"الفلسطينيون السوريون" في مصر

12 يونيو 2024

عندما تُحجب “السبورة” عن الصغار باسم القانون

إيهاب زيدان

يوثق التحقيق حرمان لاجئين فلسطينيين، من حملة الوثيقة السورية، من التعليم النظامي في مصر. وفي الوقت الذي يبدو فيه الحصول على بيانات حول هؤلاء اللاجئين ضرباً من المستحيل، إذ لا تملك فيه الأونروا بيانات حول ذلك، تمكنت شبكة أريج من جمع بيانات نحو مئة أسرة فلسطينية من حملة الوثيقة السورية؛ تكشف عن حرمان فتيات وفتيان فلسطينيين من التعليم، ممن لم يسبق لهم الجلوس في صف دراسي.

“عم نستنى الإقامة لحتى أولادنا يعيشوا، نحن مو عايشين… إن الأولاد ما تتعلم هاي مو عيشة”، هكذا تصف سناء محمد (اسم مستعار) حال أسرتها.

سناء وزوجها من اللاجئين الفلسطينيين حاملي الوثيقة السورية، الذين قدموا إلى مصر، عقب الحرب التي اندلعت في سوريا بداية العقد الماضي.

تقول سناء إن بناتها رنا ومي ودالية (أسماء مستعارة)، محرومات من التعليم المدرسي في مصر؛ بسبب عدم حصولهن على “إقامات”. فوزارة التربية والتعليم المصرية تشترط وجود إقامة سارية المفعول، لالتحاق الطالب الوافد أو اللاجئ بالتعليم. ينطبق ذلك على المدارس الحكومية والخاصة.

هذا الوضع دفع سناء وزوجها إلى المواد التعليمية المصورة، المتاحة على الإنترنت، لتعليم بناتهما دروس اللغة العربية والإنجليزية. فتدرس رنا (13 عاماً) منهاج الصف السادس الابتدائي، أما شقيقتها مي (12 عاماً) فتدرس منهاج الصف الخامس؛ وهما متأخرتان في تحصيل ما يتعلمنه أقرانهما في المدارس بمصر.

تقول الأم إن بناتها يستيقظن في الصباح الباكر، يتابعن صديقتهن، التي تقطن في البناية نفسها، عند ذهابها إلى المدرسة. وحين يسمعن باب شقتها يُغلق، تخبر الفتيات والدتهن بالقول: “ندى طلعت على المدرسة”. أما في الظهيرة، فيراقبن من النافذة أطفال الحي العائدين من المدارس.

يتراوح عدد اللاجئين الفلسطينيين، حاملي الوثيقة السورية، الذين وصلوا إلى مصر -بين عام 2011 وعام 2013- بين خمسة آلاف إلى ستة آلاف لاجئ تقريباً. تراجع العدد إلى نحو ثلاثة آلاف، بعد إجبار عدد -ليس بالقليل- منهم على العودة إلى سوريا، أو البحث عن ملاذ آخر للجوء إليه؛ بسبب القيود التي فرضتها الحكومة المصرية، بما فيها عدم إعطاء الإقامات، وفق المسح الشامل للاجئين والمهجرين الفلسطينيين 2019-2021.

مصير مي وشقيقتيها قد يُلاقيه الناجون من أطفال الأسر الفلسطينية في قطاع غزة، في حال تمّ تهجيرهم إلى الأراضي المصرية. كما يواجه الأطفال مع أسرهم في قطاع غزة خطر الإبادة، جراء العدوان الذي يشنه الجيش الإسرائيلي على القطاع، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، والذي راح ضحيته أكثر من 15 ألف طفل، حتى تاريخ نشر هذا التحقيق.

“أنا إذا رحت لغزة بودوني على المدرسة”، تقول سناء على لسان طفلتها الصغرى دالية (ستة أعوام)، المولودة في مصر؛ التي تسأل أمها عن أطفال غزة، وعمّا إذا كانوا سيلتحقون بمدارسهم بعد انتهاء الحرب. سؤال الطفلة جاء بعد أن رسمت بأناملها الصغيرة مستطيلاً بمثلث جانبي، واختارت له ألوان العلم الفلسطيني الأربعة.

نزوح جديد

رنا وشقيقتاها من الجيل الرابع للاجئي النكبة الفلسطينية لعام 1948، التي صادرت فيها العصابات الصهيونية ممتلكات الفلسطينيين في المناطق التي استولت عليها، وهجّرت أكثر من نصف سكانها، وارتكبت بحقهم جرائم “إبادة جماعية”.

