جراثيم المشافي تخرج عن السيطرة.. مئات الوفيات سنوياً وحالات مستعصية على العلاج بسبب الصرف العشوائي للمضادات الحيوية.. تجربة صحفية لـ100 صيدلية: جميعها تبيع المضادات دون وصفة طبية

17 يونيو 2010

خرج تابوت صغير يحمل جثة الطفلة نور من مستشفى الأطفال بعد أن قتلتها جرثومة تسمّى العصيات الزرق، والتي استعصت على كافة المضادات الحيوية التي استخدمت لمكافحتها، في بلدٍ تدق فيه دراسات طبية متعددة أجراس الخطر بعد ازدياد ظاهرة مقاومة الجراثيم للمضادات الحيوية وتحولها إلى وباء قاتل.

أحيلت نور على عجل إلى مستشفى الأطفال في دمشق ـ الوحيد في سورية ـ لتبدأ بتلقي الجرعات الثقيلة من المضادات الحيوية والتي فشلت في القضاء على هذه الجرثومة. وقفت الأم في ذلك اليوم البارد منتصف كانون الثاني 2007 تنتحب على درجات المستشفى، بينما راهن الاطباء أن الطفلة عفاف التي احتلت فراش نور في غرفة العزل ستواجه المصير نفسه إثر إصابتها بالجرثومة ذاتها.

«عفاف ونور تدفعان اليوم ثمناً للصرف العشوائي للمضادات الحيوية، والذي ارتكبه الكبار من أطباء وصيادلة وآباء ـ كما يقول مدير مستشفى الأطفال د. مطيع كرم ـ ما أدى لتحوّل جراثيم المشافي إلى قاتلة ومعنّدة، بعدما كانت أقل خطورة في السنوات السابقة». ‏

يسجل اسم الطفلة نور الى جانب 91 طفلاً توفّوا عام 2003 في المستشفى ذاته وبالجرثومة ذاتها بعدما قاومت معظم المضادات التي عولجوا بها. ‏

وفي تقرير رسمي رفعه رئيس شعبة الأمراض الانتانية في مستشفى الأطفال للمدير العام جاء فيه: «إنّ ظاهرة المقاومة الجرثومية آخذة في الازدياد في العالم عامّة وفي مستشفى الأطفال خاصّة، وذلك بسبب سوء استخدام الصادات الحيوية (المضادات) من حيث الاستطباب أو الجرعة أو المدّة الزمنية». ‏

التقرير الذي قدّمه رئيس شعبة الأمراض الإنتانية منتصف العام 2006 حذّر من «انعكاسات سلبية خطيرة»: انتشار سلالات من الجراثيم مقاومة للصادات في المستشفى ثم تنتقل هذه الصفة من جرثومة إلى أخرى ثم إلى المجتمع. ونبّه التقرير إلى أهم ماينتج عن مقاومة الجراثيم: «زيادة نسبة المراضة والوفيات». ‏

إلى الآباء ‏

ولم يقتصر ضحايا جرثومة العصيات الزرق على الأطفال فقط، بل كانت فاطمة (أم لستة أطفال) من بين المرضى الذين تجاوزوا الامتحان الأصعب، وخاضوا عمليات جراحية معقّدة بنجاح، ثم قتلتهم جراثيم المشافي التي أصبحت مقاومة لكلّ دواء بسبب الصرف العشوائي للمضادات الحيوية والذي اعتبرته منظمة الصحة العالمية «تهديد للأمن الطبي في الدول التي ينتشر فيها». ‏

«من المألوف أن يتعرّض أي مريض في المشافي لاحتمال إصابته بما يسمّى (جراثيم المشافي) والتي يزداد انتشارها بحسب مستوى التعقيم في المستشفى» كما يقول الدكتور ياسر البوشي، مسؤول برنامج مقاومة الصادات في وزارة الصحّة. «لكنه من غير المألوف أنّ تتحوّل هذه الجراثيم التي كان يقضى عليها بأي نوع من أنواع المضادات الحيوية، إلى معنّدة ومستعصية على العلاج، لدرجة أنها تقتل المصاب بها في النهاية». ‏

وتشير الدراسات التي أعدتها فرق طبية في المحافظات الثلاث، ( دمشق، حلب.اللاذقية) بإشراف أساتذة من كليات الطب، خلال السنوات الخمس الأخيرة ، إلى تزايد مقاومة الجراثيم التي تتكاثر في المشافي للمضادات الحيوية. ‏

