٪ من حصتها إلى البنك الأهلى المصرى بسعر ٤٣٠٠ دولار للسهم، فى حين أن قيمته الحقيقية قبل أقل من عام كانت ١٢٠٠ دولار للسهم وفقا للصفقة السابقة التى تمت لصالح الهيئة العامة للبترول. وبعملية حسابية بسيطة فقد ارتفعت قيمة السهم بنحو٣٦٠% خلال فترة قصيرة، رغم عدم بدء أعمال الشركة فعليا، حيث أكدت مستندات «ميدور» وميزانياتها، التى حصلت عليها «المصرى اليوم» من البورصة، أنها بدأت أعمالها فى أكتوبر ٢٠٠٢. وبالعودة إلى نفس المستندات الصادرة من «ليكسس نكسس» أكدت أن صفقة استحواذ البنك الأهلى على ٢٠% من حصة «ميرهاف» الإسرائيلية فى «ميدور» عام ٢٠٠١ جاءت بعد رغبة شركة ميرهاف الإسرائيلية فى بيع حصتها وبحثها عن مشترين، وليس بمبادرة من البنك الأهلى كما أشيع وقتها، ونفذت صفقة البيع بسعر ٤٣٠٠ دولار للسهم فى يوليو ٢٠٠١. وتعطى المستندات تفاصيل دقيقة عن ثلاث صفقات تمت على «ميدور»، وأكدت أنها تحمل أرقام «١١٨٩٧٨٩٠٤٠»، و«١١٩١٥١٢٠٤٠» و«٥٩٤٩٣٩٠٤٠». لكن المفاجأة الكبرى تفجرها المستندات، إذ تشير إلى أن إحدى هذه الصفقات تم تنفيذها بالبورصة فى ١٣ يوليو ٢٠٠١، وهو يوافق يوم جمعة، فى وقت كانت البورصة المصرية فيه مغلقة، ما يلقى بظلال من الشك والريبة حول سر تنفيذ هذه الصفقات والضغط الذى مورس على إدارة البورصة آنذاك لتمريرها. حاولت «المصرى اليوم» الوصول إلى أحد القائمين على تنفيذ صفقات «ميدور» بالبورصة، وتمكنَّا بعد عدة أسابيع من التعرف على ثلاث شركات سمسرة فى الأوراق المالية تعاملت على الأسهم، كان من بينها شركة الأهلى للسمسرة فى الأوراق المالية التابعة للبنك الأهلى، وشركة «إتش سى» لتداول الأوراق المالية، بالإضافة إلى شركة أخرى لم نتوصل إليها. لا أحد من المسؤولين السابقين امتلك شجاعة الحديث علانية عن شهادته فيما يثور من شبهات حول صفقات «ميدور»، وبصعوبة بالغة وافق أحد العاملين على تنفيذ الصفقات على الحديث لـ«المصرى اليوم» بعد محاولات عدة كانت نتيجتها الفشل بسبب تخوفه من الأوضاع السياسية وحساسية موقفه فى السوق. فى بداية تعليقه رفض الكشف عن اسمه فى مقابل الإفصاح عن أدق التفاصيل الخاصة بإحدى الصفقات التى حضرها. يؤكد المصدر، الذى تحتفظ «المصرى اليوم» باسمه، أنه تم تنفيذ من ٣ إلى ٥ صفقات على أسهم شركة «ميدور» خلال الفترة ما بين عامى ٢٠٠٠، و٢٠٠٢، ويضيف: «كنت أعمل بإحدى الشركات التى نفذت واحدة من صفقات بيع شركة (ميرهاف) الإسرائيلية لصالح البنك الأهلى»، وتم تنفيذ الصفقة بالبورصة فى تمام الساعة الخامسة، أى بعد الإغلاق بساعات، وتم تنفيذها يوم الخميس- دون ذكر تواريخ- وكان الدكتور سامح الترجمان رئيسا للبورصة آنذاك، وأبدى اعتراضه على التنفيذ بسبب عدم اكتمال الأوراق، ولأنها تنفذ فى سوق الصفقات- غير مراقب من هيئة سوق المال- يصمت برهة ثم يضيف: «لكن رجل الأعمال المصرى حسين سالم تدخل فى