"الحياة" عند نقطة تلاقي نهري الفرات والخابور

24 يناير 2008

تحقيق: لينا الجودي

دير الزور- سورية- عام 1903 مر ” ارنست هرزفيلد ” ( رحالة وعالم آثار ألماني ) بمنطقة تشكل رأس المثلث عند التقاء نهر الفرات برافده الخابور. توقف ” هرزفيلد ” عند قرية صغيرة شرق سورية تدعى ” البصيرة “، وشاهد فيها قلعة عسكرية مربعة الشكل مشيدة بالآجر لها أبراج في زواياها.

اليوم إذا حاولت القيام برحلة مشابهة إلى المكان نفسه، فلن تقع عينك على ما شاهده ” هرزفيلد ” ولن تجد القلعة التي تحدث عنها في كتابه “رحلة أثرية إلى الفرات ودجلة “.

جهل وإهمال

” إنه لأمر مؤلم أن تؤدي أعمال البناء العشوائي، من قبل الأهالي والسلطات إلى فقدان أوابد أثرية تحكي تاريخ عدة حضارات مضت ” يقول “وضاح” ذلك وهو يتأمل المكان الذي استبدل فيه سور أثري بشارع اصطفت على جانبيه ” الدكاكين”، ويضيف: ” ما حل بآثار البصيرة شيء يستحق البكاء”.

وضاح (38 سنة مدرّس) من أبناء بلدة البصيرة التي تتبع إدارياً إلى محافظة دير الزور (450 كم عن دمشق)، يرى أن “جهل السكان بالأهمية الحضارية لبلدتهم، وإهمال السلطات المعنية لها، أمران أديا إلى هدم ما كان فيها من معالم أثرية، فلم يبق منها إلا أجزاء مطمورة تحت منازل الأهالي أو الأبنية الحكومية “.

كثيرون يشاركون ” وضاح ” رأيه، يقول ” عبد الستار ” وهو أيضاً من أهالي البصيرة : “نقص الوعي عند السكان، والإهمال الذي لحق بهذه البلدة على مر السنين، أفقداها أبرز معالم إرثها الحضاري”.

شواهد أثرية… فقط في الذاكرة والكتب

إذا أردت التعرف على شكل البلدة قبل أن تهدم آثارها، فيمكنك الاستعانة بذاكرة أحد أبنائها، لكن ممن ينتمون إلى أجيال سابقة.

” هاشم المحمد ” رجل ستيني من أهالي البصيرة يتذكر شكل قريته أثناء طفولته، يقول هاشم ” كان في بلدتنا منذ عقود مضت سور وأبراج، أتذكرها جيداً، وكان هنالك قبة تحيط بها الأقواس، بشكل يوحي أنها كانت مقراً لقيادة ما” ، يضيف: “وثمة أنفاق تحت القبة، كنا ندخلها ونحن صغاراً أثناء اللعب، إلا أنها كانت مظلمة وعميقة فلم يجرؤ أحد على اكتشاف إلى أين تؤدي…! “.

يبدو هذا الوصف مشابهاً لمعلومات أوردها عالم الآثار الألماني ” ارنست هرزفيلد ” في كتابه ” رحلة أثرية إلى الفرات ودجلة “، حيث يذكر أن “قرية البصيرة وهي الاسم الحديث لبلدة كركسيوم تقع على الفرات جنوب التل الأثري، وأطلال المدينة تدل على تعاقب مدرجات سكنية قديمة ” .

يقول ” هرزفيلد ” في مؤلفه الصادر في برلين عام 1911 والذي يصف فيه قرية البصيرة ” ما تزال بعض الأبنية الأثرية قائمة في الموقع، ولاسيما المعسكر الذي تقدر أبعاده بـ 50 إلى 40 متراً وله سور وأبراج وجدران مشيدة بالحجارة والقرميد الشبيه بالقرميد البيزنطي، ويتناثر في المكان كثير من الفخار الإسلامي، ومدخل المعسكر الرئيسي يمر عبر برج يتوضع على الطرف الشرقي، بداخله غرف مثمنة الأضلاع، ويدل اختلاف البناء في الموقع وعدم التجانس على أنه بني في عصور مختلفة ورمم مرات عدة ” .

التاريخ يتحدث

أطلق على المنطقة أسماء مختلفة وفق العصور: “كركزيون” بالآرامية و ” كركسيوم” “ من كركيس وتعني حلبة الخيل و ” كاسترون ” باليونانية وتعني قلعة Circesium باللاتينية و” قرقيسيا” أو ” قرقيسياء ” بالعربية ، واليوم ” البصيرة ” التي يزيد عدد سكانها عن 20 ألف نسمة، ويعمل معظمهم بالزراعة، ويتناقلون عن أسلافهم أن بلدتهم تقوم فوق تل أثري تعاقبت عليه الحضارات.