وبحسب ثلاثة من هذه الدراسات، كانت أخطر جرثومة (العصيات الزرق pseudomonas ) معندة على 32% من المرضى الذين يعالجون بمضاد (أزيترونام) في عام 2003 ثم أصبحت معندة على 100% من المرضى في عام 2006. كما أصبحت الجرثومة ذاتها معندة على مجموعة من أشهر المضادات الحيوية في عام 2007، وهي الأكثر استخداماً في سورية مثل: (أمبيسلين) (جنتمايسين) (سيبروفلوكساسين). ‏

أدى ذلك إلى تزايد حالات الوفيات بين المرضى المصابين بجراثيم المشافي خلال السنوات الخمس الأخيرة، فقد كانت الوفيات وفقاً لمجموعة من الدراسات في المحافظات الثلاث 34% عام 2003 ثم وصلت إلى 59% عام2005و قفزت إلى 72% بداية عام 2007.

وكانت فاطمة قد نجت من مخاطر العملية الجراحية التي أجرتها في القلب منتصف 2006 إلاّ أنها لم تستطع أن تفلت من إحدى جراثيم المشافي والمسماة كليبسيلا (klebsiella )، والتي سببت لها إنتاناً في المجاري البولية، بحسب التقرير المخبري الصادر عن المستشفى. ‏

جرّب الأطباء على حالة فاطمة 12نوعاً من أشهر المضادات الحيوية العالمية والمستخدمة في مركز الباسل لأمراض القلب. فكانت النتيجة المخبرية تؤكّد أنّ هذه الجرثومة قاومت 9 من هذه المضادات المشهورة، بينما تأثرت بنسبة متوسطة باثنين منها، وتأثرت بشكل أكبر بنوع واحد من المضادات، وهو الأحدث على مستوى العالم والمسمى (تينام). وبالرغم من ضيق الحال، اضطرت عائلة فاطمة، أن تشتري لها على الأقل ظرف كامل من التينام يومياً بتكلفة تقترب من 1500 ل.س. ‏

استمرّت جرثومة الكليبسيلا في صراع مع مضادات التينام قرابة الشهر ونصف، لكنّ تأثير الجرثومة في جسد المريضة، كان أسرع من تأثير المضاد الحيوي، فانتقلت فاطمة إثر ذلك إلى جوار ربّها. ‏

غير مألوف ‏

يكشف تحقيق تشرين والذي استغرق إعداده أكثر من سبعة أشهر، وشمل ثلاث محافظات (دمشق، حلب، اللاذقية)، عن مئات المرضى كحال فاطمة ممن وافتهم المنية، أو وصلوا إلى حالات مستعصية من العلاج، بعد أن أصيبوا بجراثيم لم تنفع معها معظم أنواع المضادات (الصادات الحيوية). ‏

فقد كشفت دراسة نشرت عام 2006 أنّ جراثيم المشافي قتلت نحو 56% من المرضى الذين أصيبوا بالإنتان الجرثومي بعد العمليات الجراحية في اثنين من أشهر مشافي دمشق (المواساة والأسد الجامعي) عام 2006. ‏

وقد كانت الوفيات من بين المرضى الذين لم تتجاوب حالتهم مع 16 من أشهر المضادات الحيوية، بعد إصابتهم بهذه الجرثومة إلى جانب جراثيم قاتلة أخرى: (العنقوديات المذهبة slaph. Avreus، الإيشيريشيا كولوني E.coli، العقديات streptococcus، ثم الكليبسيلا). (وهي جراثيم تسبب بشكل عام انحلالاً للدم ونخراً للعظام و تسممات غذائية..). ‏

وفي حلب، كان المستشفى الجامعي يخرّج أحد الضحايا منتصف العام 2007. لم يستطع هذا المريض الشاب أن يصمد أمام هجمة من جرثومة المكورات العنقودية staphylococcus) )التي اصابته بإنتان رئوي حاد. تقول الدكتورة هدى الناصر مسؤول قسم العناية في المستشفى: «كانت هذه الجرثومة معنّدة على جميع أنواع الصادات، ما أدى إلى وفاته بعد 24 ساعة من إصابته». ‏

جنازة هذا الشاب كانت واحدة من 156 جنازة خرجت مابين الشهر الرابع من العام 2006 والشهر الرابع من عام 2007 من أصل (216) مريضاً دخلوا اقسام العناية المشددة في مستشفى حلب الجامعي للعلاج من أمراض مختلفة وأصيبوا بجراثيم المشافي. ‏

