الكساد يهدد 1.5 مليون شجرة تفاح في كردستان بالإبادة

28 مارس 2011

سامان نوح / أصوات العراق- توقف الحاج احمد منذ مدة عن ري 3 من بساتينه التي تكدست فيها أطنان من التفاح المتعفن، على أمل أن يقتلع أشجارها في الخريف المقبل، وأن يستبدلها بأشجار خوخ أو كرز، بينما وقف ولداه الصغيران هوزان ومحمد على حافة الشارع العام، وبجوارهما تكدست عشرات الصناديق والأكياس المملوءة بالتفاح، بانتظار بيعها بأي ثمن للسياح الذين تمر سياراتهم بالقرية، صعودا الى أعالي الجبال.

الخسارات التي تعرض لها الحاج احمد في المواسم الأخيرة، بسبب عجزه عن تسويق التفاح، دفعته مثل باقي المزارعين في منطقة كاني ماسي القريبة من الحدود العراقية التركية للتخلي عن زراعة التفاح، والتي يقدر الخبير الاقتصادي قاسم فندي أنها تتعرض لخسائر تقارب الـ40 مليون دولار سنويا، بسبب سوء التخطيط الزراعي في كردستان.

فندي يرى أن أكثر من ثلثي محصول التفاح البالغ نحو 120 الف طن سنويا، يترك ليتعفن في المزارع بسبب عدم وجود سياسات تسويق مناسبة، ما يمثل خسارة تقدر بـ35 مليار دينار عراقي (30 مليون دولار)، يضاف اليها نحو 10 ملايين دولار كلف لرعاية مليون ونصف المليون شجرة تفاح في محافظة دهوك وحدها.

لا يحتسب فندي هنا مبلغ الـ18 مليار دينار (15 مليون دولار) التي خصصتها مديرية زراعة دهوك لدعم الزراعة في المحافظة، والتي يذهب قسم منها لمزارع التفاح، باعتبارها زراعة رئيسة في المحافظة. لكن مريوان نامق زنكنة، وهو باحث كردي تابع التطورات السياسية والاقتصادية في كردستان منذ 2003، يرى أن هذه الخسارات الفادحة في زراعة التفاح، لا تعود فقط الى سوء التخطيط الزراعي، بل الى تجنب سلطات الاقليم المجازفة بحصة كردستان من الموازنة الاتحادية لصالح مشاريع زراعية طويلة الأمد، قد لا تظهر نتائجها إلا بعد سنوات طويلة.

فحكومة كردستان خصصت 11% من موازنتها لعام 2010 للزراعة، أي ما يتجاوز المليار دولار، لكنها عمليا لم تصرف منها إلا جزءا يسيرا، يمكن فهمه اذا ما قارناه بمبلغ الـ15 مليون دولار التي خصصت للزراعة في محافظة دهوك. يقول زنكنة أن الـ10 مليارات دولار التي تسلمتها كردستان عام 2010 من الحكومة المركزية، كانت كفيلة بصناعة أفضل السياسات الزراعية، لو كانت الرغبة متوافرة لتحقيق ذلك، لكن حاجة النظام السياسي الى كسب المؤيدين من خلال فتح باب التوظيف واسعا، فرض عليه التضحية بكل السياسات الاقتصادية طويلة الأمد.

يشرح زنكنة ذلك، بالمقارنة بين إيرادات الوظيفة الحكومية، وفلاحة الأرض، فالموظف العادي “يحصل على عائد سنوي يقدر بـ6 آلاف دولار تقريبا، في حين لا يجني الفلاح من حقل بمساحة 4 دونمات 2000 دولار في حال كان الموسم الزراعي جيدا. تفضل حكومة كردستان، كما يرى زنكنة، أن تستثمر المليارات العشرة في تدعيم النظام السياسي بمنح الوظائف للناس، بدلا من ان تنتظر سنوات لتحصل على ثمرة الخطط الزراعية. يدعم مستشار رئيس حكومة كردستان للشؤون الزراعية والأمن الغذائي الدكتور طالب مراد، ما ذهب اليه زنكنة حول انخفاض نسبة التخصيصات المالية للقطاع الزراعي، فخطة التنمية الزراعية للأعوام 2009 – 2013 والتي تضمنت تخصيص 10 مليارات دولار للقطاع خلال 5 سنوات، لم يطبق منها حتى الآن سوى 15%. يضيف مراد حقيقة أخرى، وهي أن نسبة الاستثمارات الزراعية في الإقليم لا تتجاوز الـ1%، في حين يستورد الاقليم 95% من المحاصيل الزراعية، وهو ما يعتبره “فشلا كبيرا”.