تشير المصادر التاريخية ( ومنها كتاب الجزيرة السورية للباحث اسكندر داود ) أن أصل موقع ” كركسيوم” يرجع إلى العصر البابلي، ووفق ما نشره ” هرزفيلد ” عن البصيرة يعود بناء السور والأبراج فيها إلى عصر الإمبراطور ” ديقولسيان ” ( 284-305 م ) ، الذي أشاد الحصن كمعقل متقدم ضد هجمات الجيوش الفارسية، وأن الإمبراطور ” جوستنيان ” (527-565 م ) أمر خلال حكمه بزيادة حامية الموقع العسكرية من ستة آلاف إلى عشرة آلاف كما ذكر ” بروكوب” ( Procope من مؤرخي الروم) ، وفي زمن حاكمها الروماني “ماريكييوس” قام الملك “هرمز” الرابع ( 579-589 م ) بغزو الموقع حيث جرت معركة احتل بعدها حصن كركسيوم ،وتوضح كتب التاريخ ( ومنها معجم البلدان لياقوت الحموي ) أن ” قرقيسيا ” كانت مدينة عامرة ’تحمّل منها الفاكهة إلى البلاد الأخرى، وأن الصراع استمر بين الفرس والروم على هذه المنطقة حتى مجيء الإسلام إليها في سنة 16 للهجرة.

 ” قلعة البصيرة “… في آخر مرة

في أيار/ مايو 1954، سمحت المديرية العامة لآثار سورية لأهالي البصيرة بنقل كميات من التربة المحيطة بقلعة بلدتهم بغرض الاستفادة منها في أعمال البناء، وجعلت المديرية موافقتها مشروطة بالحفاظ على آثار القلعة وصيانتها، لكن أواخر ذلك العام في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر أرسل ” عبد الله العلي ” أحد أهالي البصيرة برقية إلى مديرية الآثار القديمة كتب فيها ” نخبركم… قلعة البصيرة هدمت، أنقذوها “، وبحسب سجلات المراسلات الرسمية بين المديرية ومحافظة دير الزور لم يتخذ أي إجراء يمنع وقوع ما جاءت به برقية ” عبد الله ” ، بل كانت تلك آخر مرة ترد فيها عبارة ” قلعة البصيرة ” في مراسلات الجهات المعنية، لأن الأمر لم يتوقف عند نقل التراب المحيط بالقلعة، مما أدى إلى تصدعها،وإنما استخدمت حجارة سورها الأثري لبناء بيوت البلدة، ومن المرجح أن هذا الفعل استمر لسنوات عدة مما أفقد البصيرة قلعتها.

يقول ” حسين الزعلان” ( من أهالي البلدة ) : ” تم الاعتداء على آثار البصيرة من قبل المواطنين أنفسهم “، يشير ” حسين ” بيده وهو يقف عند ساحة تتوسط البلدة، إلى حجارة يميل لونها إلى الأحمر، بني منها كثير من منازل البلدة، قائلاً ” هذه حجارة أثرية، انتزعت من السور الأثري والأبراج التي كانت في هذا التل ” .

كثيرون من أهالي البلدة يؤكدون هذه المعلومات. يقول ” فاروق الموسى” : ” نقلت كميات من حجارة الآثار إلى مختلف أجزاء البلدة، وبيعت بأسعار زهيدة، لتبنى منها معظم المنازل هنا “.

أرض أثرية… بأربع ليرات !

رغم صدور قانون للآثار عام 1963، ينص في مادته السابعة على أنه ” يحظر إتلاف الآثار المنقولة أو الثابتة أو تحويرها أو إلحاق الضرر بها أو تشويهها بالكتابة أو الحفر عليها أو تغيير معالمها أو فصل جزء منها “، إلا أن وجود القانون لم يوقف التعدي على آثار ” قرقيسيا ” ، ففي عام 1964، أي بعد عشر سنوات من برقية ” عبد الله ” ، باعت بلدية ” البصيرة ” أجزاءً من الأرض الأثرية للمواطنين بقيمة أربع ليرات سورية للمتر المربع الواحد، بعد أن اعتبرت البلدية أن الأرض من أملاكها لأن المديرية العامة للآثار لم تكن قد سجلت تل ” قرقيسيا ” كموقع أثري يقع تحت سلطتها بحسب تسلسل القرارات الرسمية التي تخص المنطقة. وقتها كان راتب موظف الحكومة حوالي 250 ليرة سورية.

