الخطأ القاتل

5 يناير 2016

الحياة– ظل باب غرفة العمليات في أحد المستشفيات الحكومية في مصر موصداً لأكثر من أربع ساعات خضع خلالها رب الأسرة الثلاثيني خلاف جمال لعملية جراحية لاستئصال المرارة بتاريخ 12 كانون الثاني (يناير) 2015. لكن مقص الجراح لم يزل المرارة وحدها بل امتد ليقطع القنوات المرارية، ما تسبب بتشكل كتل دم فاسد في جسد خلاف، أثرت على الكبد ووظائفه حتى تطور الأمر إلى تليف كبدي وفقاً لتقرير طبي صادر بتاريخ 3 شباط (فبراير) عن مستشفى القصر العيني التابع لكلية الطب في جامعة القاهرة.

 

دخول خلاف إلى مستشفى القصر العيني جاء عقب رفض مستشفى تابع لوزارة الصحة، الذي أجريت له فيه عمليته الأولى، استقباله مجدداً، إما لعدم وجود منظار «سونار» لفحصه أو لعدم وجود الطبيب الذي أجرى العملية، كما روى جمال عبد الرحيم والد الضحية في محضر القضية المسجل برقم 880 نيابة الجيزة.

 

بعد مرور نحو 52 يوماً أمضاها خلاف داخل غرفة العناية المركزة بمستشفى القصر العيني فارق الحياة تاركاً لأسرته رسالة أوصى بها ببضع كلمات «ما تضيعوش حقي، علشان خاطر ولادي… والدكتور لازم يتحاسب».

 

حالة خلاف ما هي إلا نموذج لأخطاء طبية تحدث يومياً داخل غرف عمليات بمستشفيات حكومية وخاصة، جزء منهم يجهل حقوقه القانونية وجزء آخر يلجأ إلى الشكوى، إذ تتوزع الشكاوى من تلك الأخطاء وفق ما يكشف هذا التحقيق بين جهات «النيابة العامة، ونقابة الأطباء، ووزارة الصحة»، وتحقق كل جهة في الشكاوى التي تردها بصورة منفصلة ووفق قواعدها المهنية وقانونها الخاص من دون تنسيق مع باقي الجهات ذات الاختصاص ما يتسبب بإفلات الجاني من العقاب في غياب تشريع يضمن المساءلة ويحمي حقوق المرضى.

وبحسب أحدث إحصائية لوزارة الصحة فقد أُجريت مليون و866 ألفاً و529 عملية جراحية في العام 2014.

 

يفاقم الحال، غياب بنود في قانون الخبراء الذي ينظّم العمل داخل مصلحة الطب الشرعي، تلزم الطبيب أو المشرحة بتقديم التقرير خلال مدة محددة، إذ لا تملك النيابة سوى إرسال خطاب استعجال ما يمنع الوصول لمؤشرات تؤكد أو تنفي حدوث خطأ طبي.

 

يقول جمال عبد الرحيم والد خلاف إنه حرر محضراً بقسم شرطة الجيزة رقم 880/2015 مطالباً بمحاسبة المسؤول عن الإهمال. ووافقت الأسرة على استخراج الجثمان لتشريحه، لكن رغم مرور عدة أشهر على وفاة خلاف منتصف آذار (مارس) الماضي، لم يتم استخراج الجثمان.

 

السبب في تأخر تشريح جثامين الضحايا يرجعه د. كمال السعدني رئيس قسم التشريح بمصلحة الطب الشرعي السابق إلى قلة عدد الخبراء الشرعيين العاملين في مجال التشريح، إذ لا يوجد سوى 15 طبيباً يعملون في المشرحة على مستوى القاهرة الكبرى، من ضمن 115 طبيباً شرعياً ميدانياً بالمصلحة يعملون على تجميع العينات والتعامل مع ما يصل إلى 190 ألف قضية سنوياً على مستوى الجمهورية، بينما يعمل بقية الأطباء الشرعيين في أقسام المصلحة الأخرى سواء المعامل الكيميائية وغيرها.