هُجر الجد الكبير “محمد عبدالله” مع أسرته، من قريته دفنة، بقضاء صفد في فلسطين. تركوا خلفهم منزلهم وبيارة الحمضيات وأشجار الزيتون التي يملكونها؛ بعد أن استولت العصابات الصهيونية المسلحة على القرية، وحولتها إلى مستوطنة عام 1939.

لجأت أسرة الجد الكبير إلى سوريا، بحثاً عن الملاذ الآمن بعد النكبة عام 1948. استقرت أسرة محمد لاحقاً في مخيم اليرموك، حيث تلقـى الأبناء والأحفاد تعليمهم المدرسي، كان أحدهم الحفيد ماجد.

استقبلت سوريا الموجة الأولى من الهجرة الفلسطينية، بعد النكبة الفلسطينية، عام 1948، وقُدّر عدد أفرادها بـ 85 ألف لاجئ، ينحدر نحو 40 في المئة منهم من صفد وقضائه.

كبر الحفيد ماجد في المخيم، وتزوج هناك وأنجب طفلتين. لم يكن يعلم أنه وأسرته على موعد مع نزوح جديد إلى بلد عربي آخر. لكن هذه المرة، لم يكن التعليم خياراً متاحاً أمام بناته، كما كان الحال معه في المخيم.

استقرت رحال أسرة ماجد في القاهرة، بعد أن وصل عبر مطارها عام 2013؛ آملاً في البدء بحياة جديدة. لكنّ هذا الأمل سرعان ما تلاشى، بعد أن رفض مكتب جوازات في القاهرة، تجديد إقامته وأسرته. حاول ماجد خلال ستة أشهر من المراجعات أن يحصل على الإقامة؛ لكنّ من دون جدوى. لا يعرف ماجد سبباً لحرمانه وأسرته من الحصول على إقامة في مصر، رغم دخوله إليها بشكل نظامي.

يجري التمييز في مصر بشكل “فج” ضد اللاجئين الفلسطينيين، حاملي الوثيقة السورية؛ إذ ترفض الحكومة المصرية تدخل الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى) لمساعدتهم، بحجة عدم رغبتها في إنشاء مخيمات فلسطينية على أراضيها. لكنّها في المقابل، تمتنع عن مساواتهم باللاجئين السوريين، الذين تتاح لهم خدمات التعليم والرعاية الصحية حكومية وغيرها، وفق المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين في رام الله.

يتمتع اللاجئ الفلسطيني من حملة الوثيقة السورية في سوريا بالعديد من الحقوق المدنية، المكفولة للمواطن السوري، كحق التملك للعقار غير المنقول، وفق ضوابط محددة، وحق تملك المنقول. كما يحق له التنقل داخل الأراضي السورية والإقامة في أيّ مكان فيها، وأيضاً يحق له الترشح لعضوية النقابات أو رئاستها هناك. وله حق التقاضي وحق توكيل المحامين.

يقول ماجد: “يعتبرونا سوريين، إحنا جايين من سوريا ومولودين بسوريا، السوريون أمورهم كلها ماشية، مو حسد والله يعني إحنا متلنا متلهم”.

يتابع ماجد حديثه: “إذا بتشوف جوازي مواليد دمشق؛ زوجتي مواليد دمشق بس أنا طلعت من سوريا لأنه حرب”.

يُعدّ التعليم الحكومي في مصر متاحاً للاجئين/ ملتمسي اللجوء السوريين واليمنيين والسودانيين، ومَن هم من جنوب السودان، شأنهم شأن المصريين.يُشترط لذلك حصولهم على إقامات سارية المفعول، تمنحها الإدارة العامة للهجرة والجوازات والجنسية.

المدرسة: الحلم البعيد

“بدي أطلع معلمة عربي بس أكبر “، تقول رنا البالغة من العمر ثلاثة عشر عاماً؛ رغم أنها لم تلتحق بأيّ مدرسة في مصر. لكنّها تلقت مع أختها دروساً في اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات، لدى معلمة في الحي القديم، قبل أن تنتقلا مع الأسرة إلى حي آخر.

