«السجــــــــــائـــر الصينيــــة».. علب الموت الرخيص

16 يناير 2013

المصري اليوم – بأنامله الصغيرة يمسك «مصطفى» ابن السنوات العشر سجائر اعتاد تدخينها يومياً منذ قرابة عام ونصف، أنفاس قصيرة يستنشقها من سيجارته المستوردة يردها صدره بأخرى طويلة، محملة بدخان تلك السجائر، الذى يغطى وجهه النحيل، لكن سرعان ما يختفى الدخان مظهراً ملامح هذا الوجه، شديد الاتساخ جراء نومه فى الشارع، وسط العشرات ممن يطلق عليهم أطفال الشوارع، أو أبناء ضلوا أسرهم، فلم يجدوا غير الشارع موطناً يؤويهم.

اختار «مصطفى» ميدان «السيدة عائشة» ليكون موطنه الصغير، بعد أن احتضنه أهل وتجار الميدان، الذين وفروا له «فرشة»، عليها عشرات من الخراطيش «الخرطوشة عبوة تحتوى على عشر علب سجائر» من أنواع مختلفة من السجائر الصينية، ليبيعها للمارة نظير حصوله فى نهاية اليوم على ٥ أو ١٠ جنيهات، تكفيه لشراء «لقمة» يسد بها جوعه.

وتطبيقا للمثل القائل «طباخ السم بيدوقه» جرب «مصطفى» دخان هذه السجائر، فهى رخيصة الثمن، ومتاحة له بالمجان فى بعض الأحيان، إذ يحرص التجار على إهدائه بها، كبديل عن المكافأة المالية، كلما جلس ليحرس «فرشة» سجائر وقت غداء صاحبها، أو وقتما يريد تاجر الذهاب إلى دورة المياه.

رحلة البحث عن «مصطفى» كنموذج لطفل يدخن السجائر الصينية كانت سهلة بالنسبة لنا فى بدايتها، فكلما وقفنا مع أحد التجار لنسأل عن بائع صغير أو طفل يدخن أياً من أنوع تلك السجائر، التى غزت الأسواق المصرية، كانوا يشيرون إلى العشرات منهم، إلا أن «مصطفى» يعد – على حد تعبيرهم- أكثر المدخنين لها، «ده بيشرب أكتر من علبتين صينى فى اليوم من كل الماركات» –حسبما ذكر أحد الباعة.

وفقا للخطة الموضوعة لاستكمال هذا التحقيق بالكشف عن الآثار الضارة، التى تلحق بمدخنى تلك السجائر اتفقنا مع «مصطفى» فى لقائنا الأول معه على أن نصطحبه فى رحلة للكشف عليه – على نفقة الجريدة – لمعرفة السبب الحقيقى وراء ما يشعر به من أعراض كالصداع والزغللة والدوار، والتى بدأت تنتابه مع بدايات تدخينه للسجائر الصينية، دون أن يجد سبباً أو تفسيراً لذلك، كان يقول «مش عارف إيه سبب الصداع اللى بيجيلى ده».

ذهبنا لـ«مصطفى» فى الموعد المحدد، لكنه اختفى من الميدان، سألنا عنه لكن أصدقاءه الأطفال ضللونا عن عمد، وقطعت حديثنا معهم سيدة ممتلئة القوام، ترتدى عباءة سوداء، صائحة بأعلى صوتها «أنتوا عاوزين تودوا الواد فى داهية حرام عليكم ده يتيم».

هنا «باب البحر» واحدة من أشهر المناطق التجارية فى مصر، تربط بين حى «باب الشعرية» التاريخى وميدان «رمسيس»، وتضم بين شارعها الرئيسى وما يتفرع منه من حارات وأزقة طرزا معمارية إسلامية قديمة.

قاومت أصالة «باب البحر» كل محاولات الغزو والتغيير عبر السنين، إلا أنها لم تصمد طويلاً أمام «غزو السجائر الصينية» للأسواق المصرية، فغيرت أغلب محال المنطقة نشاطها من تجارة البقالة وحلوى المولد وورش الطباعة والفحم إلى تجارة السجائر المهربة، فأصبحت واحدة من أشهر مناطق تجارة الجملة لهذه السجائر.

