الموت يسكن علب دواء المصريين

21 سبتمبر 2014

الصباح – على سرير المرض بمستشفى “معهد ناصر” يرقد علاء ذو الـ 28 عاماً. ربيع شبابه تحول فجأة إلى خريف. بجواره تتسلل الدموع من عيني والدته العجوز. والده المسن يكتم أنفاسه وهو يرى إبنه “يصارع الموت” أمام عينيه، فيتوسل للطبيب بأن ينزع كِليته أو كِلية الأم لزراعتها لعلاء، لكن أخصائي زراعة الكلى د. محمد مصطفى يرى أن الأمر مستحيل؛ ففصيلة دم الأم مختلفة، فيما يشكل نقل الكلى من الأب خطرًا على حياته.

يؤكد د. مصطفى أن الفشل الكلوي الذي أصاب مريضه نتج عن ارتفاع مفاجئ بنسبة البولينا والكرياتينين بالدم بعد أن تحولت الأدوية المسكنة من نوعية “رابيفلام 25” المتلاعب بتاريخ انتاجه إلى “سموم” أدت لانقباض حاد في الشرايين الدقيقة، فانخفاض في ضغط الدم ونقص الأكسجين المغذي للكلى (إطار-صورة).

ويوصي الطبيب المعالج بغسل كليتيه ثلاث مرات أسبوعيًا. لكن الأمر لن يطول، إذ لا بد من زراعة الكلى، وهو ما يوصي به التقرير الطبي الذى حصلنا على نسخه منه.

الصيدلية التي يشتري منها علاء الدواء على بعد كيلومترين عن منزله في حي مدينة السلام/ شرقي القاهرة لم تكن محل شك. لكن علبة دواء “رابيفلام 25” -التي كان يتناولها بشراهة- لم تسكّن آلامه بل ضاعفتها، رغم أن تاريخ الصلاحية المدون على العلبة كان “صحيحاً”.

حال علاء المأساوية نتيجة تعاطيه أدوية منتهية الصلاحية أو متلاعب بتاريخ انتهائها ليست فردية.

فأم ياسر “48 عاماً” أصيبت هي الأخرى بزيادة في ضربات القلب وصلت لأكثر من 100 في الدقيقة بوقت الراحة،بسبب تعاطيها أدوية ضغط من نوعية “بارافون” لمدة ستة أشهر. واتضح لاحقا أن صلاحيتها منتهية ما أدى إلى تناقص مفعوله وانعكاسه إلى درجة السميّة، على حد وصف طبيبها المعالج أخصائي الأمراض الباطنية بمستشفى بنها د. أيمن بدوي. (إطار- صورة الدواء).

عبد الستار خضر “32 عاماً” دأب على تناول أدوية “ديكلوفين 100sr” لعلاج قرحة في المعدة، لكنها فاقمت مرضه وأصابته بالتهاب ميكروبي لينتهي به المآل إلى فشل كلوي مزمن بعدما اتضح أن الدواء كان منتهي الصلاحية. (إطار-3 )

تندرج تلك الحالات ضمن مسلسل تلاعب صيدليات في بيع أدوية منتهية الصلاحية، للتخلص من فائضها منذ حدّدت نقابة الصيادلة في 17 أكتوبر/ تشرين أول 2011 سقف كمية “المرتجع” إلى شركات الأدوية بـ4 %فقط. قبل ذلك التاريخ، كانت شركة الأدوية ملزمة باستعادة جميع الأدوية منتهية الصلاحية.

ذلك القرار ترك الصيادلة أمام أطنان من الأدوية منتهية الصلاحية، فيما لم يحدد قرار وزارة الصحة رقم 380‏ لسنة‏ 2009‏، المختص بتنظيم الاشتراطات الصحية للمنشآت الصيدلية (..) تخصيص مكان منفصل لتخزين المنتجات الطبية منتهية الصلاحية (..) لحين إعدامها أو إعادتها إلى الشركة المنتجة”.

ولم يرد بالقرارين ما يوضح كيفية التصرف في الأدوية منتهية الصلاحية.

ربط “المرتجع” بسقف 4 % دفع صيادلة إلى بيع منتهية الصلاحية لـ”مافيا” تُحدّث تواريخ انتاجها داخل مستودعات مرخصة (وغير مرخصة) ثم تضخّها من جديد للصيدليات ذاتها، حسبما وثّق معد التحقيق.

