البحث عن المفقودين بعد ثورة يناير

7 يوليو 2013

الوطن – على سرير متواضع، تجلس الحاجة رضا ذات الخمسين عاما متشحة بالسواد، تستمع إلى آيات الذكر الحكيم، وعينها تترقرق بالدموع، وهى تحتضن صورة ابنها الوحيد عمر، وتنتظر أن يطرق عليها الباب بعد أن خرج من المنزل ولم يعد منذ أربعة أشهر، يملأ قلبها الأمل وهى تنظر لابنها فى الصورة وتقبله وهى تهمس: «أنا مؤمنة وموحدة بالله.. بس أعرف هو عايش ولّا ميت، وتربته فين عشان أزوره، أنا تعبت خلاص من البحث فى الشوارع والأقسام والمشارح».

حالة أم عمر تمثل نموذجاً لمئات الأمهات اللواتى فقدن أبناءهن فجأة فى ظروف غامضة، وفشلت عمليات البحث والترحال بين أقسام الشرطة والمستشفيات والمشارح فى العثور عليهم، بل إن بعضهم تحللت أجسادهم فى تراب مقابر الصدقة لكونهم موتى مجهولين فى دفاتر الحكومة.

رحلة بحث خاضتها «الوطن» مع أسرة عمر المفقود، دارت الرحلة فى دهاليز المؤسسات الحكومية من مستشفيات وثلاجات الموتى وأقسام شرطة ومصلحة السجون، وكشفت التقصير الحكومى فى حق الموتى وذويهم.

عمر حسن الصعيدى، شاب عشرينى اختفى فى ظروف غامضة، وهو «رجل البيت الوحيد على ثلاث بنات»، على حد تعبير والدته السيدة رضا. بدأت رحلة البحث مع أسرة عمر بسؤال أهل الحى والأصدقاء والجيران عن آخر مرة شاهدوه، لكن لم تحمل الإجابة معلومات مفيدة.

انتقلت الأسرة إلى قسم دار السلام الذى تعيش فى نطاقه وتم تحرير محضر إدارى برقم «1380/2012»، على أمل أن تساهم الشرطة فى العثور على المتغيب، وبعد إنهاء المحضر قال أمين الشرطة للأسرة: «هنبقى نتصل بيكم لو لقيناه، بس روحوا دوروا فى المستشفيات والمشارح يمكن تعتروا فيه»، انقبض قلب أم عمر من كلام أمين الشرطة، حاولت بناتها الثلاث تخفيف وقع الكلمات القاسية عليها، وسالت دموعها وهى تتساءل فى حسرة وأسف: «يا ترى يا ابنى فين أراضيك؟».

صممت الأم ألا تعود للمنزل وقررت أن تطوف بمستشفيات القاهرة فى رحلة بحث وهى تحمل صورة ابنها، لم تترك مستشفى إلا وسألت فيه عن ابنها، الإجابة كانت واحدة: «مفيش حد بالشكل ده عندنا». فى قسم الطوارئ بالقصر العينى لاحت بارقة أمل مريرة، فمسئول «النوبتجية» قال لهم: «مفيش مصابين مجهولين فى المستشفى»، لكنه استدرك قائلا: «اسألوا فى المشرحة تحت»، انقبض قلب الأم وبناتها بمجرد سماعهن كلمة مشرحة، لكنهن أصبحن يتوقعن الأسوأ بعد رحلة البحث المضنية دون بارقة أمل، وأصبحن على استعداد لمواجهة الحقيقة مهما كانت مريرة، حتى لو كان مستقرها تحت تراب القبور. اتجهت الأم وبناتها إلى موظف المشرحة الذى أكد لهم أن مواصفات عمر لا تنطبق على أى من الجثث الموجودة بالثلاجة، أطلقت الأم زفرة راحة، فما دام الابن ليس فى المشرحة يبقى الأمل قائما فى العثور عليه حيا. لكن سرعان ما أطبق عليها ظلام الحيرة مرة أخرى وهى تتساءل: «هلاقيه فين؟».

عشوائية البحث

مرت أيام ورحلة البحث تتردد بين الأمل والرجاء، وخطر لإحدى الأخوات أن تجرب وسيلة جديدة، وقالت: «استحالة هنقدر ندور فى كل المستشفيات اللى فى الجمهورية، إحنا هنطبع ورق ونوزعه على الناس ونلزقه على الحيطان»، خطوة اعتبرتها الأسرة مهمة قبل أن تبدأ رحلة البحث المضنى.

