الموت الرابض تحت الأرض يحاصر سكان (مدينة الألغام)‏

22 أكتوبر 2014

صحيفة الثورة محافظة أبين – الأطراف الصناعية المجانية التي صرفها مركز الأطراف والعلاج الطبيعي بصنعاء التابع لوزارة الصحة للفتى حمدي علي عبده لم تعنه على مواصلة حياته بصورة شبه طبيعية بعد أن بترت يداه في انفجار لغم في منطقة الكود أثناء رعيه الأغنام في 5أغسطس 2012 فهذه الأطراف كانت أكبر من مقاس يديه التي فقدها.

والد حمدي يلوم الحكومة على تعطل حياة ابنه البالغ من العمر 14 عاما، ويردف والألم يعتصر قلبه: «للآن الشظايا لا تزال بجسم حمدي، وقد أنفقت الكثير من المال، وأنا رجل معدم لا أمتلك من النقود ما يكفي لعلاجه.» مصيبة حمدي مصيبتان، شعوره بالعجز وبالغدر لأنه أصيب في منطقة يفترض أنه تم تطهيرها كليا من الألغام في نهاية يوليو 2012، حسبما أعلن محافظ أبين جمال العاقل ومدير فرع المركز التنفيذي للتعامل مع الألغام في عدن قائد هيثم في مؤتمر صحافي في 18 يوليو/ تموز 2012، بمشاركة وجهاء وممثلي هيئات أممية تدعم مركز نزع الألغام وجمعيات إغاثة النازحين.

ترافق ذلك الإعلان مع تعهد المركز التنفيذي التابع للجنة الوطنية للتعامل مع الألغام بأن أبين باتت «آمنة»، بخلاف الحقيقة التي بانت لاحقا عندما عادت أسرة حمدي حال 105.000 نازح من أصل 200 ألف نازح كانوا هربوا من منازلهم عقب دخول تنظيم القاعدة عام 2011، الذي زرع ألغاما ومفخخات يدوية الصنع ذات تأثير قاتل، على نسق ميليشيات مشابهة في العراق وأفغانستان لتعطيل تقدم القوات المسلحة.

أعلن في المؤتمر أيضا عن تطهير مناطق زنجبار والكود وجعار التابعات لمديريتي زنجبار وخنفر بابين في المحافظة بعد أن استعاد الجيش المنطقة من القاعدة، فيما أكد هيثم «إمكانية عودة النازحين إلى هذه المناطق.»

رئيس الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين أحمد الكحلاني يؤكد لمعد التحقيق  أن المركز التنفيذي للتعامل مع الألغام أبلغهم بالمناطق التي طهّرت من الألغام بأبين في منتصف يوليو/ تموز. ويقول: «على ضوء هذه التطمينات من مركز الألغام وجهنا رسالة إلى محافظ أبين متضمنة إمكانية عودة النازحين إلى المناطق التي أبلغنا مركز الألغام أنها طهرت.»

ووفقا لإحصائيات البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة فإن مخيمات عدن – التي نزح إليها غالبية سكان أبين- ما تزال تؤوي 32 ألف من 200 ألف مهجّر بسبب الألغام. غالبيتهم يتجمعون في مدارس حكومية من أصل 200 ألف نازح تم استضافتهم في مدارس عدن.

ورغم إخفاق الجهات المكلفة بإزالة الإلغام في تنفيذ مهامها ضمن المدد الزمنية المحددة بحسب مراقبون، فإن السلطات المحلية تسرّع بالإعلان عن تطهير مناطق فر منها النازحون لأسباب «سياسية ولوجستية عسكرية على حساب سلامتهم الشخصية». من بين الأسباب محاولة تخفيف الضغط عن المجتمعات التي نزحوا إليها وإعادة نشر الجيش في مناطق أخرى لدحر التنظيم الإرهابي.

فالعائدون إلى أبين كانوا قد احتلوا 100 مدرسة في محافظتي عدن ولحج وشكلوا تحد للسلطات المحلية، بحسب دبلوماسيين وعاملي إغاثة.

بين 2012 و 2014 سقط 100 قتيل في محافظة أبين وحدها وفق رئيس منظمة أبن رشد لحقوق الانسان جمال حسين، رغم التطمينات الرسمية، ما يكشف أيضا سوء استخدام مخصصات المركز التنفيذي للتعامل مع الألغام وتعثر برامجه رغم توافر الموارد المخصصة لهذه الحملة، حسبما يوثق هذا التحقيق بعد عام من التقصي. كما أصيب 188 شخصا بألغام أبين – نصفهم من الأطفال.