دورة الدواء تلك تحول المادة العلاجية إلى سموم في بطون المرضى وسط ضعف رقابة أجهزة وزارة الصحة ونقابة الصيادلة وتقادم القوانين الناظمة، بحسب الحقائق التي وثقها معد التحقيق.

شارك في إصدار قرار “الصيادلة”، ممثلون عن أصحاب شركات الأدوية ومستودعات التوزيع، المستفيدة الرئيسة من هذا القرار على حساب أعضاء نقابة الصيادلة.

فوق ذلك تتهرب مختبرات وزارة الصحة من فحص عينات وترفض طلب معد التحقيق بإجراء فحوص قياس جودة المنتج، بدعوى انتظار موافقة الوزارة.

نقيب الصيادلة د. محمد عبد الجواد يقول عن القرار “أن تلك الفترة كانت تشهد وجود كميات كبيرة من الأدوية منتهية الصلاحية بالسوق والتي كانت تمثل أزمة حقيقيه حينها بالنسبه لأصحاب الصيدليات.

رقابة منقوصة

الأجهزة الرقابية تؤكد سيطرتها على السوق، لكنّها تقر بصعوبة الرقابة. ولا توفر إحصائيات حديثة عن أنشطتها ومهامها.

مديرة إدارة التفتيش الصيدلي بوزارة الصحة د. مديحة أحمد، تؤكد صدور قرارات بـ”غلق إداري لـ70 أو80 مخزن أدوية بنهاية 2012″. وقد أغلقت فعليا.

“نحن نتتبع جيدًا. ففي مصر 120 مصنعا لإنتاج الأدوية المحلية، وثلاثة آلاف مخزن، بالإضافة إلى 63 ألف صيدلية مرخصة، يراقبها نحو 1000 مفتش تابع لإدارة التفتيش الصيدلي بوزارة الصحة وفقاً للخطة الروتينية”، على ما تشرح د. أحمد لمُعد التحقيق. وتقدر رواتب هؤلاء الموظفين بـ 50 مليون جنيه.

في مصر “الآلاف من المؤسسات غير المرخصة التي تتعامل مع المواطنين والصيدليات باعتبارها مستودعات أدوية”، بحسب مديرة إدارة التفتيش التي تشبه هذه المواقع بـ”أوكار بيع المخدرات، لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق شكاوى من المتضررين”.

آخر الشكاوى

في 16 أغسطس/ آب 2014، ضبطت الإدارة المركزية للشئون الصيدلية بوزارة الصحة صيدلية كبرى بمحافظة القاهرة أثناء تعاملها في أدوية مهربة ومجهولة المصدر ومنتهية الصلاحية. احركت الإدارة بناء على شكوى من مواطن اشترى أقراص “سكر ريجيم” من تلك الصيدلية بمنطقة رمسيس، تبين لاحقا أنها منتهية الصلاحية. وتم تفويض قوة من مباحث التموين ضبطت أدوية مهربة ومجهولة المصدر، وحررت محضر رقم 2350 لسنة 2014 جنح الساحل. ومثل أصحاب الصيدلية على النيابة العامة لاتخاذ اللازم بشأن المخالفات المضبوطة.

د. أحمد تؤكد أن “الوزارة تعيد أموال الضرائب على هذه المرتجعات التي حصلت عليها من شركات الأدوية التي يتم التصديق على التخلص منها في المدافن الصحية (المحارق)”. تفرض الضرائب 25 % من أرباح شركات الأدوية في مصر، وفق مقرر لجنة الضرائب بنقابة الصيادلة د.أحمد البيلي.

نقص في كوادر الرقابة

حسابيا، يخصص مراقب واحد فقط لكل 63 صيدلية، وبذلك مطلوب من المراقب الواحد التفتيش على صيدلية كل ستة أيام.

صاحب سلسلة صيدليات العزبي ورئيس مجلس إدارة شركة “مالتي فارما” لتوزيع الأدوية د. أحمد العزبي ينصح د. العزبي باتباع هيكلة حاسوبية دقيقة على غرار تجربته داخل سلسلة صيدلياته، على أن ترتبط بشبكة معلومات مع المخازن والشركة المنتجة. ويدعو أيضا لترتيب الأدوية على الأرفف حسب تاريخ الانتهاء من الأقدم إلى الأحدث.