مخاطرة كبيرة يواجهها تجار المنطقة بعرضهم كراتين أكثر من ٨٠ نوعاً من السجائر الصينية، غير معروفة المصدر فى عرض الشارع، أمام أعين المارة، لكن «كله يهون»، مقابل ما تحققه تجارتها من مكاسب هائلة.

أمام باب أحد المحال فى المنطقة وقف شاب فى العشرينيات من عمره، يخرج «خراطيش» السجائر الصينى من الكراتين، ويساعده آخر فى رصها فى واجهة المحل.

أبدى الشاب ويدعى «محمد» – كما عرفنا بنفسه – تخوفه فى البداية من الحديث عن أسباب تجارته للسجائر الصينية، وبعد لحظات من التفكير أجاب بلامبالاة محاولاً إقناعنا أو ربما إقناع نفسه بأنه لا يرتكب جرماً: «البضائع الصينى مالية البلد من أكتر من ٦ سنين يعنى هى جات على السجائر».

بدأت تجارة «محمد» فى السجائر منذ ٦ أشهر، ويصف تجارته فى السجائر الصينية بـ«لقمة العيش الحلوة» فمكسب «الخرطوشة» الواحدة يصل إلى ١٥ جنيهاً، وهو ما لم يحصل عليه طيلة عمله فى مهنة الطباعة خلال فترة صباه، أو من خلال تجارته فى لعب الأطفال، قبل تغيير نشاط محله، قائلا: «كده الواحد يقدر يحقق كل اللى بيتمناه، يتجوز بدرى، ويبنى مستقبله، لأن وظيفة الحكومة النهارده بالدبلوم مش هتأكلنى عيش حاف».

فى قلب المنطقة كان صوت أم كلثوم ينبعث من سماعات إحدى المقاهى، وينسجم مع الغناء «أبوأحمد» بائع السجائر.

جلس «أبوأحمد» على مقعد خشبى عند مدخل الحارة وحوله عشرات الكراتين من السجائر الصينى يغنى مع كوكب الشرق لا يوقفه سوى مقاطعة الزبائن لشراء «الخراطيش».

تصدرت ماركتى «capital» و«Malimbo» السجائر المعروضة لديه «لأنهما الأكثر روجاً»، حسبما يقول، يليهما الـ«royal»، و«Denver» و«king» و«queen».

١٠ ملايين مدخن حسب الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، يدخنون من السجائر المصنوعة محليا ٨٠ مليار سيجارة سنويا، حسب منظمة الصحة العالمية، بدأ بعضهم فى الإعجاب بالسجائر الصينية والاتجاه إلى تدخينها بسبب ما يراه «أبوأحمد» مميزات السجائر الصينية وعلى رأسها فارق السعر، الذى يعادل ثلث سعر المصرية، وبالتالى فإنها تناسب محدودى الدخل، كما أن الصينية لها جودة تغليفية عالية، فـ«شكلها شيك»، وعليها رسومات كارتون، بدلاً من الصور المقززة، التى تفرضها وزارة الصحة على السجائر المحلية – على حد تعبيره.

ويواصل أبوأحمد الترويج لبضاعته قائلا: «تتسم هذه السجائر بالانفراد، لاحتوائها على زوجين من الفلاتر، يعنى دخان نضيف وعليه مواصفات»، ومنها ما هو بنكهة الشيكولاتة، ومن المتوقع نزول سجائر بنكهة الويسكى فى الأسواق، تسلم منها بالفعل بعض كبار التجار عينات».

إقبال المصريين على شراء السجائر المهربة رصدته معدلات إنتاج الشركة الشرقية للدخان – المنتج الوحيد للتبغ فى مصر التى لا تستورد السجائر – بعد أن تراجعت فى إنتاج السجائر من ٧٩.٩ مليار سيجارة فى عام ٢٠١٠ إلى ٧٧ ملياراً عام ٢٠١١.

بعد انتشار السجائر الصينية فى الأسواق المصرية، أعد أطباء المركز القومى للبحوث دراسة بحثية، بجمع وتحليل عينات من تلك السجائر، للوقوف على طبيعة مركباتها.