وفي اللاذقية، أكّدت دراسة أنجزت عام 2006 على 300 امرأة حامل بعد إجرائهن عمليات الولادة في مستشفى الأسد الجامعي، أنّ 100منهن أصبن بجراثيم المشافي أي 33% منهن. ‏

وأشار مشرف الدراسة الدكتور عمر بلاش إلى أنّ 13 نوعاً من المضادات الحيوية المتوفرة، تم استخدامها لمعالجة هذه الجراثيم، فكان النتيجة أنّ هذه الجراثيم لم تتأثر بعشرة من هذه المضادات، وتأثرت بشكل متفاوت مع ثلاثة أنواع من المضادات النادرة والغالية الثمن. ‏

الطبيب الفهمان وضمير الصيدلي ‏

وقد كانت «سورية إحدى البلدان النامية التي تعرضت لانتقادات من منظمة الصحة العالمية أكثر من مرّة، بسبب الصرف العشوائي للمضادات الحيوية» كما يقول الدكتور فرحان المسالمة الرئيس السابق للجنة مكافحة العدوى في مستشفى دمشق. ‏

و أثبتت دراسة أنجزتها وزارة الصحة في سورية بالتعاون مع منظمة الصحّة العالمية، بدأت منذ عام 2004 وظهرت نتائجها أوائل العام 2007، أنّ «سورية تواجه الآن خطراً حقيقيا من جرّاء وجود سلالات من الجراثيم المعنّدة على معظم المضادات الحيوية»، كما يقول الدكتور ياسر البوشي المشرف على الدراسة في وزارة الصحّة. ‏

ويقول: «شملت الدراسة التي قمنا بها معظم مستشفيات القطر وفي مختلف المحافظات، وتوصلنا إلى أن المضادات الحيوية أو الصادات تصرف بشكل عشوائي في سورية، سواءً من قبل الأطباء أو من قبل الصيادلة أو من قبل المرضى أنفسهم». ‏

ويضيف: «وهذا ما أدّى لتعوّد مختلف الجراثيم على هذه الصادات. فعندما يعطي الطبيب أحد المرضى، نوعاً من المضادات الحيوية الواسعة الطيف، أي المضادات المخصصة لقتل أكبر قدر من الجراثيم، بينما يكون المريض يعاني من إصابة بجرثومة واحدة، فإنّ مثل هذا المضاد الحيوي سيكون ضاراً بالمريض، حيث سيجعل هذا المضاد غير فعّال مع الجراثيم الأخرى حين يصاب بها المريض لاحقاً». ‏

التداوي الذاتي ‏

يعترف نقيب صيادلة سورية الدكتور فواز زند الحديد، أنّ: “أدوية المضادات الحيوية في سورية، أصبحت تباع على الأرصفة وفي محلات السوبر ماركت العمومية”. وقد رصد هذا التحقيق عدداً من باعة المضادات الحيوية في شوارع مدينة حلب، والذين ينادون عليها كأي سلعة تباع في الشوارع العامّة بالرغم من القرار التنظيمي الصادر عن وزارة الصحة عام 1988. ‏

القرار اعتبر «الصادات الحيوية» من الأدوية التي لايجوز صرفها إلاّ بناء على وصفة طبية. كما حدد المرسوم التشريعي الناظم للمهن الطبية (12 لعام 1970) العقوبة التي يستحقها الصيدلي الذي يخالف هذه التعليمات، بأنه يكون مرتكباً لـ:« مخالفة مسلكية يعود أمر النظر فيها إلى مجلس تأديب النقابة المختصة في حال وجوده، وإلا في حال المخالف إلى القضاء ويعاقب بغرامة من ( 1000 ـ 2000 ) ليرة سورية وبمنعه من مزاولة المهنة مدة لا تتجاوز السنة أو بإحدى هاتين العقوبتين» . ‏

إلاّ أن اللجنة المشكّلة من مندوبين عن نقابة الصيادلة ووزارة الصحّة لمراقبة الصيدليات، “لاتنطلق للرقابة إلاّ بناءً على شكوى من أحد المواطنين” كما يقول نقيب الصيادلة. وبحسب اللجنة ذاتها فإنه لم يتم إغلاق أية صيدلية خلال السنوات العشر الأخيرة بسبب بيعها للمضادات الحيوية دون وصفة طبية. ‏

