المجتمع المصري يحرم مرضى الإيدز من ترياق الاندماج

3 فبراير 2009

في مثل هذا اليوم من العام الماضى، أخبرت صديقى الوحيد أننى سوف أموت بالإيدز.. ظللت أصارع المرض أكثر من 7 أعوام كاملة، كنت اتعاطى دواء أشبه بذلك الذى يعطى لمرضى الجزام، أصبحت منهكا حزينا خاصة بعد أن قرأت اسمى “إبراهيم يوسف ايوب” مكتوب على ورقة أجازة مفتوحة من العمل، وعندما سألت مديرى عن السبب قال “إصابتك بالايدز أصبحت علنية، وأحسن لك تبقى فى منزلك، وراتبك سيصلك كل شهر”.. فى هذا اليوم فقط عرفت أنى خسرت المعركة بتسريب معلومات داخل مقر عملى عن حقيقة مرضى اللعين، الذى حرصت لسنوات أن يكون سريا.

بهذه الكلمات بدأ أحد المرضى المتعايشين مع مرض الإيدز، الكلام عن مأساته التى يعيشها، وتجسد حالة التمييز التى يعانى منها مرضى الإيدز في مصر مما دفع معظمهم إلى سرية تزيد من معدلات الإصابة .

لا يوجد نص صريح فى قانون العمل يجبر الموظف أو العامل على البوح بإصابته بالإيدز، ولكن الواقع يحكم على المتعايش بحكم أقسى من القانون، كما يقول “حسام بهجت” المدير التنفيذى للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يصل إلى الفصل من العمل نهائيا مع الكثير من المتعايشين. انعكس هذا الوضع على عدم بوح مرضى الإيدز بالمرض والتى أثرت بالسلب على عملية الكشف عن طبيعة مرضهم.. فالوصمة الاجتماعية الشديدة جعلتهم لا يستطيعون الحديث بوضوح عن احتياجاتهم الأساسية التى تبدأ بالاحتياجات الطبية الضرورية.

النيابة، وهيئة قناة السويس، من الجهات التى تفرض الكشف الطبى كشرط للحصول على فرصة عمل، حيث يعتبر حامل الفيروس المسبب للإيدز HIV غير لائق طبيا، بغض النظر عن حالته الصحية، وبدون أى سند دستورى أو قانونى لهذا الإجراء.

فتقديم شهادة تفيد الخلو من مرض الإيدز عند التعيين، افتراضا شكلياً كما يرى “بهجت”، فهذا الشخص من الممكن أن يصاب بالإيدز بعد استلامه الوظيفة، ومن الممكن أن يكون مصاباً بالإيدز وقت تقدمه للوظيفة، ولا يظهر الفيروس فى التحليل، لأنه يستغرق وقتا حتى تظهر الأجسام المضادة فى الدم.

الفقرة 7 بالمادة 3 بقانون العمل، تعد تمييزاً جديداً ضد المتعايشين مع الايدز، حيث تنص على “مطلوب شهادة تفيد خلو الأجنبى من مرض نقص المناعة البشرى (الإيدز) لأول مرة، وعند التجديد فى حالة مغادرة الأجنبى للبلاد، يعفى من تلك الشهادة (الأجانب المتزوجون من مصريين وأبناؤهم، والأجانب المقيمون بالبلاد، والذين لم يسبق لهم الخروج منها خلال العشر سنوات الأخيرة).. هذه الفقرة جزء من الصورة الذهنية المرسخة فى مصر والتى تقول أن الإيدز مشكلة أجنبية تأتى لنا مع الأجانب القادمين من الخارج.

تزوج وعرف أن زوجته حامل في شهرها السادس، لكن سرعان ما ظهرت عليه علامات الإعياء ذهب إلى الكثير من الأطباء، فلم يتعرفوا على حقيقة مرضه حتى طلب منه أحدهم إجراء مجموعة من التحاليل التي كشفت عن تحرك فيروس الايدز في دمائه بعد أكثر من ثلاث سنوات من الخمول.

فعلاقة جنس تجارى واحدة كانت كفيلة بتحويل “خالد عبد المقصود” إلى متعايش مع فيروس الايدز، الذي لم يتخيل ولو للحظة أن ينتقل إليه، حيث لم يكن يسمع عنه قبل هذا اليوم.