على مدار شهرين متتاليين تمكن الفريق الطبى بالمعمل المركزى للسموم الفطرية وسلامة الغذاء بالمركز القومى للبحوث، من تحليل ١١ نوعا من السجائر الصينية المقلدة والمهربة والمتداولة فى الأسواق لماركات «malimbo»، و«MJ»، و«American legend»، و«royal richman ،«ROSEMAN»، و«Capital»، و«Platien»، و«Royal business»، و«Manchester»، و«Denever Silver»، و«Businiess kingsize».

وجاءت خطوات التحليلات التى رصدتها «المصرى اليوم» من داخل المعمل فى ٦ مراحل، بدأت بتفريغ التبغ من السجائر وانتهت بالتعرف على أسماء ونسب المركبات، التى يحتويها هذا التبغ.

المرحلة الأولى هى تفريغ التبغ من السجائر، وفصل الفلتر والورق عنها، ووضعها فى إناء زجاجى، والمرحلة الثانية: خلط عينة «التبغ» خلطاً جيداً لضمان تجانسها. والثالثة: وزن ٢٠ جراما كحد أدنى من العينة ووضعها فى خلاط ذى سرعة ثابتة، لضمان تجانس التبغ، والرابعة: وضع العينة فى مذيبات عضوية مختلفة، لاستخلاصها، وتحويلها لصورة سائلة، والمرحلة الخامسة: تركيز المستخلص، والسادسة والأخيرة: حقن هذا المستخلص فى أجهزة التحليل، الكروما توجرافى الغازى، وهو جهاز MS/GC، للتعرف على مركبات العينة، وذلك بحقنها على مرحلتين، المرحلة الأولى لحرقها داخل الجهاز لمدة ساعتين كى يتم فصل المركبات عن بعضها، والثانية للتعرف على المركبات، التى تظهر أسماؤها ونسبها داخل العينة على جهاز الكمبيوتر المرفق بجهازMS/GC.

وأوضحت نتائج التحليل – حسبما أوضح – الدكتور محمد دعبس، أحد أعضاء الفريق البحثى المشارك فى الدراسة احتواء هذه الأنواع من السجائر على عدد كبير من المركبات والشوائب والأتربة، غير المتعارف عليها فى المواصفات العالمية لصناعة التبغ.

وقال: «تمكنا من تحديد هوية ٦٣ مركبا فى معظم الأنواع، الخاضعة للتحليل، والتى تعرف عليها جهاز التحاليل، الكروماتوجرافى الغازى طيف الكتلة MS/GC، وأن تلك المركبات غير موجودة فى السجائر محلية الصنع».

وحددت الدراسة أخطر خمسة مركبات مسببة للسرطان من بين إجمالى المركبات التى تم التعرف عليها وهى، نافتالين بروبانول، «Naphthalene propanol» – ١ «وتم اكتشافه فى عينات السجائر المهربة ماركة «Business kingsize» و«American legend»، و«Platein»، و«Capital».

ووجود مركبى، أول وثانى بينزين دى كاربوكسايل، وديسوستى، ١.٢- benzenedicarboxylic acid, diisoocty، فى عينات السجائر من نوع «mj»، و«Platien»، و«Manchester»، و«malimbo»، و«Royal richman»، ومركب ثنائى هايدروكسى بنزاميد،Benzamide,٠-(٢-hydroxy-٢,٢-diphenylethy) فى العينات المجمعة من سجائر ماركات: «Platien و«Manchester» و«royal business kingsize».

وتسبب تلك المركبات الثلاثة تلفا فى الحامض النووى (DNA)، مما يؤدى إلى حدوث طفرات ينتج عنها عدم انتظام انقسام الخلايا وتكوين الأورام السرطانية فى الأنسجة البشرية طبقا للمراجع العلمية: «Pfeifer,Stein,L. and Ronald, W.P. (١٩٩١)_G.P el al ٢٠٠٢»، حسبما أكد الدكتور محمد دعبس.