وفي تجربة ميدانية اختارت صحيفة تشرين عينة عشوائية من (100) صيدلية في دمشق وريفها، ثبت من خلالها أنّ جميعها تبيع المضادات الحيوية دون وصفة طبية، أي أنّ النسبة كانت 100% من الصيدليات المئة. فقد وافقت جميع الصيدليات على بيع أدوية المضادات دون وصفة طبية، وأعطت الصحفي الذي قام بطلبها فواتير نظامية بهذه المشتريات. ‏

ثلاثة مسؤولين ‏

نقيب الصيادلة د. زند الحديد لايعفي الأطباء من مسؤوليتهم الرئيسية، ويقول: «كثيرون من الأطباء يحمّلون وصفاتهم العديدمن أدوية المضادات للتغطية على ضعفهم المهني»، فيما يجب عليهم كما يقول: «إجراء زرع جرثومي للمريض قبل وصف أي مضاد حيوي له». ‏

لكن الأطباء «مظلومون» في هذا الاتهام كما يقول الدكتور أحمد قاسم نقيب أطباء سورية. ويرى أنّ ما أوصل سورية إلى هذا الوضع «المخجل والخطير من فوضى المضادات الحيوية وتعنّد الجراثيم، هو جهل الصيادلة الذين يصرفون هذه الأدوية دون وصفات طبية، رغم التعاميم الكثيرة التي تردهم من وزارة الصحّة بالتوقف عن ذلك». ‏

لكن الدكتورة هزار فرعون مديرة برنامج ترشيد الدواء في وزارة الصحّة، تؤكّد أن الدراسة الميدانية التي قام بها البرنامج بالتعاون مع منظمة الصحّة العالمية، أثبتت مسؤولية الأطراف الثلاثة:«الطبيب، الصيدلي، المواطن». ‏

وقد شملت الدراسة التي جرت عام 2006 عدداً من المستشفيات الحكومية والخاصّة والصيدليات في دمشق، فكانت النتيجة: «48% مما تتضمنه الوصفات الطبية الصادرة عن الأطباء في المشافي الخاصّة هي عبارة عن مضادات حيوية، أي نصف محتويات الوصفة تقريباً. أما المشافي الحكومية فاحتوت وصفاتها على المضادات الحيوية بنسبة 39%، فيما تعتبر النسبة المقبولة عالمياً 18% كحد أقصى». ‏

كما توصلت الدراسة إلى أنّ: «61 % من أطباء المشافي الخاصّة لايذكرون على وصفاتهم مدّة المعالجة بهذا الدواء، بينما تبلغ النسبة في المشافي الحكومية 14%». ‏

والخطورة كما تقول مديرة برنامج ترشيد الدواء أنّ: «تضمين الوصفات تلك الكميات الكبيرة من المضادات، وعدم تحديد مدّة المعالجة، يؤدّي لاستمرار تناولها من قبل المرضى، ما يتسبب بشكل تدريجي إلى تعوّد الجراثيم عليها وعدم تأثرها بها مستقبلاً». ‏

وتكشف الدراسة من خلال رصدها لمراجعي الصيدليات في دمشق، أنّ: «54% من مراجعي الصيدليات، يأتون لشراء الأدوية دون مراجعة الطبيب». وهي العملية التي سمّهتا الدراسة «التداوي الذاتي»، والتي هي «ظاهرة خطيرة بكل معنى الكلمة» كما تقول الدكتورة هزار فرعون مديرة برنامج ترشيد الدواء. ‏

آلاء تنتظر ‏

منظمة الصحة العالمية اعتبرت أن مقاومة الجراثيم للصادات الحيوية أمراً «يهدد الاستقرار العالمي والأمن القومي»، وقررت الخطة الخمسية العاشرة في سورية إطلاق حملة هدفها «مكافحة مقاومة الصادات» يفترض أن تحقق أهدافها مع انتهاء الخطة الخمسية في عام 2010. ‏

كما شكّل وزير الصحة السوري بداية العام 2007لجنة عليا مهمتها البحث في مشكلة ارتفاع مقاومة جراثيم المشافي للصادات الحيوية، «من صلاحيتها التشديد على تعقيم المشافي للحد من انتشار هذه الجراثيم، ومكافحة الصرف العشوائي للمضادات الحيوية» كما تقول الدكتورة ميسون نصري معاون وزير الصحة ورئيس اللجنة. ‏