يقول أيمن فودة كبير الأطباء الشرعيين الأسبق إنه لا يوجد في مصر سوى مختبر مركزي واحد في القاهرة، وأحياناً يتطلب الأمر تشريح 100 جثة في اليوم، ما يعني أن كل طبيب يقوم بتشريح 494 حالة سنوياً، وهو تسعة أضعاف المعدل العالمي، مبيناً أن عدد الجثامين التي يتم تشريحها داخل مشرحة زينهم من محافظة القاهرة يبلغ حوالي 4380 جثة، بينما ترد حوالي 32 ألف جثة سنوياً من بقية المحافظات إلى المشرحة وهي الوحيدة التابعة للطب الشرعي على مستوى الجمهورية.

 

يقول د. علاء غنام مسؤول الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية إنه لا يوجد نص في قانون الخبراء رقم 96 الصادر سنة 1952 الذي ما زال ينظم العمل داخل مصلحة الطب الشرعي، يلزم الطبيب أو المشرحة بتقديم التقرير خلال مدة محددة، وفي حالة تأخر التقرير لا تملك النيابة سوى إرسال خطاب استعجال للمصلحة.

 

بحث طبي

يظهر بحث أعده فريق من قسمي الطب الشرعي وعلم السموم السريري في جامعتي القاهرة وبني سويف خلال الفترة 2009 – 2011 وجود 4095 حالة يشتبه بوفاتها نتيجة خطأ طبي خلال عامين في محافظتي القاهرة والجيزة، وفقاً للقضايا المنظورة أمام المحاكم ومكاتب النيابة العامة.

 

ووفق البحث المنشور في المجلة المصرية للعلوم الطبية الشرعية التي صدرت تحت إشراف دار التشريح المصرية في 27 آب (أغسطس) ٢٠١٤ فقد نظر القضاء في 2595 بلاغاً وشكوى بمحافظة القاهرة وحدها، ولم يتم تشريح سوى 177 جثة للتأكد من أسباب الوفاة بنسبة بلغت 6.8 في المئة.

ووصل عدد القضايا بمحاكم الجيزة إلى 1500 حالة، وتم تشريح 66 جثة منها فقط بنسبة 4.4 في المئة، أي أن عدد الجثث التي تم تشريحها في محافظتي القاهرة والجيزة بلغ 243 من أصل 4095 حالة بنسبة 5.9 في المئة.

 

ووفق إحصاءات وزارة الصحة فقد بلغ عدد شكاوى الأخطاء الطبية العام الماضي 2094 حالة، حيث تلقت النيابة العامة 594 بلاغاً، وسجلت لجنة آداب المهنة في نقابة الأطباء 600 شكوى، بينما إدارة العلاج الحر في وزارة الصحة تلقت 900 شكوى.

 

هذا العدد، ﻻ يمثل سوى قمة جبل الجليد وفق ما يوضح د. حسام عبد الغفار المتحدث باسم وزارة الصحة قائلاً: «نقدر نقول إنه فيه 8000 حالة لم تتقدم بشكوى لأسباب مختلفة»، لكنه قال إن نسبة الأخطاء الطبية في مصر لا تتجاوز 6 في المئة من عدد العمليات التي تجرى سنوياً وفقاً لتقرير لمنظمة الصحة العالمية الذي صدر أوائل العام الحالي، تحت عنوان «الاستخدام السيئ للدواء وسلامة المريض بالمنطقة الشرقية من البحر الأبيض المتوسط».

 

اعتبر عبد الغفار هذه النسبة ضئيلة مقارنة بما يحدث في دول أخرى مثل أميركا التي يعاني فيها 4 مرضى من ضمن كل 100 مريض يخضع لعملية جراحية من مضاعفات الأخطاء الطبية، على حد وصفه.

 

في المقابل يقول د. علاء غنام المتخصص في التشريعات الصحة والخبير في إصلاح القطاع الصحي إن أميركا لديها قاعدة بيانات صحية دقيقة ونظام تشريعي يحدث باستمرار وينظم قطاع الصحة، وهذا يختلف وفقاً لما يقول عن عشوائية إدارة القطاع الصحي في مصر، حيث لا يوجد إحصاء شامل عن الأخطاء الطبية أو ضحايا الإهمال الطبي وإنما الإحصائيات والأرقام الموجودة هي فقط عن الشكاوى التي يتقدم بها ضحايا لا نستطيع تحديد نسبتهم من إجمالي الضحايا نتيجة هذه الممارسات الصحية الخاطئة.