الاتصال الجنسي غير (المحمي) مع شخص مصاب، يعتبر أحد طرق انتقال الفيروس، بالإضافة إلى نقل الدم الملوث، ومشاركة الإبر الملوثة، وأيضاً من الأم المصابة إلي الطفل خلال فترة الحمل والولادة والرضاعة، وذلك وفق ما شخص “د.أيهاب الخراط” مستشار البرنامج الإقليمي للإيدز في الدول العربية، طرق عدوى فيروس نقص المناعة البشرى، الذي اكتشف عام 1981 في عينة دم لرجل من الكونغو، نافيا انتقاله بأى طريقة أخرى خارج هذا الإطار، سواء باللمس أو بالمعانقة أو المصافحة.

87% من المصابين على مستوى العالم انتقل إليهم المرض من خلال ممارسة الجنس، و3% أصيبوا عن طريق نقل دم ملوث، و2% مدمني مخدرات، و3% بسبب الغسيل الكلوي، و2.7% بسبب الشذوذ الجنسي، و1% من الأم إلي الطفل، كما تشير دارسة لمنظمة الصحة العالمية أجريت على مستوى العالم عام 2007.

زوجة “خالد” تمسكت به، وأجرت التحاليل اللازمة لها ولتؤمها، فكانت سلبية.. المقربين فقط من “خالد” يعرفون حقيقة مرضه الذي جعله سراً خوفا من أن يفقد عمله وأصدقائه، بل وحتى حياته.

الايدز مرض مزمن مثل السكر والضغط له علاج، وهو عبارة عن مضادات الفيروسات (القهرية) التى تعمل على مقاومة الفيروس، فتخفض نسبته فى الدم وتبطئ من تطور المرض، وتعمل على تحسين فرص المريض فى البقاء على قيد الحياة، لكن لها أعراض جانبية، كما يقول “الخراط”، فمن الوارد أن تتفاعل مع عقاقير أخرى، فيكون الجسم مناعة ضدها، بل تتطلب نظام علاجي حازم، ويتكلف كثيراً، ولكن توفرها كل الحكومات العربية مجاناً حتى الآن.

حالة من الرعب سيطرت على أطباء وهيئة تمريض مستشفى القصر العيني، بعد تسلمهم النتيجة الايجابية لعينة دم “حسين احمد محمود”، الذى دخل المستشفى لإجراء عملية جراحية بالكلى، حيث ظهر الفيروس فى عينة دمائه، التى انتقل إليه أثناء أحد جلسات الغسيل الكلوى ليتحول إلى متعايش مع فيروس الايدز.

“الأطباء لازالوا غير مؤهلين لتعامل مع المتعايش”، وذلك كما يرجح “د. زين العابدين الطاهر” مدير البرنامج الوطني لمرضى الايدز التابع لوزارة الصحة، ويرجع هذه الحالة إلى الخوف من العدوى، مطالبا الطبيب بحماية نفسه من كل الفيروسات وليس الايدز فقط، مؤكدا أن فيروس الايدز لا يحتاج إلى احتياطات خاصة، فهو أضعف من فيروس مثل الالتهاب الكبدى الوبائى c فى مراحل الانتقال والعدوى.

1,200,000 وحدة دم يتم فحصها سنويا بجميع بنوك الدم الحكومية والخاصة لتأمين سلامة الدم ومكافحة العدوى، وذلك كما يشير تقرير بنك الدم المركزى لعام 2007، لكنها لم تساهم فى تحسين ثقافة الأطباء التى تعتبر جزء من المجتمع المذعور من الفيروس، فى ظل ضعف إجراءات السلامة والتطهير فى المستشفيات، بحسب تقييم “الطاهر”، الأمر الذى يؤدى إلى انتشار العدوى وهذا الهاجس بين الأطباء، خاصة بعد التهويل الشديد حول الفيروس بأنه المرض القاتل، “ولكننا نعمل حاليا كبرنامج على تعديل المناهج الدراسية فى كليات الطب لتتضمن معلومات أكثر عن الايدز” كما يقول “الطاهر”.