لم تكن الأخوات الثلاث الوحيدات اللواتي حُرمن من التعليم في المدارس المصرية؛ فأبناء وبنات الأسر الفلسطينية، من حملة الوثيقة السورية، يعانون ظروفاً مشابهة.

تلجأ أسر فلسطينية كثيرة، من حملة الوثيقة السورية، إلى حلول تعليمية بديلة لأبنائهم؛ إلا أن تلك الحلول كافة لا تتيح للطالب الحصول على شهادة دراسية معترف بها.

صدّقت مصر على اتفاقية حقوق الطفل للأمم المتحدة عام 1990. تنص الاتفاقية على اعتراف الدول الأطراف بحق الطفل في التعليم، وتقوم بوجه خاص بجعل التعليم الابتدائي إلزامياً ومتاحاً مجاناً للجميع، وتشجيع تطوير شتى أشكال التعليم الثانوي، سواء العام أو المهني، وتوفيرها وإتاحتها لجميع الأطفال، واتخاذ التدابير المناسبة مثل إدخال مجانية التعليم وتقديم المساعدة المالية عند الحاجة إليها.

تشمل الاتفاقية الأطفال طالبي اللجوء أو من يعتبروا لاجئين وفقاً للقوانين والإجراءات الدولية أو المحلية المعمول بها، سواء صحبه أو لم يصحبه والداه أو أيّ شخص آخر.

يشير المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، إلى أن الفلسطينيين تمتعوا في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بحقوق متساوية في العموم، مع المواطنين المصريين، كما أنهم تلقوا معاملة تشبه المواطنين في الحصول على التعليم المجاني العام، حتى عام 1978. إلا أن الحكومة المصرية بدأت تدريجياً بحظر التحاق أبناء الفلسطينيين بمؤسسات التعليم العام، بعد توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.

أثناء إعداد التحقيق، تواصلنا مع مكتب وكالة الأونروا في القاهرة، للحصول على عدد اللاجئين الفلسطينيين حاملي الوثيقة السورية في مصر. أرسل المكتب ردين متضاربين؛ ففي رده على رسالة أولى أُرسلت له، قال المكتب “إنه لا يملك إحصاءات عن عدد اللاجئين الفلسطينيين، حاملي الوثيقة السورية، أو عن عدد هؤلاء المُسجلين في المدارس المصرية، وطلب الرجوع إلى السفارة الفلسطينية في القاهرة.

وفي رد لاحق على رسالة أخرى، قال مكتب وكالة الأونروا في القاهرة “إنه يقوم بتحديث عدد اللاجئين الفلسطينيين، الذين يختارون تسجيل أنفسهم لدى الوكالة في مصر، مؤكداً أن الوكالة ليس لديها التفويض أو القدرة على جمع بيانات التعداد السكاني على مستوى البلاد، بشأن عدد اللاجئين الفلسطينيين من سوريا في مصر، أو في المناطق التي تعمل فيها الأونروا.

وبحسب مكتب أونروا في القاهرة، فإن لاجئي فلسطين من سوريا يواجهون تحديات في الوصول إلى الخدمات الأساسية، مؤكداً أن اللاجئين الفلسطينيين، الذين لديهم تصاريح إقامة سارية، هم وحدهم المؤهلون للالتحاق بالمدارس في مصر.

تقدم “الأونروا” خدمات التعليم للاجئين الفلسطينيين في خمس مناطق: هي الأردن، ولبنان، وسوريا، بالإضافة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة في فلسطين. ولا تملك الوكالة مكاتب عمليات في مصر، وينحصر وجودها على مكتب تمثيلي في القاهرة، لا يملك تقديم أيّ خدمات للاجئين، وفق المكتب.

تواصل معد التحقيق مع عدة جهات، منها مراكز بحثية ومنظمات متخصصة في الشأن الفلسطيني، إلا أن أيّاً منها لا يملك بيانات حديثة بشأن أعداد اللاجئين الفلسطينيين من حملة الوثيقة السورية.

إلا أن أريج تمكّنت في هذا التحقيق، من جمع بيانات 97 أسرة فلسطينية مقيمة في مصر، من حملة وثيقة السفر السورية. جميع تلك الأسر لديها أبناء و/أو بنات في سن التعليم المدرسي. وتضمن التحليل توثيق بيانات كل حالة لغايات التحقق.

وبحسب عينة المسح، فإن الغالبية العظمى من الأسر دخلت الأراضي المصرية عبر منافذ حدودية (مطارات أو موانٍ أو منافذ برية). كما تركزت العينة في مدينة القاهرة.