 

المستشار شعبان الشامي مساعد وزير العدل لشؤون الطب الشرعي يؤكد عدم وجود إحصائيات دقيقة ويقول: «لا يوجد رقم رسمي نعتمد عليه في تحديد ضحايا الأخطاء الطبية»، موضحاً أنه طالب النيابة العامة بضرورة حصر جميع القضايا الخاصة بالأخطاء الطبية وما الذي انتهت إليه، بهدف إيجاد قاعدة بيانات يمكن الرجوع إليها لمعرفة حالة الشكاوى التي يتقدم بها الضحايا الذين لم يستطيعوا الحصول على حقوقهم.

 

شكاوى إلى سلة المهملات

«سلة المهملات» غالباً ما يكون مصير شكاوى الأخطاء الطبية، هذا ما أكدته دراسة أخرى بعنوان «شكاوى سوء الممارسة الطبية التي تنظر فيها لجنة أخلاقيات المهنة بنقابة الأطباء المصرية» للباحثة بقسم السموم والطب الشرعي بكلية الطب في جامعة عين شمس د. سونيا عزب.

 

الدراسة التي صدرت عام 2013 اعتمدت في بحثها على 92 حالة تم التحقيق فيها من أصل 1379 حالة تلقتها أجهزة الصحة خلال عامي 2008 – 2009، وانتهت هذه القضايا إلى تبرئة 35 طبيباً ومنع 28 من الممارسة الطبية (وقف موقت)، وتغريم 24 طبيباً بغرامة لا تتجاوز ألف جنيه مصري أي ما يعادل 125 دولاراً أميركياً تقريباً وفقاً لنص قانون نقابة الأطباء، وإنذار 4 أطباء وشطب عضوية طبيب آخر.

 

وخلصت الباحثة إلى أن ما يقارب 93.4 في المئة من الشكاوى يلقى بها في سلة المهملات.

 

يقول د. أيمن فودة كبير الأطباء الشرعيين الأسبق ونائب رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للعلوم الطبية الشرعية، إن عدد التشريعات التي تنظم مهنة الطب يبلغ 13 قانوناً و75 قراراً وزارياً. مؤكداً أن ذلك يرسخ العشوائية والفوضى داخل القطاع الصحي في مصر مطالباً بصدور قانون موحّد ينظم القطاع.

 

تضارب التقارير

تأخر تقارير الطب الشرعى عن الأخطاء الطبية ليس المشكلة الوحيدة في هذا الشأن، بل يمكن أيضاً أن تصدر تقارير متضاربة في شأن حالة واحدة مثل حالة الكاتبة نادين نبيل عبد الخالق وشهرتها نادين شمس، التي توفيت في آذار الماضي في مستشفى بعد جراحة لإزالة ورم سرطاني في المبيض.

 

وتقول إدارة المستشفى الشهير في تقريرها إن نادين ماتت بسبب جلطة في الوريد الرئوي، وهي الرواية التي أيدها تقرير الطب الشرعي الذي أوضح أن الوفاة لم تكن نتيجة خطأ طبي. لكن زوجها د. نبيل القط استشاري الطب النفسي قدم شكوى لوزارة الصحة التي كلفت د. محمد القلعاوي أستاذ الأورام إعداد تقرير عن الحالة – حصل معدا التحقيق على نسخة منه- أكد أن الوفاة ناتجة من خطأ أثناء إجراء الجراحة، تسبب بثقب في الأمعاء، وتم إغلاق الجرح من دون اكتشاف الخطأ الطبي مما تسبب في تدهور صحتها تدريجياً ودخولها في غيبوبة حتى فارقت الحياة.

 

وما زال ملف القضية مفتوحاً أمام النيابة بانتظار تقرير جديد من لجنة ثلاثية بالطب الشرعي بعد مرور أكثر من عام ونصف على الوفاة.

 

ويرى الدكتور كمال السعدني الرئيس السابق لقسم التشريح بمصلحة الطب الشرعي أن تضارب التقارير طبيعي ومسموح به لأنه يعتمد على وجهة النظر التي يتبناها الطبيب الشرعي وفقاً للمعطيات والأدلة الجنائية التي يمتلكها على أرض الواقع.