إلى جانب ذلك رفعت دعاوى قضائية بين مديرية الآثار و بعض الأهالي، ممن كان بحوزتهم سندات تثبت ملكيتهم لأراضٍ في القرية تعتبرها المديرية ” منطقة أثرية ” ، واستمر القضاء ينظر بتلك الدعاوى سنوات عدة، طالب المواطنون خلالها بحرية التصرف بأراضيهم، في المقابل نصت المادة السادسة من قانون الآثار على أن ” ملكية الأرض لا تكسب صاحبها حق التصرف بالآثار الثابتة أو المنقولة التي قد توجد على سطحها أو في باطنها ” ولأن النقطة المثارة كانت تدور حول إثبات ” أثرية ” الأرض بشكل رسمي مما دفع بوزارة الثقافة إلى إصدار القرار رقم 147/ آ الذي يقضي بتسجيل تل ” قرقيسيا ” في عداد المناطق الأثرية والأبنية التاريخية.

ويصنف القرار الصادر في 1972 التل الأثري إلى ثلاث مناطق :

أ: لا يسمح بتجديدها أو إضافة شيء عليها، بل يسمح بترميمها بالمواد المبنية نفسها منها

ب: عليها قبور يجب منع الدفن فيها وكذلك لا يسمح بالبناء عليها.

ج: منطقة المدارس، لا يسمح بتغيير وضعها الحالي ( والمقصود هنا الشكل الذي كانت عليه في 1972 ).

غير أن تسجيل تل قرقيسيا كموقع أثري في سجلات المديرية العامة للآثار والمتاحف لم يمنحه حق الحصول على بعثة أثرية للتنقيب عن الآثار فيه، ولم يوقف التعدي على آثار المنطقة حيث قامت معظم الأبنية الحكومية فوق التل الأثري، ولم يتم التقيد بالقرار رغم أن تسجيل أثر ما يعني مسؤولية الدولة والسلطات الأثرية عن حمايته وصيانته وفقاً لما جاء في المادة الثانية من قانون الآثار.

سبر أثري وحيد… ونتائج تحذيرية

لم يجر في تل قرقيسيا الأثري سوى سبر واحد لآثاره عام 1977 عن طريق الباحث أسعد المحمود والذي كان آنذاك رئيساً لدائرة آثار دير الزور. توضح نتائج تقرير ذاك السبر أنه تم العثور على لقى أثرية من بينها ” أجزاء من أرضية غرف مرصوفة ” رغم أن مدة البحث لم تتجاوز تسعة أيام، واقتصرت على دراسة مربعين من أرض التل طول ضلع الواحد منهما أربعة أمتار.

أوصى التقرير بضرورة متابعة السبر ” لملاحقة المنشآت المعمارية للوقوف على أبعادها ونمط بناءها “، يوضح ” المحمود” أنه طالب برصد اعتماد يتناسب وأهمية هذه المنطقة يقول ” طلبنا تشكيل بعثة أثرية وطنية لمتابعة التنقيب لكن لم يلق طلبنا آذاناً صاغية “.

أبنية رسمية فوق الآثار

عام 1984 نشر” عبد الصمد حيزة ” في مجلة ” الحوليات الأثرية ” بحثاً حمل عنوان ” أضواء على تاريخ قرقيسيا القديم ” ، واستهل ” حيزة ” بحثه بعبارة: “هناك حقيقة أساسية في التاريخ أن: عدم اكتشافنا لبعض المناطق الأثرية لا يعني إهمالها “، في نفس العام أقر مجلس بلدية البصيرة عدم موافقته على إخراج المنطقة الأثرية المحددة كبلدة قديمة من مخطط عمل البلدية آنذاك، مما أسفر عن قيام مبانٍ حكومية فوق التل الأثري، يمكن تحديد تلك المباني بالعودة إلى سجلات البلدية ومقارنتها بمخططات دائرة الآثار فيتبين أن من هذه الأبنية : ( مديرية الناحية، مخفر الشرطة، المجمع التربوي، مركز الهاتف، شعبة حزب البعث، النادي الرياضي، رابطة الشبيبة، مصلحة الزراعة، وحدة السجاد اليدوي، مركز العمران)، ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد منحت بلدية البصيرة في ذلك الوقت رخص بناء للمواطنين في المنطقة الأثرية لينتج عن ذلك بلدة تقوم فوق تل أثري.