مذبحة التفاح

“الموت عطشا” أو “مذبحة التفاح” كما يسميها الحاج احمد، ظاهرة بدأت بالزحف من أطراف مدينة دهوك التي تحولت الى مناطق سكنية أو مشاريع سياحية بدائية، باتجاه الاجزاء الشمالية والشرقية من المحافظة، مع تكرار مواسم كساد التفاح وعجز الإجراءات الحكومية عن تدارك الأمر، لتتحول مساحات واسعة من البساتين الى “ارض محروقة”.

في السنة الماضية باع كاكا سالار جار الحاج احمد، محصول الموسم كله بـ3 ملايين دينار فقط (2600 دولار) وهي تعادل نصف ما أنفقه على رعاية اشجار التفاح. كما أجبر سالار ايضا على التخلص من أشجار التفاح بقطع الماء عنها، كي لا يفقد ما تبقى من أبنائه الذين هاجر 3 منهم العام الماضي الى المدينة، بحثا عن عمل. مثله تماما يفكر الملا شيخو الذي باع في العام الماضي محصول 15 بستانا صغيرا من التفاح، بمليوني دينار فقط (1700 دولار). ما يقلق الملا شيخو الذي جلس وسط عائلته المكونة من 6 أبناء مع عوائلهم في باحة بناية حكومية مهجورة على أطراف قرية مايي، ليس فقط شبح الفقر الذي بدا واضحا في المكان، بل انه قد يضطر في الخريف المقبل لاستبدال أشجار التفاح التي زرعها منذ عقدين بأشجار الخوخ. فقط لإقناع أبنائه بالبقاء معه.

تفاح.. برخص التراب

في منطقة سرسنك الواقعة الى الجنوب من منطقة كاني ماسي، أنجز الأخوين سليم ومحمد صفقة، باعا فيها 126 صندوقا و64 شوال تفاح أحمر وأصفر (حوالي 3 أطنان) لتاجر محلي بـ220 دولارا. الصفقة كانت خاسرة قياسا بالجهد الذي بذله الأخوان وباقي أفراد العائلة، لكنهما فضلا بيع المحصول للتاجر بهذا السعر على ان يتحملا كلفة النقل للسوق، والتي لا تقل عن 200 دولار. سليم انتقد عجز المؤسسات الحكومية عن دعم مزارعي التفاح، وطالب بتحويل مبلغ الـ50 دينارا التي تمنحها الحكومة لكل كيلو تفاح ينقل للسوق، إلى أسمدة ومواد زراعية، تساعد الفلاح على تحسين أرضه بدلا من ان يأخذها التاجر المحلي الذي يشتري التفاح “برخص التراب”.

يتطلب نقل طن واحد من التفاح عبر الطرق الجبلية المتعرجة والخطرة باتجاه مدينة دهوك، قرابة الـ80 الف دينار (70 دولارا)، لكن سعره في الغالب لا يتجاوز الـ200 دولار اذا ما كان من نوعية جيدة، وصادف ان السوق رائجة. يخشى المزارعون من ألا يحصلوا على أسعار تؤمن لهم أجور النقل، وبعضهم يخشى ألا يتمكن أصلا من بيع التفاح في السوق فيخسر ما قد يدفعه مقابل النقل. هذا ما حصل للأخوين علي وعمر اللذين كانا يقفان تحت عريشة قش قرب سيارة تحميل صغيرة، مليئة بصناديق التفاح في قرية خيزافا (40 كلم غرب كاني ماسي)، فلم يوفقا الى بيع 40 صندوقا نقلاها بسيارتهما الى سوق مدينة زاخو، لأن احدا لم يعرض عليهما أي سعر. الحاج عبد القادر برواري الذي كان يجمع حبات التفاح الطازجة التي سقطت من على الاشجار، بعد أن يعزلها عن ثمار متعفنة، تساءل عن مصير آلاف الاطنان من التفاح التي تتكدس على ارض بساتين منطقة كاني ماسي.