كما كشفت الدراسة وجود مركب: Cyclohexane,١,٢-propadieny١، فى عينات ماركات «MJ» و«malimbo» و«Platien»، ولهذا المركب تأثير ضار على الجهاز العصبى للإنسان، طبقا لما أكدته الوكالة الدولية لبحوث السرطان بفرنسا، والذى استشهد به تقرير المركز القومى للبحوث، الذى أضاف: «يسبب مركب أول ورابع وتاسع ميثانونازيولين ١.٤.٩ H-٣a،٧-methanonazulene, octahydro-، فى العينات المجمعة من سجائر «Platien»، و«Royal»، و«Capital»، و«richman» و«Businiess kingsize»، الإصابة بسرطان أنسجة الرئة والمخ والمثانة والخصية، طبقا لتقرير مكتب التناسل والسرطان، وتقييم مخاطر الصحة البيئية، التابعة لوكالة حماية البيئة بكاليفورنيا، Reproductive and Cancer Hazard Assessment Branch office of Environmental Health Hazard Assessment California Enviromental protection Agency.

ومن جانبه علق الدكتور محمد دعبس قائلا: «جميع أنواع السجائر وما تحتويه من تبغ لها أثر ضار على صحة الإنسان، وتعرضه للإصابة بسرطانات، إلا أن الدراسة استخلصت أخطر ٥ مركبات يقتصر وجودها فى السجائر الصينية المهربة، وبالعودة إلى المراجع العملية اكتشفنا أنها تُسبب الإصابة بالسرطان فى أكثر من عضو من جسم الإنسان، نتيجة تدخينها بشكل مستمر، فرخص سعر السجائر المهربة يحفز على تدخين كميات أكبر منها بدون وعى، وبالتالى تتضاعف احتمالات الإصابة لدى المدخنين».

طبيعة المركز البحثية أجبرته على إنهاء دوره برصده لمخاطر تلك المركبات على صحة الإنسان، إلا أن فريق إعداد الدراسة رفع تقريراً مفصلاً بما توصل إليه من نتائج إلى الجهات التنفيذية والرقابية فى الدولة، وعلى رأسها الجهات الجمركية وحماية المستهلك، لحثهم على وضع الخطط العاجلة واللازمة للتصدى لعمليات تهريب السجائر، ومصادرة المعروض منها فى الأسواق.

حملت «المصرى اليوم» نتائج التجربة التى حضرت خطواتها ورصدتها، وذهبت بها إلى خبراء المعهد القومى للأورام، لمعرفة كيفية تأثير هذه المركبات على الخلايا البشرية قبل تحويلها إلى سرطانية أكدت الدكتورة سامية شومان، الأستاذ بقسم بيولوجيا الأورام بالمعهد القومى للأورام، أن تلك المركبات تُصنف ضمن مجموعات يُطلق عليها «أروماتيك هيدروكربون»  Aromatic Hydrocarbons، والتى تتفاعل مع الحامض النووى للخلية فى ظل وجود عوامل تحفيزية من داخل الجسم أو خارجه.

وقالت: «أى خلية بشرية بها نوعان من الجينات، الأول جينات تساعد على نمو خلايا بديلة للميتة، كى تحافظ على التكوين الكامل للعضو البشرى، وتسمى أونكوجين، ONCOGENES، يقابلها جين يعمل على إيقاف هذا النمو والانشطار للخلايا الطبيعية، بمجرد الوصول للمعدل المطلوب، ويسمى بى ٥٣. ودخول هذه المركبات إلى الخلايا يزيد من نشاط جينات نموها، وفى المقابل يُعطل عمل جين التحكم فى النمو فتستمر الخلايا فى التكاثر والانشطار بشكل زائد، وغير منظم، حتى يظهر الورم السرطانى، على عكس الأورام الحميدة، التى لا تسبب تغييرا فى طبيعة عمل الجينات».

وتضيف شومان: «الإصابة بالأورام السرطانية عملية معقدة، تعتمد على عدد مرات جرعة التدخين، وطبيعة جسم الإنسان ومناعته، وكذلك قدر التعرض للعوامل البيئية المحفزة للإصابة، وغالباً لا يشعر الإنسان بالإصابة، إلا عندما يكبر الورم ويضغط على عضو آخر، فيؤثر على نشاطه وكفاءته».