العزبي ينتقد “ضبطيات التفتيش الروتيني” ويرى أن من المستحيل مراقبة 63 ألف صيدلية بهذا الكادر الضئيل. كما يصف آلية دائرة التفتيش الصيدلية بأنها “قائمة على الشكاوى فقط بعد حدوث الكارثة”، لافتا إلى أن “أقصى عقوبة على أدوية منتهية الصلاحية هي غرامة مالية (..) وهي غير رادعة لمافيا تدوير الأدوية”.

يتحدث د.العزبي عن “فارق كبير بين الرقابة على الأدوية فى الخارج وفي مصر. إذ أن قانون تنظيم شؤون الصيدلة متقادم منذ عام 1955، والحكومات ما تزال تُصر على عدم تعديله حتى الآن، بل تكتفي ب “ترقيعه” بقرارات وزارية فقط.

نقيب الصيادلة د. عبد الجواد يؤكد أن النقابة تسعى دون جدوى منذ 2009 لسن قانون جديد لمزاولة مهنة الصيدلة. في ذلك العام، أعدت مشروع قانون جديد – بمشاورات مع جميع الجهات المختصة- يسد ثغرات القانون القائم منذ 1955 ويغلّظ العقوبات على المخالفين. حاولت النقابة تقديمه أكثر من مرة  من خلال لجنة الشئون الصحية في “مجلس الشعب” (هو الجهة الوحيدة المختصة بالتصديق على القوانين في مصر)، لكنّه جوبه بالتأجيل دائما “بحجة انتهاء الدورة البرلمانية”، وصولا إلى ثورة 25 يناير 2011. “ومن حينها لم تستقر الأوضاع حتى الآن وما نزال في انتظار البرلمان الجديد المزمع انتخابه بعد ثلاثة أشهر ليتم إقرار القانون الجديد”، حسبما يضيف.

توثيق ميداني

في بحث ميداني تناول أربع صيدليات مُرخصة في أربع محافظات مختلفة؛ الجيزة، القليوبية، الشرقية والمنوفية، وجد معد التحقيق أنها تتعامل مع أكبر شركات الأدوية في مصر – انتاجا و/ أو توزيعا.

ويشتكي أصحاب الصيدليات من أن خسارتهم نتيجة انتهاء صلاحية الأدوية تتراوح بين 10 و 15 % سنوياً من إجمالي المبيعات.

أما شركات الأدوية فتستعيد بين 3 و 5 % فقط من الأدوية منتهية الصلاحية قبل ثلاثة أشهر فقط. أصحاب الصيدليات ينتقدون أيضا رفض شركات لسحب الأدوية المستوردة أو “الثلاجة” (التي إذا أخرجت من الثلاجات تفسد مادتها الفعالة بـ 48 ساعة على أقصى تحديد، مثل الأنسولين ومشتقاته الخاصة بمرضى السكر، وبعض أنواع “القطَارات”).

صيدليتان فقط تقرّا بأنهما باعتا أدوية بنسبة خصم تتراوح بين 50 و 70 %، بعد أن رفضت شركاتها سحبها عقب انتهاء صلاحيتها. ولم تول الصيدليتان اهتماما بأين ستذهب تلك الأدوية، ما دامت ستخفف عنهم الخسارة، بحسب وصفه صاحبيهما.

الصيدليتان الأخريان تؤكدان أنهما تحرقا الأدوية منتهية الصلاحية التي تفيض عن نسبة مرتجع الشركات على نفقتهما الخاصة للتخلص من المسؤولية.

وكانت وزيرة الصحة السابقة الدكتوره مها الرباط أكدت فى تصريحات سابقة بنهاية 2013 أنه تم توثيق 18251 محضرا بحق صيدليات مخالفة في نوفمبر/ تشرين ثان 2013، فيما ضبطت أدوية مهربة وغير مسجلة بوزارة الصحة في 41 مؤسسة صيدلية من بين 51 صيدلية مخالفة، بحسب محاضر النيابة.