الحفاظ على معدل انتشار منخفض لفيروس الايدز، الهدف الرئيسى للبرنامج الوطنى لمكافحة الايدز منذ عام 1986، وقد تم إضافة محاربة (الوصمة والتميز) ضد المرضى، والتى أصبحت سمة للمجتمع على مدار هذه السنوات، كما يوضح “مصطفى رزق مراد” مسئول المتابعة والتقييم بالبرنامج الوطني لمكافحة الايدز. ويتم محاربة هذا التمييز من خلال التوعية التى يجب أن تصل إلى كل المواطنين من الفئات الأكثر عرضه، حتى الفرد العادى الذى حاولنا الوصول إليه من خلال الشباب بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالى والجامعات، من خلال تنظيم ورش عمل حول طبيعية الفيروس، بالإضافة إلى إدخال مواد دراسية عن الإيدز إلى المناهج فى مراحل الدراسة المختلفة، وأيضاً إرسال رسائل قصيرة على التليفونات المحمولة.

“الو الخط الساخن لمرض الايدز …نقدر نساعدك”، جملة يسمعها كل من يطلب الأرقام التالية 0223152801 _0223152802 _0227947839_ 08007008000، والتي خصصتها وزارة الصحة وأعلنت عنها كوسيلة جديدة للتوعية والاستفسار المباشر عن الفيروس، لكن الإقبال عليها ضعيف جدا. فخلال يوم كامل جلست بجوار الممرضة التى ترد على التليفون، لكنها لم تتلقى إلا سبع مكالمات فقط، مؤكدة أن هذا العدد يعتبر إنجاز.. ففى بعض الأيام يكف التليفون عن الرنين، أما المكالمات فهى أسئلة عن طرق العدوى والإصابة.

70 مليون مريض بالإيدز علي مستوي العالم خلال الفترة من 1981 وحتي عام 2006، 90% منهم في قارة أفريقيا وحدها منهم 2348 حالة مكتشفة فى مصر، بحسب الأرقام المعلنة من قبل وزارة الصحة حتى عام 2008، والتي تتضارب مع أرقام الأمم المتحدة التى تتوقع وجود 12 ألف حالة غير مكتشفة ويتوقع وجودها فى الشارع المصرى.

“كنت تنظر إلى أسفل فى الوقت الذى كان عليك أن تنظر إلى أعلى حيث كان الرب فى انتظار أن يساعدك”.. جملة قالها رجل دين إلى “اسماعيل احمد حسن”.. هذا الشاب الذى قرر الانتحار بالقفز فى النيل فور معرفته بنتيجة تحليل دمائه، التى أكدت وجود فيروس الايدز فى شراينه بعد أكثر من خمس سنوات من الإدمان عن طريق الحقن، ومشاركة (السرنجات) أثناء عملية التعاطى. ولكن قربه من الله بعد نجاته من الموت هو الدافع الوحيد لحياته حاليا.

مريض الايدز إنسان ابتلاه الله سبحانه وتعالى حتى يختبر إيمانه ويكفر عن ذنوبه، لكن المجتمع لازال يعتبره شخص (جانى) يستبعده وينبذه، كما يقول الشيخ “سيد الصباح” إمام جامع صلاح الدين، موضحا دور الأئمة فى دعم حقوق المتعايش لكسر حاجز الصمت، وإزالة (الوصم والتميز) من خلال الدين بتوعية المجتمع بحقوق وواجبات المتعايش مع الايدز، من خلال خطبة الجمعة والدروس الدينية الأسبوعية.

إن الذين يعيشون مع فيروس الإيدز يستحقون الرعاية والعلاج والعناية، كما يطالب القس “بولس سرور” قس كنيسة الزيتون، حتى يمكن أن “نمد لهم يد العون الروحي والنفسي”، بالإضافة إلى “تأمين العون الاقتصادى وندعيهم لعدم القنوط من رحمة الله، والإصرار على الحياة المنتجة المثمرة إلى آخر لحظة، كما إننا نعمل على نشر ثقافة قبول وسماحة المتعايشين مع الفيروس من خلال الاجتماعات العامة والاستثنائية للكنائس”.