وتساءل برواري عن مصيره هو أيضا، اذا ما بقيت الحال على ما هي عليه، ولم تتدخل حكومة كردستان، لإنقاذ مزارعي التفاح من الخسارات الفادحة التي يتعرضون لها في كل موسم. يعترف خيري، وهو الابن الأكبر للحاج برواري بأن الاحتفاظ بأشجار التفاح “مكلف جدا”. ففي العام الماضي خسر مع ولديه قرابة المليون ونصف المليون دينار على هذه المزرعة، ولكن الحصيلة كانت فقط 40 صندوقا نقلاها للمنزل، وتركا ما تبقى يتعفن على ارض البستان.

خسارات متلاحقة

يحدث هذا في كل موسم لجني التفاح، كما يقول الحاج كريم الذي حول الجزء الخلفي من بستانه الى مزرعة لأشجار الخوخ. ينتقد كريم عجز حكومة الإقليلم عن وضع سياسة تسويق ناجحة تحمي الفلاحين من الخسارة، ويشير الى ان عدم توفير الحكومة لبرادات حفظ المحاصيل او معامل للتعليب، يجبر الفلاحين على تسويق محاصيلهم في وقت واحد تقريبا، ما يؤدي لانهيار سعر التفاح منذ مطلع تشرين الأول/ أكتوبر وحتى نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر.

“السوق المحلية لمحافظة صغيرة مثل دهوك، لا تستوعب هذه الكمية الهائلة من التفاح، والتسويق للمحافظات الأخرى، بات شيئا مستحيلا في ظل عدم وجود تجار يأتون من المحافظات العراقية او العاصمة بغداد، لشراء المحاصيل كما كان الأمر في السابق”. هذا ما يقوله كاكا جلال الذي يمتلك محلا لبيع المحاصيل الزراعية في سوق الجملة بدهوك. رفيقه الحاج عزت، خسر العام الماضي مبلغا كبيرا لأنه أرسل شاحنات محملة بالتفاح الى تجار في بغداد والموصل وكركوك، ولم يستطع استعادة أمواله بعد ان حذره رفاقه من الوصول الى هذه المدن التي تعاني ظروفا أمنية خطرة. الحاج عزت يعتقد يأن الثقة بين التجار وخوف التاجر الكردي من الذهاب لأسواق الجملة في العاصمة، تسبب بقطع شريان التسويق.

وبتأثير من تجاربه المريرة مع التفاح، بات الحاج عزت يتجنب الدخول في وساطة لبيع أي كمية من التفاح. مع هذا، يشعر بالألم وهو يرى نظرات الحسرة على وجوه مزارعي التفاح حين يضطرون لبيع محصول موسم كامل بأي ثمن. ويتوقع أن ينفذ مزارعو التفاح في المواسم المقبلة، تهديداتهم التي يطلقونها بعد كل صفقة خاسرة، ويعقب “هم يقولون على الدوام إنهم سيقطعون أشجار التفاح إذا استمرت خساراتهم، اعتقد بأنهم سيفعلونها في النهاية ويزرعون بدلا عنها الخوخ او الكرز لأنها رابحة”، ويتساءل “لكن ماذا لو تحول المزارعون الى زراعة الخوخ، بالتأكيد ستتكرر الخسارات ذاتها مع غياب الدعم والسياسات الحكومية الناجحة”.