وأصدرت الوزارة قرارات بغلق أو إلغاء ترخيص 1194 مؤسسة؛ 939 قرار غلق و 255 إلغاء ترخيص، فضلا عن ضبط 32 نقطة بيع غير مرخصة. تصل عقوبة فتح وإدارة مؤسسة صيدلية بدون ترخيص إلى الحبس سنة على الأقل وغرامة خمسة إلى عشرة آلاف جنيه.

تقديرات متفاوتة

تقدر نقابة الصيادلة نسبة الأدوية منتهية الصلاحية بـ 3 % من إجمالي الأدوية المتداولة في السوق والمقدرة ب 22 مليار جنيه (3.2 مليار دولار) سنويا بين محلية ومستوردة؛ (96 مليون دولار)، وفق أمين عام النقابة د. عبد الله زين العابدين. ويقدر زين العابدين تجارة الأدوية الفاسدة (مغشوشة يتم تبديل المادة الفعالة فيها أو تخفيفها بمواد أخرى، وأدوية منتهية الصلاحية تحديث صلاحيتها لضخها فى السوق مجددا) بـ 400 مليون جنيه سنويًا (58 مليون دولار). فيما تقدّر منظمة الصحة العالمية حجم الأدوية المغشوشة والمنتهية الصلاحية فى مصر بـ 20 % من حجم مبيعات السوق المصرية، بحسب بيان صادر عن المنظمة عام 2013.

أمين عام نقابة الصيادلة – يرى أن نسبة 3 % معقولة إذا قورنت ب 9.4 %؛ تجارة الأدوية المغشوشة (75 مليار دولار) من إجمالي تجارة الأدوية عالمياً والمقدرة بـ 800 مليار دولار. كما يعتبر أن تحديد نسبة 4 % كمرتجعات للأدوية منتهية الصلاحية “نسبة توافقية للجميع بداية من شركات الأدوية لأنها ستخسر المليارات إذا قبلت كل المرتجع ورَدّت ثمنه لأصحاب الصيدليات”.

ويؤكد أن أسواق الأدوية تحت السيطرة والتفتيش وفقًا للقانون رقم 127 لعام 1955، بشأن ممارسة مهنة الصيدلة الذي ينص على عقوبات صارمة على مروجي تلك الأدوية تصل للحبس والشطب من جداول قيود النقابة.

الأضرار تصل للوفاة

أستاذ الأمراض الباطنية ونائب الرعاية الخاصة بمستشفى “اليوم الواحد” في حي المرج بشمال شرق القاهرة د. محمود حسين يؤكد من جانبه أن عملية تدوير الأدوية منتهية الصلاحية “إما أن توقف تأثير المادة الفعالة (..) وإما أن تضاعف المرض وإما أن تتحول لمواد سامة تصيب بأمراض مزمنة قد تؤدي للوفاة”.

يضيف د. حسين أن خطورتها تكمن “في تكسير كرات الدم البيضاء وبالتالي تحطم المناعة، بعد تدمير الصوديوم والبوتاسيوم في خلايا الجسم مما يؤدي لسرعة ضربات القلب فتحدث الوفاة”.

مصير الأدوية

تجمع شركات الأدوية المرتجعة في مخازنها. وترسل إلى وزارة الصحة – الإدارة المركزية لشؤون الصيادلة- مدونة بمنشور يشمل؛ كمية الأدوية منتهية الصلاحية، أسباب التخلص منها، إسم الشركة المصنعة، إسم المحرقة أو المدفن الصحي.

يتم انتداب مفتش صيدلي من الوزارة مع شحنة الأدوية منتهية الصلاحية، للوقوف على عملية الحرق.

على أن أصحاب محارق يقدمون رشاوى لمفتشين يوقعون على “محضر إعدام شحنة الدواء”، ثم يتم تهريب كميات من تلك الأدوية منتهية الصلاحية ل”مافيا” تزوير الدواء، ليتم إعادة تدوريها من جديد بعد تحديث صلاحيتها، وذلك بحسب عشرات المحاضر الموثقة فى مباحث مكافحة الغش بوزارة الداخلية. (إطار- عن المحاضر)

بيع الأدوية منتهية الصلاحية بخصم

يقول “محمد س”، عامل بإحدى صيدليات منطقة السيدة زينب، “جاء إلى الصيدلية مندوبون قالوا إنهم من إحدى شركات الأدوية وعرضوا شراء جميع الدواء منتهي الصلاحية، من الصيدلية، فوافقت على العرض بدون تفكير”.