يكشف تحليل البيانات عن أن نحو ثلث (29 في المئة) أبناء وبنات تلك الأسر، لم يحصلوا على أيّ شكل من أشكال التعليم؛ فمنهم من بلغ الثالثة عشرة ولم يسبق له الالتحاق بأيّ مدرسة أو حتى الدراسة في مراكز تعليمية أو التعلم في مجموعات تقوية أو غيرها.

كما كشفت البيانات عن أن نحو 47 في المئة، من أبناء وبنات تلك الأسر، يدرسون خارج مظلة التعليم النظامي؛ فهم يعتمدون في الدراسة على مراكز تعليمية أو ما يعرف بـ”السناتر السورية” (مراكز تعليمية خاصة بالقادمين من سوريا، أُنشئت بعد قدومهم هرباً من الحرب هناك)، أو من خلال مجموعات تقوية خارج المدرسة وغيرها.

أوقفت دول تمويل الأونروا مطلع عام 2024؛ ما يهدد بوقف دعمها اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عملها، فهي توفر لهم الخدمات الأساسية من رعاية صحية وتعليم.

يشير تقرير لوكالة أونروا -نُشر قبل اندلاع الحرب في سوريا بعام واحد- إلى أن اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، كانوا يفوقون في أدائهم نظراءهم في المدارس الحكومية في البلاد بهامش كبير، بحسب اختبارات المراقبة الخاصة بتحصيل الطلبة في المواضيع الأساسية.

يمكن للاجئين السوريين إلحاق أبنائهم في المدارس الخاصة النظامية في مصر، إلا أن ذلك لا يُعدّ خياراً متاحاً أمام الفلسطينيين حاملي وثيقة السفر السورية؛ وإن ألحقوا أبناءهم بتلك المدارس، فلا يمكنهم الحصول على شهادة مدرسية، في ظل غياب إقامة سارية المفعول.

أما بخصوص “سناتر السوريين”، فيصفها مصطفى صلاح (اسم مستعار)، الذي عمل مُدرساً في “سنتر” سوري بمدينة السادس من أكتوبر، بأنها شبيهة تماماً بالمدارس؛ تُقسم بنظام الفصول والحصص الدراسية العادية، وأكثرها غير مرخص من وزارة التربية والتعليم المصرية.

أما رسوم الدراسة للطالب الواحد في السنتر السوري، فتتراوح ما بين تسعة آلاف إلى 15 ألف جنيه مصري (190 – 316 دولاراً أميركياً تقريباً) سنوياً، وذلك لمراحل الروضة والابتدائي والإعدادي، في حين تتراوح رسوم طالب المرحلة الثانوية بين 11 و20 ألف جنيه مصري (232 – 421 دولاراً أميركياً تقريباً)؛ وهو مبلغ “كبير” يصعب على الفلسطينيين توفيره، لأنهم يعملون بشكل غير رسمي في مصر لعدم وجود إقامات، وهو ما يجعل أجرهم أقل من أقرانهم.

يبلغ متوسط الدخل الشهري للأسر الحضرية في مصر نحو ستة آلاف و600 جنيه تقريباً (قرابة 139 دولاراً أميركياً) عام 2020، وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في حين تشير مجلة ceoworld إلى أن متوسط الراتب الشهري الكلي في مصر 222 دولاراً (عشرة آلاف و500 جنيه مصري تقريباً).

فلسطيني مُهدر الحقوق

“أنتوا السوريين، انتوا السوريين!… نحن مو سوريين، أنا فلسطيني من حيفا، عايش كنت بسوريا”، يوضح أسعد مجدلاني أنهم لا يحصلون حتى على دعم السفارة الفلسطينية. يضيف مجدلاني بالقول: “لم تقدم لنا السفارة الفلسطينية أيّ شيء، اجتمعت مع السفير دياب اللوح عشر مرات، وما استفدنا منه أيّ شيء… السفارة رافعة إيدها عنا نهائياً”.

يقول مجدلاني إن اللاجئين الفلسطينيين، حاملي الوثيقة السورية، يمكنهم تجديد وثائق السفر أو استخراج القيد المدني أو القيد العائلي، وغيرها من السفارة السورية، وبالتالي فإن السفارة الفلسطينية لا تقوم بدور حتى في إصدار وثائقهم.