ووفقا لمسوحات مديرية البستنة، فقد قطعت بعض اشجار التفاح في منطقة باطوفة (شمال شرق زاخو الواقعة على مسافة 500 كم شمال بغداد) وحولت الى بساتين للخوخ او الكرز والفستق، كذلك الحال في منطقة جمانكي التي استبدل فلاحوها التفاح بأشجار السرو. الأمر الاخطر هو تحول مزارع التفاح الى مناطق سكنية، رغم انه مخالف للقوانين، ففي مناطق مثل بادي وزاويته (10 كلم شرق دهوك) وباعذرى (25 كلم جنوب دهوك) وفي منطقة سكرين (50 كلم شمال شرق دهوك) باع الفلاحون مزارعهم للمستثمرين الذين حولوها الى مواقع سكنية.

1.5 مليون شجرة تفاح مهدة بالانقراض

يخمن المتخصص بتفاح برواري في كلية الزراعة بجامعة دهوك الدكتور احمد مايي، ان الخسارات التي يتعرض لها مزارعو التفاح، تهدد قرابة 1.5 مليون شجرة تفاح في دهوك بالإبادة، إما بسبب الإهمال المتعمد او بقلعها واستبدالها بمحاصيل زراعية أخرى. الدكتور مايي الذي اصطحب طلبته في رحلة علمية الى قريته (مايي) حيث بدأت عام 1942 أولى مراحل زراعة التفاح على نطاق واسع في دهوك، قال إن التفاح المعروف باسم “برواري بالا” يتميز بقدرته على الاحتفاظ بطعمه المميز حتى في حال تأخر خزنه لأسابيع، لكن المشكلة “أن فشل سياسة التسويق، قد تقنع الفلاح باستبداله بمحاصيل أخرى سريعة التسويق، وسنفقد حينها نوعا نادرا اشتهر على نطاق واسع منذ ستينيات القرن الماضي”. ويحذر من أن الجو السائد في برواري بالا حيث يسقط الثلج عادة بكثافة في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر وحتى آذار/ مارس، يناسب أشجار التفاح أكثر بكثير مما يناسب باقي أنواع الفواكه التي قد لا تقاوم بيئة قاسية مثل هذه البيئة.

يعترف مدير دائرة البستنة في محافظة دهوك أن الخطر الذي تتعرض له أشجار التفاح كبير جدا، فهناك آلاف المزارع التي لم يعد يعتني بها أحد، وهناك الكثير من الحالات التي رصدتها مديرية البستنة يتم فيها إهمال أشجار التفاح “حتى الموت”. لكن الأمر لم يصل حتى الآن الى مرحلة قطع الاشجار بشكل واسع.

لا أحد يسأل عن شتلات التفاح

يكشف فاروق يوسف سليمان عن تراجع يصفه بـ”المخيف” في مساحات الارض المزروعة بالتفاح، فدائرة البستنة كانت توزع 100 الف شتلة تفاح سنويا على المزارعين منذ عام 2003 وحتى عام 2006، لكن “الأرقام تراجعت تدريجيا، حتى توقفنا في العام الماضي عن التوزيع، لان احدا لم يعد يريد شراء أشجار التفاح”. لا يمكن ان تجبر دائرة بستنة دهوك المزارعين على زراعة شيء لا يريدونه، يقول سليمان الذي يشير الى ان الدائرة وزعت العام الماضي 35 الف شجرة زيتون حلت محل اشجار التفاح في مناطق متعددة من دهوك، وستوزع هذا العام 70 الف شجرة منها.

يعترف سليمان مرة ثانية، بأن أشجار التفاح ينتظرها مستقبل خطر، وبأن الخطط الزراعية لم تفلح بإقناع الفلاحين بالتمسك بأراضيهم او اتباع طرق زراعية، قد تدر عليهم فائدة.فهم يعتقدون بان المشكلة الأساسية ليست في الإنتاج بل في التسويق.