“محمود عبد الحى” المتعايش مع الفيروس، يعتمد منذ أكثر من 12 سنة على أدوية الفيروسات التى تصرفها وزارة الصحة بالمجان حتى الآن، ولكنه قلق على مصيرها ومصير علاجه بها.

البرنامج الوطنى التابع لوزارة الصحة هو حلقة الوصل الأولى بين المتعايش ومرضه، فهو أولى الجهات التى تلتقى مع المتعايش بعد التحليل الإيجابى لتبلغه من خلال جلسة مشورة بطبيعة مرضه، بحسب ما يقول د.زين العابدين الطاهر، وذلك فى إطار علاقة سرية جدا مع المتعايش. فالواقع المأساوى فى المجتمع حالياً أثر بالسلب على علنية المرض الذى تحول إلى مرض سرى، فالكثير من المتعايشين المترددين على البرنامج لا يخبرون أحد بطبيعة مرضهم، بسبب خوفهم من الوصم والتميز الذى يمارس ضدهم.

لازال المجتمع يتعامل مع المتعايش بكثير من الرعب، حتى مع توافر المعلومات والحقائق العلمية فكان علينا ـ كما يقول ” طاهر” ـ كسر دائرة التمييز التى تكونت حول المتعايشين بتعريف الناس بطبيعة حقيقة مرض الايدز، من خلال رفع الوعى الجماهيرى تجاه المتعايشين، اعتماداً على الندوات فى المدارس والجامعات ومراكز الشباب والتجمعات، والتى تصل إلى 12 ألف ندوة سنوياً، بالإضافة إلى تصميم مجموعة من الإعلانات التليفزيونية.

“نتعامل مع ملف الايدز من منظور حقوقى”، بهذه الكلمات بدأت “د. راجية الحرزاوى” مسئول ملف الصحة والتميز فى برنامج الصحة وحقوق الإنسان فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حديثها حول التمييز ضد مرضى الإيدز. وتابعت د. راجية، بأنه يتم دارسة القوانين والاتفاقيات والممارسات الحالية ومدى تطابقها مع حقوق المتعايشين، خاصة فيما يخص إزالة الوصم والتميز، مؤكدة أن ارتباط انتشار الايدز بالسلوكيات الخطرة، هو ما أدخله فى هذا الإطار المغلف بالسرية.

التوعية بالممارسات التى تنقل العدوى ـ كما ترجح “راجية” ـ لا تعتبر لدى مرضى الإيدز مشجعة، ولكن التشجيع ـ بحسب رؤية المرضى ـ هو الصمت الذى يؤدى إلى انعدام الاستجابة، وبالتالى يرتفع من معدل الانتشار، يرتفع بالتبعية عدد المصابين، وهذا ما حدث فى مصر، فقد أصبحنا دولة ذات معدل انتشار مرتفع.

“أمينة السيد محمود” إحدى العاملات بالجنس التجارى، والذى انتقال إليها الفيروس بسببه، لا تملك حتى حق حماية نفسها بالواقى الذكرى، ولكن حاليا تملك العلاج بمضادات الفيروسات، والتعامل مع برامج التأهيل التى تقودها الشبكة المصرية للجمعيات الأهلية لمكافحة الايدز، والتى تضم مجموعة من الجمعيات، كل منها تعمل مع فئة من الفئات الأكثر عرضه. فجمعية كاريتاس إسكندرية تعمل مع المتعاطين المخدرات عن طريق الحق، والرجال اللذين يمارسون الجنس مع الرجال، أما مركز الشهاب فيعمل مع العاملات بالجنس التجارى.

فنحن ـ كما تقول “أمينة” ـ فى حاجة إلى زيادة البرامج التى تستهدف الفئات الأكثر عرضه، لتعريفهم بكيفية الحد من العدوى من خلال الجمعيات التى تعمل مع الفئات الأكثر عرضه. فالايدز لازال مجرد مرض معدى يمكن مقاومته، ولكن بالطرق الصحيحة، مثل: توعية العاملات بالجنس التجارى بوسائل حماية أنفسهن، وتوزيع الواقى الذكرى على المراهقين والشباب، إلى جانب توعية المدمنين بضرورة تطهير سرنجات المخدرات وعدم المشاركة فيها.

