جيران مصـانع الإسمنت.. الحياة مع الهواء الملوث

24 نوفمبر 2014

الثورة: يحاول عبدالقادر الصلوي (54 عامًا) العامل في مصنع إسمنت عمران خفض سعاله المتواصل، خشية إيقاظ أحد أبنائه الثمانية الموزعين على غرف المنزل الأربع. لكنه سرعان ما يكتشف أن محاولاته لم تنجح حين يسمع اقتراب خطوات إبنته شفيقة وبيدها كوب ماء.

صبيحة اليوم التالي، لا أحد يتحدث في الأمر. لكن نظراته تحمل اعتذاراً وهو يتهيأ لاجتياز 1000 متر للإنضمام إلى 1500 عامل في هذا المصنع على بعد 50 كيلو متراً شمالي صنعاء.

حال عبد القادر، كحال جيران مصنع الإسمنت، لا يستطيعون النوم بعمق بسبب الغبار الذي يتنفسونه طوال اليوم.

ما إن أكملت شفيقة (28 عاماً) تعليمها الثانوي عام 2004م، حتى أخبرت والدها بأنها ستسافر لدراسة الطب بجامعة دمشق، وهو ذات التخصص الذي سبقها إليه شقيقها الأكبر رفيق المتخرج في جامعة صنعاء.

يعالج الشقيقان حالياً، المئات من مرضى الجهاز التنفسي، المنتشرين حول مصنع الإسمنت الأكبر في البلاد، الذي يبث أطنانا من الملوثات منذ إنشائه عام 1981م، وفق دراسات تقييم الأثر البيئي وتقييم هيئة حماية البيئة.

تقول شفيقة التي تعمل في مركز ألفا الطبي الخاص القريب من المصنع: «نصف المرضى – المقدر عددهم بنحو 40 حالة يومياً- يشكون من أمراض تنفسية متنوعة، تبدأ بالسعال وتنتهي بالتهابات الرئة المزمن».

شقيقها الدكتور رفيق الذي يعمل في عيادة المصنع، يؤكد أنه يستقبل في المتوسط 20 حالة مرضية يومياً من العاملين والسكان المجاورين. ويقول: «أعامل جميع المرضى كما لو كانوا والديّ، لكن المرض لا يعاملهم بذات الطريقة، بل يأخذهم نحو فقدان القدرة على التنفس تدريجياً».

مع تقدم العمر تزداد خطورة غبار الإسمنت على الأجهزة التنفسية وعيون السكان القاطنين في محيط تسعة مصانع إسمنت في اليمن، (ثلاث منها حكومية). اختار منها معد التحقيق مصنعي «عمران» و»البرح» الحكوميين؛ لقياس الأضرار الناجمة عن السكن بجوارهما.

وتوصل معد التحقيق إلى أن المناطق المحيطة بالمصنعين تشهد أعلى نسب إصابة بأمراض العيون والجهاز التنفسي (خمسة أضعاف عدد المرضى في مناطق بعيدة عن تأثير المصنعين)، وفق نتائج استبيان لعينة عشوائية من الأهالي.

ويستمر مسلسل عدم إلتزام مصانع الإسمنت بمعايير الحماية البيئية، جراء ضعف دور هيئة حماية البيئة في إجبارها على خفض التلوث؛ لافتقارها لأجهزة قياس التلوث، ما يحول دون إجراء الفحوص الفنية لكمية الإنبعاثات واثبات المخالفة، إلى جانب القصور القانوني في تحديد الجهة المناط بها منح التراخيص ومهام الرقابة على مصانع الإسمنت.

هذا الوضع دفع هيئة حماية البيئة للمطالبة في عام 2007م بتعديل قانون حماية البيئة. على أن محاولات تطوير التشريع لم تسفر عن نتائج، إذ لا يزال مشروع تعديل القانون قابعا في أدراج وزارة الشؤون القانونية بعد 20 عاماً على سنّه بحسب رئيس الهيئة التي تهدف من التعديل الحصول «على صلاحيات أوسع، واعتمادها نافذة وحيدة لمنح التراخيص».