تخلص “محمد س” من أدوية يقدر ثمنها الحقيقي ب 13 ألف جنيه (1867 دولار)، مقابل 3100 جنيه (445 دولار).

وحين تراكمت كميات جديدة منتهية الصلاحية، سأل الصيدلي عن إسم الشركة ليبلغ بأنها “غير موجودة من الأساس”. وعلم أيضا أنه لم يكن الوحيد من أصحاب الصيدليات الذي تعامل مع هذه الشركة. فالجميع باع لها بربع الثمن، ثم أختفت فجأة.

صناعة الموت

اختار مُعد التحقيق منطقة “المرج” – التي يقطنها نصف مليون نسمة بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء ٢٠١٢- بعد أن ترددت أنباء عن وجود مخازن ومصانع سرية للأدوية منتهية الصلاحية هناك. يقطن هناك الشاب علاء مشتري دواء “رابيفلام 25” المنتهي الصلاحية الذي أصابه بالفشل الكلوي.

تقمص معد التحقيق دور مندوب لإحدى شركات توزيع الأدوية، وتعرف على  شاب بالمنطقة؛ “محمد شيكا”، يعمل بإحدى الوحدات الصحية ويرتبط بعلاقات واسعة مع صيدليات، أطباء ومرضى. بعد أن اطمأن شيكا إلى مُعد التحقيق، أكد له أن التجارة بالأدوية تحقق ثروة دون جهد، وعرض عليه المشاركة في “صفقة كبرى”، بشرط حصول شيكا على نصف أرباح معد التحقيق.

ذهبا سويا بعد منتصف الليل واتخذا طريقا لشارع “النهضة” حتى وصلا لمنزل قديم، تنبعث من الدور الأول فيه إضاءة واضحة. قال شيكا: “انتظرني بالخارج لأمهد الطريق، ثم خرج ليصطحب معد التحقيق قائلا بصوت خافت: “أدخل بسرعة”.

باب خشبي وخلفه صناديق ممتلئة عن آخرها بأصناف أدوية. وعلى الجانب الأيمن تتكدس كميات كبيرة من الصناديق الكرتونية، ذات لون بني فاتح، وتحتوي على المئات من الأصناف المسكنة والفيتامينات. وعلى الجانب الأيسر يتراكم صف آخر لصنف من الصناديق يحتوي على أمبولات “حقن”.

 بعد دقائق استقبلنا رجل خمسيني، ناداه شيكا بـ”البرنس”. وبعد أن عرّف مُعد التحقيق عليه جلسوا بجانب الصناديق. وبمجرد رؤيته لتواريخ الإنتاج المنتهية منذ عام كامل سأل مُعد التحقيق كيف سنروج تلك الأدوية رغم أنها منتهية الصلاحية؟ وإذا ذهبنا بها لأي مكان سيتم كشفنا بسهولة”. ضحك البرنس وقال “الحل عندنا” و”كمان الزبائن عندنا”.

وبالإستفسار عن مصدر تلك الأدوية، أكد أن بعضها مُهرب من محارق أدوية والبعض الآخر جمعت من صيدليات بأسعار مخفضة، ثم مد يديه في “شيكارة”، وسحب منه كيساً أسود أخرج منه ماكينة تشبه “الختامة” مليئة بالأرقام الإنجليزية وتواريخ منظمة؛ تبين أنها الأكليشيه الجاهز الذي يحتوي على تواريخ لتحديث الصلاحية.

وبسؤال البرنس، من أين أتيت بتلك الماكينة؟ يجيب: “دي أسهل حاجة، الماكينات تملأ سوق العتبة ولا تجد من يشتريها، واشتريتها بـ 200 جنيه (29 دولار)”.، ثم انهمك الرجلان لمدة أربع ساعات في تغيير الصلاحية على علب الأدوية التي كان أغلبها أدوية مسكنة، مُهربة من إحدى محارق الأدوية بمنطقة العاشر من رمضان.، إستطاع مُعد التحقيق التقاط صور من داخل هذا المستودع توضح حجم ونوعيات الأدوية الذين قاموا بتحديث صلاحيتها، وتوضح حال مخزن الأدوية الذي لا يتوافر فيه أي وسائل لحفظها، فلا ثلاجات ولا أرفف.