“منى عبد الفتاح” حرمها أهل زوجها من كل شئ .. أولادها، وشقتها، وميراثها، حتى ملابسها أحرقوها أمام عيناها، وذلك لمجرد كونها متعايشة مع فيروس نقص المناعة البشرى، الذى انتقل إليها من زوجها قبل وفاته.

80 % من النساء المتعايشين فى الوطن العربى انتقل إليهن الفيروس فى إطار الجنس الشرعى، أى داخل إطار الزواج، وذلك وفق إحصائيات منظمة الصحة العالمية. والسبب فى ذلك يرجع إلى قدرة المرأة المحدودة فى المجتمعات العربية على مناقشة المواضيع الجنسية، وحصولها على المعلومات وتلقى الرعاية الصحية المناسبة لكيفية التعايش الجنسى مع زوجها حامل المرض، بالإضافة إلى أن السطح (التناسلى) عند المرأة أكبر منه عند الرجل، مما يجعلها أكثر عرضة للإصابة.

فليم “الحب فى طابا” الذى تناول قضية الإيدز سينمائياً فى بداية التسعينيات، بالإضافة إلى أغلفة الجرائد والمجلات فى الكثير من الأيام، من أهم اسباب هروب “رأفت كامل” من القاهرة إلى وداى النطرون ليتعايش مع الفيروس بعد إصابته بالايدز، الذى انتقل إليه بسبب الشذوذ الجنسى لفترة من حياته. فكلما شاهد الفليم أو تصادف أو قرأ احد الجرائد التى تنشر أخبار عن مرضى الإيدز، سرعان ما يتحول إلى (بطل) يرى مصيره أمامه، إما بالموت أو الحجز أو العزل، الذى اختاره طوعيا فى منفاه الجديد.

“الايدز مرض خارجى” اعتقاد سائد رسخه التعامل الإعلامى والدرامى، ـ بحسب ما يرى الدكتور عبد الهادى مصباح استشارى المناعة ـ وذلك نظراً لعدم توافر المعلومات اللازمة عن التعامل السليم مع مرض ومريض الايدز. كما أن الدارما تلعب دور كبير فى تغيير هذه الصورة النطمية.. فعلى سبيل المثال فيلم” فلاديليفيا” الذى تناول حياة المتعايشين مع مرض الايدز، أثر بشكل إيجابى كبير على تغيير الصورة تجاه المتعايشين على مستوى العالم، وعلى العكس تماماً فليم ” قبلات مسروقة”، الذى ساهم “مصباح” فى كتابة قصته، وبعدها قام القائمين عليه بحذف جزء من القصة الحقيقية، والتى تدور حول مرضه بالايدز، مما يؤكد أن (الوصمة) لم ترفع حتى الآن.

“خالد أبو النجا “سفير النوايا الحسنة المشارك فى حملة التوعية بمخاطر الايدز بين الشباب، أكد على أهمية دور الدارما فى دعم المتعايشين والدفاع عن حقوقهم، خاصة بعد تصدير صورة غير صحيحة عنهم فى العديد من المواد الدرامية القديمة، لذلك يرى أننا بحاجة إلى صورة صحيحة تصدرها الدارما، سواء السينمائية أو التليفزيونة، لما لها من تأثير فعال على المشاهد، خاصة بالرجوع إلى وزارة الصحة والمتخصصين لمراجعتها طبيا.

“على الصحافة أن تدفع خطر الإيدز”، هو ما طالب به “د. حمدى حسن ابو العينين” عميد كلية الإعلام بجامعة مصر الدولية، ويرى أن دورها يمكن أن يكون فعال من خلال التوعية بأسباب والتأكيد على حق المتعايشين مع المرض فى الحياة، من خلال تطوير آليات وأساليب ومحتوى القوالب الصحفية. فالثقافة الاجتماعية السائدة وصمت مرض الإيدز والمتعايشين معه يتطلب مكافحته صحفيا بإيجاد قنوات للحوار الصريح وتبادل المعلومات من أجل تغيير السلوكيات المرتبطة به و التخلص من حالة الصمت المحيطة به من خلال بناء بيئة إعلامية مواتية لعمليات الإفصاح المرتبطة بالإيدز، والتى يمكن أن تمحو العار وتقضى على الاضطهاد والتمييز المصاحب للمتعايشين.