ويؤكد رئيس الهيئة السابق محمود شديوة أن مشروع تعديل القانون منذ ذلك الوقت في وزارة الشؤون القانونية، ومكتوب علي مسودة المشروع: «يرسل إلى الجهات ذات العلاقة لإبداء الرأي». من جانبه لم يذكر وكيل وزارة الشؤون القانونية لقطاع التشريعات د. مطيع جبير سبباً لتأخر المشروع. ويقول لكاتب التحقيق: «إذا كانت علاقتك جيدة بموظفي الهيئة؛ أبلغهم الحضور لمناقشة التعديلات المقترحة على القانون».

أرقام مفزعة

مصنع إسمنت عمران ينتج مليون ونصف (المليون) طن سنوياً، مصحوبة بأطنان من الملوثات تحملها رياح سرعتها 8 أمتار في الثانية «تسمى السرعة الشائعة»، وفق دراسة لتقييم الأثر البيئي أعدها عام 2005 الدكتور معتصم الفاضل من كلية الهندسة البيئية في الجامعة الأمريكية في بيروت وإبراهيم علم الدين المختص البيئي والدكتور محمد المشجري المختص في هيئة حماية البيئة، بتمويل الوكالة الأميركية للإنماء الدولي (USAID).

في عام 2009م سجّل المصنع أرباحا قدرها 3.8 مليار ريال (14 مليون دولار)، انعكست عام 2012م إلى خسائر بمليار ريال يمني (4.66 مليون دولار).

تقدّر الدراسة كمية الغبار المصاحبة للإنتاج يومياً بمعدل 1820.3 «يو بي جي» (وحدة قياس لكمية الغبار بالملليغرام في المتر المكعب من الهواء)، وهي أعلى بنسبة 364 % عن الحد المسموح به في لائحة قانون حماية البيئة لعام 1995م والمحددة بسقف 500 «يو بي جي».

في دراسة عرضها خلال مؤتمر في عدن في مايو/ أيار 2013، يقدّر أستاذ الهندسة بجامعة عدن الدكتور أحمد حنشور بأن ثاني أكسيد الكربون يشكّل 40 % من كمية الغازات الناتجة عن صناعة الإسمنت، ويعد أكبر عامل مؤثر يسبب الأمراض للعاملين والسكان المجاورين.

أنظر جدول (1) 

خلال ستة شهور، رصد معد التحقيق آثار التلوث على مرضى يراجعون مستشفى عمران الحكومي، في فصول مختلفة.

تكشف السجلات الطبية أن المستشفى استقبل خلال النصف الأول من عام 2013م (1369) مريضاً يشكون من أمراض تنفسية مختلفة، من بين 41968 حالة مرضية، في مدينة عمران (مركز المحافظة) التي يقطنها 96375 نسمة. يقطن عمران 10 % من سكان المحافظة المقدر 1.05 مليون نسمة، وفقاً للتقديرات الرسمية عام 2011م.

لاحظ معد التحقيق تزايد أعداد مرضى الجهاز التنفسي خلال الأشهر الأربعة الأخيرة للنصف الأول من العام (آذار/ مارس – يونيو/ حزيران). إذ ارتفع العدد طبقًا للبيانات الرسمية من 206 حالات في شهر يناير/ كانون ثاني إلى 235 في مارس/ آذار و(241-289-217) للأشهر أبريل، مايو ويونيو على التوالي، رغم انقضاء فصل الشتاء واعتدال الطقس، ما يشير إلى ثبات العامل المسبب للمرض.

وتتبع بيانات السجلات الطبية التي تحدد منطقة سكن المريض ليكتشف أن 70 % من مرضى الجهاز التنفسي لا تبعد مساكنهم عن مصدر الغبار، أكثر من خمسة كيلو مترات، وهي ضمن المنطقة الخطرة، التي حددتها تقارير مكتب منظمة الصحة العالمية بالشرق الاوسط وأوردها لمعد التحقيق مكتب المنظمة بصنعاء، بواقع دائرة نصف قطرها 15 كيلو متراً من مصدر الغبار، وما يلي ذلك يعد آمناً.

