البطاريات المستعملة، تهديد خفي للبيئة وصحة الإنسان

16 سبتمبر 2014

وكالة تونس إفريقيا للأنباء يستهلك التونسيون سنوياً حوالي 70 مليون بطارية صغيرة الحجم مثل تلك التي نستعملها لتشغيل آلات التصوير وأجهزة التحكم عن بعد. وعند إنتهاء صلاحية هذه البطاريات التي تقدر بـ  2600 طن، يلقى بها في مكبات عشوائية أو تابعة للبلديات او يرمى بها في الطبيعة فتهدد بمحتوياتها من المعادن الثقيلة السامة المحيط والكائنات الحية.

 سلطات الإشراف التونسية لا تعتزم إلى اليوم اتخاذ أي إجراء وقائي من مخاطر هذه النفايات المصنفة بالخطيرة لحماية المواطنين والبيئة من انتشار المكبات العشوائية وما قد ينتج عنه من أمراض.

 تحقيق حول خطر غير مرئي

عاشور عرجون رجل في الخمسين من العمر يشتغل كعامل نظافة ببلدية أريانة منذ 1987 أصيبت إحدى عينة بالعمى جراء «التعرض لمادة مضرة ألقيت في حاوية عمومية» حسب تقرير طبيب الشغل بالبلدية الذي رجح أن  تكون هذه المادة  حمض بطارية.

يقول “لم أكن أتوقع أن تنحو حياتي هذا المنحى.  لقد فقدت البصر في عيني اليمني ولكن الحمد لله لست أعمى كليا”.

في تونس 3٪ من النفايات المنزلية الصلبة فقط يتم فرزها من المصدر فالعائلات  التونسية تلقي دون انتقاء فواضلها اليومية في أكياس بلاستيكية في أغلب الأحيان وأحيانا يتم إلقائها سائبة ويأتي عمال النظافة لجمع المزابل بأياد عارية وغير محمية في أغلب الأوقات.

وهؤلاء العمال الذي يقدر عددهم بـ 30 % من عمال وموظفي البلديات في تونس من بينهم 5000 عامل مؤقت أو متعاقد يعملون في ظروف صحية متدهورة إذ لا تتم حمايتهم من الأمراض المتصلة بالبيئة.

 البطاريات المستعملة آخر مشاغل السلطات والمواطنين.

استنتجنا من خلال هذا التحقيق أن المواطنين و السلطات على حد سواء لا تكترث إلى يومنا هذا لأمر البطاريات المستعملة والأثار السلبية والمخلفات الخطيرة التي من الممكن أن تنجر عنها إن لم تعالج بطريقة صحيحة.

رغم ذلك فالقانون التونسي يمنع الإلقاء بالبطاريات المستعملة في الطبيعة ويخصها بتشريع ينظم مسالكها ويقر بمعاقبة المخالفين ولكن هؤلاء نادراً ما يتم تتبعهم أو معاقبتهم.

فالوكالة الوطنية لحماية البيئة التي عهدت لها مهمة السهر على تطبيق القانون في ما يخص حماية المواطن والمحيط من كل الاخطار أعلمتنا عند الإتصال بها أن البطاريات المستعملة لم تعد من مشمولاتها وإنما من مشمولات الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات.

في الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات توجد فعلا خلية خاصة بالبطاريات المستعملة وأكثر من ذلك إذ تم خلال سنة 2005 إعداد مخطط للتصرف في هذه المواد بعد استعمالها وتم تحيينه في 2010 ولكن المخطط بقي حبراً على ورق.

كما كان من المتوقع أن يتم إنجاز مشروع لرسكلة البطاريات المستعملة قبل  ثورة 14 جانفي 2011 ولكن المشروع مني بالفشل نتيجة انتشار التجارة الموازية التي لا تعترف بأية مواصفات بيئية أو غيرها وتربك عمليات جمع البطاريات واستعادتها للتدوير.

كيف يتم تجميع البطاريات المستعملة ؟

في حي راق بمنطقة المنار بتونس العاصمة دخلت سيدة لتغيير بطاريات آلة التصوير وعندما همت بالخروج بعد أن تثبتت بأن جهازها يعمل مجددا خاطبها صاحب المحل قائلا: “خذي بطارياتك القديمة معك لقد امتلأ محلي بالبطاريات منتهية الصلاحية لست مكبا عموميا “.

بالقرب من مجلسه في محله الصغير توجد قوارير بلاستيكية ممتلئة  بجميع أصناف البطاريات المستعملة  (بطاريات سيجارة، بطاريات زر…).