صباح اليوم الذى حددته الشقيقات الثلاث لبداية رحلتهن كانت «الوطن» جاهزة لترافقهن فى رحلة البحث داخل ثلاجات الموتى. رصدت الجريدة فى بعض المستشفيات موتى مجهولين لم يُستدل عليهم، وبدا أن المصادفة وحدها هى التى يمكن أن تقود أهلهم للعثور عليهم؛ ففى مستشفى بالهرم كان يرقد جثمان مجهول منذ أكثر من شهر، بينما مشرحة مستشفى «إمبابة العام» يرقد بها ثلاثة جثامين لمجهولين مر عليهم شهر ونصف، بالإضافة إلى جثتين مجهولتين فى كل من مستشفى بولاق الدكرور ومستشفى أبوالنمرس.

تزاحمت الأسئلة فى رؤوس عائلة عمر بعدما رأوا هذه الجثث ملقاة بالمستشفيات: «أين أهالى هؤلاء الموتى الذين أوشكت جثامينهم على التحلل؟ بالتأكيد بحثوا عنهم كثيراً، مثلما نبحث عن أخينا، لماذا لم يستطيعوا أن يجدوهم؟».

مراحل البحث قدمت أجوبة كئيبة عن هذه التساؤلات، فقد اتضح للعائلة كيف أن دوائر البحث مغلقة ومنفصلة وغير مترابطة، والعشوائية تحكم طبيعة البحث الشرطى.

المأساة أخذت بعدا هزلياً فى قصة أخرى كانت بطلتها فتاة تدعى صابرين لا يتجاوز عمرها 19 عاما؛ اختفت صابرين أثناء ذهابها من منزل الأسرة إلى منزل شقيقتها، وألقت دورية أمنية تابعة لقسم شرطة مصر القديمة القبض عليها وأودعوها الحجز، وذهب أهلها إلى نفس القسم لتحرير محضر باختفائها حمل رقم (183/ 2009)، ولم يكلف أمناء الشرطة أنفسهم بالكشف على اسمها فى دفاتر القسم، واكتفوا بتحرير محضر باختفائها.

ويقول ناصر محمد، أمين شرطة سبق له العمل فى مكتب المفقودين، إن «هذا الخلل يرجع لعدم وجود ترابط بين الدفاتر المدون بها أسماء المفقودين وباقى دفاتر القسم، فلا توجد قاعدة بيانات داخل القسم أو المديرية، وما زال الاعتماد فى التسجيل على الدفاتر، إذ لم تدخل أجهزة الحاسب الآلى بعد فى تسجيل المفقودين والمجهولين»، وأوضح أن المجهولين الذين يتم تسليمهم للقسم أو القبض عليهم يتم تسجيلهم فى «الاستيفا»، وهى دفاتر النوبتجية، وأما البلاغ عن المفقودين فيسجل فى دفاتر المتغيبين، ويتضمن البيانات وصورة شخصية بوحدة المتغيبين بإدارة المباحث، ويتوقف إجراء مضاهاة بين الدفاتر على الصدفة أو معرفة أهالى المفقود بأحد العاملين فى القسم، وربما احتاج الأمر كما يقول أمين الشرطة إلى دفع رشوة لإقناع أحد العاملين بإخراج الدفاتر القديمة للبحث فيها رغم ما قد يستغرقه ذلك من وقت.

على حافة الموت

إلى غرفة المجهولين بمشرحة زينهم، انتقلت والدة عمر وبناتها الثلاث ومعهم «الوطن»، للبحث بين الأموات بعد فقدان الأمل فى وجود الابن بين الأحياء، «هل تستطيعين دخول الثلاجة ومشاهدة الموتى؟»، بهذه الكلمات التى يملؤها التحذير والتحدى تحدث موظف المشرحة إلى شيماء أخت عمر التى أصرت على الدخول للبحث عن شقيقها بين الأموات، ورافقتها «الوطن» داخل المشرحة.

شيماء تشعر أن إحدى الجثث لشقيقها.. والعامل يحاول إقناعها بتسلمها

صمت القبور يخيم على المكان، رائحة الموت تفوح من الأرجاء، وقع الخطوات تتردد أصداؤه لتزيد الرهبة فى الممر المؤدى إلى ثلاجة المجهولين، عامل المشرحة يقترب من باب الثلاجة الحديدى، يسحب المزلاج ويفتحها، مساحتها أربعة فى أربعة أمتار، يصل ارتفاع سقفها إلى ثلاثة أمتار ونصف المتر، معلق بها وحدتا تبريد إحداهما معطلة، كما يؤكد عامل المشرحة، بينما جدرانها الملطخة ببقايا الدماء يكسو السيراميك الأبيض نصفها الأسفل، أما الأعلى فمدهون باللون الأبيض، يقبع داخلها جثامين الموتى متلاصقة على أرفف حديدية رصاصية اللون، مثبتة فى أرضية متهالكة من السيراميك، يوضع عليها جثث المحظوظين، بعد وضعهم على حامل مصنوع من مادة من الاستانلس ستيل، بينما عشرات الجثث المعذبة يكتفى بوضعها على حامل استانلس مفرود على الأرض، إن وجد، وإذا لم يوجد فالأرض تتكفل بحملها.

