الحشيشة تعود إلى لبنان بقوة والمزارعون يستعجلون تسويق المحصول قبل حل الأزمة السياسية الفقر والحرمان سبب اللجوء الى الممنوعات

15 مايو 2008

يطل بيت عصام على تلّة مشرفة على بلدة اليمونة في سهل البقاع، حيث عادت زراعة الحشيشة بقوّة بعد سنوات من المنع بسبب الفوضى السياسية وفشل مشروع الأمم المتحدة للتنمية الريفية، الذي كان من الممكن ان يوفر تنمية بديلة لمجتمع محلي مهمش.

الشمس تصل الى البيت من كل ناحية، فتدخل أشعتها إلى أغمار الحشيشة المحفوظة في الطابق السفلي، حيث ثلاث غرف كبيرة مخصّصة لتجهيز نبتة الحشيشة أو القنب الهندي وتوضيبها. في الغرفة الأولى أكياس مليئة بالحشيشة الجاهزة للبيع. وفي الثانية «جبال» صغيرة متروكة على الأرض من النبتة اليابسة الخام. أما في الثالثة فما زال هناك الكثير منها ينتظر ما بين المرحلتين، أي انها ما زالت خشنة ولم «تُنخل»، في انتظار الطلب عليها!

لا يخاف عصام الذي لا يمتهن إلا زراعة الحشيشة منذ ترك المدرسة في الـ15 من عمره، على محصوله. غربال، ومجرود، ومكنسة من القش وميزان، هي عدّة عصام البدائية لتحضير الحشيشة للبيع في مرحلتها الأخيرة، بعد أن تُزرع في نيسان (أبريل) وتُقطف أواخر الصيف وتُشمّس وتوضّب وتُلفّ بالقماش في الخريف.

لا يبدو عصام، ابن الأربعين سنة، قلقاً من اقتناء هذا الكمّ الكبير من القنّب الهندي الممنوعة زراعته في لبنان ويحاسب عليها القانون، «ليس لدي ما أخسره، الفقر انتهش سنوات من عمري وعمر أولادي. وكل سنة يعدوننا بالفرج لكن حالتنا الاقتصادية تتدهور»، يقول وهو يلعب بمسدسه كأنه يُلمّح الى اكتفاء أهالي الضيعة بحراسة أنفسهم بأنفسهم. الأمر ليس سراً على أحد من أهالي الضيعة أو حتى الغرباء والزوار. فمعظم الأقارب والجيران يمتهنون زراعة الحشيشة، التي كانت تدر في الثمانينات من القرن الماضي دخلاً يقدر بـ500 مليون دولار سنوياً على منطقة بعلبك الهرمل، والسلاح جاهز في كل بيت للتصدي لمن يتحدّاهم.

تتفاوت المساحات المزروعة التي يملكها كل منهم، خصوصاً في العام الحالي والعام الماضي، إذ نزلت النبتة الخضراء، من الجرد، حيث عيون الدولة غائبة، إلى السهل لتُزرع في شكل علني في الحقول الموازية للطرقات العامة، بعد أن اقتصرت زراعتها في السنوات الماضية على الجرود البعيدة، وفي شكل سرّي. إذ أن الدولة اللبنانية كانت تلاحق كل من يزرع هذه النبتة، وكانت قوى الأمن تتلف سنوياً ما بين 1000 و6500 هكتار في مجمل قرى بعلبك – الهرمل، من عام 1992 حتى صيف 2006، بحسب المقدم عادل مشموشي رئيس مكتب مكافحة المخدرات.

لكن أهالي مناطق بعلبك الهرمل التي تشكل مساحتها 28 في المئة من مساحة لبنان، ويقدر عدد سكانها بـ180 ألف نسمة، لم يرتدعوا ولا تشكل الدولة بالنسبة إليهم مصدر سلطة. فكل عام كانوا يتحدّون قوى الأمن الداخلي ومكتب مكافحة المخدرات، ويزرعون نبتتهم، فتعاود هذه القوى تلف ما تيسّر. إذ أن هناك مناطق عالية لا يمكن لقوى الأمن الوصول إليها بسبب تحصنها بالسلاح والنظام العشائري.