وبانتظار تحرّك هذه اللجنة على الأرض، لاتزال آلاء (19) عاماً بانتظار من ينقذها وأبناء جيلها من هذه الجراثيم التي تصارعها منذ أربع سنوات والتي «قتلت مستقبلها» كما تقول. ‏

كانت البداية عام2004 حين تعرّضت آلاء لأزمة كريب عطّلتها عن متابعة دراستها، وأدخلتها إحدى المشافي الخاصّة، لتتلقّى إبرة ملوثة بجراثيم المشافي، أدخلتها في صراع هدد حياتها أكثر من مرّة. ‏

منذ أربع سنوات وحتى الآن، تعرّضت آلاء للعشرات من أشهر أنواع المضادات الحيوية، في محاولة للقضاء على هذه الجراثيم بينما تتراكم الديون على أهلها الذين انفقوا أكثر من مليون ليرة سورية على الصادات. ‏

و«المحيّر في قصة آلاء، ليس إصابتها بهذه الجراثيم ـ كما يقول طبيبها المشرف الدكتور مجد نصير ـ بل هي المقاومة العنيدة التي تبديها تلك الجراثيم لأي نوع من أنواع المضادات». ‏

ومازالت آلاء التي لا تتنفع بأي تأمين صحي حكومي منذ ذلك الحين طريحة الفراش، في صراع مع تلك الجراثيم: تحتاج لأربع ابر يومية من مضاد (تينام).كما تحتاج لعملية جراحية لتجريف مكان الإنتان كل شهرين، تكلّف كل واحدة من هذه العمليات مبلغ 75 ألف ليرة سورية. ‏

تقول آلاء: «لم تقتلني هذه الجراثيم بشكل مباشر ومازلت في صراع معها، لكنها قتلت حلمي في متابعة دراستي، حين داهمتني أثناء التحضير للشهادة الإعدادية». ‏

مستشفى واحد يهدر 600ألف ليرة سورية كل ثلاثة أيام صرف المضادات الحيوية دون رقيب..باب مفتوح للهدر الحكومي ‏

الموت كان أول أثمان الصرف العشوائي والزائد للصادات الحيوية، لكنّ فاتورة المضادات من الأجيال المتقدمة (كالتينام وغيره)، بدأت تظهر بين مجموعة الفواتير التي يدفعها المواطن السوري، بعد أن أصبحت صادات الجيل الأوّل كالإمبيسيلين المحلي الصنع والأكثر شيوعا غير كافية للعلاج بسبب تعند الجراثيم. ‏

«وأصبح الكثيرون يتجهون نحو مايسمّى (حبوب الألف ملغرام) بدلاً من الخمسمئة»، كما يقول الدكتور ياسر البوشي مسؤول برنامج مقاومة الصادات في وزارة الصحة. ‏

وبالطبع فإنّ الانتقال من حبوب الخمسمئة إلى حبوب الألف، أضاف مصروفاً جديداً نظراً لأنّ سعر الثانية يبلغ ضعفي الأولى والتي يبلغ سعر علبتها بحدود (50) ليرة سورية. ‏

سؤال مضحك ‏

غير أن فاتورة الخسائر لدى المشافي تبلغ أضعاف الفاتورة التي يتكبدها المواطن السوري، بسبب الصرف العشوائي للصادات الحيوية، الأمر الذي دعا لإنشاء برنامج خاص في وزارة الصحة لترشيد استخدام الأدوية ومنها الصادات الحيوية، وجعل هذا الهدف ضمن الأهداف الرئيسية للخطة الخمسية العاشرة للحكومة بين عامي 2006 ـ 2010 . ‏

وفي تقرير لرئيس شعبة الأمراض الإنتانية في مستشفى الأطفال بدمشق، حذّر د. سمير مرعي في تقرير صدر منتصف 2006 من أنّ الاستمرار بالصرف العشوائي للصادات الحيوية، سيؤدي «الى خسائر مادية كبيرة تثقل كاهل المستشفى» . ‏

وفي دراسة أجراها الدكتور أمير الفرج في مستشفى حلب الجامعي عام 2004 لصالح كلية الطب، فقد «تبيّن أثناء الدراسة أنّ الصادات الحيوية الوقائية كانت تعطى للمرضى في المستشفى باستطباب خاطئ، واسلوب غير صحيح غالباً من قبل الأطباء المقيمين«. وتكشف الدراسة أنّ أحد الأخطاء التي ترتكب يومياً هي :الاستمرار بالإعطاء الوريدي للصادات الحيوية لأكثر من 24 ساعة وأحياناً لمدة اسبوع دون وجود أي دليل على أنّ الانتان أو حتى عوامله المؤهبه متوقعة، كما في معظم مرضى عمليات جراحة المعدة والثدي والمرارة، والتي لامبرر لإعطاء الصادات الوقائية فيها، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة التكاليف المادية للمستشفى والمريض». ‏