بداية الإصابة بالورم السرطانى قد تستغرق عشر سنوات كاملة، لا تتمكن خلالها أجهزة الأشعة من رؤيته إلا عندما تصل مساحة الورم إلى مساحة واحد سنتيمتر على الأقل، وفى تلك المرحلة لا يشعر المريض بأى آلم فيظل الورم يتكاثر، حتى يصل لمرحلة قد يصعب السيطرة عليها، وتتراجع معها معدلات الشفاء.

وعن أعراض الإصابة بالسرطان بين مدخنى هذه السجائر قالت: «تبدأ بنقصان فى الوزن، وصداع،  وزغللة،  وتؤثر على عمل القلب والأوعية الدموية، علماً بأن الإصابة بالأورام السرطانية الناتجة عن التدخين لا تقتصر على المدخنين فقط بل تمتد للمحيطين بهم، ممن يُصابون بالسرطان نتيجة التدخين السلبى».

بعد معرفتنا بالمؤشرات المبدئية لأعراض الإصابة بالسرطان، الناتج عن تدخين تلك الأنواع من السجائر المهربة تجولنا مرة ثانية داخل عدد من الأسواق الشعبية، لمعرفة مدى تأثيرها على صحة المواطنين، الذين اعتادوا تدخينها، ومنهم سالم توفيق، صاحب أحد المحال، الذى انتابته آلام شديدة فى الصدر، ونهجان، وصعوبة فى التنفس، بعد تناوله للدخان الصينى على مدار عام كامل، وقال: «لا أنكر أننى مدخن شره، لكن رخص سعر الصينى شجعنى على تدخين نحو ٣ علب سجائر يومياً، حتى انتابتنى أعراض اشتباه فى ذبحة صدرية، وأخضعنى الأطباء لجلسات أكسجين، فقررت على الفور وقف الدخان الصينى».

على سبيل تجربة نكهاتها المختلفة تناول حسين محمود، ترزى، الدخان الصينى ماركة «كابيتال»، إلا أنه بدأ يشعر بعد شهرين بأعراض «الكحة الناشفة، والنهجان، والصداع، والبلغم الثقيل، وانسداد فى الصدر» – حسبما يروى، فاضطر إلى وقفها والعودة إلى الأنواع المحلية التى اعتاد تدخينها، فيما أنهى أبانوب يونان، طالب، علاقته القصيرة بالدخان الصينى بعد ١٠ أيام فقط من تناوله، بعد شعوره بـ«شرقة» و«شحطة فى الزور»، بعد تناوله كل سيجارة.

أما عمرو محمد، نجار موبيليا الذى بدأ يشعر بحالة من الإرهاق والتعب بعد تدخينه التبغ الصينى خلال أقل من شهر من تناوله دفعته لوقف شرب هذا الدخان، ونصح زملاءه وجيرانه بالامتناع عنه.

خطر الإصابة بسرطان المخ والخصية والرئة والمثانة الذى تحمله السجائر الصينية لمدخنيها أكده أطباء متخصصون، مثل الدكتور وسيم السيسى، أستاذ جراحة المسالك البولية وأمراض الذكورة، موضحاً أن أول مؤشرات إصابة المثانة بالسرطان نتيجة التدخين والتعرض للمواد الكيمائية المسببة لذلك تكون بنزول الدم مع البول، وتغير لونه إلى الحمرة، وانبعاث رائحة شديدة الكراهية منه، وقد تنزل مع البول قطع من لحم الورم.

وقال: «إصابة المثانة بالسرطان تكون على أربع مراحل، تبدأ بإصابة الغشاء المخاطى للمثانة، حتى يخرج الورم من عضلتها، وقد يمتد إلى البروستاتا والحويصلات المنوية والغدد الليمفاوية، كما ينتقل المرض إلى الحوض عن طريق الأوعية الليمفاوية، وكذلك العظام والرئتين والمخ عن طريق الأوعية الدموية».