ويقول مشموشي إن في عام 1992 ومع عودة الدولة الى ممارسة سلطتها، وعلى ضوء الضغوط الدولية لمنع انتاج المخدرات وتصنيعها وتسويقها، بدأت حملات التلف المباشر من جانب قوى الأمن والجيش اللبناني بالتعاون مع الجيش السوري، وأعطت ثمارها. ويضيف أن المزارعين التزموا حينها قرار المنع طيلة فترة عمل برنامج الأمم المتحدة للتنمية الريفية لمنطقة بعلبك الهرمل بين 1994 و1999.

ومع توقف البرنامج الدولي عام 2000 وتعذّر استمرار تمويله في مرحلته الثالثة من الدولة اللبنانية، عادت ظاهرة الزراعات الممنوعة لتنتشر تدريجاً اعتباراً من عام 1999، إذ كانت القوى الأمنية تعمد الى إتلاف مساحات مهمة منها، أو تترك لحالها كما حصل في السنة الفائتة. ويذكر أن المزارعين عاودوا ابتداء من شهر نيسان (أبريل) الجاري، نثر بذرة الحشيشية على أكثر من 100 ألف دونم من المساحات الزراعية، بحسب عصام.

وتمكن مزارعو اليمونة وحدها من زراعة خمسة آلاف دونم في السنة الفائتة، من ضمن 70 ألف دونم من الأراضي التي زرعت بالحشيشة والتي يقدر محصولها بنحو 225 مليون دولار، بحسب مكتب مكافحة المخدرات.

«كان المحصول استثنائياً في 2007، لأن معظم الحقول التي عادت إليها النبتة، كانت مرتاحة منذ سنوات حيث خلت من زراعة أي نوع من المزروعات»، يؤكد سليم جار عصام. هذه الحقول يمكن للزائر رؤيتها إلى جانبي الطريق العام في معظم البلدات في قضاء بعلبك – الهرمل، تنتظر وحدها صفراء يابسة، متروكة من دون عناية واهتمام، بعد أن حصد المزارعون موسمهم من الحشيشة في أواخر أيلول (سبتمبر). على رغم أن من الممكن لهذه الأراضي أن «تزرع بأنواع تتناسب مع كل فصل من فصول السنة، لو كان هناك اهتمام ودعم للقطاع الزراعي في البقاع»، يقول سليم الذي يتنقل من بيت إلى بيت حاملاً راية ضرورة دعم الزراعات البديلة عن الحشيشة. أما عصام ومعظم أهالي المنطقة، فأكثر ما يُغيظهم ذكر عبارة الزراعات البديلة التي تشكل بالنسبة إليهم «وهْم ابتدعته الدولة والأمم المتحدة لتُفقرا مزارعي الحشيشة»!

يؤكد فؤاد انه لم يترك نوعاً من المزروعات البديلة الا وجرب زراعته مثل الشعير والبطاطا والتفاح واللوبياء والتين واللوز والكرز والعدس والقمح، ولكن لا بديل من زراعة الحشيشة. فعلى سبيل المثال، كان فؤاد يبيع كيلو اللوبياء بنحو 500 ليرة لبنانية، بينما كانت تكلفته تفوق الألف ليرة. ويقول إن هذه الزراعات خسّرته كل ما جناه وأخاه طوال عمرهما، ويضيف: «لا أحد يمكن أن يلومنا على عودتنا الى زراعة الحشيشة».