تغمرنا رائحة الموت، شيماء تكاد تفقد وعيها، تتمالك أعصابها، وتواصل وقد شحب لونها، تتقدم بخطوات مرتعشة داخل الثلاجة، تقع عيناها على جثث متناثرة فى أرجاء المكان، وبعض آثار للدماء، أعمار الموتى تبدو على وجوههم، فمنهم أطفال لم يبلغوا من العمر سوى أشهر، وشباب فى مقتبل العمر، وشيوخ، آثار التعفن طمست بعض ملامحهم، كل جثة مثبت بها ورقة صغيرة مدون عليها تاريخ دخولها المشرحة وطبيعة حادثة الموت ورقم المحضر، عليها ملابسها التى جاءت بها، بعض المصادر فى دوائر النيابة تتحدث عن حالات سطو على بعض قطع الملابس إذا كانت حالتها تغرى بالسرقة. ورصدت «الوطن» أن الثلاجة من الداخل حرارتها مرتفعة، ودرجة التبريد محدودة، فطبقاً لقياسات ترمومتر حرارى كان بحوزتنا، بلغت درجة حرارة الثلاجة 28 درجة مئوية، بينما سجل نفس الترمومتر درجة الحرارة بالخارج فإذا بها 33 درجة مئوية، الأمر الذى قد يتسبب فى سرعة تحلل بعض الجثامين.

درجة حرارة الثلاجة 28 درجة فقط لا تكفى لحماية الجثث من التحلل

راحت شيماء تتحسس الأرض تحت أقدامها وهى تخطو وسط الجثث، وقعت عيناها فى أقصى الثلاجة على جثة شاب عشرينى يشبه أخيها، فانقبض قلبها وأجهشت بالبكاء، اقتربت منه قائلة: «ده هو عمر»، التفت إليها عامل المشرحة.. يتقدم ليحمل الجثة ويقربها منها كى تفحصها جيداً، كانت الجثة على وشك التحلل، والرأس خالية من العيون، نظرت الفتاة إلى الجثة جيداً، شعرت أنها تشبه أخيها بقدر كبير، سألها العامل: «بصى كويس، هو أخوكى كان عنده علامات فى جسمه؟»، تذكرت ندبة من أثر جرح قديم كانت تسكن ذراع شقيقها اليسرى، جاءها صوت العامل: «الجرح بعد الموت بيختفى»، ثم راح يؤكد لها أن الجثة لشقيقها.

قلّب العامل الجثة بين يديه قبل أن تسأله الفتاة: «إنت بتفتشها ليه؟»، رد بسرعة: «ممكن يكون معاه بطاقة، لأن فيه جثث استلمناها من الشرطة قبل كده، وكان معاهم بطاقة فى جيوبهم، أحيانا محدش من الشرطة بيكلف نفسه ويفتش الجثة، بيجيبها للمشرحة على إنها مجهولة».

أثارت الكلمات دهشتنا، وقالت شيماء كأنما تحدث نفسها: «يعنى ممكن ميت ييجى المشرحة على إنه مجهول، ويكون معاه بطاقة؟».

أمام هذه الدهشة يروى عامل المشرحة أن هناك جثة لشاب فى العقد الثالث ظلت فى الثلاجة أكثر من ثلاثة شهور ولم يتم التعرف على هويتها، وأثناء تغسيله وتكفينه عثر العامل على صورة شخصية فى جيب البنطلون الذى كان يرتديه، تقريبا لشخص صاحب الجثة، كما يقول العامل، وهو يحمل طفلة صغيرة تشبه ملامحها ملامحه إلى حد كبير، مضيفاً أنه لو تم اكتشاف هذه الصورة وقت العثور على الجثة، خاصة أنه عندما جاء كان وجهه مشوها، كان من الممكن أن تكون سببا فى تحديد هوية صاحب الجثة، لكن «الوقت كان أزف» وإكرام الميت دفنه على حد تعبيره.