أحيانا ما يضطر أطباء المسالك إلى إزالة المثانة المصابة بالسرطان فى حالة عدم قدرة المريض على تحمل العلاج الكيميائى، وفى تلك الحالة يقول السيسى: «نأخذ حوالى ٥٠ أو ٦٠ سنتيمترا من الأمعاء، ويتم شقها كفتحة الكتاب، ثم تشكيلها على هيئة حرف u، وقلبها على نفسها لتتحول إلى كرة، نوصلها بالحالب ومجرى البول لتعمل بدلاً من المثانة، وإن كانت لا تعمل بنفس كفاءتها، ولا تطرد البول بشكل كامل، ونجرى أيضاً مثل تلك الجراحات للسيدات غير المدخنات، ممن تعرضن للإصابة بالسرطان، نتيجة للتدخين السلبى ورفقتهن لشخص مدخن على مدار سنوات».

وفى السياق ذاته، أكد الدكتور حسين غانم، أستاذ الأمراض التناسلية بطب قصر العينى أن بداية أعراض إصابة الخصية بالسرطان تظهر فى تضخم حجمها، وشعور المريض بألم وثقل فيها.

وقال: «تكثر الإصابة بهذا المرض بين الشبان من ٢٠ إلى ٣٥ عاما، ويساعد الاكتشاف المبكر للمرض على الشفاء منه بنسبة تصل إلى ٩٥%، قبل مرحلة انتشار المرض من الخصية إلى أى مناطق أخرى بالجسم، لأنه فى تلك الحالة يتراجع الأمل فى الشفاء بنسبة ٨٠%».

وأضاف: «ينتشر سرطان الخصية إلى الغدد الليمفاوية عن طريق الأوعية الليمفاوية والرئة والمخ عن طريق الدورة الدموية الرئيسية، والأغلبية الساحقة لحالات الإصابة بسرطان الخصية تحدث فى خصية واحدة، لكن العلاج بالكيماوى والإشعاع قد يؤثر على الخصية السليمة، لذلك ينصح المرضى بالاحتفاظ بعينات مجمدة للسائل المنوى من الخصية السليمة قبل البدء فى علاج المصابة».

الدكتور أحمد سراج الدين الحلفاوى، أستاذ الأمراض الصدرية والمناظير أشار إلى أن الأزمة فى تحول خلايا وأنسجة الرئة إلى خلايا سرطانية تكون فى الاكتشاف المتأخر للمرض، أى فى المرحلة الثالثة والرابعة، وفى هاتين المرحلتين قد تصل حالة المريض إلى عدم القدرة على تحمل العلاج، وتتراوح الفترة المتوقعة لبقائه على قيد الحياة ما بين ٦ شهور حتى عام ونصف، على حسب حالة المريض.

الكحة المصحوبة بالدم، وعدم القدرة على الأكل، وضعف الحالة الصحية العامة تعد بداية أعراض الإصابة كما يؤكد الدكتور سراج، ويعتبر سرطان الخلايا الصغيرة من أشهر أنواع السرطانات الناتجة عن التدخين، وتنتقل الإصابة به من الرئة إلى العظام والمخ والغدة فوق الكلوية.

ومن الرئة إلى المخ يتنقل الورم السرطانى ليهاجم خلايا هذا الجهاز المتحكم فى جميع أعضاء الجسم، وتظهر أعراض الإصابة بالمرض على حسب نوعية المركز الذى يهاجمه الورم، وفقاً لما أكده الأستاذ الدكتور عمر الصرفى، أستاذ دكتور المخ والأعصاب كلية طب قصر العينى، فإذا ما هاجم الورم مركز الإحساس يشعر المريض بتنميل فى الأطراف، أما مركز الإبصار فيشعر المريض بصداع وقىء وزغللة شديدة فى العين نتيجة ارتشاح العصب البصرى، وضعف فى الرؤية قد يصل إلى حد العمى.

وعن تأثير التدخين على الجهاز العصبى قال: «تأثر مباشر وغير مباشر، إذ يعمل على إثارة الجهاز العصبى، بزيادة نشاطه، بما يتسبب فى حدوث إجهاد وتوتر لا يضيع سوى بتناول جرعة النيكوتين، وهكذا يدخل المريض فى حلقة مفرغة، كما يزيد التدخين من لزوجة الدم، فيؤدى إلى تصلب الشرايين الذى يؤدى بدوره إلى جلطة وشلل وإعاقة».