ومن المعروف، بحسب ما أكد عالم الإجتماع المتخصّص بالتمنية المستدامة الدكتور أحمد بعلبكي، أن نوعية تربة منطقة بعلبك الهرمل جافة وقليلة الخصوبة وتفتقر الى مصادر المياه المستدامة ووسائل الري، وظروف الزراعة فيها صعبة وغير مجدية على رغم أنها القطاع الذي يعتمد عليه الأهالي مورداً للعيش، في ظل عدم وجود استثمارات صناعية أو سياحية تُذكر.

يتباهى عصام كنظرائه بمحصوله وهو ينتظر «التاجر» من هولندا في الدرجة الأولى «حيث تشرّع الدولة تناول الحشيشة كالدخان» أو من إيطاليا أو فرنسا أو ألمانيا أو تركيا. وفي أسوأ الأحوال قد يكون لبنانياً أو مصرياً أو من دول الخليج. لكن البقاعيين يُفضلون الأجنبي لأنه «يدفع باليورو واليورو صار أقوى من الدولار، كما أنه لا يُشارعنا على الأسعار لأنه يُقدّر تماماً نوعية بضاعتنا التي لا يُضاهيها نوع من المخدر في العالم».

الكيلو الواحد من الحشيشة يسلّمه المزارع الى التاجر بسعر يتراوح بين 500 و1000 دولار، ويشير عصام الى تفاوت الأسعار بحسب العرض والطلب وبحسب التضييق الأمني في البلد. وتشير المعلومات الرسمية الى أن المردود الصافي للمزارع البقاعي من زراعة الحشيشة يتراوح بين 800 إلى 1000 دولار في الدونم المروي، وبين 350 و450 دولاراً في الدونم غير المروي (البعلي).

الحديث عن جنسية «التاجر» وتصريف المحصول وسكك تهريبه، صار شغل هؤلاء المزارعين الشاغل، بعدما زاح عن دربهم همّ التلف الذي لم يحصل في السنة الفائتة، باعتراف السلطات. فالمقدّم مشموشي أكد أن أسباباً أمنية حالت دون قيام مكتب مكافحة المخدرات بإتلاف المزروعات الممنوعة. وقال إن المكتب «حدّد ثماني مناطق في البقاع والهرمل لإتلاف زراعات الحشيشة فيها، لكن انخراط الجيش في معارك مخيم نهر البارد التي تزامنت مع توقيت التلف في أواخر الصيف، حال دون تأمين سلامة عناصرنا». فالجيش يدعم قوى الأمن الداخلي ومكتب مكافحة المخدرات في مثل هذه الحالات. كما تحدّث عن أسباب أخرى استحال معها الإتلاف، ومنها «اعتذار أصحاب الجرافات الخاصة الذين نتعاون معهم سنوياً عن عدم القيام بالمهمة، بعدما تلقوا تهديدات من قبل المزارعين». وأضاف أنه عندما حاول عناصر مكتب مكافحة المخدرات إتلاف شتول القنب الهندي في بعض القرى، أطلقت باتجاههم نيران الرشاشات وقذائف مضادة للدروع (أر بي جي)، فاضطروا الى الانسحاب في وقت تمرّ به البلاد بأوضاع سياسية وأمنية متوتّرة. وقال:»لم نكن نريد أن نفسح المجال لأي كان، لاستغلال الوضع لإثارة البلبلة والفوضى والإخلال بالأمن وخلق نعرات أهلية». وأكد مشموشي أن «الحكومة مصرّة على مصادرة هذه الكميات من المخدرات في كل مكان، لكن الحال السياسية الدقيقة التي يمرّ فيها لبنان تتطلّب التروي وأخذ الاحتياطات اللازمة، خصوصاً قبل انتخاب رئيساً للجمهورية».

وأشار مشموشي أن عام 2007 هو أول عام يحصل فيه هذا الإرباك منذ عام 2002، على رغم إصرار الحكومة اللبنانية على تلف المزروعات الممنوعة وملاحقة المخالفين للقانون.