وهكذا، تعثّرت أهداف المركز في مساراتها الثلاثة الأسمى: نزع الأجسام المتفجرة، إعادة تأهيل المصابين وتعويض أهالي الضحايا.

إذ أن المساعدات الطبية الموعودة غطّت فقط نصف الناجين من الألغام المقدر عددهم ب 457 شخصا (نصفهم من الأطفال تقريبا)، في إطار مشروع التأهيل والإدماج عام 2013، بحسب بيانات جمعها معد التحقيق.

يفاقم الوضع «استنفاذ كفاءة» 500 آلية نزع ألغام تعود إلى عامي 2000 و 2008، دون تخصيص موارد لاستبدالها، بحسب مصدر في مركز الألغام. يضاف إلى ذلك عجز في الموازنة بسبب ارتفاع النفقات الإدارية، بما فيها رواتب (500 موظف ميداني) ثلثهم في محافظة أبين. وهكذا تظل المشكلة مستوطنة رغم تكرار وعود المسؤولين بتطهير المحافظة.

منصور العزي، المدير التنفيذي السابق لمركز الألغام وعد بتطهيرها مع نهاية 2012 حال خلفه علي القادري الذي بشر كذلك في مؤتمر صحافي بخلوها من الألغام مع نهاية 2013.

ما حصل في أبين، يتسق مع مناطق نزاع مشابهة مثل أفغانستان، إذ التقت مصالح الجيش والحكومة على تسريع عودة النازحين «للأراضي المحررة على حساب سلامتهم الشخصية»، بحسب دبلوماسي غربي.

لكن مدير مركز الألغام بعدن قائد هيثم يقول في مقابلة أجراها معد التحقيق: «بعد استعادة أبين في 13 يونيو/ حزيران 2012، عاد الناس بمحض إرادتهم لتفقد منازلهم فتعرض الكثير منهم للموت والإصابة». ويضيف هيثم: «بعد أكثر من شهر على هذا التاريخ- تحديدا في 18 يوليو/ حزيران – دعونا النازحين للعودة رسميا إلى مناطق زنجبار الكود وجعار التابعات لأبين بعد تطهيرها من الألغام.»

يظهر التحقيق قصة تحد مفاجئ جلبه دخول تنظيم القاعدة على خطط مركز الألغام – الذي تأسس عام 1999- بهدف إزالة جميع الألغام بنهاية 2012 في 923 كم2، زرعت في غمرة مواجهات عسكرية وقلاقل على مدى ستة عقود، تخللتها اثنتا عشرة حربا داخلية.

الخطة استهدفت تطهير ثمانية كم2 من الألغام مع نهاية 2013 من أصل  73كم2 مزروعة بالألغام في أبين المقدرة مساحتها ب 21 ألف كم2 . لكنها نجحت بتطهير 1.7كم2 بنسبة انجاز 21 % مقابل 54 % على مستوى المحافظات الخمس الأخرى التي شملها العمل عام 2013، وفق البيانات ذاتها.

في ذلك العام، أزيل في أبين 2427 لغما وقذيفة من بين  4543 رصدت في اليمن في ذات العام، وفق تقديرات فرع مركز الألغام بعدن. وخصصت 7.5 مليون دولار عام 2013 لإزالة الألغام في أبين والمحافظات الأخرى؛ تلقّى المركز أربعة ملايين منها من مانحين دوليين (أمريكا، ألمانيا،  والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة) فيما وفرت الحكومة بقية المخصصات.

وتلقت أبين وحدها 670 ألف دولار من دعم المانحين خلال العام الماضي، بحسب القادري. مع نهاية 2012 كانت اللجنة أعلنت الانتهاء من تطهير 85 % من أجمالي الأراضي المستهدفة ما أحال اليمن إلى قصة نجاح وأنموذج لعمليات إزالة ألغام في المنطقة. لكن تنظيم القاعدة أجهض إنجازات مركز الألغام. إذ أعاد زرع مناطق مطهرة في أبين وغيرها من المناطق التي أعاد احتلالها في عمليات كر وفر.

يفاقم هذا التحدي تخبط في اتخاذ القرارات وغياب شفافية تعامل اللجنة الوطنية لنزع الألغام مع الرأي العام لجهة حدود مسؤولياتها وأهدافها وعملياتها نتيجة اعتبارات تتعلق ب«سرية المؤسسات السيادية الأمنية.»

