بسطات اللحوم في الشوارع رغم منعها قانوناً نتائج تحليل عينتين تبين عدم صلاحيتهما للاستهلاك البشري حمص نظيفة كلياً.... حلب ودمشق تعانيان

3 سبتمبر 2009

تناول “أحمد” القطعة المتبقية من شطيرته مبتسماً وقال: “لا أشكو أي مرض”، ليتابع عمله كبائع في سوق للخضار بعد أن ابتاع وجبة غدائه اليومية المتمثلة بشطيرة لحم الغنم من “أبو العبد” بائع البسطة الأقدم بين الباعة الأربعة في سوق “الهال” بحلب.

“أحمد” واحد من بين عشرات العاملين في سوق الهال بحلب، ممن يتناولون طعام غدائهم يومياً من البائع ذاته إضافة لشاب أخر قريب منهم يعمل على بيع شطائر اللحم المشوي على بسطة تتمركز في مقدمة السوق ورثها عن والده منذ سنوات ست.

إلى جوار “أبو العبد” بسطة أخرى لصاحبها عمر والتي ورثها عن والده كغالبية البسطات الأخرى تتألف من قطعة خشبية كبيرة مسطحة الشكل توضع على براميل فارغة وتحمل فوقها معدات العمل كالسكاكين والأطباق والخضار واللحوم المكشوفة وأحياننا تسد مقدمة البسطة بحاجز زجاجي لا يعدو كونه محاولة للتشبه بواجهات المطاعم.

من حلب إلى دمشق

تشبه بسطتا عمر وأبو العبد وأختيهما في سوق الهال وتلك القابعة بالقرب من مركز الانطلاق الرئيسي بحلب، مثيلاتها الدمشقية المنتشرة قرب تجمعات النقل كمركز انطلاق العباسيين واحدة، وفي منطقة الصناعة واحدة، وبالقرب من كراج البولمان واحدة، وفي البرامكة اثنتين تتميزان عن الأخريات بنشاطهن مع بداية الليل حتى ساعات الفجر الأول، وبالقرب من منطقة التضامن اثنتان وواحدة على بوابة منطقة جرمانا، ليصبح مجموعهم في دمشق قرابة الثماني عربات تبيع يومياً كل واحدة منها حوالي مائة سندويشة أي بمعدّل ثمانمئة سندويشة يومياً في دمشق وحدها.

وجميعها تتشابه في صفة أخرى وهي أنّها تبيع اللحوم المكشوفة على شكل سندويشات مشوية على الفحم معتمدة على لحوم لايعرف أصلها ولاتخضع لرقابة المسالخ والمذابح النظامية في الوقت الذي تسجّل فيه سورية للعام 2008 وحتى منتصف العام 2009 الغش في اللحوم على أنّه أعلى نسبة في الغشش على مستوى القطر.

أما شوارع حمص فخلت منها حتى في مراكز الانطلاق والأسواق الشعبية بفضل بناء المحافظة لمجموعات محال تجارية قرب تلك التجمعات للحد من انتشارها، وبقيت التجربة الحمصية ضمن حدود المحافظة ولم تلقَ رواجاً في حلب ودمشق، رغم اعتبار البسطات قانونياً بحسب مدير الشؤون الصحية في محافظة دمشق الدكتور طارق صرصر “ممنوعة جملة وتفصيلاً”، إذ “تصادر دوريات مديريات صحة المحافظات لحوم البسطات وتتلفها مباشرة بإشراف لجان خاصة، بسبب طريقة عرضها التي تثبت بحسب مديرية الشؤون الصحية أنّها ستكون معرضة للجرثمة والتلوّث، وذلك بحسب التعميم رقم 100 والصادر بتاريخ 28/10/1997 عن وزارة التموين والتجارة الداخلية، أي وزارة الاقتصاد والتجارة حالياً.

نتائج علمية

وفي حين بينت تحاليل جرثومية قامت بها جريدة الوطن لأربع عينات مختلفة من اللحوم المباعة في حلب مطابقتها للمواصفات السورية بنسبة جراثيم “مقبولة” بحسب التحاليل، جاءت نتائج التحاليل المخبرية لتثبت تلوث العينات المأخوذة من السندويش المباع بدمشق فتحاليل عينتين منهم كانت غير قابلة للاستهلاك البشري لعدم مطابقتها للمواصفات السورية. الأولى تحتوي تعداداً أكبر من المسموح به للجراثيم الهوائية وفق تقرير المخبر المركزي التابع لوزارة الاقتصاد والتجارة، “إذا تجاوزت الحمولة البكتيرية المليون مستعمرة في الـ1غ، بينما تنص المواصفات السورية على ألا تتجاوز الحمولة البكتيرية المليون مستعمرة في كل 1 غ للمواد الغذائية، بحسب رئيس قسم التحاليل الجرثومية في المخبر ثائر حسن، والذي شرح معنى التعداد العام بأنه “تحليل يعطي فكرة عن الحمولة البكتيرية العامة للعينة التي يأخذ منها عشرة غرامات بأنّها يجب ألا يحتوي كل غرام منها أكثر من مليون مستعمرة بكتيرية وعندما يتعدى عدد المستعمرات المليون تعتبر العينة مخالفة دون الخوص في العدد الذي لا يكتب أساساً على بيان التحليل الصادر عن المخبر، أما مخالفة العينة الثانية فكان بسبب ارتفاع التعداد العام للجراثيم الهوائية إضافة لارتفاع حمولتها من جراثيم الكوليفورم الكولونية.