لا ينقطع الحديث عن التصريف، في التجمعات الصباحية والمسائية، أثناء الغداء وحول طاولة لعب الورق. بعضهم يتحدث عن ضرورة تصريف المحصول قبل انتخابات رئيس الجمهورية، على اعتبار أن «الدولة مشغولة بين موالاة ومعارضة والخوف من التفجيرات والاغتيالات. ولكن ما أن يُنتخب الرئيس سيُفرّغون وقتهم لنا ولمحصولنا» يقول علي.

ويقول مجد: «الأحداث الأمنية في البلاد قد تساعدنا على تصريف انتاجنا، لكن ما ان يستتبّ الوضع لا نعرف ما هو مصيرنا». مجد ومن يوافقونه الرأي، لن ينتظروا هذه السنة قدوم التجار الأجانب طويلاً. لذا بدأوا بتصريف «بضائعهم» من خلال التجار المحليين بالوقية والـ «هوءة»(تسمية شعبية لكل 1200 غرام) والكيلوغرام الواحد، كما فعلوا العام الماضي حيث ارتفع سعر الكيلوغرام الواحد إلى 1200 دولار، بسبب عدم توافر كميات كافية تلبي طلب التجار. وهؤلاء التجار قد لا يكونون محترفين. ويقول مجد «أحياناً نضطر نحن إلى النزول إلى بيروت، لتسليم البضاعة إلى المتعاطين». ويقول أخوه محمد: «لكن هناك تجار معروفين في السوق المحلي، من بعلبك ومن الهرمل واليمونة، ومن طرابلس والجبل وبيروت، يمكنهم تصريف إنتاجنا بسهولة». ويضيف: «من المؤكد انهم لن يتركونا هذه السنة نموت من الجوع ولا ندخل أطفالنا إلى المدارس».

بعض المزارعين ينصح بعدم الاستعجال في بيع المحصول علّ سعر الكيلوغرام يرتفع. فالسنة الفائتة كان المحصول كبيراً. ما أدى إلى «انخفاض سعر الكيلوغرام الواحد من الحشيشة من نحو 1000 دولار إلى 650 دولاراً، وقد ينخفض الى 500 دولار في حال باع المزارعون محاصيلهم في الوقت نفسه».

حقل خشخاش في سهل البقاع

الفقر والحرمان سبب اللجوء الى الممنوعات

تاريخ منطقة البقاع المرتبط بالفقر والحرمان أدى بمعظم أهاليها إلى امتهان أي عمل يُكسبهم العيش، خصوصاً خلال الحرب اللبنانية. ومعظم هؤلاء المزارعين فقراء، لا تدرّ عليهم زراعة الحشيشة سوى ما يكفيهم للمأكل والملبس والمشرب، على ان المستفيد الرئيس من هذه الزراعة هم التجار لا المزارعون. لكن لماذا منطقة بعلبك الهرمل وحدها هي التي لجأت الى هذه الزراعات الممنوعة، في حين أن هناك مناطق أخرى كالجنوب والشوف الأعلى وعكار والبقاع الغربي وجرود جبيل لا تقل فقراً وإهمالاً عن مناطق بعلبك الهرمل، كما أن تربتها ومناخها ملائمان لهذا النوع من الزراعات؟ يشرح بعلبكي أن زراعة الحشيشة توسّعت في البقاع الشمالي حيث يسود النظام العشائري، « فهذه الزراعة كانت تحتاج إلى من يحصّنها في مواجهة الدولة، وكان النظام العشائري في جرود بعلبك الهرمل يستطيع أن يحميها. ويُقال، بحسب ما ذكر بعلبكي، أن الحشيشة دخلت مع الفرنسيين الى منطقتي رياق وأبلح في البقاع الأوسط حيث تمركز الجيش الفرنسي أيام الاحتلال. و «كان هناك خوف على انتشارها بين العسكر الفرنسي، فطوردت كمادة وكنبتة. وما كان يمكن في حينها أن تُستثمر إلا في المحيط العشائري البعيد والصعب على جنود الاحتلال».