مرضى الايدز مازالوا يتناولون إعلاميا بشكل سىء ـ كما ترى “هويدا أبو هيف” سفيرة النويا الحسنة لمكتب اليونسيف إعلاميا مقدمة برنامج التفاح الأخضر على قناة 1mbc ـ وذلك من خلال استخدام قوالب وألفاظ إعلامية تكرس نبذهم وحجزهم، بل وحبسهم فى بعض الأوقات.. فى المقابل المواطن محكوم بما يقدم له فى الوجبة الإعلامية، التى لم تتضمن حتى الآن أى دور إيجابى، وذلك لعدة أسباب منها: عدم مناقشة طبيعة المرض بشكل مباشر باعتباره خطر خارجى، بالإضافة إلى كونه ليس قضية إعلامية ساخنة بل مجرد قضية نائمة يمكن إيقاظها من وقت إلى الآخر، إلى جانب طبيعة المجتمع المصرى المحافظ إعلاميا.

فالتعايش مع المجتمع لازال أصعب بكثير من التعايش مع مرض الإيدز كما تقول “هويدا”، فالإعلام ومساعدة المرضى غلفته السرية، وعادة ما نلجأ إلى استضافة متعايشين من دول عربية لرفض ظهور المصرين بسبب (الوصم والتميز) الذى ساهم فى دخولهم دائرة السرية.

نحن أمام صور قبيحة رسمها الإعلام عن مرض ومريض الإيدز، انطلاقا من مخزون الفضيلة الدينية والاجتماعية السائدة فى مصر.. “عاهرات ينشرن الإيدز فى مصر”.. “العلاقة الخفية بين العمالة الأجنبية وعقائدها وانتشار الإيدز”، كلها نماذج وأمثلة سلبية إعلامية ضربها المدون شريف عبد العزيز، ويعتبرها السبب فى الوصم والتمييز والذى يعتبر أسباب تحتية لانتشار المرض وإهدار حقوق المتعايشين الحياتية.

“سيدة السيد احمد “وجدت من التميز والاضطهاد ما دفعها أكثر من مرة إلى الانتحار، بسبب إصابتها بمرض الإيدز الذى لا تعرف حتى كيف انتقل لها، فزوجها ترك عمله، ,اولادها رفضت المدرسة قبولهم، والجيران طردوها من منزلها، وأحرقوا عفشها، لكنها بدعم محدود من منظمات تأهيل مرضى الإيدز لا زالت على قيد الحياة هى وزوجها وأطفالها الصغار، خاصة بعد أن عرفوا أن المرض انتقل لها أثناء نقل دم ملوث بالفيروس وقت ولادتها لـ”احمد” أصغر أطفالها.

2.3 مليون طفل عدد الأطفال المتعايشين مع الايدز على مستوى العالم حتى نهاية عام2005، وواحد من كل عشرة أطفال يحتاجون إلى علاج مضادات الفيروس القهرية.

دعم حقوق الأشخاص المتعايشين مع الفيروس فى الحصول على خدمات صحية ذات جودة عالية ومكافحة الوصم والتميز، من خلال التعاون مع فئات متعددة مثل: الشباب والإعلاميين والأطباء خطة تتخذها “د.وسام البيه “مسئول برنامج الامم المتحدة لمكافحة الايدز، لتعزيز جهود مكافحة انتشار الفيروس و الوقاية منه.

“أحمد ملح” مدير برنامج الإيدز بمكتب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) مصر، يعمل على منع انتشار الفيروس من خلال برامج التوعية خاصة بين الشباب والمراهقين، من أجل توصيل رسالة صحية عن مرض الإيدز فى إطار برامج مخصصة عن الصحة الإنجابية والجنسية لعرض طرق العدوى السليمة. البرنامج يعمل فى 12 محافظة مع جمعيات أهلية وبالتعاون مع المجلس القومى للطفولة والأمومة ووزارة الصحة للحث على الفحص الطوعى.