الجثث المجهولة لا تخضع للتفتيش و أحيانا يعثرون على أوراق الميت بعد شهور

بينما تحكى السيدة الستينية «أم عاطف» التى قضت عشرة سنوات فى تغسيل الجثث المجهولة، عن جثة مجهولة لبنت عشرينية ماتت مقتولة فى الشارع ولم يتم التعرف عليها أو من المتسبب فى قتلها، وبعد أيام من دخولها المشرحة فوجئت بشابين كل واحد منهما يدعى أن الفتاة المقتولة زوجته، حيث قال الأول إن اسمها «بسمة» وهى زوجته ويريد أن يتسلم جثتها، بينما قال الثانى إن اسمها «إيمان»، وإنها زوجته ويريد تسلمها، وأمام إصرار الاثنين على تسلم جثة البنت المجهولة، طالبتهما «أم عاطف» بالانصراف وإلا سوف تبلغ وكيل النيابة، وبالفعل انصرف الشابان ولم ترهما «أم عاطف» بعد ذلك، وتم دفن جثة الفتاة المجهولة دون أن يتعرف عليها أحد. وهناك موقف آخر لا تنساه سيدة المشرحة، عندما جاءتها جثة محترقة لأم تحتضن طفلها الصغير، واحترق الاثنان معا، لم يتم التوصل إلى أى شخص من أهلها وتم دفنها مع ابنها.

جهل أم استهتار؟

سألت شيماء العامل عن إجراءات تنفيذ تحليل الـ«DNA» أو البصمة الوراثية، كى تتأكد من هوية هذه الجثة وما إذا كانت تخص أخيها، نصحها العامل بأن تتوجه إلى نيابة المعادى التى تتبعها المشرحة لسؤالها، فى صباح اليوم التالى، ذهبت شقيقة عمر إلى رئيس نيابة المعادى، الذى أكد لها أن تكلفة هذا التحليل عالية جدا تصل إلى آلاف الجنيهات، وأسرة المتوفى هى التى تتحمل تلك النفقات، قائلا لها: «إنتى مش قلتى إن هو أخوكى، وهتستلموا الجثة؟»، محاولا إقناعها بأن ملامح المتوفى تختلف بعد فترة، مضيفا: «استلميه وخلاص»، أحست الأسرة الفقيرة التى تحتاج إلى معجزة يومية لتدبير أمور حياتها أن باب التحاليل الوراثية موصد أمامها ولا سبيل لفتحه.

حدث هذا على الرغم من تأكيد الدكتور إحسان كميل جورجى، رئيس مصلحة الطب الشرعى، فى تصريحات خاصة لـ«الوطن»، أن الحكومة هى التى تتحمل تكلفة التحاليل التى تصل نفقاتها إلى 500 جنيه فقط، وأضاف أن كثيرا من الناس لا يعلمون عن هذه التحاليل شيئا، وقال: «يتم تسليم الجثمان للنيابة وهى التى تقرر إذا كان يجرى تحليل البصمة الوراثية أم لا، أثناء تسليم الجثمان».

لماذا إذن أوصد رئيس النيابة الباب فى وجه أسرة عمر؟ هل هو جهل بالإجراءات القانونية أم أنه استهتار بمعاناة الأسرة لأنها تنتمى إلى الطبقة البسيطة من أبناء الشعب؟ أسئلة جديدة أضافت إلى المعاناة والمأساة التى تسحق الأم وبناتها بلا رحمة.

وقال د. جورجى إنه لا توجد إحصائيات رسمية بأعداد المجهولين الذين يدخلون إلى مشرحة زينهم سنويا، نافياً وجود إحصائيات حالياً بالجثث التى تخرج إلى الدفن فى مقابر الصدقة أو يتم التعرف عليها ويتسلمها أهالى المتوفى، موضحا أن متوسط الأعداد التى تدخل يوميا 5 حالات، يتم الاكتفاء بتسجيل جميع الحالات فى دفاتر، سواء دخول أو خروج الجثامين، وعند الحاجة إلى أى معلومة خاصة بأى حالة يتم الرجوع إليها.

وكشف إطلاع «الوطن» على الدفاتر التى يتولى التسجيل بها أكثر من موظف، عن وجود عدة دفاتر، تتنوع بين دفاتر تسجيل تسلم وتسليم الجثث أو دفنها، وأخرى خاصة بعمليات التشريح ونتيجتها، ويتم الاكتفاء بتسجيل رقم المحضر الخاص بكل جثة وقسم الشرطة الذى قام بتسليم الجثة ووقت دخول الجثة، وتتطلب عملية البحث عن أى حالة من المستعلِم تحديد الشهر أو تاريخ الاختفاء حتى يتمكن من الاستعلام عن الجثة المطلوبة.