فوق طبقة المستهلك/المدخن وبائع التجزئة وتاجر الجملة، توجد طبقة أعلى هى مجموعة المهربين. عن هؤلاء يقول فؤاد بشير وكيل وزارة المالية ورئيس جمارك المنطقة الشرقية ببورسعيد سابقا : «السعى لتهريب السجائر أمر بدهى، مصر كدولة لا تستورد السجائر بسبب وجود شركة مصرية تغطى احتياجات السوق من السجائر المصرية والأجنبية (المصنوعة محليا)، إلى جانب وجود رسوم جمارك كبيرة جدا تصل إلى ٨ جنيهات على العبوة الواحدة، فضلاً عن ضريبة المبيعات، ولكى تباع العلبة بجنيه أو جنيهين يسعى التجار لإخفائها، والتزوير فى المستندات، لتمر من الجمارك بشكل غير شرعى».

ويكشف بشير أن «تكلفة مرور حاوية السجائر الواحدة بشكل شرعى من الموانئ بعد استيفاء الاشتراطات الصحية والرقابية تصل إلى ٦ ملايين، وتحتوى الحاوية سعة ٤٠ قدما على ٩٠٠ إلى ألف كرتونة سجائر».

ويضيف: «شهدت مصر فى فترة ما بعد الثورة أشكالا عدة لعمليات التهريب براً وبحراً فمنها ما كان يخرج من الموانئ مباشرة، وما كان يعبر الموانئ من خلال الترانزيت بطريقة شرعية، بعد تحصيل ضمانتها من المجمرك، حتى تصل إلى الجانب الليبى ثم ترد لنا مرة أخرى عبر الحدود».

وعن مقترحات عملية للحد من عمليات التهريب أشار «فؤاد» إلى «إنهاء مصلحة الجمارك سياسة الخط الأخضر فى تمرير الحاويات، حتى لكبار العملاء وذلك منذ ٤ شهور، بحيث تخضع الآن كل الحاويات للتفتيش، لمصادرة أى بضائع ضارة بالصحة أو مخالفة للآداب العامة».

ويضيف: «كما يستعين مأمورو الكشف فى المصلحة ببعض أجهزة الأشعة x ray لفحص الحاويات، ومنها أجهزة ثابتة فى المحطات وأخرى متحركة، يطلق عليه «موبايل».

ويقول أحد موظفى الجمارك، تحفظ على ذكر اسمه، أصعب مراحل التصدى لمحاولات تهريب السجائر كانت فى فترة ما بعد الثورة مباشرة، عندما اقتحم البلطجية لأول مرة حيز الميناء، لإجبار الموظفين على إتمام عمليات التهريب، وتهديدهم بما يحملونه من أسلحة بيضاء مستغلين انكسار الأمن – على حد تعبيره.

اعتبر عاطف يعقوب، رئيس جهاز حماية المستهلك نجاح بعض المهربين فى تمرير كل هذا الكم من السجائر بمثابة شكل من أشكال الحرب الاقتصادية التى تستهدف الاقتصاد القومى، خاصة بعد أن قُدرت خسائر مصر السنوية من عمليات التهريب بـ٤ مليارات جنيه، من أصل ١٣ ملياراً و٢٠٠ مليون جنيه مصرى، هى حجم تجارة التبغ السنوية فى مصر، نتيجة العجز فى إيرادات مصلحة الجمارك والضرائب عن تلك البضائع، فضلاً عما تحتويه من مواد ضاره، تعرض مدخنيها للإصابة بالسرطان، وهى الخسائر التى لا تقدر بمال.

كان لابد لنا من مواجهة المسؤولين فى وزارة المالية بكل ما رصده التحقيق من خطورة عمليات التهريب، التى انعكست سلبا على الصحة العامة للمواطنين، والاقتصاد القومى فتوجهنا للإدارة المركزية لمكافحة التهرب الجمركى، حيث التقينا حسنين شبانة، وكيل أول الوزارة، رئيس الإدارة، الذى تولى الرد على كل ما يدور فى أذهاننا.

يتحدث فى البداية عن خط سير شحنات السجائر الصينية قائلا: «لا تدخل هذه السجائر من الصين إلى المنافذ الجمركية المصرية مباشرة، وإنما كانت تمر داخل كراتين، محملة فوق مراكب صغيرة، تسير فى المياه الإقليمية، دون أن تمر عبر الموانئ، أو تخضع للرسوم أو للمراقبة الجمركية، وكانت تصل للجانب الليبى، ثم يعاد إدخالها عبر المنافذ الحدودية البرية غير المؤمنة بيننا وبينهم».