وقال إنه كلما توافرت له أدلة جديدة يمكن أن يخرج تقرير جديد مختلف. وأضاف أن القانون يتيح للمتضرر التظلم والمطالبة بتشكيل لجنه ثلاثية من أعضاء أكثر خبرة تعيد النظر في القضية.

 

هبة العيوطي حالة أخرى توفيت نتيجة مضاعفات عقب إجراء صورة أشعة بالصبغة في مستشفى خاص في القاهرة في أيار (مايو) من العام الماضي. إذ رأت نقابة الأطباء أنه لا يوجد دليل يشير إلى خطأ طبي أفضى إلى الوفاة على عكس تقرير الطب الشرعي الذي استندت إليه النيابة العامة ومحكمة دار السلام في إصدار حكمها في القضية التي تحمل رقم 16761 لسنة 2014 جنح مستأنف البساتين بسجن الطبيب 5 سنوات مع الشغل والنفاذ، وسنتين للممرضة الأولى وسنة للثانية، لإدانتهم بالقتل الخطأ.

 

تدهورت حالة هبة بعد حقنها خطأ بمطهر الفورمالين بدلاً من مادة «التاليبركس» تمهيداً لإجراء صورة الأشعة بالصبغة وهو ما اكتشفه عامل الأشعة وأخبر به الطبيب، الذي خشي من المسؤولية القانونية وطالب المريضة بالانصراف وطلب من الاستقبال عدم تدوين بياناتها في الاستقبال وفقاً لرواية أسرتها. وتوفيت المريضة بعد 29 يوماً متنقلة خلالها بين ثلاثة مستشفيات وخضوعها لثلاث عمليات بهدف إنقاذها من الموت، الذي أرجعه التقرير الطبي الصادر عن مستشفى «بارك كلينيك» في العاصمة الألمانية برلين الذي سافرت إليه كمحاولة أخيرة لإنقاذ حياتها، إلى تقصير طبيب الأشعة في إنقاذ حياتها، إذ كان بإمكانه وفقاً للتقرير نقلها إلى غرفة العمليات وإجراء عملية غسل لإزالة أي أثار لهذه المادة التي وصفها التقرير بالسامة.

 

نقابة أطباء القاهرة شكلت لجنة طبية متخصصة أكدت في تقريرها النهائي أنه لا يوجد دليل يشير إلى استخدام مادة «الفورمالين» كما ذكر تقرير الطب الشرعي وأن هناك عدة احتماﻻت لسبب الوفاة. وصدر الحكم القضائي وفقاً لنص المادة «238» مستبدلة بالقانون رقم 120 لسنة 1962، حيث اعتبر القاضي موت المريضة نتيجة إخلال الجناة «طبيب الأشعة وممرضتين» إخلالاً جسيماً بما تفرضه عليهم أصول وظيفتهم أو مهنتهم بتقاعسهم وقت الحادث عن مساعدة الضحية أو طلب المساعدة لها. ووصف الحقوقي أيمن رابح رئيس الجمعية المصرية للإهمال الطبي الحكم الصادر بالفريد والأكثر قسوة في قضايا الأخطاء الطبية بسبب عدم إسعاف المريضة بعد معرفة الخطأ الطبي وليس بسبب الخطأ نفسه الذي لا تتجاوز عقوبته ستة أشهر وفقاً للفقرة الأولى من ذات المادة. حيث تنص على «المعاقبة بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تجاوز مائتي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تسبب خطأ في موت شخص آخر بأن كان ذلك ناشئاً عن إهماله أو رعونته أو عدم احترازه أو عدم مراعاته للقوانين والقرارات واللوائح والأنظمة».

ويقول رابح إنه على رغم صدور حكم المحكمة، قامت النيابة بتحويل خمسة آخرين من مسؤولي المستشفى الخاص إلى النيابة العامة للتحقيق معهم في الواقعة نفسها التي سجلت برقم 8090 لسنة 2014، بينما النقابة ما زالت تؤكد براءة الطبيب والمستشفى لم يغلق ويعمل كالمعتاد.