في المقابل ينص قانون الآثار في مادته العاشرة على أنه ” لا يجوز للبلديات أن تمنح رخص البناء والترميم في الأماكن القريبة من المواقع الأثرية، والأبنية التاريخية إلا بعد الحصول على موافقة السلطات الأثرية”، ويؤكد ” نصر سفان ” ( محامٍ مختص بشؤون الآثار) أن “التعدي من قبل الجهات الحكومية، ينطبق عليه تماماً قانون الآثار المطبق على الأشخاص العاديين، ويعاقب الفاعل عقوبة المواطن العادي نفسها “، ويرى المحامي “سفان” أن “تشديد العقوبة على مرتكبي الجرائم وفق قانون الآثار يمكن أن يقلل من نسبة التعدي على الآثار منوهاً بالمادة 63 من قانون الآثار التي تنص على أنه ” يعاقب بعقوبة الفاعل كل من يدخل في اختصاصهم القانوني حماية الآثار أو ضبط الجرائم الواردة في هذا القانون، إذا اطّلعوا أو أخبروا بوقوع إحدى هذه الجرائم ولم يتخذوا الإجراءات اللازمة لضبطها “.

نقود عباسية تحت مدرسة صناعية

على الرغم من تلاشي الملامح الأساسية لمعالم تل ” قرقيسيا ” الأثري، إلا أن ” البصيرة ” لا تكف عن الإعلان عن هويتها الأثرية، وطابعها التاريخي بين الحين والآخر، ففي العام 1996 وبينما كانت آليات الحفر وأعمال البناء تجهز لإنشاء مدرسة ثانوية صناعية، عثر بالصدفة على جرة فخارية مليئة بدراهم فضية عباسية، نقلت إلى متحف دير الزور ( 43 كم عن البصيرة ). بلغ عدد تلك القطع النقدية حوالي 3000 قطعة نقدية، إلا أن متحف دير الزور لم يعرض أياً من هذه اللقى الأثرية في قاعات عرضه، وإنما احتفظ بها فقط في مستودعه، وبخصوص ذلك يقول ” معين العلي ” ( أمين متحف دير الزور) مقللاً من أهمية تلك اللقى الأثرية: ” إن هذه اللقى الأثرية ليست مؤهلة للعرض المتحفي، ولا يوجد هنا في المتحف قسم مخصص لقرقيسيا، فالتل لم تنقب فيه بعد أي بعثة أثرية ” يضيف ” العلي ” : ” لا نعرض كل اللقى الأثرية في المتحف، نختار الأهم ليطلع عليه الزوار” ، إلا أن ” ياسر شوحان ” ( رئيس دائرة الآثار والمتاحف في دير الزور ) يخالفه الرأي مشيراً إلى أهمية موقع تل ” قرقيسيا ” من الناحية الأثرية يقول ” شوحان ” : ” من المؤكد أن موقع تل قرقيسيا لا يقل أهمية عن باقي المواقع الأثرية، لكن ربما لم يحظ بعد بفرصة تكشف أهميته “، ويؤكد ” شوحان ” وجود الكثير من التعديات على موقع تل قرقيسيا، سواء بأعمال البناء أو الزراعة العشوائية أو شق قنوات المياه وشبكات الكهرباء غير المدروسة، أو دفن الموتى على سطوح التلال الأثرية ، وحتى التنقيب السري وأعمال اللصوصية…. “.

 523 حارس لأكثر من 3000 موقع أثري

” تل قرقيسيا ليس الموقع الوحيد الذي تعرض للتخريب من قبل المجتمع المحلي ” يقول ” بسام جاموس ” ( مدير عام شؤون الآثار والمتاحف في سورية )، ثم يتابع: ” المواقع الأثرية في سورية عددها ضخم ولا يتناسب مع كادر الحراسة، في الحقيقة نحتاج فعلاً إلى مزيد من الحراس لحماية الثروة الأثرية”.

ويبلغ عدد حراس المديرية العامة للآثار والمتاحف 523 حارساً، يتوزعون على 47 متحفاً و أكثر من 3000 موقع أثري، بحيث تكون الأولوية للمتاحف والمواقع الأثرية الأكثر شهرة وخاصة تلك المسجلة من قبل اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة) على لائحتها للتراث الإنساني ( كتدمر وبصرى وقلعة حلب وصلاح الدين والحصن)، لتبقى التلال الأثرية أقل نصيباً من الحراسة، حيث يكلّف حارس واحد بجولات يومية لعدة تلال أثرية بينها عشرات الكيلومترات، الأمر الذي يضعف من إمكانية مراقبة آثارها بشكل فعال، وبخصوص ذلك يلفت ” جاموس ” إلى ضرورة التعاون والتنسيق بين الجهات المختصة لقمع المخالفات الأثرية فور حدوثها “.