توجد على علب الأدوية أربع خانات الأولى يشار لها بالرمز “mfg” ويقصد بها تاريخ التصنيع، والثانية “Exp” ويقصد بها تاريخ انتهاء الصلاحية، والثالثة “pt” ويقصد بها سعر العبوة، والرابعة “B.n” أو “lot” ويقصد بها رقم التشغيلة المصرّح بها.

يتم نقل شرائح الأدوية إلى علب فارغة تطبع خصيصاً بإحدى المطابع غير المرخصة بالمنطقة “إطار2” (في مصر سبعة آلاف مطبعة غير مرخصة، وفقا لإحصاء شعبة الطباعة التابعة لغرفة الصناعات).

الطريقة الثانية لتزوير الأدوية تكمن في تغيير تاريخ التصنيع/ الانتهاء عبر ورقة لاصقة على تلك الخانات السابق ذكرها.

رحلة فحص العينات

حصل معدّ التحقيقعلى علبة دواء مما تم تحديث صلاحيته ليبدأ بعدها رحلة البحث عن تحليلها، وكأنه يحمل “قنبلة موقوتة”. طلب تحليل علبة الدواء في معامل رسمية بدءا من المعامل المركزية لوزارة الصحة، فجاءه الرد: “نحن لا نحلل إلا المأكولات والمشروبات”.

موظفو الهيئة القومية للرقابة على المستحضرات الحيوية “نودجرز” – المتخصصة بتحليل الأدوية المشكوك فيها – يصرون على أن من شروط تحليل عينات الأدوية للصحافيين إبراز تصريح من الجريدة بالموافقة على تحليل تلك العينة الدوائية ودفع 2000 جنيه (286 دولار).

 ثم إلتقى المُعد بالمسؤولة عن استقبال مثل هذه الحالات، والتي بدا عليها القلق بعد أن طلب منها تحليل عينة الدواء، فأخبرت مُعد التحقيق أنها لا تتعامل مع أفراد وإنما تتعامل مع مؤسسات، وطلبت خطابًا رسميا من الصحيفة. وبعد أن وافق فوراً، اعتذرت المسؤولة عن تحليل العينة، قائلة: “هذه تعليمات وزارة الصحة ألا يتم تحليل عينات الدواء إلا لشركات الدواء أو إدارة التفتيش الصيدلي”. لكنها بعد أن تفحصت عينة الدواء أكدت نظريا أنها غير صالحة للإستخدام الأدمي، فطالبناها بكتابة ذلك في تقرير رسمي لكنها رفضت، مؤكدة أنها لن توافق إلا بعد توصية من إدارة التفتيش الصيدلي. فعاد مُعد التحقيق إلى إدارة التفتيش الصيدلي، التي طلبت منه إرسال إسم ومكان المخزن الذى يتم فيه تدوير الأدوية منتهية الصلاحية قائلة: “إحنا هنتصرف”.

مديرة إدارة التفتيش الصيدلي د. مديحة أحمد، تشرح الخطوات الأساسية لتصنيع وإنتاج الأدوية، بدءا من سحب عينات عشوائية من المواد الخام قبل وخلال وبعد تصنيعها مرورا بتحليلها عن طريق “الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية” المتخصصة بفحص الأدوية الخاصة بمستحضرات ومستلزمات التجميل. أما الأدوية البيولوجية كالأمصال الحيوية والتطعيمات فيتم فحصها أيضاً وتحليلها في “الهيئة القومية للرقابة على المستحضرات الحيوية” التي تشمل الأمبولات والأقراص وغيرها. وتؤكد أنه يتم تحليل أكثر من عينة من كل تشغيلة من التشغيلات المستوردة أو المصنعة محليا.

 كما يتم تحريز العينات المسحوبة وكتابة أورنيك حالة “محضر”، ووضعه برقم سري للعينات، ثم ترسل للجهات “المعملية” المذكورة، لتخرج نتيجة الفحص. فإن كان مطابقًا يتم الإفراج عنه ويتم السماح له بالتداول في الأسواق، ويتم توزيعها عن طريق شركات التوزيع، أما إن كان الدواء غير مطابق فيتم منعه منالتداول.