 طبيب الأطفال أحمد الصوحي، لا يتوقف عن توبيخ الأهالي لعدم إبعاد أبنائهم عن الغبار، البرودة والغازات. ويقول الصوحي بعد أن وضع على السرير طفلاً كان يحمله بيد واحدة «معظم الأطفال لديهم التهابات تنفسية بسبب المصنع، وعوامل أخرى أبرزها؛ المبيدات المستخدمة في الزراعة»، ويؤكد على أن «مخلفات المصنع أكثر خطراً بحكم ديمومتها».

على كرسي إسمنتي محفور عليه عبارة: «مصنع إسمنت عمران يتمنى لكم الشفاء» يجلس ناجي حسن (55 عاماً) حاملاً طفله الصغير، وإلى جواره إبنه الآخر. يحاول يدوياً تحريك لعبة كي تلهي الصغير عن البكاء قبل الدخول إلى الطبيب. يقول ناجي: «تركناه في المنزل ثلاثة أسابيع يعاني السعال ولم يتحسن».

تشخيص الطبيب الصوحي للصغير : «لدى الطفل قابلية للتأثر بالعوامل الخارجية» وقال: «طفل واحد من أسرة متوسطة العدد قد يصاب بأمراض التحسس بفعل العوامل الوراثية».

 تقدر إحصائية صادرة عن وزارة الصحة في عام 2011م، مرضى الجهاز التنفسي بمحافظة عمران بواقع 59,134 مريضًا، أي 23.8% من إجمالي المرضى البالغ عددهم 248,789، وفق التقديرات الرسمية لنفس العام.

يشكّل عدد مرضى الجهاز التنفسي في عمران 10.6% من مرضى الجهاز التنفسي في الجمهورية اليمنية المسجلين في بيانات وزارة الصحة البالغ عددهم 559,585 مريضاً، من إجمالي عدد السكان المقدر بـ 22.8 مليون نسمة.

باحتساب هذه المعادلات تكون نسبة الاصابة بأمراض تنفسية في عمران إلى إجمالي عدد السكان 5.63 % فيما هي على مستوى بقية المحافظات الأخرى 2.45 % فقط.

أنظر جدول (2)

تزايد أعداد المصابين بأمراض الجهاز التنفسي، دفع أطباء إلى هجر مدينة عمران، التي لا يتجاوز عدد الأخصائيين فيها 13 أخصائياً يقدمون الخدمة الصحية لأكثر من مليون نسمة، وفق تقرير وزارة الصحة لعام 2011م، بنسبة تقل 100 مرة عن المعدل العالمي البالغ 13 طبيباً لكل 10 آلاف نسمة، وفقاً لمكتب منظمة الصحة العالمية في صنعاء.

أخصائي الأمراض الصدرية الدكتور خالد الأهنومي الذي نقل أسرته إلى العاصمة، يقول: «لم نعد نحتمل، لكني أعود يومياً لأجل المرضى الذين يعاني نصفهم أمراضاً تنفسية مثل الربو المزمن، التهابات الشعب، أمراض الرئة، السل، آلام الصدر والتصلب والتليف الرئويين (السليكوز)».

وفقاً لإستبيان وزّعه كاتب التحقيق على 100 شخص في منطقة نصف قطرها خمسة كيلومترات في محيط مصنع عمران، أفاد 50 % من السكان أنهم أصيبوا بالسعال، 20 % منهم كان سعالهم متواصلاً. هذه النسبة تفوق خمسة أضعاف نتائج عينة مماثلة في العدد تقطن منطقة المقارنة (السلاق)، على بعد 50 كيلومتراً عن أقرب مصنع إسمنت، إذ لم تتجاوز النسبة في العينة الثانية 10 %.