من جهته يؤكد “ضياء المصطفى” ( رئيس بلدية البصيرة ) أن ” التعديات على تل قرقيسيا الأثري توقفت ” دون أن ينفي حدوث المخالفات في الماضي، ويقترح ” المصطفى ” حلاً للمشكلة بأن تستملك المديرية العامة للآثار التل الأثري، وتزيل الأبنية التي قامت فوق الآثار بعد تعويض أهلها تعويضاً عادلاً، في المقابل يستبعد المدير العام هذا الحل ما لم يتم التأكد من وجود اكتشافات أثرية ” هامة جداً ” في المنطقة على حد تعبيره، يقول ” جاموس ” : ” ستبقى قرقيسيا على وضعها الحالي، إلا إذا حدثت اكتشافات أثرية هامة جداً “، غير أن مدير عام الآثار لم يوضح كيف يمكن أن تحصل مثل هذه الاكتشافات دون أن تتوجه أي بعثة تنقيب إلى الموقع ؟ معتبراً أن العامل المادي يحول دون ذلك.

بالعشرات… بالمئات

يؤكد د. مأمون عبد الكريم ( أستاذ في قسم الآثار في جامعة دمشق واختصاصي بالآثار الكلاسيكية من جامعة فرساي في فرنسا ) أن تل قرقيسيا ليس الموقع الأثري الوحيد في سوريا الذي تعرض لظاهرة التعدي على الآثار التي تكثر في التلال الأثرية غير المنقبة،

وبحسب معلومات عن الجمهورية العربية السورية يوردها مجلس الشعب السوري في موقعه الالكتروني فإن أكثر من 1000 موقع أثري في سوريا ينتظر التنقيب.

ويقدر ” عبد الكريم ” عدد المواقع الأثرية التي أزيلت بفعل عوامل طبيعية ولعدم وجود برامج تأهيل وترميم لها ” بالعشرات ” بينما يتوقع عدداً أكبر للمواقع الأثرية التي تعرضت أجزاء منها للتعدي فيقول ” هناك مئات من الأمثلة على ظهور قرى عشوائية وفق محيط القرى الأثرية ” مشيراً إلى أن زحف المناطق السكنية باتجاه المواقع الأثرية يحدث عملية تعدي على حرم هذه المواقع وأحياناً يعرضها للتدمير.

بحثاً عن ذراع تنفيذي

بدوره يشير مدير المباني الأثرية والتوثيق ” غزوان ياغي ” إلى ضرورة إيجاد شرطة أثرية في سورية كما في باقي الدول. يقول ” ياغي” : ” يظل الحل الأمثل الذي توصل إليه الفكر التشريعي في العديد من دول العالم، أن يكون للآثار شرطة خاصة بها، تشكل السلطات التنفيذية التابعة مباشرة لمديرية الآثار، للمساهمة في القمع الفوري للمخالفة ” لافتاً إلى أن المديرية العامة للآثار والمتاحف بوضعها الحالي تمثل سلطة وصائية لا تملك ذراعاً تنفيذياً سوى وحدات إزالة المخالفات في المحافظات.

وفي سياق ذي صلة، يرجع ” يوسف الحمد ” ( مدير الشؤون القانونية والإدارية في المديرية العامة للآثار والمتاحف) أسباب التأخر في رفع عدد الحراس، وبالتالي تطبيق القانون إلى ” قلة إمكانيات الدولة المادية ” علماً أن هيئة تخطيط الدولة رصدت 460 مليون ليرة سورية أي ما يعادل تسعة ملايين ومائتي ألف دولار أمريكي تقريباً خلال العام 2007 كميزانية سنوية للمديرية العامة للآثار والمتاحف.

من… إلى

بعد صدور مرسوم جمهوري في شهر آب/ أغسطس الماضي يحول ” البصيرة ” إدارياً من بلدة إلى مدينة، مساحة مخططها التنظيمي 810 هكتار ،لا تزال المشاكل تضغط بأكثر من اتجاه فيها، فيبدو أن أولويات السكان تتجه نحو إنشاء مستشفى في البصيرة، يقدم لهم الخدمات الصحية، فذلك أكثر أهمية بالنسبة لهم من ضرورة الإسراع في التنقيب عن الآثار حولهم، الأمر الذي يعتبره بعض الأهالي نوعاً من الترف…!

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) www.arij.net .


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.