أزمة اسمها “التسويق”

وبرغم ان مدير الأبحاث الزراعية في دهوك درسيم مه مي ابراهيم، يتفق مع سليمان على أن المشكلة الأساسية تكمن في التسويق، لكنه يضيف سببا آخر هو أن نوعية التفاح الموجود في المنطقة، تحتاج الى تحسين في الشكل والحجم كي تزيد فرصها في منافسة المنتوج الأجنبي. “نحن نختبر الآن في منطقة كفنسني (30 كلم شمال شرق دهوك) صنفا من التفاح ينضج في شهر آب بدل تشرين الأول، ويمتاز بنوعيته وشكله الجيد، وهناك سعي دائم لتطوير نوعية التفاح الموجود، لكن عموما لا احد يهتم بمتابعة بحوثنا وتوصيات مؤتمراتنا”، يقول منتقدا سوء التخطيط. وتعتقد المتخصصة بالعناية وخزن الفواكه في جامعة دهوك الدكتورة سرفراز فتاح علي البامرني، أن المؤسسات الحكومية لم تنجح في تقديم حلول تسهم بإنقاذ الواقع الزراعي في كردستان، وبالذات فيما يتعلق بالخطر الذي يتهدد أشجار التفاح.

تقول الدكتورة سرفزار إنها ليست متفائلة بمستقبل زراعة التفاح في دهوك، لأن العصب الرئيس للقطاع الزراعي (التسويق) لا ينظر اليه بجدية حتى الآن، ودوائر التخطيط “تصر أن تضع خططها بمعزل عن المؤسسات البحثية والجامعية”. و”تنظر الدوائر الزراعية بشكل خاطئ لأزمة كساد التفاح، فهي ليست متعلقة بتوسيع الانتاج مطلقا. لدينا الآن مئات الآلاف من اطنان التفاح متروكة في المزارع”، تتساءل الدكتورة سرفزار، “هل المطلوب منا ان نجد وسائل لتسويقها أم الانشغال بإقامة دورات زراعية عابرة، يحضرها أبناء الفلاحين الصبيان، لا لكي يتعلموا، بل لكي يحصلوا على ادوات زراعية مجانية، او منشار كهربائي او حتى دزينة من المقصات، تمنح لهم في نهاية كل دورة”. بدون مخازن تبريد “سيتعرض الفلاح للمزيد من الخسائر في كل موسم”، تضيف الدكتورة سرفزار التي لا ترى أن 6 مخازن أنشئت مؤخرا في مناطق برواري ومانكيش وبامرني وزاخو، ستفي بالغرض، حتى لو عملت بشكل جيد، فحجمها وعددها لا يمثل شيئا يذكر قياسا الى حجم الانتاج.

خطط تحتاج لوقت

يحاجج مدير التخطيط في محافظة دهوك مسعود عبد العزيز بأن الخطط التي وضعتها المديرية “تحتاج وقتا لكي تؤتي ثمارها”، فلا يمكن إصلاح الواقع الزراعي بخطط ارتجالية تصلح للتطبيق عاما أو عامين، ويرى أن تركة النظام السابق على الواقع الزراعي “كانت ثقيلة، فحتى الآن، لم تكتمل البنية التحتية للزراعة الحديثة، ومشاريع دعم الفلاحين تواجه مشاكل، عدد كبير منها يعود للفلاح نفسه”. يشير عبد العزيز هنا الى أن مديرية الزراعة في دهوك، صرفت هذا العام قرابة الـ18 مليار دينار عراقي (15 مليون دولار) لدعم المزارعين، ونفذت خطط إقراض ودعم للمشاريع بنسبة 60%، لكن ما حصل أن عددا من الفلاحين “باعوا أجهزة الري التي قدمت لهم بسعر مدعوم، وآخرون تسلموا الجرارات الزراعية بسعر مدعوم وبالتقسيط ثم سارعوا لبيعها”.

يتابع عبد العزيز أن “الجميع يلقي بالمسؤولية على مديرية الزراعة، ويتغاضى عن دور باقي المؤسسات. هناك مشاريع مشتركة مع وزارتي الصناعة والتجارة لم تنفذ حتى الآن، مشاريع إنشاء مصانع تعليب بالقرب من المزارع لم تتحقق، خطط التسويق ما تزال بدائية حتى الآن ولا تسهم وزارة التجارة معنا بحل هذه المشكلة”. ينتقد عبد العزيز “العقبات التي تحد من دخول الاستثمار الأجنبي للقطاع الزراعي، فبدون رؤوس أموال تنفق في مشاريع التعليب أو التخزين والتبريد او تأسيس شركات تسويق، ستظل المشكلة قائمة”. ويحمل الإجراءات الخاصة بعمليات الاستثمار، مسؤولية فشل المشاريع الاستثمارية في القطاع الزراعي.