واحتمال وقوع هذا التلوث الجرثومي، بحسب الدكتور تيسير البني من قسم الجرثوميات في كلية الطب بجامعة دمشق، “يبدأ من المراحل الأولى لتحضير الشطيرة حتى وصولها إلى فم المستهلك”. وأكد البني أن التعداد العام للجراثيم الهوائية تعبير يدل على “مجموعة كبيرة من الجراثيم كعدد فقط دون النوع وهذا ما يزيد الأمر تعقيداً”.

أما عن العينات المحللة بنتائج إيجابية والتي قطفت من باعة يعملون في ظروف مشابهة كلياً لصاحب العينة الملوثة، أكد حسن أنه “في حال حللت مائة عينة من منتج معين، وواحدة أو أكثر منها مخالفة يعد المنتج كاملاً مخالفاً للمواصفات المتبعة وغير صالح للاستخدام البشري”. وضرب حسن مثالاً باللحم المعلب “إذا حلل المخبر عشر عينات من النوع ذاته وجاءت نتيجة إحدى العينات مخالفة فلا يعطيها المخبر شهادة مطابقة لتسعة وشهادة مخالفة لواحدة بل يعتبر كل المنتج مخالف”، وبين الحالة من وجهة نظر علمية حيث يتم التعامل مع التحليل على أساس وجود جرثومة ممرضة في واحدة من العينات المقطوفة للمنتج ذاته فيعتبر المنتج مرفوضاً ولا داعي لفحصه كاملاً.

ومخالفات التلوث السالفة الذكر، تكفل بحسب مدير التجارة الداخلية في دمشق محمود المبيض، “إحالة صاحب المطعم المكتشفة فيه الإصابة إلى القضاء، ولا يجوز القول في مثل هذه الحالة بأن تعداد هذه الجراثيم أو تلك مقبول بل يجب أن تكون العينة خالية كلياً حتى لا يحال صاحب المطعم إلى القضاء”.

في حال الكشف عن مخالفة لا تحمل ضررا بالصحة، يكون الحكم من عشرة أيام إلى شهر سجن لصاحب المطعم، أما في حال كان هناك حالات ضرر بالصحة يحكم بحسب حالة الضرر، وتصبح القضية قضية حق خاص بالإضافة للحق العام، بحسب القانون 123 لعام 1960 وتعديلاته 2 لعام 2008، وللقانون 158 لعام 1960.

وبما أن العربات ممنوعة قانوناً ولا تملك صفة رسمية ولا تدخل ضمن اختصاص مديريات التجارة الداخلية وهذه الأخيرة أيضاً لا تملك صلاحية قانونية لتنظيم مخالفات بحقها كما أشار المبيض وهذا يعني عدم وصول مخالفاتها إلى القضاء وتبقى ضمن حيز المصادرة من قبل شرطة المحافظة والإتلاف من قبل لجنة مختصة دون الخوض في التفاصيل.

أما المطاعم التي تتسبب بحالات تسمم تصل من خلال شكاوى المواطنين إلى مديرية التجارة التي تتحقق منها “بقطف عينات وتحليلاها وفي حال التأكد من المخالفة تحيلها إلى القضاء المختص، لتبقى الحالات الفردية والشكاوى المثبتة بالتحاليل الطبية أو التقارير الطبية الصادرة عن المستشفى المعالج أو الطبيب المشرف ضمن اختصاص المحاكم المدنية التي تحكم في قضايا الخلاف بين المواطنين” والكلام للمبيض.

وفي بعض الحالات يتوصل صاحب المطعم أو المحل التجاري المتسبب بالإصابة إلى اتفاق بالتراضي بين الطرفين كما حصل مؤخرا مع صاحب أحد المطاعم المعروفة بمنطقة المزة في دمشق حيث عوض جميع المصابين بالتسمم بسبب تناولهم طعاماً فاسداً من مطعمه وأربعة من المصابين لديهم إثبات طبي بحالات التسمم التي تعرضوا لها عوضهم صاحب المطعم السالف الذكر بعشرة آلاف ليرة سورية لكل منهم.