أين يمكن للمواطن أن يلقي هذه المنتجات المستعملة ؟ في حاويات خاصة ؟ ولكن لا توجد مثل هذه الحاويات في أي مكان ولا يوجد مركز لمعالجتها فالمركز  الوحيد المرخص له بذلك تم إغلاقه منذ الثورة وحتى اليوم .

علاوة على ذلك لم يتم إلى اليوم القيام بحملة ثانية لتوعية المواطنين بأهمية جمع البطاريات المستعملة إذ كانت الحملة الاولى والوحيدة عام  2007 في إنتظار مشروع رسكلة لم يرى النور إلى الان.  ولم تدم  الحملة سوى 3 أشهر تم خلالها تجميع 350 طن من البطاريات المستعملة خاصة من قبل التلاميذ ولا تزال هذه الكميات مخزنة في أكبر مركز للتجميع النفايات “إيكولاف”  في منطقة مونبليزير بتونس العاصمة.

في نفس العام )2007)( تم بعث تجربة نموذجية لفرز النفايات المنزلية في حي الخضراء بالعاصمة وتم وضع ثلاث حاويات مختلفة ليتمكن المواطنين من انتقاء الفواضل حسب نوعيتها //حاوية خضراء للفواضل القابلة للتحلل وحاوية صفراء للقوارير الزجاجة أو القوارير البلاستيكية وحاوية حمراء للمواد السامة والنفايات الخطرة مثل البطاريات المستعملة//.

شارك المواطنون بأعداد كبيرة في هذه التجربة ولكنها لم تدم طويلا حسب تصريحات أحد موظفي بلدية أريانة الذي أفادنا بنبرة استهزاء “قام الناس بفرز الفضلات بطريقة جيدة ووضعوها في الحاويات المخصصة  لها ولكن عندما مرت شاحنات البلدية أفرغها عمال النظافة وحملوها مجتمعة ليلقوا بها في المكب العمومي”. 

بطارية واحدة تحتوي على 5,08  مليغرام من الزئبق،  نسبة تفوق كل المواصفات

تحتوي البطاريات على معادن ثقيلة وسامة مثل النيكال والكالسيوم والأليمنيوم والماغنيزوم والليثيوم وخاصة الزئبق. وهذا يجعل منها  الجزء الأكثر خطرا والأكثر تلوثا من الفضلات المنزلية.

فحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة تجابه الدول النامية مخاطر صحية وبيئية تزداد حدة يوما بعد يوم نتيجة التعرض للزئبق.  وينجر عن التعرض لهذا المعدن الثقيل اضطرابات عصبية وسلوكية كما يشكل تهديدا بالنسبة للتربة ومياه الأودية.

يكفي أن نذكر على سبيل المثال أن كمية الزئبق الموجودة في بطارية زر واحدة مثل تلك التي تشغل ساعة يدوية بإمكانها أن تلوث 1 متر مكعب من التربة و1000 متر مكعب من الماء لمدة 50 سنة.  وقد ينجر عن تلوث المياه بالزئبق تلوث الأسماك التي يستهلكها الإنسان وكذلك الخضار والأشجار المثمرة.

قمنا بداية شهر أفريل 2014 وهو شهر وضعته السلطات التونسية تحت  شعار “مقاومة التلوث” بتحاليل لعينات من البطاريات المستعملة  تم إلقاءها في مصبات عشوائية أو في الطبيعة.

وأثبتت هذه التحاليل التي قمنا بها في المركز الدولي لتكنلوجيات البيئة أن البطاريات المتأتية من الصين تحتوي على 5.08 مليغرام من الزئبق و3.4 من الكادميوم و11.2 ملغ من النيكال و 48.8 ملغم  من الرصاص.

هذه النسب عالية جدا وتفوق كل المستويات المتفق عليها والمواصفات التي تحددها المواصفة التونسية التي تمنع بيع البطاريات التي تحتوي على 0.0005 ملغ من الزئبق حسب رأي السيد بوبكر حومان جامعي وخبير في جيولوجيا البيئة.

محمد زروق رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك استنكر من جهته هذه النسبة وقال إن الزئبق يمثل خطراً كبيراً على صحة المواطن والمحيط بصفة عامة.