الاستثمار والقوانين

المسؤول في هيئة استثمار دهوك  فلاح حاجي، يقول إن عدم وجود مشاريع استثمارية حقيقية في المحافظة يعود الى “القوانين الزراعية المعقدة”، والمشاكل المتعلقة بالنزاعات على ملكية الاراضي الزراعية، فضلا عن عزوف المستثمرين اصلا عن الاستثمار في القطاع الزراعي، بسبب الحاجة لوقت طويل للحصول على الربح، على العكس تماما من باقي المجالات التي يكون جني الأرباح فيها سريعا. قانون الاستثمار رقم 4 لسنة 2006 المصدق من حكومة الإقليم، لا يفرق بين المستثمر المحلي أو الأجنبي في التعامل، رغم ذلك، يكشف حاجي أن ذلك لم يشجع المستثمرين العرب والأجانب على الدخول بجدية في هذا المجال.

تواجه المشاريع الاستثمارية في مجال مزارع التفاح، كما يقول المستثمر قاسم سلمان، مشاكل أخرى تتمثل بصغر مساحات المزارع وتقسيمها الى كتل اصغر مع مرور الوقت، بسبب الأعراف الاجتماعية التي تفرض على الفلاح الكردي، الا يفرط بأرضه، ويعقب قائلا “أي مشروع استثماري يحتاج لمساحات واسعة لإنتاج نفس المحصول تخفيضا للكلف، لكن تقسيم الارض الى مساحات صغيرة لا يمكن معالجته لأنه مرتبط بالأعراف الاجتماعية أكثر من ارتباطه بالخطط الزراعية”.

الوظائف بدلا من الزراعة

المهندس الشاب بسام مزوري الذي كان يتجول معنا في بستان العائلة في قرية كزو (30 كم شمال دهوك)، يعتقد بأن تقسيم الأرض بين الأبناء ومن ثم الأحفاد “سيؤدي في النهاية الى ان يحصل كل كردي على شجرة تفاح واحدة فقط”. يشرح المهندس مزوري فكرته بالقول “كان لجدي ارض واسعة تقاسمها أبناؤه بعد وفاته، ومن بين 400 شجرة، كانت حصة والدي من تركة أبيه، وستكون حصتي 80 شجرة فقط، وربما سيحصل أولادي على 20 شجرة لكل منهم، تتقلص ليكون لكل حفيد من أحفادي المقبلين ربما، شجرتي تفاح او ثلاثة”، يعقب مزوري ساخرا. المهندس بسام لا يفكر مطلقا ببيع حصته من اشجار التفاح، لكنه في ذات الوقت لا يفكر بترك عمله في مطبعة الجامعة ليتفرغ للعناية بالأرض لأنها “لم تعد مجدية”.

هذه النقطة بالذات تراها المدرسة بكلية الاقتصاد في جامعة دهوك سعاد عبد القادر “جوهر القضية”، فالسياسة الحكومية التي اعتمدت على رفع نسبة التوظيف الحكومي للتخلص من المشكلات التي تفرضها البطالة، “أضرت بالقطاع الزراعي”، وتعلل قادر ذلك بأن الفرد غالبا ما يفكر من منطلق العائد والكلفة، وبما أن العمل بالوظيفة الحكومية يؤمن له العائد ويجنبه الكلفة، لن تكون هناك مبررات لتوجهه نحو العمل بالقطاع الزراعي او الصناعي لأنه سيكون مكلفا جدا بالنسبة له.