ويقول الكيميائي سليمان بوبس (شركة زرزور لتعقيم المشافي) العامة في دمشق: «عملنا في معظم مشافي القطر، وقد لاحظنا أنّ لدى الكثير من الأطباء إفراطاً في إعطاء المضادات الحيوية،» ‏

ولذلك «اجرينا استبياناً بالتعاون مع أحد الخبراء الدوليين وبإشراف وزارة الصحة، وشمل معظم أطباء الجراحة، وقد كان أحد الأسئلة التي تضمنها الاستبيان: (هل تعطي المريض مضاداً حيوياً قبل جميع العمليات؟)”. ‏

يقول بوبس: «كان بعض الأطباء المشهورين يتندرون على هذا السؤال ويعتبرونه غبياً، ويتساءلون: هل يعقل أن نجري عملية دون أن نعطي المريض مضاداً حيوياً؟»، ويعلّق بوبس: «هنالك عمليات تسمّى نظيفة، وهي التي لا يكون الجرح فيها عميقاً، فهذه عمليات لاتحتاج لإعطاء المريض مضاداً حيوياً، بل إنّ إعطاءه المضاد في مثل هذه الحالة يضرّه». ‏

بلا حاجة ‏

وأثبتت دراسة الدكتور أمير الفرج في المستشفى الجامعي في حلب الخسائر الكبيرة التي ينفقها المستشفى على صرف الصادات الحيوية من نوع (امبيسلين)، حيث يعطى لكل مريض يجري عملية جراحية عامّة بمعدّل أربع جرعات يومياً ولمدة 3 أيام وسطياً”. ‏

ولاحظت الدراسة أن وصف الصادات الحيوية، يتم دون إجراء زروعات للتحسس لمعرفة مدى استجابة المريض لهذا النوع من المضادات. وقام معدّ الدراسة بإجراء اختبار لـ32 مريضاً وصف أطباء المسشتفى لهم مضاد الأمبيسلين، فكانت النتيجة أنّ 30 واحداً منهم لم يستجيبوا لهذا النوع من المضادات. ‏‏

وأجرى صاحب الدراسة عملية حسابية على نحو 1400 مريض أخذوا مضادات الإمبيسلين لمدّة ثلاثة أيام، دون أن يكونوا بحاجة لها أصلاً، فتوصل الباحث إلى أنّ مستشفى حلب الجامعي صرف في هذه الأيام الثلاثة مايزيد عن 600 ألف ليرة سورية على الإمبيسلين دون الحاجة إليه..هذا فضلاً عن تسببه بالضرر لصحة المرضى. ‏

فإذا كان هذا الرقم من الهدر يتكرر كل ثلاثة أيام، فإنّ ذلك يعني خسارة مبلغ 6 ملايين ليرة سورية كل شهر، على اعتبار أنّ هذه المضادات تقدّم على حساب المستشفى. ‏

قرار خاص ‏

اعتبرت الحكومة السورية أحد أهدافها الرئيسة في المجال الصحي ترشيد استهلاك الصادات، ونصّت الخطة الخمسية على تشكيل مجموعة عمل من الخبراء للحد من هذا الهدر. وتقول الدكتورة هزار فرعون رئيسة لجنة ترشيد الدواء وأحد أعضاء هذه المجموعة: نعمل حالياً على توفير إحصائية دقيقة لما تستهلكه سورية من المضادات الحيوية، علماً أنّ لدينا مؤشرات كثيرة عن الاستهلاك الكبير في المضادات. ‏

وكردّة فعل على الصرف الكبير للمضادات، أصدر مستشفى الأطفال في دمشق قراراً بمنع صرف المضادات الحيوية من قبل أي طبيب إلاّ بموافقة المدير العام أو رئيس لجنة مكافحة العدوى، بينما يستطيع أي طبيب مقيم أو مختص في باقي مستشفيات القطر البالغة 110 مستشفيات عامّة و 353 مستشفىً خاصّاً أن يأمر بصرف مايشاء من المضادات الحيوية دون رقيب. ‏

تم إعداد هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج ‏(إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية )


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.