الصفقة وضغط على رئيس البورصة للتنفيذ». رفض المسؤول السابق الكشف عما إذا كانت التعليمات جاءت مباشرة من حسين سالم إلى رئيس البورصة، أو عن طريق آخرين، قائلا: «كل ما علمته أن رئيس البورصة تلقى هاتفا وافق بعده على التنفيذ». ويوضح فى نهاية شهادته- المسجلة بالصوت، لدى «المصرى اليوم»- أن أوراق وملفات الصفقات المنفذة على أسهم «ميدور» غير متوفرة الآن، وحتى إن توفرت فلا أحد سيفصح عنها لسبب رئيسى هو أن القانون يلزم الشركات بالاحتفاظ بالملفات لمدة ٥ سنوات فقط، وبما أن الصفقة مر عليها ١٠ سنوات فلا يوجد أحد يستطيع طلب المستندات لأنها غير موجودة فى نظر القانون. من جانبها حاولت «المصرى اليوم» الحصول على رد من الدكتور سامح الترجمان، الذى ترأس البورصة وقتها، لكن دون جدوى.. وتفاوتت تبريرات مسؤولين سابقين بالبورصة وسوق المال حول تفسيرهم لتنفيذ الصفقة فى وقت إغلاق البورصة. وقال الدكتور خالد سرى صيام، رئيس البورصة السابق: «أنا لا أعلم تفاصيل عن هذه الصفقة، لكن لو كان تاريخ النفاذ يوافق يوم الجمعة فمن الطبيعى أن تنفذ الصفقة فى أول أيام عمل تالية لإجازة البورصة، وهو يوم (الأحد)». وأضاف «صيام» أنه ربما كان عقد الاتفاق على تنفيذ صفقة يحمل تاريخين، أحدهما الاتفاق والإعلان عن الصفقة والثانى يكون لتاريخ نفاذ العقد، لكن لا يشترط أن يكون التنفيذ هو نفس تاريخ النفاذ، على حد قوله، وأن هناك اختلافاً كبيراً بين تاريخ التنفيذ والنفاذ، لأن النفاذ مرتبط ببدء سريان الاتفاق لكن التنفيذ هو تاريخ نقل الملكية طبقا للمسؤول السابق. وعلى الرغم من تبريره السابق عاد «صيام» للتأكيد على أن إجراءات نقل الملكية بالبورصة فى فترة الإجازة تتطلب قرارا إداريا من هيئة سوق المال، بشرط أن تتوافر له مبررات عدة، وبرر «صيام» وجود بعض الصفقات المنفذة بعد إغلاق التعامل، قائلا: ربما تكون مرتبطة بنهاية عام مالى وليس لمخالفة قانونية. إلى هنا ينتهى ما توافر لدينا من معلومات وتفاصيل مثيرة حول قصة «ميدور» مع حسين سالم، وربما كانت هناك أسرار أكبر وإجابات أوسع لأسئلة مفتوحة على مصراعيها، حول مدى تربح رجل الأعمال حسين سالم من واحدة من كبرى عمليات البيع فى صناعة البترول المصرية على الإطلاق، فهل تكشف الأيام المقبلة عن أى جديد؟ وحتى ذلك الحين فإن المعلومات الواردة فى الحلقات الثلاث من هذا التحقيق مطروحة للتصرف فيها من النيابة العامة والأجهزة الرقابية، حفاظا على حق المصريين فى المعرفة.. والمحاسبة إذا اقتضى الأمر.

ساعد فى إنجاز هذا التحقيق الصحفية ميراندا باتريك، والصحفى بول رادو، من مشروع مكافحة الجريمة والفساد – مركز التحقيقات الاستقصائية – سراييفو – البوسنة. وقامت شبكة «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية» (أريج) بالمساعدة فى التشبيك.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.