 مصنع البرح

 ذات المشكلات الصحية، تواجه السكان في محيط مصنع إسمنت (البرح) على بعد 15 كيلومتراً من مدينة تعز (265 كيلومتراً جنوب غرب صنعاء)، وبدأ العمل فيه عام 1993م، وينتج 500 ألف طن سنوياً، بحسب البيانات السنوية للمصنع.

يصاب بأمراض الجهاز التنفسي المزمنة 6 % من السكان في المنطقة الواقعة ضمن دائرة نصف قطرها خمسة كيلو مترات من مصنع البرح، بحسب نتائج استبيان أعده كاتب التحقيق، فيما لم تتجاوز النسبة 1 % في منطقة المقارنة «السلاق» التي تتبع محافظة أب، وتفصلها 50 كيلومتراً عن أقرب مصنع إسمنت.

أنظر جدول (3)

أمراض العيون

 مخاطر التلوث الناجم عن مصانع الأسمنت، لا تقتصر على الجهاز التنفسي فقط، إذ تؤكد طبيبة العيون في مستشفى الكويت الحكومي بصنعاء، آمال الذبحاني، أنها تجري أسبوعيًا عشرات العمليات لإزالة (الملتحمة). وتقول إن خمساً إلى سبع منها لمرضى قادمين من محافظة عمران.

تشرح الطبيبة الذبحاني: «الغبار يؤدي إلى تهيّج في غشاء العين وتكوّن الملتحمة التي تؤثر على الرؤية مع مرور الوقت، وكلما كان السكن قريبًا من مصدر الغبار، كانت الإصابة أكبر». وبالنسبة للقادمين من مناطق قرب مصنع عمران «نجري لهم عملية إزالة الملتحمة لكننا لا نزيل السبب» على ما تضيف.

طبقاً لإحصائية عام 2010 الصادرة عن وزارة الصحة، بلغ عدد من يعانون أمراضاً مختلفة في العيون بمحافظة عمران وحدها 10194 مريضًا، أي 21 % من إجمالي مرضى العيون المسجلين في اليمن البالغ عددهم 48568 مريضًا.

تقادم فلاتر تنقية الهواء

إدارة مصنعي عمران والبرح، لم توفر لمعد التحقيق بيانات الأرباح السنوية لهما، بحجة تذبذب الإنتاج، ركود السوق وارتفاع الميزانية التشغيلية بخاصة بند المحروقات. غير أن مشكلة التلوث في اعتقادهما تبدأ من محجر استخراج الحجر الجيري.

عند المحجر الذي يستخرج منه إسمنت عمران لاحظ معد التحقيق، خلال التجول بواسطة إحدى شاحنات النقل المكشوفة، أن السائق اضطر لتشغيل ماسحات الزجاج الأمامي أكثر من 3 مرات في 8 دقائق. ويقول السائق الذي فضل عدم ذكر اسمه: «إنه يزور المستشفى للعلاج كل 3 أشهر».

ويرى مدير الإنتاج في مصنع عمران محمد السلامي: «الأضرار لم تعد بالحجم الذي كانت عليه سابقاً، بسبب توفر فلاتر تنقية الهواء المعروفة بـ(البيج هاوس)، والبالغ عددها 3200 فلتر، يكلف الواحد منها 120 دولاراً».

يحمّل السلامي السكان جزءاً من المسؤولية قائلاً: «أقيم المصنع هنا ولم يكن يوجد سكان محيطون به، اليوم أصبحت المنطقة مزدحمة، لتوفر الكهرباء والماء وارتفاع النشاط الاقتصادي والتوظيف أحيانًا، للعديد منهم»، وهي ذات الأسباب التي دفعت السكان للاقتراب من مصنع البرح.

أشار السلامي عبر نافذة مكتبه إلى مدخنة المصنع وقال: «أنظر ما يخرج منها كمية بسيطة، وتتم صيانتها دورياً، ما أدى إلى تقليل الأضرار لأدنى مستوى. لم تعد هناك حالات مرضية كثيرة».