مواصفات الدواء الفاسد

هناك جملة علامات يستطيع المريض من خلالها التعرف على الدواء الفاسد. من أبرزها اختلاف رقم التشغيل الموجود على علبة الدواء الخارجية وبين الملصق على العبوة، إلى جانب الألوان الباهتة على العلبة الخارجية، بحسب د. أحمد. كذلك ضعف مستوى الطباعة على الملصقات والأشرطة الداخلية لعبوة الدواء أو خارجها.

على د. أحمد تقر بصعوبة حصر كميات الأدوية المنتهية الصلاحية المتداولة في السوق “فمثلها مثل مدمني المخدرات، لا أحد يستطيع حصرهم بإحصاء رسمي صحيح”.

ورغم أن التفتيش يحدث “بصفة روتينية على الأدوية منتهية الصلاحية والمغشوشة “حسب خطة الوزارة، إلا أن الوضع ينبئ بخطر كبير”. وتقول إن الهيئة القومية للرقابة على المستحضرات الحيوية لا تحلل الأدوية منتهية الصلاحية لمعرفة مدى تحول المادة الفعالة ونسبة تسممها، لكنها ترسل لنا تقريرًا مدونًا فيه “منتهي الصلاحية، فاسد”. وإن كان غير منتهي الصلاحية فيتم تحليله لمعرفة إن كان مطابقا أم غير مطابق.

 سيظل المصريون عرضة للإصابة بأمراض متعددة بسبب “الترياق القاتل” ما لم تتحرك الحكومة وأطراف معادلة تصنيع، توزيع وبيع الأدوية لتغيير آليات الرقابة وتطوير القوانين وأنظمة العمل وصولا إلى احتواء التلاعب بصحة الناس.

نقابة الصيادلة أصدرت قرارها بتاريخ 17 أكتوبر/ تشرين أول 2011 عقب اجتماع شارك فيه معظم رؤساء مجالس إدارات الشركات المصنعة للأدوية في مصر وشركات التوزيع، مساعد وزير الصحة لشؤون الصيادلة د.أيمن الخطيب، نقيب صيادلة القاهرة ومدير المكتب الفني لمساعد وزير الصحة د. محسن عبد العليم ، نقيب الصيادلة د. محمد عبد الجواد ، الأمين العام لنقابة الصيادلة د. عبد الله زين العابدين ومقرر لجنة الصيدليات د. سامي فراج.

العقوبات تصل إلى المؤبد

 كتاب الدوري رقم 13 لسنة 2009، الذى أصدره النائب العام، أشار إلى أن غش الدواء يعد من أخطر الجرائم التى تعرض صحة الناس وأرواحهم للخطر، وينعكس أثره سلباً بصورة مباشرة على قدرة الشعب على العمل والبناء، ويقوّض الجهود التى تبذلها الدولة فى سبيل كفالة أداء الخدمات الصحية، وينال من سمعة الجودة والفعالية التى يتمتع بها الدواء المصرى فى السوق العالمية، مما يلقى بظلال سيئة على التصدير والاقتصاد القومي، وتضمن الكتاب الدوري المشار إليه تعليمات واجبة الاتباع إلى أعضاء النيابة تتعلق بإجراءات التحقيق في جرائم غش الدواء تحقيقاً قضائياً، وإسباغ القيود والأوصاف المنطبقة عليها، وتحديد جلسات قريبة لنظرها، ومراجعة الأحكام التى تصدر فيها واتخاذ إجراء الطعن المناسب على ما يصدر منها بالمخالفة لأحكام القانون.