أزمات مرحلة

بقاء مساحات مزروعة بالألغام من النصف الثاني من القرن الماضي وتلوث مساحات أخرى بين 2010-2011، بما فيها مناطق أبين أسفر عن تمديد عمل المركز إلى عام 2017، بحسب اتفاق بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والحكومة اليمنية في فبراير/ شباط 2013 . هذه العوامل المتداخلة حطمت آمال آلاف الأسر التي عادت إلى أبين، وتظهر ضرورة تعزيز قدرة برامج المركز لتوعية السكان حيال مخاطر الألغام المزروعة بعد عودة القاعدة.

مليون يمني مهدد

على مستوى الوطن، ما يزال هناك مليون يمني مهدد بالألغام في 13 محافظة. في الأثناء يتلازم العيش مع خطر الموت في أبين إذ يشتكي سكانها ومهجرّون منها من تعرضهم للتضليل، بخلاف تطمينات مسؤولين. لكن مركز إزالة الألغام ينفي تهمة التضليل. حال الفتى عبده ليست أفضل من حال الطفل غالب أحمد الذي بترت يده اليمنى بانفجار قذيفة دون أن يحصل على علاج من المركز، شأنه شأن 89 طفلا آخر أصيبوا في هذه المحافظة ويندرج الأطفال ضمن 188 مصابا في أبين، خلال 2013. بحسب مسح مستقل أجرته طواقم أممية، يضاف إلى هذه الإحصائية عدداً كبيراً ممن صنفوا ضمن ضحايا الألغام في اليمن كانوا ضحايا مواجهات مسلحة أخرى أو عمليات تفجير انتحارية نتيجة العودة إلى مناطق قيل أنها قد طهّرت. الأسوأ هو ارتفاع ضحايا الأطفال نتيجة إنفجارات الألغام وتحديداً في أبين.

قصص ومآس

محمد (18 عاماً) الذي نجا من الموت بأعجوبة إثر مقتل والده وشقيقه الأكبر وخاله، في ذلك التفجير الذي قذفهم على بعد أمتار من مكان وقوعه. يقول: «كنا عائدين بسيارة أخي من عدن إلى أبين، وقبل وصولنا إلى المنزل بدقائق، انفجر اللغم بالسيارة.»

أقرباء محمد الثلاثة كانوا بين 73 شخصاً لقوا حتفهم بالألغام خلال شهري يونيو/ حزيران- ويوليو/ تموز2012، بحسب الموقع الإلكتروني لوزارة الدفاع اليمنية.

من بين الضحايا تسعة أفراد من مركز الألغام قضوا أثناء أداء مهامهم دون أن يتلقوا تدريبات على التعامل مع المتفجرات المصنعة يدويا عالية الخطورة،بحسب دبلوماسي غربي.

 بعد مقتلهم اضطر المركز لتوقيف عملياته خلال يوليو/ تموز لتدريب الطواقم على التحدي الجديد، ما رفع نسب الضحايا من السكان في تلك الفترة. في الأثناء  يتكتم المركز التنفيذي على أي معلومات تتعلق بالمناطق التي تم رصدها أو تطهيرها.

يعقّد الوضع عوامل أخرى منها أن مهام المركز التنفيذي تبقى فنية بحتة. فهو مسؤول عن الإشراف على مسح وتطهير الأراضي وليس حمايتها من إعادة زرع الألغام أو ضمان استمرار خلوها، إذ تسلّم الأماكن المطهرة إلى الجيش والسلطات المحلية لحمايتها.

مصادر محلية تؤكد أن السلطة الرسمية لم تكن متواجدة في محافظة أبين حتى مطلع 2013، وأنها كانت تدير المحافظة من مقرات في عدن، في غياب قوات نظامية منذ أن حلّت اللجان الشعبية محلها حتى نهاية العام 2013.

حاول معد التحقيق التواصل مع جمال العاقل محافظ أبين لكنه يرفض التعليق.

نبش في المعلومات

نتيجة لضبابية المعلومات المتوافرة اشتدت الضغوط على اللجنة الوطنية والمركز التنفيذي للتعامل مع الألغام من أجل الإفصاح عن الأراضي التي تم مسحها وتطهيرها.