التفاح يقتل مرتين

يعتقد رئيس قسم البستنة في كلية الزراعة بجامعة دهوك الدكتور طه أن الخطر الذي يتهدد أكثر من 1.5 مليون شجرة تفاح “لا يمكن التعامل معه بسهولة، ونحن نخشى فعلا أن يتكرر ما حصل سابقا من إبادة أشجار التفاح كما حصل جراء سياسة الترحيل التي اتبعها النظام السابق، ولكن هذه المرة بسبب التسويق وليس الحرب”. في العام 1975، كما يتذكر الدكتور طه، مارس النظام السابق عمليات ترحيل استمرت حتى الانتفاضة التي شهدتها كردستان عام 1991، وطوال 16 عاما كانت مزارع التفاح مع باقي الغابات في برواري بالا وغيرها من المناطق الزراعية الخصبة التي اعتبرت مناطق عسكرية محرمة على المدنيين، تحرق بشكل دوري كي لا يتخفى خلفها المقاتلون الأكراد.

هذه السياسة كما يقول الدكتور طه “تسببت بضياع المساحات الشجرية وحرمان مناطق متعددة من كردستان من الغابات الكثيفة المعمرة”، اغلب المزارع الموجودة حاليا زرعت بعد عام 1991، وعمرها لا يتعدى الـ20 سنة، مع هذا، فهي تواجه خطر الإبادة مجددا بسبب تراجع واقع زراعة التفاح. هناك ايضا مخاطر الجفاف التي قضت على بعض مزارع التفاح في باطوفة ومناطق اخرى، فالموسمان الأخيران “كانا فعلا قاتلين لأشجار التفاح”. يقول الدكتور طه الذي أشار الى ان قلة مشاريع الإرواء هي الأخرى ساهمت في تقليص مساحات أشجار التفاح، وستساهم في القضاء على إعداد كبيرة منها اذا لم تسرع الجهات المسؤولة في انجازها. في هذا الصدد يحذر مدير بيئة دهوك دلشاد عبد الرحمن، من ظاهرة استبدال أشجار التفاح المعمرة بأشجار قصيرة العمر مثل الخوخ او المحاصيل الموسمية، فهذا سيؤدي حتما الى فقدان الغطاء النباتي الذي يحفظ التوازن البيئي في المحافظة، ما ينبئ بمخاطر مع استمرار مواسم الجفاف لأكثر من ثلاثة أعوام متتالية.

لكن الحاج سالار بيدهي الذي توقف بالقرب من نصب صغير وضع فيه حجر الأساس لسد مائي في قرية بيدهي التابعة لمنطقة برواري بالا، يعتقد بأن أغلب المشاريع الاروائية التي أريد منها تجاوز مخاطر الجفاف لم يخطط لها او لم تنفذ بشكل صحيح، فإما انها انشئت في مناطق لا تحتاج اليها فعلا، أو ان انجازها تأخر في المناطق المحرومة من المياه، يضيف الحاج سالار “هذا السد مثلا قيل لنا انه سيعيد الحياة الى القرية، لكنه ما زال مجرد كلمات كتبت على حجر”.

السد الذي بدأ العمل به منذ شباط/ فبراير من عام 2010، رصدت له ميزانية تقارب الـ11 مليون دولار، ولكن احدا من المسؤولين لم يزر القرية بعد ان انتهت الانتخابات التشريعية التي تزامنت مع وضع حجر الأساس. أولاد الحاج احمد، هوزان وحمة، كانا ما يزالان ينتظران على الشارع العام بانتظار سيارات السواح التي تقصد المنطقة، حين أوشك المساء ان يخيم على حقول التفاح. يقول هوزان الذي نجح في إقناع احد السياح بشراء كيسين من التفاح الأحمر يزن كل منهما 25 كغم، بسعر لم يتجاوز الـ 8 الاف دينار (7 دولارات فقط) أنه لن يضطر للوقوف على الشارع العام في الموسم القادم، لأن والده سيزرع الخوخ “بدلا عنها”. قال هذا وهو يشير الى المئات من اشجار التفاح الذابلة في حقول أبيه الثلاثة، حين كانت تغرق في ظلام الليل الذي بدأ يغطي الحقول المترامية في المنطقة.

أشرف على انجاز التحقيق: زهير الجزائري ومحمد الربيعي، بالتعاون مع شبكة أريج “اعلاميون من اجل صحافية استقصائية عربية”.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.