 

وقفات احتجاجية

فضلاً عن تضارب التقارير، تعاني قضايا ضحايا الأخطاء الطبية من تأخر في الإجراءات الأمر الذي دفع بأصحاب ١٩ قضية تنظرها جهات التحقيق إلى تنظيم وقفة احتجاجية في 3 حزيران (يونيو) الماضي أمام وزارة الصحة بعد التأخر في صدور تقارير الطب الشرعي.

ويقول المحامي محمود فؤاد مدير المركز المصري للحق في الدواء الذي يترافع لجميع القضايا إن موكليه خضعوا لعلاج من السمنة المفرطة أوائل العام.

 

ويؤكد إن إحدى الضحايا نجوى حسن وهي اختصاصية النساء والتوليد بمستشفى شبرا العام، أصيبت بعاهة مستديمة أثناء عملية «تدبيس المعدة»، حيث أصيبت جراء العملية بتقطع في جدار المعدة بنسبة 90 في المئة، مما تسبب بإصابتها كما يظهر في التقارير الطبية التب توثق بها ما تقوله FOOD BIZORAأي «الطعام المتَحَصْول»، هو يعتبر من الأمراض المزمنة ويحتاج إلى علاج دائم ومستمر، بالإضافة إلى الزيادة المفرطة في وزنها مقارنة بما كانت علية قبل إجراء العملية التي أجريت لها من أجل علاج السمنة، وفي اليوم نفسه أصيبت شقيقتها أميرة والتي أجريت لها العملية ذاتها بتوقف ضغط الدم في المخ لتفارق الحياة.

 

رفض الدكتور عصام عبد الجليل المتهم بارتكاب أخطاء طبية وفقاً لبلاغات الضحايا التعليق على البلاغات المقدمة ضده، مكتفياًَ بالقول: «من حق أي مريض التقدم بشكوى… ولجنة نقابة الأطباء تقرر إذا كان هناك خطأ طبي من عدمه».

وتظهر زيارة لمعدي التحقيق للمستشفى أنه ما زال يعمل على رغم تأكيد المتحدث باسم وزارة الصحة د. عبد الغفار صدور قرار بإغلاقه، وهو ما كانت بعض الصحف نقلته عنه في منتصف تموز الماضي.

 

وبالعودة إلى وزارة الصحة، وجدنا أنه تم تعيين ناطق رسمي جديد باسم الوزارة هو د. خالد مجاهد، الذي لم ينفِ صدور قرار غلق المستشفى الخاص، موضحاً أن قرار الغلق جاء مبنياً على التحقيقات التي أجرتها الوزارة في الاتهامات التي وجهها الضحايا إلى الطبيب. وعندما أخبرناه بزيارتنا للمستشفى الذي يفترض أنه مغلق كما أعلنت الوزارة ووجدناه يعمل بكامل طاقته، أكد أن القضية برمتها تم تحويلها إلى النيابة العامة ولجنة آداب المهنة في بنقابة الأطباء.

 

عقوبة ضعيفة

والمشكلة كما يرى سعد الشاذلي مدير إدارة العلاج الحر بالجيزة، إحدى إدارات وزارة الصحة المسؤولة عن مراقبة المنشآت الطبية الخاصة، ليست في غلق المنشآت الطبية المخالفة، بقدر ما هي تشريعات فضفاضة يتم من خلالها التحايل على قرارات الغلق. إذ أن أغلب المنشآت بحسبه تستغل ثغرات قانونية في عقوبة مخالفة فض الأختام حيث يتعامل قانون العقوبات المصري مع منشأة العلاج الخاص كأي منشأة أخرى بخصوص فض الأختام.

 

وتقول المادة 147 من قانون العقوبات إنه «إذا أصبح فك ختم من الأختام الموضوعة لحفظ محل أو أوراق أو أمتعة بناء على أمر صادر من إحدى جهات الحكومة أو إحدى المحاكم في مادة من المواد، يحكم على الحراس لإهمالهم بدفع غرامة لا تتجاوز خمسمئة جنيه مصري إن كان هناك حراس، وكانت قبل ذلك 50 جنيهاً فقط.