ويضيف: «يعتبر ميناء جبل على فى الإمارات المحطة الأبرز فى عمليات مراقبة تهريب السجائر، وفى ميناء بورسعيد أنشأنا إدارة للاستخبارات، تمكنت من ضبط كميات كبيرة من السجائر المهربة، داخل حاويات للعب أطفال، والأخشاب، والأثاث، وشاشات وأجهزة الكمبيوتر، والمكانس الكهربائية، وحتى علب المكياج»، موضحا أن تتبع خط سير الحاوية يستغرق فى بعض الأوقات نحو ٦ أشهر.

وعن حصيلة عمليات الرقابة يقول: «فى عام ٢٠١١ ضبطنا ٤٨٠ ألفاً و٨٦٢ خرطوشة سجائر، وفى النصف الأول لعام ٢٠١٢ ضبطنا ٧٢٥ ألفاً و٥٢٠ خرطوشة، بما يعادل حوالى ١٤٥ مليون سيجارة، بالإضافة إلى تحرير ٤٠ قضية تهريب سجائر فى الفترة من يناير حتى يونيو من العام الجارى، كما حررنا واحدة من أكبر قضايا مكافحة تهريب السجائر فى منطقة مدينة السلام بعد ضبط ٦٠٠ ألف خرطوشة فى أحد مخازن هذه المنطقة».

وأشار شبانة إلى أنهم يتابعون عمليات التجارة فى منطقة «باب البحر» لكن الإدارة لا تفكر فى مصادرة البضائع، نظرا لأبعاد أمنية حسب قوله، موضحا ذلك بالقول: «منطقة (باب البحر) من المناطق التى لها بعد أمنى، فيها تكدس وزحام، والدخول فيها أمنيا أمر صعب، ولهذا نؤجله لكننا لا نلغيه».

وأوضح أن الإقبال على التجارة فى التبغ الصينى المهرب يعود إلى « أن مكاسب تهريبها تأتى فى المرتبة الثانية بعد تهريب الأدوية، فالحاوية الواحدة تحقق مكسبا صافيا يصل إلى ٢ مليون جنيه».

وأكد أن الإدارة منعت منذ حوالى ٦ أشهر تمرير السجائر عبر الطريق البرى عن طريق إخطار الجانب الليبى، أحد منافذ دخول السجائر الصينية المهربة، وطلبت مصر رسميا بمرورها عبر الحاويات، حتى يتسنى تفتيشها مع فرض رسوم جمركية عالية على الحاويات، لضمان عدم إعادة تصديرها إلى مصر، وأضاف: (ولمزيد من التشديد نسمح بدخول الحاويات التى تخرج عبر مينائى «بنى غازى» و«طرابلس» وحظر مرورها بميناء «طبرق»، لضعف الرقابة عليه، وبذلك حددنا خط السير الملاحى لحاويات السجائر المستوردة).

وبسؤاله عن سر تواجدها وانتشارها بكثافة فى الأسواق، قال شبانة: «المعروض حاليا بضائع قديمة دخلت فى فترة الانفلات الأمنى».

وعن اقتراحاته لحل هذه الأزمة قال: «لابد من تعديل مواد قانون الجمارك رقم ١٢١ و١٢٢ بهدف تغليظ عقوبة التهريب، لتعادل الغرامة مثلين أو ثلاثة أمثال الرسوم المفروضة، حيث تُقدر الآن بمثل قدر الرسوم مرة واحدة، وهو قدر غير رادع بالطبع، كما لابد أن يكون الحبس فى العقوبة وجوبيا وليس جوازيا، وأن يرتفع الحد الأدنى للعقوبة إلى ثلاثة أعوام بدلاً من عامين، وينبغى تعديل اللائحة الاستيرادية فى الفصل التاسع الخاص بالملكية الفكرية»

 أعد هذا التحقيق بإشراف من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) وإعداد الوحدة الاستقصائية في جريدة المصري اليوم


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.