يوضح الباحث السابق في المؤسسة المصرية لدعم اللاجئين، محمد فرحات، أن الفلسطينيين يتمتعون (نظرياً) بحماية وكالة الأونروا؛ أي أنهم من الفئات غير المشمولة باتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951، الخاصة بوضع اللاجئين.

لكنّه يرى ضرورة أن يتمتع الفلسطينيون بالحماية الدولية للاجئين، وفقا لاتفاقية 1951، طالما أن خدمات الأونروا غير فعالة في مصر، حتى وإن كان لها مكتب، بحسب فرحات.

في رد على خطاب وُجّه إلى المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، رولا أمين، قالت إن الحكومة المصرية لا تعترف بولاية المفوضية تجاه الفلسطينيين؛ بما في ذلك اللاجئون الفلسطينيون من سوريا. وعلى أساس استثنائي، قامت المفوضية بتسجيل بعض اللاجئين الفلسطينيين من سوريا كأفراد في عائلات اللاجئين الآخرين المعترف بهم.

مؤكدة أن إدراج أيّ من غير المواطنين في الخدمات الحكومية، مثل الصحة والتعليم يخضع للوائح الدولة، ولتقدير الدول والكيانات المسؤولة عنها.

وأوضحت أمين أن الحكومة المصرية، وافقت على جهد منسق مشترك مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والأونروا؛ لتزويد لاجئين فلسطينيين من سوريا (وكانوا موجودين في مصر قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر)، ببعض المساعدات النقدية، وبعض خدمات الرعاية الصحية المدعومة. من خلال الهلال الأحمر المصري.

يمثل الصندوق القومي الفلسطيني، الدائرة المالية والإدارية لمنظمة التحرير الفلسطينية (حركة فتح)؛ وهو يقدم مساعدات للفلسطينيين في دول الشتات، ومنها مصر، لتغطية تكاليف العلاج والإعانات الدراسية والمعيشية وتكاليف السفر، بحسب إمكانياته المتاحة لتغطية الحالات المحتاجة، وفقاً للموقع الرسمي للحركة.

لا يبدو حرمان طلبة من اللاجئين الفلسطينيين، من حملة الوثيقة السورية، مسألة مرتبطة بتعليمات واضحة؛ لأن معد التحقيق قد رصد عدداً محدوداً من الطلبة، الذين حصلوا على أوراق إقامة سابقاً، إلا أنهم يواجهون صعوبات وعراقيل في تجديدها، حتى تاريخ نشر هذا التحقيق.

من بين هؤلاء، أحمد خلدون، الذي يدرس في الصف الثالث الثانوي في مدرسة خاصة بمنطقة جسر السويس في القاهرة. حصل أحمد في السنوات السابقة على إقامة دراسية سمحت له بالالتحاق بمدرسة خاصة، إلا أنّ تأخر صدور الإقامة هذا العام (2024) بات يهدد بحرمانه من تقديم الامتحانات، مع أن أسرته دفعت رسوم العام الدراسي كاملاً.

تقول نجوى قاسم، والدة أحمد: “محصلناش عليها (الإقامة) رغم تقدمينا لها من أكتوبر الماضي، كل ما بنسأل بيقولوا لسه شوي، معناته إنه في شي”. وتتابع والدة الطالب: “أنا سورية إذا أنا لحالي وبقدم على الإقامة بتطلع في أسبوع، ولكن كون إقامتي على أولادي تتأخر شهرين أو ثلاثة في العادي، لأن زوجي فلسطيني سوري بيكون في استعلام أمني وإجراءات ثانية”.

حرمان من “الحياة”

يقول ماجد أسعد إنه خرج من سوريا هرباً من الحرب، وبحثاً عن حياة أفضل له ولأسرته: “طلعت الحياة الثانية أصعب، وين ما بنروح بنلاقي الحياة صعبة صعبة صعبة… الإقامة حياة”.

لم يكن من السهل على ماجد استئجار مسكن للعيش فيه؛ إذ اضطر إلى الاعتماد على وسيط عقاري لحل هذه المعضلة. يعمل ماجد ثماني ساعات يومياً في ورشة خياطة يملكها سوري. كما يحاول أن يبحث عن عمل إضافي لتوفير احتياجات أسرته، إلا أنه يخشى الملاحقة القانونية بسبب عدم وجود إقامة.