ومنذ ذلك الحين أي في نحو عام 1920، توطّنت زراعة الحشيشة في هذا المحيط ودخلت الى حياة الجماعة وتحول نمط عيش المنتجين بحسب إنتاجهم. فصارت مناسبات المزارعين وأفراحهم وعطلهم وأعيادهم، تتوزع بحسب مدار دورة الانتاج. وما زال مزارعو الحشيشة يعيشون على أساس هذه الدورة.

تحرص سعدى، إحدى نساء بلدة اليمونة، على التزين وارتداء الثياب المتناسقة قبل ان تنزل إلى المخزن لتلقي نظرة على العمّال الذين يحضرون محصول 10 دونمات من الأرض المزروعة بالحشيشة والتي ورثها زوجها المريض عن أهله. تقول «نحن نزرعها ونحصدها ونصنعها، لنأكل ونلبس وندخل أطفالنا الى المدرسة». تشكو من التكاليف الباهظة التي تتطلبها الحشيشة، بدءاً من أجرة العمال الذين يزرعون ويحصدون، وصولاً إلى الجرارات الزراعية والشاحنات التي تنقل المحصول من السهل الى المخزن. لكن سعدى تعود وتحمد الله بعد أن تيبس النبتة وتحفظ في المخزن ليعاد تحويلها إلى بودرة ومعجون، بعد أن تبيت ليالي طوالاً في طقس بارد ورطب وتصبح جاهزة للاستعمال.

تسمح لنا المرأة الثلاثينية بالدخول الى المخزن، لكن من دون كاميرا. تقفل الباب بسرعة خشية معرفة الجيران بأنها تدل الغريب على مخابئ البلدة. «إذا لاحظ أحد أنكم هنا قد يُطلقون عليكم النار». وتروي كيف كاد أحد أهالي البلدة أن يُقتل بسبب تصويره حقول البلدة في آب (أغسطس) حين كانت نبتة الحشيشة ما زالت خضراء. وتحكي أن الشاب كان مسافراً منذ سنوات، وعندما أتى أراد أن يأخذ صوراً تذكارية للحقول الخضر بواسطة كاميرة فيديو. لمَحه أحد ابناء البلدة من بعيد، يجول في سيارته برفقة امرأة، بين الحقول. اتصل بأصدقائه المتواجدين في المكان لحراسة الحقول. فطوّقوا الرجل وسيارته فوراً. وإذا بالشاب المغترب يصرخ أنا حسين ابن أبو محمد، فاقتربوا منه وتحقّقوا من الأمر وأخلوا سبيله.

تقول سعدى إنها امرأة مؤمنة ولا ترى في زراعة الحشيشة ما يسيء الى الاسلام على أساس أنها لا تتعاطاها. لكن لا يوجد في القرآن الكريم آية أو سورة تذكر زراعة الحشيشة أو تعاطيها بالتحديد، لكن بحسب دار الإفتاء الاسلامي ومكتب العلامة الشيعي السيد محمد حسين فضل الله، هناك آيات وأحاديث شريفة تحرّم على المسلم التعاطي والإتجار والعمل في المواد المضرّة له ولغيره. وعلى سيبل المثال نص الآية التي تقول: «ولا تلقوا بأنفسكم في التهلكة»، والحديث النبوي الشريف: «لا ضرر ولا ضرار».

وتضيف سعدى: «منذ صغري والناس هنا يزرعونها، لم يكن لدينا مورد آخر. كان الناس يزرعون القمح والبطاطا والعدس والتفاح للحاجات الخاصة فقط». لكن سعدى وزوجها يرفضان رفضاً قاطعاً زراعة الأفيون، على رغم أنها تدرّ أرباحاً أكثر بكثير من الحشيشة. تقول: «غالبية الناس هنا لا تزرع الأفيون. لأن مضارها أكبر من الحشيشة. ثم ان الأفيون زراعة دخيلة على أهالي البقاع، وصلت إلينا من أفغانستان. على عكس الحشيشة التي نفهم في إنتاجها جيّداً».