كما قمنا بتحاليل عينات من الماء والتربة بالتوازي مع تحاليل البطاريات أثبتت أن الماء يحتوي على رواسب من الزئبق في التربة التي أخذناها قريبا من أكبر مصب بتونس المتواجد بمنطقة برج شاكير التي تبتعد حوالي 20 كلم عن العاصمة. الخطير هو انه في هذا المصب لا تخضع أحواض المياه المستعملة لأي مواصفات لحماية المواطن والتربة وتوجد دون حماية ودون غطاء على بعد 5 أمتار فقط من حي سكني.

وحسب مخطط التصرف في البطاريات الذي قامت به الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات )2005( 95 % من الزئبق الموجود في مصبات النفايات  المنزلية يأتي من البطاريات المستعملة.

فواضل منزلية أو خطرة تواجه نفس المصير

كيف يمكن التعامل مع البطاريات المستعملة في تونس؟ وما مصير الكميات المخزنة؟ لا أحد يمكنه الإجابة عن هذه الاسئلة في الوقت الحاضر. في انتظار أي مشروع محتمل لا يمكن حرق هذه الفضلات لان ذلك  يعد خطرا كبيرا على صحة الانسان إذ أن الدخان الذي ينبعث منها يحتوي على غازات سامة.

وحسب الدكتورة إيمان الحنشي طبيبة أمراض جلدية أي إحتراق لمكونات البطاريات “قد يتسبب في التهاب حاد للجلد وحروق كما يؤدي استنشاق الدخان الملوث بهذه المعادن السامة إلى تضرر الرئتين والجهاز التنفسي”.

كما يِؤدي ابتلاعها إلى تهيج حاد للفم والحلق كما يمكن أن يتسبب في الدوار والقيء وقيء الدم وأوجاع في المعدة وأيضا الإسهال. وأي احتكاك مباشر مع العين قد يؤدي مثلما حدث مع العم عاشور إلى العمى.

القانون حبر على ورق

لماذا لا يوجد نظام لجمع البطاريات المستعملة في تونس مثلما هو الحال في الدول الأوربية ؟ ففي فرنسا مثلا يفرض القانون طبقا للأمر المؤروخ في 12 ماي 1999 أن يتم إرجاع البطاريات المستعملة إلى مركز الجمع. في تونس لا يقل القانون شأنا عما يطبق في فرنسا ولكن يبقي نظريا بحتا وحبراً على ورق.

في تونس يحتم القانون منذ 1999 أن تتم معالجة النفايات الخطرة ومن بينها البطاريات المستعملة في مراكز خاصة مرخص لها من قبل السلطات المشرفة والتي يعود لها بالنظر ملف النفايات. كما ينظم التشريع التونسي ويحدد مسار النفايات الخطرة بدءا بإنتاجها إلى حين التخلص منها نهائيا.

ليلي براري المسؤولية عن التحسيس والاتصال بالوكالة الوطنية للتصرف في النفايات تعلمنا أن “وضعية البيئة عموما كانت أفضل بكثير قبل الثورة في تونس” وتقول أنه اليوم لابد من تحسيس الناس لكي يتحركوا أو يساهموا في الحفاظ على البيئة.

بخصوص البطاريات المستعملة تقول السيدة أمال قينوبي أن المشكلة الاساسية تتمثل في غياب المرسكلين ووسائل الجمع ومعالجة هذا النوع من النفايات.  “هذا ما جعل كل شيء يتوقف على مستوى الوكالة //وكالة التصرف في النفايات//.

وبشأن مشروع الرسكلة الذي كان من المفترض القيام به بالتعاون مع شركة “سوتيبيل”  وهي الشركة الوحيدة المرخصه لامر برسكلة البطاريات والمنتجة الوحيدة لها في تونس، قالت المسؤولة أن  الشركة فرضت اتفاقا يضاهي ما هو  معمول به في أوروبا في حين أن الوكالة لم تكن على استعداد من حيث تعبئة التمويلات اللازمة لمثل هذا المشروع.

غير أن الوكالة لا زالت على استعداد لتعامل مع ” أي مستثمر ينوي جديا القيام بمشروع تدوير البطاريات المستعملة. بالنسبة لنا أي مشروع من هذا النوع يمثل مخرجا للوكالة  لأننا منشغلون بمصير كميات البطاريات المستعملة المخزنة التي قد تتحول إلى مشكلة حقيقية إذا لم نجد لها الفضاءات المناسبة للتخزين”.

الحل موجود ولكن التنسيق غائب

في مصنع “سوتيبيل” الذي يبعد 60 كم عن العاصمة توجد وحدة مجهزة بكل المعدات لرسكلة البطاريات.