لم يتمكن ماجد من استخراج شهادة ميلاد لابنته الصغرى: “لا أجرؤ الاقتراب من أيّ مصلحة حكومية، ولولا استخرجتها الأم (زوجته) ما فكرت في استخراجها أبدا”.

كما منعه ذلك من تحرير شكوى ضد جار له، بعدما اعتدى عليه؛ خوفاً أن يتحول من مجني عليه إلى جانٍ ويتمّ ضبطه.

تهديد بالترحيل

“ما ترجعش مرة تانية، إذا رجعت حتترحِل”، هذا ما أُبلغ به أحمد سعيد (اسم مستعار)، وهو فلسطيني من حملة وثيقة السفر السورية، عند مراجعته أحد مراكز الجوازات التي توجه إليها لتجديد الإقامة. يقول أحمد إن ضابطاً في المركز هدّده بترحيله وأسرته، إن عاد للمركز مرة أخرى.

يقطن أحمد بأحد أحياء القاهرة مع أسرته؛ ولديه ابنتان وثلاثة أولاد. توقفت ابنته منار عن الدراسة في مدرستها، وهي مدرسة خاصة، بسبب رفض إدارة المدرسة ترفيعها إلى الصف الثاني الابتدائي؛ لعدم قدرة والدها على تجديد الإقامة المؤقتة الممنوحة للأسرة. يقول أحمد إن أسراً سورية دخلت معهم إلى مصر؛ لكنّها تمكنت من الحصول على إقامات وتصويب أوضاعها.

يؤكد رئيس جالية الفلسطينيين، من حاملي الوثيقة السورية، أسعد مجدلاني، أن إدارة الجوازات، التابعة لوزارة الداخلية المصرية، باتت تختم كلمة “ترحيل” على جوازات الفلسطينيين حاملي الوثيقة السورية، من دون المضي قدماً في إجراءات ترحيلهم.

ينص القانون المصري على معاقبة من امتنع عن تنفيذ قرار إبعاده، بالحبس مع الشغل مدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنتين، وغرامة تتراوح بين 50 جنيهاً إلى 200 جنيه، ويحبس ستة أشهر حال عودته إلى البلاد مجدداً، وفقاً للقانون 89 لسنة 1960 الخاص بتنظيم دخول وخروج الأجانب.

يقول الباحث المصري في قضايا الهجرة واللجوء، نور خليل، إن مصر رحلت لاجئين من إرتريين، باعتراف خبراء مستقلين، اعتمدتهم UNHCR في تقريرها؛ عقبها إدانات أممية.

يتعرض طالبو اللجوء، الذين تتمّ إعادتهم إلى إريتريا، إلى خطر التعذيب وإساءة المعاملة، ولا سيّما أولئك الذين فروا من أداء الخدمة العسكرية الإجبارية. ومن المرجح أن يتعرض معظمهم للاعتقال التعسفي، بمعزل عن العالم الخارجي، وفي ظروف لا إنسانية، بحسب منظمة العفو الدولية.

ويضيف خليل: “اللاجئ الفلسطيني حامل الوثيقة السورية، تعطيه قرار ترحيل بناء على ماذا؟ عندما يُرحل، أين سيذهب؟… ليس لديه خيار”.

مَن المسؤول؟

يُحمل خليل، السفارة الفلسطينية في القاهرة قدراً كبيراً من المسؤولية. فهو يرى أن السفارة من حقها إصدار وثائق ثبوتية، فضلاً عن تسهيل حصول المواطنين على إقامات للتمتع بحقوقهم في مصر، وذلك بالتنسيق مع الحكومة المصرية.

وبحسب خليل، فإن المسؤولية مشتركة بين الحكومة المصرية والسفارة الفلسطينية والمفوضية و الأونروا، تجاه حقوق الفلسطينيين حاملي الوثيقة السورية. وأكد خليل أن الحكومة والبرلمان المصرييْن مسؤولان عن علاج القصور التشريعي أو القانوني، بصفتهم أشخاصاً مقيمين على أرض مصر.

يقول خليل: “بدأت مشكلة منح الإقامات منذ 2015، ولا يوجد قرار رسمي بوقف منحهم إقامات، وتبلغهم إدارة الجوازات بذلك شفوياً”. لافتاً إلى أن كل قرار صادر عن جهة إدارية، ينبغي أن يكون مُسبباً ورسمياً، حتى يتمكّن المتضررون من الطعن عليه، وهو ما لم يحدث هنا.