وبعد أيام وبناء على تشجيع دبلوماسيين وجهات دولية، شرح رئيس اللجنة الوطنية في رسالة إلى الرئيس اليمني يشرح فيها أن «اللجنة ستزود الجميع بالمعلومات المطلوبة لكن بدون تحمّل مسؤولية أي ضرر قد يلحق بالنازحين جرّاء عودتهم إلى مناطقهم في ظل غياب آلية لعملية النقل وقوات تحمي الأراضي المطهرة».أرسلت بالتزامن إلى رئيس الوزراء ووزارات ومكتب تنسيق مساعدات الإغاثة الأممي بحسب دبلوماسي غربي.

لكن رئيس اللجنة الوطنية للتعامل مع الألغام قاسم الأعجم ينفي ذلك ويقول في لقاء مع معد التحقيق : لم أوجه رسالة لرئيس الجمهورية تتضمن عدم مسؤوليتنا عن أي ضرر قد يلحق بالنازحين.

في الأثناء تتواصل معاناة النازحين

محمد الخضر يعيش وأسرته المؤلفة من أربعة أفراد في حزن وألم منذ ذهب والده ضحية لغم مضاد للدبابات قرب منزله منتصف عام 2012 بمدينة زنجبار التابعة لأبين (50 كم شرق مدينة عدن).

يوثّق معد التحقيق أيضا مقتل خمسة أشخاص وإصابة سبعة آخرين بجروح في انفجار أربعة ألغام وقذيفتين بين أغسطس/ آب 2012 وأغسطس/ آب 2014 أثناء عودة نازحين إلى مناطق في أبين أعلن أنها مطهرة.

الأرقام الرسمية وتلك التي وثقها معد التحقيق تتحدث عن 100 شخص فقدوا حياتهم في أبين خلال العامين الماضيين، بحسب مركز الرصد في منظمة ابن رشد لحقوق الإنسان العاملة في أبين.

ويقول جمال حسين، رئيس هذه المنظمة، إن«أغلبية الذين قتلوا وأصيبوا بالألغام في أبين كان بعد عودتهم إلى الأراضي التي قال مركز الألغام انه قد طهرها».

وهناك شكوك بقدرة المركز على الانتهاء من تطهير مناطق أبين هذا العام وربما توقيف المركز قبل نهاية العام، بسبب عجز في موازنته.

إذ تم تأمين 6.522.653 $ مليون من أجمالي 13.165.551 $، النصف تقريبا جاء من الحكومة اليمنية، يليها مكتب تنسيق المساعدات الإنسانية والبقية من اليابان والولايات المتحدة.

آليات مهترئة

استنفذت كفاءة 500 آلية لنزع الألغام تعود إلى عامي 2000 و 2008، دون تخصيص موارد لاستبدالها، بحسب مصدر قيادي في مركز الألغام فضل عدم ذكر أسمه. ويقول المصدر إن «أجهزة كشف الألغام هنا نوعان: الأول (بينجر421-420 ألماني يعود إلى عام 2000) والثاني (شيا إيطالي من عام 2008).

من خلال خبرته في نزع الألغام، يؤكد المصدر أن أجهزة هذين النوعين فقدت كفاءتها مع الاستخدام المستمر ولم تعد الأجهزة «تميز بين وجود لغم أو معدن آخر فهي تصدر أصواتا عند ملامستها لأي معدن».

ويعزو المصدر التقصير في نزع الألغام إلى «عدم كفاءة أجهزة الكشف القديمة جدا.»

بين الميدان والمكاتب 

المدير التنفيذي لمركز الألغام القادري يؤكد صعوبة تقدير تكلفة نزع اللغم الواحد، ما يحول دون تحديد مواطن سوء استخدام الموارد المخصصة لنزع الألغام من بين بنود موازنة المركز؛ رواتب الموظفين – (البالغ عددهم 926 موظفاً بمن فيهم 500 عامل ميداني في اليمن)- ومعالجة المصابين ونشر التوعية.

على أنه يقدّر تكلفة تطهير الكيلو المتر المربع من الألغام بنحو 87 ألف دولار.

وفق هذه المعادلة، يكون المركز قد أنفق 147 ألفا و900 دولار على تطهير 1.7 كم 2 أعلن عن خلوها رسميا من الألغام، أي أقل من 3 % مما يصله سنويا، معدل خمسة ملايين دولار.

القادري يرجع بطء عمليات التطهير وتأخرها عن الخطط المرسومة إلى «الأوضاع الأمنية» السائدة.