ولكن حسب رأي المدير العام للمصنع “بيتر بيسميث” فإن التجارة الموازية وتهريب البطاريات ذات الجودة المتردية أرغمت المصنع على التوجه إلى التصدير و أفشلت مشروع الرسكلة الذي كان ينوي القيام به قبل الثورة.

وقال صاحب المصنع أنه “إذا تمكنت الدولة من إيقاف نزيف التجارة الموازية وتصدت لهذه الظاهرة بكل جدية  فنحن مستعدون لفتح وحدة للرسكلة مباشرة لأننا نؤمن بهذا المشروع ونؤمن بأثرة الايجابي على البيئة وصحة المواطن”.

حسب رأي السيد بيسميث  “المشروع سيمكن من خلق 40 أو 60 فرصة عمل”.

منظمة الدفاع عن المستهلك:” المستهلك التونسي لم يكن يوما أكثر عرضة للخطر من الأن”

عند لقائنا برئيس منظمة الدفاع عن المستهلك السيد محمد زروق طالب بمراجعة مجلة الديوانة التي قال أنها تجعل بصيغتها الحالية من الحدود التونسية،  خصوصا بعد إمضاء اتفاق التجارة الحرة مع المنظمة العالمية للتجارة،  ممرا لجميع المنتجات متردية الجودة والتي تتأتي أساسا من شرق آسيا.

وانتقد المسؤول ما سماه  ” تخاذل السلطات الصحية و البيئية ” عن حماية صحة المواطن وكذلك غياب الإرادة السياسية لردع الممارسات غير القانونية والتي تضر بالمحيط والبيئة.

فتطهير السوق وفرض احترام القوانين الموجودة وإتاحة الفرصة للمواطنين لممارسة تقاليد جديدة لفرز النفايات كلها حلول ممكنة و قد يكون تغير الواقع البيئي في تونس في مصلحة الجميع ولكن لا أحد يحمل هذه المسؤولية على محمل الجد. ليس اتهاما وإنما هو استنتاج تمكنا من التوصل إليه من خلال هذا التحقيق.

كما أن لا أحد يحمل على محمل الجد الخطر الداهم من جراء تراكم البطاريات وإلقائها عشوائيا في الطبيعة وفي مجاري الأودية والممتلكات العشوائية.

  • في بلدان مثل كندا وأمريكا واليابان تم التخلي نهائيا عن تصنيع البطاريات التي تحتوي على الزئبق. بينما تبقي الحدود التونسية مدخلا سهلا منذ ثورة جانفي 2011 لجميع المنتوجات ومرتعا للتجارة الموازية بما يجعل من عملية المراقبة عملية صعبة.
  • في السوق التونسية 30%  فقط من حاجيات السكان من البطاريات المحمولة أي ما يقارب 21 مليون بطارية يتم استيرادها عن طريق المسالك المنظمة والقانونية سنويا. في حين ما يقارب 49 مليون وحدة يتم ترويجها عبر المسالك الموازية بطرق غير قانونية.
  • قد اعترف مسؤولين من الديوانة بأن حجم ووزن البطاريات الصغيرين وثمنها المرتفع نسبيا شجع على تجارتها بطرق غير قانونية.
  • في إطار قانون التصرف في النفايات عدد 41 المؤرخ في 10 جوان 1996 يحجر معالجة والتخلص من النفايات الخطرة التي ضبطت فيها قائمة بأمر في غير المنشآت المرخص لها من السلطات المشرفة.
  • في غياب هذه التراخيص يكون خلط أنواع النفايات الخطرة وغير الخطرة ممنوعا منعا باتا. كما يحجر دفن النفايات الخطرة وإيداعها في أماكن غير المصبات الخاصة لها ومراكز الخزن المرخص فيها طبقا لأحكام هذا  القانون ونصوصه التطبيقية.
  • كل مخالفة لهذه الإجراءات تتم معاقبة مرتكبيها بعقوبة السجن من شهر إلى 5 سنوات وبغرامة مالية بمبلغ 10.000 إلى 500.000 دينار. وتعد البطاريات المستعملة ضمن قائمة النفايات الخطيرة التي تخضع إلى معالجة خاصة طبقا للأمر عدد 2339 المؤرخ في 10 أكتوبر 2000.  ويضبط الأمر عدد 3395 ظروف و طرق تجميع الحاشدات والبطاريات المستعملة.

 

تم انجاز هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج (أعلاميون من اجل صحافة استقصائية) . www.arij.net

وثائق التحقيق


  • تعليقاتكم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.