تشير إحصائية صادرة عن المصنع، حصل عليها معد التحقيق، إلى أنه تم إرسال 260 حالة للعلاج خارج اليمن و507 حالات داخل البلاد، بين عامي (1997-2002)، بتكلفة تزيد عن 26 مليون دولار. تندرج جميعها تحت بند إصابات عمل مثل الحوادث أو أمراض تسببها الملوثات الصناعية دون تصنيف تلك الأمراض.

ويقدّر الدكتور عمر العبسي «حاصل على البورد الأمريكي تخصص عام» بمستشفى الثورة بصنعاء، متوسط تكاليف الأدوية والكشف الدوري لمريض الجهاز التنفسي بما يتراوح بين 24 و30 ألف ريال يمني سنوياً (115 و140 دولاراً(

ويقول العبسي: «هذا المبلغ يتضاعف كلما تدهورت الحالة الصحية للمريض، ويحتاج لأن يرقد في المستشفى أو زراعة رئة بديلة». في المقابل، لا يتجاوز ما تنفقه الحكومة على صحة الفرد الواحد (15,23) ريالاً وفق بيانات الموازنة العامة للدولة للعام 2011.

يؤكد نائب مدير مكتب حماية البيئة في الهيئة العامة للاستثمار سليم هادي، أن سبب انبعاث الغبار وجود فلاتر تالفة، وهو ما يتطلب استبدالها، رغم أن تركيب منظومة فلاتر متكاملة تم قبل أقل من عامين، بحسب ما صرّح به مدير الإنتاج محمد السلامي الذي لا يستبعد ظهور فلاتر تالفة من وقت لآخر، وحينها يتم استبدال التالف، كونها المسببة لانبعاث الغبار، علما أن عمرها الافتراضي ثلاث سنوات.

يعتقد المهندس محمد باكر – مدير الإنتاج في الخط الثاني لمصنع عمران: أن الغبار ينبعث غالباً من المواقع المكشوفة أثناء عملية الفصل بين المكونات للحصول على خامات الإسمنت.

وفي دراسته (الإسمنت والتلوث 2005) يقترح المهندس فؤاد عبد الجليل لمواجهة غبار المواقع المفتوحة إقامة حزام أخضر حول المصانع، لامتصاص الجزء الأكبر من الغبار، وهو ما لم يشاهده المحرر في كلا المصنعين.

وتوصي دراسة المهندس عبد الجليل، إدارة مصنع البرح للأسمنت، بالصيانة الدورية لمنظومة التنقية، تحويل مصادر الغبار من مفتوحة إلى مغلقة ووضع تشريعات وطنية تحدد كمية الغبار المتصاعد المسموح به وجعلها أقل مما هي عليه حاليًا؛ 500 ملغم للمتر المكعب.

أحد السكان المجاورين للمصنع (يوسف. ح) (50 عاماً)، يثبت لمعد التحقيق عملياً حجم التلوث في المدينة، من خلال المسح بذراعه على شاشة التلفاز وإغلاق كل منافذ الغرفة، وبعد ساعة فقط؛ التصق الغبار مجدداً بالشاشة. ثم أخذ يمسحها بقماش أبيض تلاشى لونه تدريجياً. ويتساءل باستياء: «كيف دخل الغبار وكل المنافذ مغلقة، ألم يتمكن من النفاذ إلى صدورنا»؟

حركة الرياح تفاقم المشكلة

طبيب الأمراض الصدرية في مستشفى البرح (حكومي) ومسؤول برنامج مرض السل توفيق الخليدي يقول: «لم تشفع للسكان ولا لأطفالهم التكنولوجيا النظيفة التي تكفل توجيه الغبار عكس حركة الرياح، فالأمراض التنفسية تتصدر القائمة ونستقبل أسبوعياً عشرات الحالات، ما يجعلنا نعتذر للمرضى قبل أن ننصحهم بالسفر إلى مدينة تعز».