شروط مفقودة

واعتبر رئيس دائرة الجراثيم في المخبر المركزي ثائر حسن أن “البسطة المكشوفة تحسم عدم تطبيق أهم شرط من شروط السلامة الصحية، فالإنتاج والبيع يتم في الهواء الطلق، ويتعرض المنتج لهواء ملوث وعوادم سيارات” ولا يوجد ضمان بأن “تكون يدا البائع معقمة وأظافره مقصوصة أو أنه يرتدي رداء خاص بالعمل ولا يرتدي خاتم في يده ويضع قبعة على رأسه”، ومن هذه الحالة حكم حسن “بتلوث العينات دون تحليل” وأكد على ضرورة مكافحة هذه البسطات و”إغلاقها فوراً إذ لا يجوز انتظار حدوث مشكلة أو إصابة الناس بتسمم”.

فوجود هذه البسطات يمكن “أن يسبب كثيراً من الأوبئة، واحتمال الإصابة جراء تناول تلك الأطعمة كبير جداً كونها غير صالحة للاستخدام البشري” والكلام لحسن، الذي أصر أن “التحليل أخر طريق نلجأ له لإغلاق هذه البسطات” مطالباً بعلاج “السبب قبل وقوع التسمم”.

وشارك د.البني الـ حسن الرأي والمطالبة بحل مشكلة البسطات قائلاً: “حالة البيع في الشارع تعتبر منتجهم غير صحي نهائياً، فما يحمله الهواء من أتربة وغبار كاف لتأكيد تلوثها”.

بسطات خارج الرقابة

وتبقى كل تلك المطالبات خارج اختصاص مديرية التجارة الداخلية قانونياً إذ أن تعامل المديرية يكون مع “المحلات لا البسطات” كما أوضح المبيض، “فالبسطات تعتبر من اختصاص شرطة المحافظة حيث تصادر البسطة ومحتوياتها لأنها تشغل الطريق وليس بسبب مخالفة تموينية”.

وتبوء محاولات مديرية التجارة في ضبط البسطات بالفشل إذ يهرب صاحب البسطة ما أن تطلب منه دورية التموين بطاقته الشخصية “ليحرر الضبط ضد مجهول”، بحسب المبيض، الذي يؤكد أن المديرية “لا تملك صلاحية ضبطه أو إلقاء القبض عليه أو ملاحقته”.

السوريون مناعتهم مرتفعة

ومع فشل محافظتي دمشق وحلب في إنهاء حالة وجود البسطات يبقى الاعتماد على المناعة المرتفعة لدى السورين، فحالة أحمد حللها د.البني الذي قال: “إن عدم التسمم ناتج عن ارتفاع مستوى المناعة لدى السوريين، حيث يحتمل وقوع حالات إسهال لدى السياح نتيجة شربهم لمياه شربنا بسبب احتوائها على نسبة معينة من جراثيم الإيشيريكية التي اعتدنا عليها”، وشاركه حسن الرأي.

وبين د.البني أن عدم وجود جرثومة السلمونيلا في العينات المحللة يعود لعدم “استخدام الباعة لمادة المايونيز عموماً وخاصة المصنعة يدوياً دون رقابة، فهي أكثر المواد الغذائية عرضة لحمل تلك الجرثومة”، وأوضح د.البني أن “حالات عدوى السلمونيلا قد تأتي من السلطة أكثر من اللحوم فالأخيرة تتعرض للنار والحرارة، والخضار قد تكون محملة بها فيأكلها شخص ذو مناعة جيدة ليصبح حاملاً لها وينقلها للآخرين”، مؤكداً احتمال وجود السلمونيلا بشكل كبير ضمن الشروط الراهنة والمؤكدة “عدم نقع السلطات بالخل أو المطهرات، إضافة لفقد الحد الأدنى من النظافة الشخصية للبائع، لتكون كل عمليته غير مقبولة وغير قانونية، وغير صحية نهائياً” والكلام لـ د.البني.

التسمم بالأرقام

وتبين إحصائيات وزارة الصحة -قسم السموم أن عدد حالات التسمم الغذائي بلغت خلال الشهور العشر الأول في العام 2007، 80 حالة في المحافظات السورية التي أرسلت استمارة المريض إلى مركز السموم، من أصل 3171 حالة تسمم، لتشكل نسبة 2.5% فقط.

وأشارت وزارة الصحة أن الرقابة على المواد الغذائية هي مسؤوليتها إضافة للوزارات المعنية الأخرى “اقتصاد وتجارة، إدارة محلية وبيئة” حيث تقوم العناصر الفنية لديها بزيارات دورية إلى المعامل الغذائية والأسواق لسحب عينات عشوائية وإيداعها في المخابر المعتمدة لإجراء الفحص الجرثومي والكيميائي والتأكد من مطابقتها للمواصفات السورية ليتم ضبط العينات المخالفة ومعاقبة المخالفين من قبل الجهات المعنية حسب القوانين والأنظمة.

وعند ورود شكوى أو حدوث تسممات غذائية أو فاشيات بالأمراض المنقولة بالغذاء، تقوم فرق تقصي وزارة الصحة بمتابعة الحالات المرضية الصحية بالتنسيق مع الجهات الأخرى، ويتم مخاطبة تلك الجهات لاتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المخالفين.

تم اعداد هذا التقرير بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) وباشراف الزميل حمود المحمود


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.