والغش كما عينته المادة الثانية من القانون رقم 48 لسنة 1941 بقمع التدليس والغش قد يقع بإضافة مادة غريبة إلى السلعة، أو بانتزاع شيء من عناصرها النافعة كما يتحقق أيضاً بإخفاء البضاعة تحت مظهر خادع من شأنه غش المشترى، ويتحقق كذلك بالخلط أو الإضافة بمادة مغايرة لطبيعة المنتج، ومع زيادة الغش فى الدواء، طرأت على بعض أحكام القانون تعديلات بمقتضى القانون الصادر عام 1994، وكانت أهم المحاور،تشديد العقوبات فى جرائم الغش المعاقب عليها فى القانون، فجعل عقوبة الحبس وجوبية، وزاد عقوبة الغرامة فى حديها الأدنى والأقصى، وذلك فى جريمة غش الدواء، أو جريمة بيع الدواء المغشوش، أو غش المواد والعبوات والأغلفة التى تستعمل فى ذلك وحتى التحريض على غش العبوات أو الأغلفة، وجعل الحد الأدنى لعقوبة الحبس فى الجرائم سالفة البيان لا تقل عن سنة.

كما نص على تشديد العقوبة فى حالة توافر ظروف مشددة، فصارت السجن المشدد أو السجن المؤبد إلى جانب الغرامة مع زيادة حديها الأدنى والأقصى، وتتمثل هذه الظروف، مثل كون الدواء المغشوش ضاراً بالصحة، أو حصول عاهة مستديمة، أو وفاة شخص أو أكثر، كما ينص القانون على تجريم الغش إذا وقع بطريق الإهمال أو عدم الاحتياط أو التحرز أو الإخلال بواجب الرقابة، وإذا كانت حيازة العقاقير أو النباتات أو الأدوية مما يستخدم فى علاج الإنسان أو الحيوان تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز عشرين ألف جنيه أو ما يعادل قيمة السلعة موضوع الجريمة أيهما أكبر.

بحسب قانون حماية البيئة رقم 4 لسنة 1994 المادة 37 ولائحته التنفيذية المادة 38 بند 3 و4، فإن هناك نوعان من المحارق: الأولى، للتخلص من مستحضرات التجميل والمستلزمات الطبية، والثاني للمستحضرات البيولوجية التي تشمل الحبوب والأمبولات، وعن الآلية التي يتم التخلص من الأدوية بها، فيتم حرقها داخل فرن ناري حتى تتفحم نهائيا، وأحيانا أخرى يتم فرم الأدوية “هرسها”- حسب نوع الأدوية والمنتجات الصحية، أو دفنها في خنادق عميقة تحت الأرض، وتلك المحارق منها الخاصة المملوكة لأشخاص وأخرى عامة وثالثة تابعة للمستشفيات، ويتم ترخيصها من وزارة البيئة “إدارة المخلفات البيئية” وإدارة الوحدات المحلية في المدن والمحافظات.

ووفقاً للمادة 27 من القانون رقم 4 لسنة 1994، فإن تراخيص تلك المحارق تصدر بمقابل نقدي، ويسري الترخيص لمدة أقصاها خمس سنوات قابلة للتجديد، ويجوز للجهة المانحة للترخيص إلغائه أو إيقاف النشاط بقرار مسبب، إذا كان الترخيص قد صدر نتيجة لتقديم بيانات غير صحيحة، أو إذا خالف المرخص له شروط الترخيص، وإذا نتج عن مزاولة النشاط آثار بيئية لم تكن متوقعة عند إصدار الترخيص، وإذا ظهرت تكنولوجيا متطورة يمكن تطبيقها بتعديلات يسيرة ويؤدي استخدامها إلى تحسن كبير في حالة البيئة وصحة العاملين، وإذا انتهى رأي جهاز شؤون البيئة إلى عدم سلامة تداول أي من تلك المواد والنفايات، ومن يخالف القانون يعاقب بالغرامة المالية أو الحبس.

وبخصوص الاختلاف في المعايير والقواعد المتبعة للرقابة والتفتيش على سوق الأدوية بين مصر و اوروبا، قالت مديرة إدارة التفتيش الصيدلي بوزارة الصحة، د. مديحة أحمد، إن مصر تتبع المعايير والقواعد التي وضعتها منظمة الصحة العالمية “who” وهي إحدى المنظمات المصدرة للقواعد الصحية عالمياً خاصة في خطوات تسجيل الأدوية والرقابة عليها.

لكن الدول الأوربية لا تتبع فقط قواعد منظمة الصحة العالمية، بل تتبع أيضاً القواعد التي وضعتها منظمة “fda ” المختصة بإدارة الغذاء والدواء، وأيضاً منظمة “amia ” المختصة بالقيادة المهنية والمعلوماتية.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.