لا يقتصر الحرمان على التعليم النظامي فقط، فغياب أوراق الإقامة يتسبب في حرمان اللاجئ من جملة من الحقوق؛ من بينها حق تملك شريحة هاتف خلوي، وحق العمل، كما لا يمكنه الحصول على الخدمات الطبية، أو الاستفادة من المساعدات أو حتى خدمات الجمعيات الأهلية والتنموية، كما أنه محروم من المعاملات القانونية كافة؛ إذ إن عدم امتلاك أوراق إقامة يحرم الأشخاص من التقدم بشكاوى، وفق ما أوضح الباحث المصري في قضايا الهجرة واللجوء، نور خليل.

ويضيف الباحث أن عدم الحصول على إقامة يحرم الشخص من الوصول إلى خدمات العدالة للاستئناف ضد ترحيله؛ فلا يمكنه توكيل محامٍ للترافع عنه، لأنه لا يملك إقامة سارية، يقول خليل: “أقسام الشرطة بتتعامل مع اللاجئين على أساس احمد ربنا إنك عايش”.

يؤكد أحمد سعيد (اسم مستعار) أن طفلته تعرضت لمحاولة خطف، لكنّه لم يتقدم بشكوى؛ لعدم امتلاكه أوراق إقامة سارية المفعول.

“إذا بدي أرجع ما بقدر”

يقول ماجد، الذي بات متيقناً أنه حتى خيار مغادرة مصر ليس متاحاً أمامه: “إذا بدي أرجع ما بقدر… وين بدي أروح ما حدا بيستقبلنا عشانا فلسطينيين”.

بات العام الدراسي الحالي (2024) على وشك الانتهاء. لن تتمكن رنا وأختاها من الالتحاق بالمدرسة القريبة العام المقبل، وستبقى الفتيات عالقات مع أسرتهن في مصر. ولن تتمكن الأسرة من مغادرة البلاد نتيجة تراكم غرامات تأخير تجديد الإقامات، فضلاً عن رسوم تجديد وثائق السفر.

وفي الوقت الذي تمتنع فيه إدارة الجوازات المصرية عن منح ماجد وأفراد أسرته إقامات؛ يتوجب على الأسرة دفع غرامة “تأخير” عند مغادرة البلاد، قد تبلغ نحو 43 ألف جنيه (906 دولارات أميركية تقريباً).

تُقدر غرامة التأخير سنوياً عن كل شخص، بـنحو ألف جنيه مصري (21 دولاراً أميركياً تقريباً)، عن أول ثلاثة أشهر، يضاف إليها 500 جنيه مصري ( 11 دولاراً أميركياً تقريباً) عن كل ثلاثة أشهر إضافية.

يقول ماجد: “والله ما بعرف أنام من كتر التفكير… أحياناً بفكر أنا رايح فين، ليه وصلت لهون، أحياناً بفكر إني أموت أحسن لي”.

لا تبدو سناء متفائلة بما ينتظر بناتها من مستقبل مجهول؛ نتيجة تخلي الجهات كافة عن معالجة أوضاعهم. تقول سناء: “حتى لو طلعت الإقامة وبنتي بصف سادس أو خامس، وأنا بدي أروح أقدم لها على المدرسة، رح يرجعوا على الصف الأول”.

“هدول الست سنين راحوا عليهم… كل شيء رايح، كل شي رايح”، بكلمات تغالبها الدموع تشكو الأم ضياع سنوات من عمر بناتها.

وجّهنا خطابات لكل من إدارة الجوازات والهجرة، وزارة الداخلية المصرية، وزارة التربية والتعليم المصرية، وزارة الخارجية المصرية، والسفارة الفلسطينية بالقاهرة، والصندوق القومي الفلسطيني، ودائرة شؤون اللاجئين – منظمة التحرير الفلسطينية، وما نزال في انتظار الرد. وطلبنا من مكتب وكالة الأونروا أن يزودنا بما لديه من بيانات، بشأن اللاجئين الفلسطينيين، حاملي الوثيقة السورية، وسننشر الرد حال وروده.

كما أرسلنا خطاباً إلى السفارة السورية في القاهرة، بشأن دورها في مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، حاملي الوثيقة السورية في مصر، للحصول على أوراق إقامة؛ تتيح لهم الوصول إلى الخدمات الضرورية، كالتعليم والرعاية الصحية والخدمات القانونية.