لا تتجاوز الطاقة الإستيعابية للمستشفى 10 حالات، موزعة بين أقسام الطوارئ والرقود الداخلي، حسب نائب المدير مطيع عبد الغفار، ومع ذلك يستقبل بين 20 و30 مريضاً يومياً، بسبب حوادث المرور، ما يجعله عاجزاً عن استقبال أمراض الجهاز التنفسي، ويضيف عبد الغفار: «لا نقدم لهم غير شعورنا بالأسى لأجل صدورهم التي تتنفس الهواء الملوث».

أحد الآباء كان يشرح حالة طفله للدكتور الخليدي قائلاً: «لا يتوقف عن السعال خاصة في الليل، منذ الأيام الأولى لولادته في العام 2011 وهو على هذا الحال»، وأثناء قيام الطبيب بفحص الطفل كان يقول: «شهد العام 1993 تحولاً في المنطقة بافتتاح مصنع البرح، وبدأ الغبار يصل إلى الصدور».

«م. الصلحي» (55 عاماً) تبيع الجبن المصنوع محلياً، في سوق قريب من مصنع البرح، تضطر إلى الاحتفاظ بعلبة بخاخ «الفنتولين»  قربها. وفي مستشفى الحياة (خاص)، وصف الطبيب أحمد هنداوي حالتها بـ»المتدهورة»، وقال: «كونها تستخدم بخاخ المساعدة على التنفس ثلاث مرات في الأسبوع، وأدوية مساعدة أخرى، فقد وصلت إلى حالة الربو القصبي المزمن».

مدير مصنع البرح عبد الرحمن المسني يقول إنه يثق في كفاءة الآلات لحفظ البيئة، لأنها حديثة الصنع، وتتصل بمنظومة تنقية الهواء، «البيج هوس»، التي يقدر عمرها الافتراضي بثلاث سنوات، ويتم تغييرها دورياً كلما تعرضت للتلف.

طبقاً للمسني، فإن المهندسين المختصين يقيّمون أداءها وقدرتها ويغيرون التالف منها. ففي أقل من عام تم تغيير العديد منها، وحالياً يعلن المصنع في الصحف حاجته للفلاتر ويطلب من الشركات المتخصصة تقديم عروضها.

لم يتمكن معد التحقيق من إثبات أو نفي حديث مدير المصنع حول كفاءة الفلاتر، لعدم إمكانية قياس درجة التلوث.

مدير مكتب البيئة في هيئة حماية الاستثمار نبيل شمس الدين، يقرّ بصعوبة تحديد كمية الغبار في الهواء بقوله: «لعدم توفر أجهزة قياس الغبار والملوثات التي نحن بحاجة ماسة لها».

ويتحدث مدير الرصد البيئي في هيئة حماية البيئة سالم باقحيزل عن أجهزة قياس كان يفترض أن تحصل عليها الهيئة، ولكنها ذهبت «لجهة أخرى لا علاقة لها بالبيئة». ورغم وجود اتفاقية تعاون بين مصنع أسمنت عمران وهيئة حماية البيئة، «إلا أنها لم تفعّل، ولم يخضع المصنع لأية اختبارات»، نظرًا لعدم وجود أجهزة قياس التلوث، ويتساءل باقحيزل: كيف لنا أن نعرف مقدار التلوث دون أجهزة؟

قانون بلا أنياب

 أنشئ المصنعان المستهدفان بالتحقيق قبل صدور قانون حماية البيئة رقم 26 للعام 1995 «إلا أن ذلك لا يعفيهما من الالتزام بالمعايير الصحية»، كما يقول مدير التقييم في هيئة حماية البيئة أمين الحمادي، الذي يضيف «المشكلة الحقيقية كانت في مصنع عمران، وأقنعنا القائمين عليه بعمل فلاتر تنقية وقد التزموا».

ويؤكد الحمادي: «عقب صدور القانون خاطبنا الحكومة ووجهنا رسائل إلى أعلى سلطة في البلاد بشأن ضرورة الالتزام بمعايير الحفاظ على البيئة، ولم يتفاعل معنا أحد».