بمقارنة نتائج الأعمال في اليمن مع التجربة الكويتية، تراوحت كلفة تطهير الكيلو متر المربع الواحد من الألغام في الكويت بين 31 إلى 67 ألف دولار، بحسب كتاب صدر عام 1997 عن مركز البحوث والدراسات الكويتية لمختصين بعنوان (الألغام الأرضية وتدمير البيئة الكويتية إحدى جرائم العدوان العراقي).

وفقاً للبيانات الكويتية، فإن الكيلو متر المربع كان يحوي  92 لغماً في المعدل، وتمكنت الكويت من تطهير 17934 كم2 بغضون 22 شهراً. كما يوضح ذلك إطار (2)

2

تقارير صادرة عن مركز الألغام كشفت أن المركز صرف 73.4 مليون دولار بين 1999 و 2012، قبل أن يجري تمديد عمله خمس سنوات أخرى.

خلال تلك الحقبة طهّر المركز 292 ألف لغم وقذيفة من 838.1 كم2، أي 71 % من إجمالي الأراضي اليمنية المزروعة بالألغام  (1176.6 كم2)، بحسب النشرة الصحفية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أغسطس/ آب 2013.

المدير الحالي القادري يرفض تزويد معد التحقيق بكشوف الإنفاق، ويكتفي بالقول: «إن الدعم الحكومي ينفق على رواتب وعلاوات لجميع موظفي الهيئة والدعم الدولي ينفق على العاملين في الميدان كتغذية يومية ومواصلات وكلّه يصب في أعمال التطهير.»

التأهيل والإدماج

كذلك تعثّر المركز في إطار مشروع التأهيل والإدماج الذي تأسس عام 1999نتيجة عدم توافر المخصصات اللازمة، بحسب علي القادري مدير المركز الحالي.

فالمساعدات الطبية الموعودة غطّت فقط نصف الناجين من الألغام مع نهاية 2013. وجميعهم كانوا بحاجة للمساعدة الطبية وبخاصة الأطفال الذين يحتاجون إجراء عمليات جراحية مكلفة أثناء نموهم.

وبحسب مصدر في الإدارة الطبية بمركز الألغام، فإن معدل فاتورة الدعم الطبي للمصاب الواحد تبلغ 250 دولاراً.

لكن، وفقاً لحسبة فاتورة علاج المصابين بالألغام، فإن معدل كلفة المساعدة الطبية للمصاب الواحد من 133 مصاباً – عولجوا في مستشفى 22 مايو الحكومي بعدن-تبلغ 104 دولاراً، بحسب مدير المستشفى محمد منير. لكن إصابات الأطفال تحتاج لتدخل جراحي مكلف ولمرات عديدة أثناء نموهم، بحسب أطباء.

على مدى ستة أشهر، حاول معد التحقيق الحصول على لائحة بأسماء من تلقوا دعما طبيا، لكن مركز الألغام يرفض ذلك باستمرار باعتباره من «أسرار العمل».

تجارب مؤلمة

وفي مقابلات أجراها معد التحقيق، يشتكي 10 مصابين بالألغام من عدم حصولهم على دعم مادي، طبي أو حتى أطراف صناعية من المركز التنفيذي للتعامل مع الألغام.

لكن مصادر دبلوماسية على إطلاع بعمل المركز تشكك في صحة هذه الادعاءات وتصر على أن رئيس وحدة معالجة المصابين شخص كفوء وملتزم.

ويقول علي ناصر المرخي (49 عاماً) الذي أصيب بانفجار لغم يوم 20 أغسطس/ آب 2012 في زنجبار بعد عودته من مدينة النزوح (عدن)، في نهاية يوليو/ تموز من ذات العام: «لم أحصل على عون مادي، ولا طبي من مركز الألغام» .

ويضيف المرخي:«سجلوا أسمي في أبريل/ نيسان 2013. ورغم مرور أكثر من عام على ذلك لم يتصلوا بي». وتتضمن إجراءات مركز الألغام تسجيل الناجين من الألغام كمرحلة أولى قبل البدء بتقديم المساعدة الطبية لهم.»

حال المرخي كحال عبد الله علي (28عاما) الذي لم يحصل على مساعدة طبية ولا دعم طبي من مركز الألغام، ويقول: «تم تسجيل أسمي بالمركز في بداية 2013 ورغم مرور عام ونصف لم يطلبني أحد».

عبد الله الذي أصيب بالرقبة في أغسطس/ آب 2012 بانفجار قذيفة في منطقة (الكود بابين) بحاجة للعلاج في الخارج بعد أن أنفق على علاجه في مستشفيات محلية (1000دولار) دون أن تتحسن حاله الصحية.