سعدى التي تنتقل وأولادها الأربعة الى مدينة بعلبك في الشتاء، تاركة زوجها وحيداً في البلدة تتساءل: «لماذا لا تلتفت إلينا الدولة إلا من خلال الحشيشة؟». وهي تضطر كمعظم أهالي قريتها الفقراء المقيمين فيها إلى النزوح الى بعلبك في الشتاء، لعدم تمكنهم من العيش هناك حيث لا مستشفيات ولا مرافق عامة ولا مدارس ولا محال تجارية. إضافة إلى المناخ القارس والثلج الكثيف الذي قد يقطع أوصال البلدة في معظم أيام الشتاء.

ترتسم على وجوه المزارعين ملامح غضب متوارث من جيل إلى جيل، من الحكومات المتعاقبة. الوضع لم يتغيّر كثيراً من جيل سعدى إلى جيل أولادها. فما زالت تنعدم في اليمونة وغيرها من البلدات والقرى المجاورة، أية إجراءات رسمية خدماتية وتنموية وإنقاذية ومن ضمنها المدارس. ففي هذه البلدة التي يصل عدد سكانها الى 3000 نسمة، وينزح 80 في المئة من سكانها الى بيروت في فصل الشتاء (بحسب القائممقامية في المنطقة) هناك مدرسة رسمية واحدة صغيرة جداً، ومستوصفان شبه مقفلين.

يروي أبو جعفر الذي كان يملك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في جرود الهرمل، أن «الحشيشة كانت تدرّ على لبنان نحو خمسمئة مليون دولار أميركي سنوياً. أما الآن فمعظمنا لم يعد لديه ما يكفيه لتعليم أولاده وإطعامهم». لم يستسلم الرجل الخمسيني لأوامر الدولة كلياً. يقول: «كنا نحاول أن نزرع بعض الأراضي في الجرود العالية كل سنة، علّ الدولة تغضّ النظر أو تنسى»، ويضيف:»أحياناً كنا نفلح بحصد بعض الدونمات، وأحياناً كانت عناصر قوى الأمن الداخلي تقضي على الأخضر واليابس. ويبدو أن مفهوم النظام والقانون مرتبط في ذهنية سياسيينا بإتلاف الحشيشة فقط!».

تختلف حال الأهالي بين حيّ وآخر. منهم من استطاع أن يهاجر ويُحسّن أحوال بيته وعائلته، وغالبيتهم ممن ورثوا مهنة الزراعة عن أجدادهم لم يستطيعوا استبدال زراعة المخدرات ببدائل تردّ عنهم العوز. ويؤكد أبو علي أحد وجهاء بلدة مجدلون أن «نصف المزارعين الذين استبدلوا البطاطا والبندورة والذرة والشمندر السكري واللوبياء وغيرها بالحشيشة، خسروا ملايين الدولارات»، بسبب فشل برامج التسويق والتصدير. ويوضح أن «معظم المساحات الزراعية لا طرقات توصل أصحابها إليها، ولا تصلها مياه الري، إضافة إلى انعدام خطة تسويقية لتصريف المزروعات وبيعها أو تصديرها».

قرى المنطقة وبلداتها شبه فارغة من سكانها، وخصوصاً الشباب منهم الذين ضاقت بهم سبل العيش. هاجر من هاجر، والتحق قسم كبير منهم بالمقاومة الاسلامية – حزب الله، وانتقل قسم آخر إلى أحزمة البؤس في ضواحي بيروت، فأصبحت المنطقة مهجورة والأراضي، التي كانت تُدرّ ذهباً، بوراً. وتشير تقارير إلى أن هناك قرى غادر ما يقارب 70 في المئة من سكانها بسبب وقف زراعة المخدرات.

 أعد هذا التحقيق بالتعاون مع شبكة «أريج» اعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.