نائب مدير مكتب حماية البيئة في هيئة الاستثمار سليم هادي قال: «المصنعان لم يحصلا على تراخيص من الهيئة، لأنهما سبقا إنشاءها بعقود، لكن الهيئة تلزمهما عند افتتاح خطوط إنتاج جديدة بتقييم الأثر البيئي»

أما رئيس اللجنة الدستورية في البرلمان علي أبو حليقة فيؤكد: «لا مبرر لعدم تطبيق القانون على جميع المصانع، حتى تلك المقامة قبل صدوره».

وبحسب القانون تتولى لجنة مشكلة من هيئة حماية البيئة، هيئة الاستثمار، كلية العلوم جامعة صنعاء، ووزارة الصناعة اتخاذ الإجراءات والترتيبات للتنفيذ والقيام بالتفتيش، الفحص، المصادرة، وتدمير الأشياء، الإغلاق، الإيقاف، الإلغاء والإنهاء، دون أية تفاصيل أخرى في القانون ولائحته التنفيذية حول كيفية القيام بهذه الإجراءات أو مبرراتها.

ويتدرج القانون في العقوبات من مخالفة مالية وصولاً إلى إغلاق المنشآت المخالفة، وتنص المادة 11 من القانون على عدد من العقوبات ضد المخالفين، تبدأ بإخطار المخالف ومنحه ستين يوماً للتصحيح، وفي حال عدم التصحيح يتم إغلاق المشروع وإيقاف النشاط المخالف، غير أنه حتى اليوم لم يصدر أي أمر بالإغلاق.

كما لم تسجل أي شكاوى لدى الهيئة، التي مهمتها أيضا «مساندة المتضررين الذين يلجأون إلى القضاء لإنصافهم، وتقوم بدور الشاهد في القضية بحكم تخصصها، لكن الأهالي لا يشتكون طمعا في الحصول على امتيازات خدمية كالماء والكهرباء ووظائف في المصنع» وفقا لنائب مدير مكتب حماية البيئة في هيئة الاستثمار سليم هادي.

«حماية البيئة» عاجزة

 ورغم تخويل قانون حماية البيئة، الهيئة بالرقابة على مصانع الأسمنت، إلا أنه لا يمنحها الحق الحصري لإصدار التراخيص، الأمر الذي يضعف دورها الرقابي.

وبقدر اتساع المشكلة، يتسع عجز هيئة حماية البيئة. وتكشف وثيقة موقعة من اللجنة المشتركة «مراجعة دراسة تقييم الأثر البيئي أعدت سنة 2010 لمشروع توسعة إنتاج الاسمنت لمصنع باجل» عن تقصير جهات مختصة «مجالس محلية، وزارة الصناعة وإدارة المصنع». وتتهم المصنع الذي شيّد عام 1973 بمحافظة الحديدة (غرب اليمن) بالمضي في إكمال الخط الإنتاجي الجديد، رغم إهمال دراسة تقييم الأثر البيئي للعديد من الاشتراطات المهمة.

وتفيد الوثيقة، بأن دراسة توسعة المصنع المتوقف عن العمل حالياً «أهملت المعايير المنهجية في الدراسات الحقلية، تقليل التأثيرات البيئية الحالية والمحتملة، ولم يتم عمل تحليل للتربة ولا للمياه السطحية والجوفية ولا لحالة المناخ. ولم تذكر المتضررين المحتملين وعددهم، ولا كيفية أو موقع التخلص من المخلفات الصلبة والقلويات والتي تصل إلى 330 طناً».

قصور رقابي، وحكومات غضت الطرف عن ظاهرة تداخل مصانع الأسمنت بالأحياء السكنية، وانعدام أجهزة الرصد والقياس، يجبر جيران المصانع على اعتبار الأمراض التي تصيبهم قضاء وقدر، والقبول بعجز الدولة عن علاجهم أو التخفيف من آلامهم.

تم إنجاز هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربيةوبإشراف الزميل خالد الهروجي.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.