واضطر والد عمر قاسم (13عاما) إسعاف إبنه  إلى الأردن «وعلاجه على نفقتي الخاصة» بعد إصابته في العمود الفقري بانفجار لغم في ديسمبر/ كانون الأول 2012 بمنطقة (جعار أبين)

ضحايا منسيون

في مقابلات أجراها معد التحقيق مع أهالي 12ضحية – خمسة منهم لقوا حتفهم في طريق العودة إلى مناطق (زنجبار، الكود وجعار) في أبين – يؤكد الأهالي أن الألغام لا تزال تهدد حياتهم، وأنهم لم يطلعوا على وسائل التثقيف بمخاطرها.

لكن القادري يكرّر رفضه الكشف عن مخصصات الإنفاق بما في ذلك بنود التثقيف ونشر الوعي.

ويقول مصدر في الإدارة الطبية التابعة لمركز الألغام: «لم يحصل مصابي الألغام في أبين على أطراف صناعية في عام 2013»

طريقة تعامل مركز الألغام مع ملف نزع الألغام في أبين تدفع المهجرين إلى الإحجام عن العودة إلى ديارهم، بحسب  نتائج استبيان محدود وزعه معد التحقيق على 100 رب أسرة نازحة في عدن. إذ أفاد ستة من كل عشرة نازحين بأنهم يرفضون العودة إلى مناطقهم المزروعة بالألغام بينما اكد اثنين من كل عشرة أشخاص أنهما فقدا قريبا أو أصيب قريب لهم بسبب الألغام عقب عودتهم إلى أبين.

الطفل حسن علي منصور(8 أعوام) لقي حتفه بانفجار لغم في 5 أغسطس/ آب 2012 بمنطقة الكود، مديرية خنفر عندما كان يرعى الأغنام. يقول والد حسن: «عدنا من النزوح في نهاية يوليو/ تموز. وبعد عشرة أيام وقع الحادث لابني، ولم يقدم لنا أحد تثقيفا بكيفية التعامل مع الأجسام الغريبة قبل وقوع الحادث لحسن».

بدأ نزوح عشرات الآلاف من سكان أبين في منتصف 2011 إلى محافظات عدن، لحج وشبوة هرباً من المعارك بين القوات الحكومية وتنظيم القاعدة.

أسرة صالح سليم أبو خليل لا تزال حتى كتابة التحقيق تعيش في بيت للإيجار في عدن بعد أن ذهب معيلها الوحيد ضحية لغم في منتصف يونيو 2013 في طريق عودته للاطمئنان على منزله في منطقة (الكود) بمديرية خنفر محافظة أبين.

تقول زوجته: «الحياة صعبة بعد أن فقدنا عائلنا الوحيد لا أحد في عدن يقدم لنا المعونة سوى بعض الأقارب»

النازح ماجد صالح يشاطرها المخاوف.  «نعيش هنا أوضاعا صعبة إذ لا تتوفر للنازحين فرص العيش الكريم، والعديدون ممن عادوا سقطوا ضحايا للألغام. أبن عمي (أنيس ناصر دعوس) ذهب ضحية انفجار لغم أمام منزله في زنجبار، ونحن لا نريد أن نصبح ضحايا جدد».

ما العمل؟

يوصي نشطاء في مجال تطهير الألغام والتعامل مع مصابيها بأن تسمح الحكومة اليمنية لمنظمات أجنبية غير حكومية لها خبرة في هذا المجال بالعمل في اليمن. ويقول خبراء بأن هذه المنظمات الدولية تنال حوالي 60 % من إجمالي المخصصات الدولية المرصودة لبرامج تطهير الألغام وإعادة تأهيل الناجين إضافة إلى خبرتها العملية، ما يمنع اليمن من الإفادة من هذه الأموال والبرامج.

كما تستطيع هذه التعامل مع الأضداد داخل البلد، مثل الحوثيين بطريقة أسهل من السلطات المحلية. وبإمكان هذه المنظمات رفد مهام اللجنة الوطنية والمركز التنفيذي من خلال بناء القدرات المحلية سيما وأنها تلجأ إلى توظيف المحليين وتدرب كوادر يمنية، ما يعني توفير دعم مالي وتقني قد يساعد اليمن على السير قدما تجاه تحقيق المعايير العالمية للتعامل مع تطهير الأراضي وتأهيل المصابين.

تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي  بدعم من شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) و بإشراف الزميل سعد حتر

وثائق التحقيق


  • تعليقاتكم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.