تعذيب الأفارقة بشمال سيناء.. «الجريمة مستمرة»

14 فبراير 2014

تقرير خبري 

 ما زالت الإريترية ميليين تغسطى، التى حررها قبل أسابيع أحد زعماء كبرى قبائل سيناء من قبضة عصابة لتهريب البشر، تبحث عن زوجها أسمرو، الذى اختطف معها فى منطقة رفح الحدودية قبل شهر يونيو الماضى، أثناء محاولة دخولهما إلى إسرائيل بطريقة غير مشروعة.

حكاية ميليين، وهى أم لطفلتين تركتهما برعاية والدتها، بدأت عندما قررت هى وزوجها الهجرة بصورة غير شرعية إلى إسرائيل لتحسين أحوالهم المعيشية، وهى حكاية حب وفقر وترحال وعصابات إجرامية دولية تنشط عبر الحدود.

فى منتصف يوليو الماضى شهدت «المصرى اليوم» عملية مداهمة نفذها الشيخ محمد المنيعى «أبوبلال» ابن قبيلة السواركة لفك أسر ميليين من خاطفيها الذين احتجزوها فى مخزن بقرية المهدية جنوبى رفح.

جلست ميليين فى ديوان أبوبلال والدموع تنهمر على وجنتيها وهى تروى عملية خطفها للمرة الثانية، فى رحلة البحث عن حياة أفضل تراها فى إسرائيل. ويحمل جسدها آثار التعذيب الذى أدى إلى كسر ذراعها اليمنى.

استطاع أبوبلال تحرير العشرات من الأفارقة المحتجزين وأغلبهم من الإريتريين والسودانيين والتشاديين بسبب رفض أهالى سيناء مثل هذه التجارة التى شوهت صورتهم.

ورغم تحويل أم ميليين مبلغ الفدية قامت العصابة ببيعها إلى عصابة أخرى من المهربين وبقيت 3 أشهر، بعدما افترقت عن زوجها وانقطعت أخباره عنها، لكنها متأكدة من أنه مازال يتعرض للتنكيل إلى أن يدفع الفدية.

زوجها ما زال فى مكان ما من سيناء، وكان الاثنان انتقلا إلى السودان حيث بقيا هناك عامين قبل أن تخطفهما عصابة سودانية فى نوفمبر 2012 وتنقلهما إلى سيناء. ثم تعرضا للتعذيب ليدفع كل منهما فدية تقارب 35 ألف دولار.

واستطاعت أم ميليين المكلومة جمع مبلغ الفدية فى إريتريا بعد أن قامت ببيع كل ما فى حوزتها من ممتلكات، وحولت الفدية إلى سماسرة فى إسرائيل، وتم تهريب المبالغ المالية من إسرائيل إلى سيناء عبر الحدود، حسب رواية ميليين وروايات عشرات غيرها.

يقول شهود عيان على معرفة بهذه العمليات إن عصابات الاتجار فى البشر بسيناء ترتبط بعصابات فى إسرائيل حيث تتلقى أموال الفدية فى حسابات مصرفية. وتضم هذه العصابات مهاجرين أفارقة كانوا نجحوا فى دخول إسرائيل والإقامة فيها.

«تم تحويل المبلغ ولكنه لم يسعفنى إذ قام المهرب ببيعى إلى مهرب آخر لتبدأ رحلة أخرى من العذاب»، هكذا تتذكر ميليين محنتها، قائلة إنه طلب منها فى المخزن الثانى تحويل 30 ألف دولار وهو ما عجزت عن تدبيره. تم فكها من الأسر على يد الشيخ المنيعى برفقة 20 مسلحاً من أبناء القبيلة فى 4 سيارات دفع رباعى إلى المخزن. وهناك تم تقييد الحارسين الموجودين أمام المخزن قبل الاقتحام والعثور على 16 إريتريا مقيدين بالجنازير وبعضهم معلق فى سقف المخزن.

جرى نقل الرهائن المحررين إلى منزل الشيخ أبوبلال، وقام أحد الأطباء بإجراء الكشف عليهم لأن حالة بعضهم كانت خطيرة وآثار التعذيب واضحة عليهم. فيما لا تزال ميليين تعيش فى منزل الشيخ أبوبلال، ولا يستطيع المسؤولون بالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة السفر إلى سيناء لتسلم هذه المجموعة لصعوبة استصدار إذن للسفر بسبب العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة المتشددة فى سيناء منذ شهور.

محنة ميليين لم تنته عند هذا الحد، وتقول: «كل ما أتمناه أن تجمعنى الدنيا بزوجى وبنتى رغم أنى لا أعلم كيف أستطيع فك أسره».

ولا توجد إحصاءات بأعداد الأفارقة الذين يصلون سيناء فى طريقهم إلى إسرائيل، لكن شهود عيان يؤكدون أن 300 شخص فقط وصلوا إلى سيناء فى مطلع العام الجارى حتى 30 يونيو، مقارنة بـ 5000 كل عام فى السنوات الماضية.

وتوقف هذا التدفق تقريباً بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسى فى 30 يونيو، حيث أغلقت سيناء بصورة شبه كاملة.

ويقول اللواء سميح بشادى، مدير أمن شمال سيناء، إن السبب الرئيسى لدخول الأفارقة إلى سيناء هو محاولة الوصول إلى إسرائيل بعد أن تغريهم العصابات بمستقبل مشرق هناك. ويضيف: «لكن بمجرد وصولهم إلى سيناء يتم احتجازهم فى مخازن المهربين ويجبرونهم عن طريق التعذيب على تحويل مبالغ مالية».

ويرى بشادى أن أعداداً كبيرة من الأفارقة أصبحوا يأتون إلى سيناء فى الفترة الأخيرة مرغمين فى إطار التعاون بين المهربين فى سيناء والمهربين من قبيلة الرشايدة على حدود السودان. ويرجع عدم قيام قوات الأمن بتحرير الرهائن إلى صعوبة تحديد مكان احتجازهم.

وتقول مسؤولة فى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بالقاهرة، طلبت عدم نشر اسمها، إن المهاجرين يتعرضون للخطف فى السودان ونقلهم إلى سيناء لطلب الفدية، لكن هناك عدداً منهم يطلب تهريبه إلى سيناء لأنها الطريق لدخول إسرائيل.

وتتهم ناشطة حقوقية إريترية الحكومات المعنية بالتغاضى عن تهريب البشر سواء بالخطف أو الهجرة. وتقول هبة مريف، المسؤولة عن ملف مصر فى منظمة هيومان رايتس ووتش: «المسؤولية تقع على مصر، وعلى المسؤولين إنقاذ ضحايا الاتجار وحمايتهم من التعذيب والاختطاف ومقاضاة المجرمين».

وتضيف قائلة: «لم يتم حتى الآن ضبط أى شخص من عصابات تهريب البشر أو الخاطفين فى سيناء وهم منبوذون من القبائل، ما يشجع على استمرار حدوث الجريمة».

وتلقى مريف باللوم أيضا على المنظمات الدولية ومنها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بسبب التقصير فيما يتعلق بتلك الظاهرة. لكنها تضيف أن المفوضية حاولت زيارة الإريتريين المحتجزين فى السجون المصرية غير أن الحكومة المصرية لم تسهل لها هذه الزيارة.

تم إعداد هذا التقرير الإخبارى بدعم شبكة أريج «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية»، ضمن برنامج تدعيم الإعلام لتغطية قضايا الإدارة العامة فى المحافظات.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.