 

ووفقاً لهذا القانون تصدر العقوبة على صاحب المنشأة بدفع غرامات ضئيلة لا تتجاوز 500 جنيه في بعض الأحيان. وعلى مدى 3 سنوات استغلت تلك الثغرة في حالة مستشفى خاص صدر بحقه 5 قرارات غلق، أحدثها القرار رقم 127 لسنة 2015 بتاريخ 14 تموز، وكان القرار السابق رقم 50 بتاريخ 8 تشرين الأول 2013، صدر بعد وفاة شخصين وحرق طفل في إحدى الحضانات.

 

في محافظة الجيزة وحدها، يصدر نحو 10 قرارات غلق شهرياً وفقاً لبيانات إدارة العلاج الحر التابعة لمديرية الصحة بالجيزة، فخلال الشهور الستة الأخيرة أغلقت 53 مؤسسة علاجية، وكان نصيب شهر آب الماضي 21 قرار إغلاق إداري من خلال المرور الدوري، مقابل نسبة ضئيلة جاءت نتيجة للشكاوى.

 

غياب التنسيق

تحركات نقابة الأطباء ووزارة الصحة ينقصها التنسيق. الأولى سعت لإصدار قانون المسؤولية الطبية منذ عام 2009 وتمت الموافقة عليه أثناء مناقشته في مجلس الشعب عام 2010 لكنه لم ير النور حتى الآن كما يقول الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء السابق الذي تقدم بمشروع القانون ورئيس لجنة الصحة بمجلس الشعب آنذاك.

 

والسبب في عدم صدور القانون بعد مناقشته في لجنة الصحة بمجلس الشعب والموافقة على مسودة القانون الأولى قبل 5 سنوات يرجعه رئيس لجنة الصحة آنذاك الدكتور حمدي السيد إلى الأوضاع السياسية غير المستقرة منذ قيام ثورة «25 يناير» وسقوط النظام السياسي بما فيه البرلمان واستمر الوضع على ما هو عليه حتى الآن بسبب الاضطرابات السياسية وعدم وجود البرلمان.

 

ويوضح السيد أن تحديد المسؤولية عن الأخطاء الطبية يحتاج إلى وجود لجنة متخصصة كما يحدث في دول غربية ودول عربية مثل الإمارات حيث تشكل لجان فنية دائمة تلحق بوزارة العدل وتضم ممثلين من وزارة الصحة وأساتذة الطب من مختلف التخصصات، ونقابة الأطباء ومصلحة الطب الشرعي، على أن تحال إلى هذه اللجنة القضايا التي تنظرها النيابة لأخذ الرأي فيها قبل إحالتها إلى المحكمة بدلاً من الاعتماد حالياً على مصلحة الطب الشرعي فقط.

 

ويتضمن مشروع القانون كما يقول د. علاء غنام أحد المشاركين في إعداده، التأمين على الطبيب والعمليات التي يتم إجراؤها عن طريق شركات متخصصة كما يحدث في أميركا وأوروبا.

 

لكن وزارة الصحة أصدرت منفردة منذ 4 شهور وتحديداً في 20/5/2015 القرار الوزاري رقم 343 لسنة 2015 بتشكيل لجان استشارية تضم 18 لجنة في مختلف التخصصات الطبية لدرس الملفات الطبية، لتحديد مدى وجود خطأ طبي من عدمه في قضايا.

 

يقول غنام إن الوزارة قامت بتنفيذ جزء من القانون في الشكل وليس المضمون، موضحاً أنه سيؤدي إلى مجرد إيجاد جهة رابعة لتلقي شكاوى الضحايا ولن تقدم جديداً.

 

الأمين العام لنقابة الأطباء د. منى مينا اعتبرت أن تشكيل اللجان بهذه الطريقة لن يحل الأزمة أو يقدم جديداً وستظل كل جهة تعمل منفردة. وطالبت بجعل هذه اللجان جزءاً من مشروع قانون المسؤولية الطبية الذي أعدته النقابة. وطالبت بضم ممثلين عن نقابة الأطباء والطب الشرعي والمجتمع المدني للجنة الأخطاء الطبية والتنسيق بين الجهات المسؤولة بالإضافة إلى معالجة الثغرات القانونية. وقالت إن ذلك سيحقق العدالة الطبية ويحافظ على حقوق المرضى وأيضاً سيحمي الطبيب.

 

* أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية) www.arij.net.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.