حالة الخوف من نتيجة التحليل أدت إلى هروب كل شرايين الدم الرئيسية فى يدى، مما دفع الطبيب إلى سحب العينة من شريان اليد، الخوف حالة عادية فنحن داخل سيارة الفحص الطوعى لفيروس الإيدز، أجريت التحليل بعد أن ظللت ليوم كامل بداخل العربة دون دخول أى متطوعين للفحص، رغم ان عددها يصل الى 15 وحدة موجودة فى القاهرة والإسكندرية والمنوفية والبحيرة وجنوب سيناء والدقهلية والغربية والإسماعيلية وأسوان والشرقية وكفر الشيخ وبني سويف والفيوم والبحر الأحمر وأسيوط، بالإضافة إلى 9 سيارات متنقلة في المحافظات.

المراكز والسيارات المتنقلة تقدم مشورة عن طريق التوعية بطرق العدوى، أما الفحص فهو عبارة عن تحليل دم عن طريق رمز يختاره المتطوع قبل تقديم خدمة المشورة.

90%من الأشخاص حاملين الفيروس لا يعرفون، والسبب كما تشخصه “د.خديجة معلى” منسقة ومستشارة البرنامج الإقليمى لسياسيات الايدز بالبرنامج الإقليمى للإيدز فى الدول العربية، العزوف عن الفحص والتحليل. فإجمالى المترددين على مراكز الفحص والمشورة الطوعية السرية المجانية التى توفرها وزارة الصحة بالتعاون المنظمات المانحة 20 شخص فقط شهرياً. لذلك دورنا ـ كما تقول “خديجة” ـ يبدأ فى تهيئة البيئة للتحليل الطوعى دون وصم ولا تمييز، إنطلاقا من منظور إنسانى تنموى لحماية حقوق المتعايشين مع الفيروس، فنشاطنا يتمثل فى محاربة وإيقاف ومناهضة الوصم والتمييز ضد الأشخاص المتعايشين مع الفيروس من خلال شراكتنا مع الإعلام والقيادات الدينية لتوصيل رسالتنا إلى أكبر القطاعات الممكنة لتغيير سلوكيتها فى التعامل مع الفيروس والمتعايشين معا.

سن قانون خاص بحماية حقوق المتعايشين مع الفيروس، خطوة استراتيجية يسعى إليها البرنامج اليها فى الفترة الحالية بمصر بعد تنفيذها فى جيبوتى واليمن، كمنحنى قانونى جديد لحماية حقوق المتعايشين بشكل رسمى وقانونى، فى ظل الوضع القانونى السىء الذى يعيش فيه المتعايش فى مصر.

زيارة مصر جاءت فى إطار جولة لبعثة التوعية بالمرض التى يترأسها الألمانى “يواقيم فرانس” لتمتد من أقصى النتوء الشمالى للقارة الأوروبية فى النرويج، إلى أقصى النتوء الجنوبى للقارة الأفريقية ضمن العشرين دولة التى يتوقف فيها الفريق، المكون من 18 عضوا لنشر الوعي بخطورة المرض من خلال رسالة واحدة تتركز على شعار “لقد بلغنا الذروة .. والآن لا ينبغى أن نسمح بالمزيد من الإصابات”.

البعثة خلال زيارتها لمصر صعدت جبل سانت كاترين على ارتفاع 2637 مترا فوق سطح البحر، ورفعت العلم المصري مكتوب عليه شعار المنظمة ورقم المصابين بالإيدز، ليصبح “نصب تذكارى” يحذر من تناسى خطورة هذا الوباء، والحث على بذل المزيد من الجهود لمكافحته، بالإضافة إلى كتابة رسالة موجهة لمنظمة الأمم المتحدة فى الكتاب الذهبى، لمعرفة احتياج الشعب المصرى من المنظمة فى الوقت الحالى.

إن الفرق بين المتعايشين فى مصر وغيرهم فى مجتمعات اكثر تقبلا على مستوى العالم ، أنهم يعرفون حقيقة معاشرتهم لفيروس الإيدز، ولكن لهم حقوق، في مجتمع لازال يعاقبهم على مرضهم، لذلك فكل أسماء المتعايشين المنشورة غير حقيقة..



تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *