تجارة تصاريح العمل بين مصر والأردن

5 ديسمبر 2011

عمان/ القاهرة – يقر العامل المصري أبو محمد مصطفى (41 عاماً) بأنه حصل على تصريحه الزراعي، بعد أن دفع لوسيط أردني 300 دينار (دولار 430 دولار)، ليتسنى له العمل “بالمياومة”. كما دفع مبلغا مماثلا لوسيط مصري على الطرف الآخر من ساحتي تجارة محرمة.

يهمس أبو محمد بتوتر: “أنا واحد على باب الله. بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) الماضي، (عمّت) الفوضى وحاجات ما تنألش. فجيت على الأردن دون تأشيرة (فيزا)”. أسر هذا الأربعيني لكاتبة التحقيق، على مضض إذ لم تكن عملية كسب ثقته سهلة، لأنه يخشى فقدان “رزقي وتسفيري”.

فرق سعر الصرف بين الدينار الأردني والجنيه المصري وفرص الدخل المرتفعة نسبيا هنا دفعه لبيع حلي زوجته لشراء تصريح عمل، على أمل تحقيق عيش كريم لأسرته.

داخل ورشة إنشاءات في مدينة مادبا (30 كم جنوب عمان)، يوضح عامل البناء آلية شراء تصريحه الزراعي غير القانوني: “ولاد عم اشتغلوا في الأردن من قبل قالولي في ولاد حلال أردنيين، بقدروا يأمنوا تصريح زراعي، حتى اشتغل بس لازم أدفع فلوس”.

ويتابع “اتصلت براجل مصري جدع، الله يكتر خيره ساعدني بعد ما أخد شوية فلوس”، فربطه مع الوسيط الأردني، ليحصل على تصريح زراعي على الورق، لكن ليعمل في قطاع البناء “بالمياومة” في أماكن أخرى. 

أبو محمد بات مدينا لعام كامل، ذلك أن حلي زوجته التي “ما جابتش حاجة” قدمها للوسيطين الأردني والمصري، أي قرابة 20 % من رواتبه مجتمعة، باعتبار أنه يحصّل شهرياً 120 دينار، ما يقارب 1000جنيه مصري (150 دولاراً). 

وأيضا عبد الرحمن – الحاصل على بكالوريوس تجارة – حضر إلى الأردن، بعد أن باع حلي زوجته، ورهن “مكان الدفن” الخاص بأمه. يقول عبد الرحمن: “عايز أبقى جنب مراتي وأمي، الوضع صعب في مصر (ملحق). العمل في الأردن في أي مهنة يحتاج إلى واسطات كثيرة، عشان كده أعطيت شوية فلوس لولاد حلال أردنيين ومصريين، حتى يوفروا لي شغل، الحمد لله كويس أوي”. عبد الرحمن يعمل الآن في مقهى سياحي في منطقة الرابية.

قصص هؤلاء الرجال تختزل رحلة العمال الوافدين – بخاصة المصريون – ساهموا مع وسطاء أردنيين في خلق تجارة جديدة “تجارة التصاريح”، وذلك بعد التشديد الحاصل للتخفيف من العمالة الوافدة.

سهولة دخول الأردن دون تأشيرة ساهم في توسع “تجارة التصاريح”، والتي لم تنكرها وزارة العمل، رغم أنها تتحفظ على حجمها المعلن، كما تنفي اتهامات بضعف الرقابة.

هذا التحقيق – الذي أجري على مدى ستة أشهر بين القاهرة ومدن أردنية – لا سيما إربد، عمان، مادبا، الكرك – توصل إلى أن ظاهرة التحايل على القوانين والاتفاقيات المشتركة تتغذى على “جشع” أرباب عمل، تحايل على اتفاقيات العمل المشتركة وإستغلال ثغرات في تعليمات تشغيل العمالة الوافدة.

تعليمات تشغيل العمالة الوافدة تحصر استقدام عمّال وافدين بقطاع الزراعة، فيما تغلق أبواب القطاعات الأخرى جزئيا أو كلياً (الملحق). وعمال الإنشاءات (قرابة الـ100 ألف) يدخلون هذه القطاعات من بوابة “الزراعة”، في مخالفة صريحة للأنظمة والقوانين. وينسحب ذلك أيضا على أصحاب ما يعرف ب”اقتصاد الظل”، حملة سطول المياه لغسيل السيارات في الشوارع  والباعة المتجولون.  

تشكّل تصاريح الزراعة ثلث أذون العمل الصادرة الآن لعمال وافدين يقدر عددهم ب 300 ألفا، بحسب وزارة العمل. 

خبايا وزوايا مغلقة 

كان لكاتبة التقرير قرابة  120 محاولة للتحدث مع عمال وافدين، ووسطاء، وأرباب أعمال في الأردن ومصر. لكن لكسب الثقة كان يجب ألا يتم التسجيل أو التصوير. رغم ذلك كان حديث هؤلاء جد مقتضب، وبعضهم حاول ابتزاز الكاتبة بتهديد عبر الهاتف لامس حدود الابتذال، ما دفعها إلى تغيير رقم الخليوي الخاص بها.

وسطاء يخرقون القانون

أبو مصطفى – اسم غير حقيقي- تلفح بكوفية لإخفاء ملامح وجهه كما أخفى عينيه بنظارات شمسية، حين التقه الكاتبة في مادبا. سارع “أبو مصطفى” للاستحواذ على جهازها الخليوي  بعد أن خطف حقيبة يدها وفتشها بحثا عن مسجل أو كاميرا مخفية قبل أن يستسر لها ب”جزء من الحقيقة”. يقول الرجل “الحذر”: “أنا مجرد وسيط خير بين رجل فتح الله عليه يريد مساعدة هؤلاء العمال المساكين، وبين العمال بخاصة المصريون”. فأبو مصطفى يسافر سنوياً إلى مصر لإقناع عشرات العمال المصريين بدفع 300 – 500 دينار (450 – 700 دولار)، ليتسنى لهم الحصول على تصريح عمل زراعي، ثم العمل في مهن أخرى. 

ويرفض أبو مصطفى الاسترسال في تفسير آلية “بيع التصاريح” مكتفيا بالقول أن ما ذكره يندرج ضمن “معروف (خدمة خاصة) لا أبوح به لأحد”. كذلك يرفض  الحديث عن شركائه في مصر والمبالغ المتقاسمة بينه وبين أصحاب مزارع هنا يلجأون “لتضخيم” عدد العمال المطلوبين للعمل لديهم، فيما يتسرب الفائض إلى قطاعات أخرى. 

محمد عطية صاحب مزرعة في الشونة الجنوبية كان شاهدا على حالات “تلاعب وتحايل لبعض أصحاب المزارع فيما يخص بيع التصاريح”.

يقول عطية: “المزارعون قسمان. فهنالك عائلات زراعية، حيث يعمل الرجل وزوجته وأبناؤه في الزراعة، وهنالك ملاك مزارع، لا يعرفون عنها شيئاً، وعند هؤلاء يتم التحايل على القانون، وعملية بيع التصاريح”. ومع أن “القانون واضح، تحصل تجاوزات على يد أصحاب مزارع بالتعاون مع بعض الموظفين، ما يؤدي إلى حصولهم على تصاريح إضافية تباع بحسب الموسم والسوق”.

يؤكد “اعترافات” أبو مصطفى وتأكيدات عطية ما ينوف عن 20 “وسيطاً” في مدن مختلفة دون الخوض في التفاصيل. 

الضفة الأخرى:

وفي مصر يؤكد محمد علي (28 عاما) حديث  نظرائه في الأردن.

يفيد علي بأن “عددا كبيرا من الشباب المصري، يطمح بالذهاب إلى الأردن، بعد أن اشتروا تصاريح عمل، بخاصة أن الثورة لم تلب مطامحهم”، على حد تعبيره.

وزارة العمل لا تنكر بعض “الإخلال بشروط تصاريح العمل”، ولكنها تشدد على أن “هنالك آلية ضبط للمخالفين في حال كشفهم من مفتشي الوزارة (120)، ويتم التنسيب بتسفيرهم”، وفق إبراهيم السعودي مدير الشؤون القانونية والتعاون الدولي والإعلام في الوزارة.

ويشدد السعودي على أن ضبط المخالفين لا تنحصر بالعمالة الوافدة، إذ يغرم رب العمل 500 دينار (700 دولار) عن كل مخالفة.  (الملحق)

اتهامات متضادة 

 يكشف إستطلاع رأي غير علمي نفذته كاتبة التقرير أن تجاوزات أرباب أعمال، واستغلال وسطاء وإهمال موظفين في مديريات العمل وراء ظاهرة غش التصاريح. 

الأسئلة الخاصة بأرباب الأعمال والوسطاء (40 من الفئة الأولى و60 من الشريحة الثانية)، تشير إلى أن 60%  من 80 شخصا استجابوا للاستطلاع، قدّموا هدايا لموظفين و/أو “ضغطوا” على بعض منهم لتسهيل معاملاتهم، بخاصة مسألة التصاريح. وأجاب المستطلعة آراؤهم (80 رب عمل ووسيط) بأنهم قدموا مغريات لموظفين من هدايا إلى “رشى” تراوحت بين 100 و 500 دينار، لتسهيل إجراءات استقدام عامل وافد (الملحق). 

على أن جميع الموظفين نفوا في استطلاع مواز تلقي أي نوع من أنواع الرشى أو الضغوط. لا بل أن 70 % من المستطلعة آراؤهم اتهموا أرباب أعمال بارتكاب تجاوزات، للحصول على تصاريح لعمالهم. لكنهم رفضوا تحديد هذه التجاوزات. (الملحق)

 شملت العينة 100 موظف استجاب منهم 80 فقط، وانحصرت إجابة هؤلاء بسؤالين من بين سبعة أسئلة تضمنها الاستبيان (الملحق).

مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية أحمد عوض يجادل بأن: “الحكومة لا تعرف عدد العمال الحقيقي، ولا في أي مهن يشتغلون، في ظل شيوع تجارة تصاريح العمل، ودخول ما يمكن تسميته شبهة الفساد على كثير من إجراءات إستخدام العمالة المهاجرة وخصوصاً العمالة المصرية”. 

ويقدر عوض عدد العمال الحاصلين على تصاريح عمل، والمخالفين لشروط العمل، بحوالي 600 ألف عامل، ومع إضافة أفراد عائلاتهم قد يقفز العدد إلى قرابة المليون، أي واحد إلى سبعة أردنيين. 

يستشهد عوض بدراسة أجراها المرصد العمالي العام الماضي وكشفت انتشار تجارة للتصاريح بخاصة بين الأردن ومصر.

“لدينا معلومات متعددة المصادر تشير إلى أن متنفذين في الدولة الأردنية، ورجال أعمال، وملاك أراضي، يمنحون تصاريح لاستقدام عمالة مصرية، من أجل العمل في قطاع الزراعة”، على ما يوضح دون أن يدلي بتفاصيل أوفى. 

وتقدر بيانات البنك المركزي الأردنيً تحويلات العمالة الوافدة خلال عام 2010 بـ 351.3 مليون دينار (495.3 مليون دولارا)، في حين يقدرها القنصل المصري وائل النجارب 540 مليون دولاراً، للمصريين العاملين في المملكة. 

وزارة العمل الأردنية والسفارة المصرية تؤكدان اتخاذ إجراءات لتشكيل لجان مشتركة، من أجل الحد اشكالية “بيع التصاريح” في ساحة العمل الأردنية.

تجارة تصاريح العمل 

تفيد دراسة نفذها المرصد العمالي الأردني في كانون الأول (ديسمبر) 2010 تحت عنوان “العاملون والعاملات في الزراعة. غياب للحقوق الأساسية وشبه الإتجار بالبشر”، بأن أصحاب مزارع “يمتهنون بيع تصاريح العمل للعمالة المهاجرة، مقابل مبالغ مالية تتراوح بين 500 – 1000 دينار لكل تصريح”. 

صلاح عطيان رئيس مكتب التمثيل العمالي في السفارة المصرية يرفض إرجاع “تجارة التصاريح الزراعية إلى عصابات منظمة”، معتبرا أن الخلل يحدث “بسبب إنفتاح السوق، كما أن التباين في رسوم تصاريح العمل التي يتحمل تكلفته العامل (المصري) أدى إلى استسهال العقد الزراعي عن غيره”. إلى ذلك يشدد على أن العمالة المصرية في الأردن “تكميلية وليست إحلالية”. 

إبراهيم السعودي مدير الشؤون القانونية في وزارة العمل يؤكد اتخاذ إجراءات “لتشديد المخالفات، و(تفعيل) تعاون مشترك مع الجهات المعنية في الدول الأخرى”. لافتا إلى وجود “خط ساخن في وزارة العمل يتلقى الشكاوى بغض النظر عن الجنسية”.

قول القانون 

“قانون العمل الأردني واضح، وصارم بشأن عملية الحصول على التصاريح”، بحسب المحامي صخر الخصاونة المختص بالقضايا العمالية، مشيراً إلى أن القانون “نظم عمل العمال الوافدين، وحصرهم في قطاع الزراعة لعدم وجود عدد كاف من الأردنيين”.

يعمل في هذا القطاع 150 ألف عامل، ثلثهم فقط من الأردنيين، بحسب الاتحاد العام للمزارعين الأردنيين. ويساهم ب 3.7 % من الناتج القومي الإجمالي، وفق تقديرات دائرة الإحصاءات العامة. 

ويرجع الأمر إلى المادة 12 من قانون العمل: “يجب أن يحصل العامل غير الأردني على تصريح عمل أو من يفوضه قبل إستقدامه”.

إحلال العمالة الأردنية بدل الوافدة

أعلنت الحكومة عن استراتيجية وطنية للتشغيل في آذار(مارس) الماضي، تنفذ على مدى عشر سنوات، على ثلاثة مراحل لإحلال العمالة الأردنية محل الوافدة.

ويقول المسؤول الأردني السعودي إن “الوزارة عقدت عدة اتفاقيات مع ممثلي القطاعات المختلفة في البلاد، لتحديد نسبة العمالة الأردنية في هذه القطاعات تمهيداً لإحلالها محل الوافدة”.

المسؤول المصري عطيان يؤكد قرب توقيع اتفاقيات جديدة “للحد من تدفق أي عمالة مخالفة، وتنظيم المتواجدة لحماية حقوقها”.

لكن رغم الوعود وصوغ استراتيجيات بين الحكومة الأردنية والمصرية، إلا أن “تجارة التصاريح”، ما تزال مستمرة، ما لم يتم اتخاذ إجراءات صارمة على الأرض للقضاء عليها. 

التحقيق نُفِذ بدعم من شبكة أريج – اعلاميون من اجل صحافة استقصائيه عربية www.arij.net بإشراف الزميل سعد حتر


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.