وفى عودة للدكتور جورجى، أرجع السبب فى تراكم جثث المجهولين داخل المشرحة إلى النيابة العامة بصفتها المسئولة عن إصدار تصاريح دفن الجثث المجهولة، وقال: «نسعى الآن إلى استصدار قرارات من النيابة لدفن الجثث المجهولة حتى نكون على استعداد لاستقبال أى كارثة، خاصة أن وجود جثث المجهولين فى المشرحة ليست له فترة زمنية محددة حتى يصدر تصريح بدفنهم، وقد يضر ذلك بالجثث خاصة أن الثلاجة تقلل التعفن ولا تمنعه، ومع طول الفترة يبدأ الجثمان فى التعفن، وإذا تجاوز خمسة شهور فى المشرحة يكون من الصعب التعرف عليه أو التعامل معه فنيا لمعرفة سبب الوفاة».

أما المفاجأة التى كشفت عنها تصريحات «جورجى» فهى أن هناك بعض الجثث الخاصة بضحايا الحدث الإرهابى الذى استهدف طائرة شرم الشيخ ظلت فى المشرحة لمدة عامين بسبب التحقيقات، مضيفا أن جثث المجهولين يمكن أن تقبع داخل المشرحة لسبعة شهور، مما يؤدى إلى تعفن الجثة وصعوبة تحديد ملامحها.

ويقول الدكتور عادل عدوى، نائب وزير الصحة السابق، إن المشاكل فى غرف «BM» المعروفة بالمشرحة فى المستشفيات الحكومية، تنقسم إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى تحدث بسبب تناثر الجثامين المجهولة فى المستشفيات على مستوى الجمهورية، مما يجعل من الصعب جداً وصول أهالى المتوفى إلى جثمان ابنهم المفقود، وتكون النتيجة تصريحا بدفن الجثمان فى مقابر الصدقة لعدم الاستدلال عليه، بينما لا يزال الأهل يبحثون عنه وفى اعتقادهم أنه ما زال على قيد الحياة. ويؤكد د. عدوى أن هذه المأساة دفعته لاتخاذ قرار قبل ترك الوزارة بتخصيص مشرحة فى كل محافظة لاستقبال الجثث المجهولة فقط بدلا من تناثرها فى جميع مستشفيات المحافظة، وأوضح أن هذا القرار جاء نتيجة دراسة لمعاناة أهالى المفقودين والعاملين فى المستشفيات.

وقال د. عدوى إن المجموعة الثانية من المشاكل تتعلق بمدة حفظ الجثمان فى الثلاجة، إذ إن أقصى مدة لهذا الحفظ تكون 48 ساعة، ويمكن أن تزيد قليلا، ولكن ما يحدث أنه فى بعض الحالات يظل الجثمان فى الثلاجة لمدة شهر وأكثر، وأوضح أن الخطورة هنا تكمن فى إمكانية حدوث أى عطل فى ثلاجة المشرحة أو انقطاع للتيار الكهربائى عنها مما يؤدى إلى تعفن الجثث وتحللها. والمجموعة الثالثة من المشاكل تتعلق بقلة وحدات الحفظ داخل الثلاجات، خاصة فى المحافظات الحدودية، مثل شمال سيناء التى تعانى من قلة هذه الوحدات داخل الثلاجة، مما يتسبب فى أزمة فى حالة زيادة الجثامين.

وضع حد لمعاناة المفقودين وأهاليهم يحتاج إذن إلى حل مشاكل كثيرة؛ فى طرق تسجيل المحاضر وأيضا فى حفظ الجثث المجهولة والاستدلال عليها، فهل يتحرك أحد لوضع حد لهذه المآسى؟

ومن جهة أخرى، فشلت جميع محاولات «الوطن» التى استمرت على مدار ثلاثة شهور، فى التواصل مع إدارة الإعلام بوزارة الداخلية باعتبارها الطرف الثالث فى قضية معاناة أهالى المفقودين، بهدف إمدادنا بأعداد المفقودين والجثث المجهولة وفقا لمحاضر وبلاغات الوزارة، خاصة أنها الجهة التى يتقدم إليها أهالى المفقودين بالبلاغات، وتقوم بتسليم الجثث المجهولة إلى المشرحة، لكننا رغم إرسال الفاكسات والزيارات المتكررة إلى مقر الوزارة لم نجد أى تجاوب، مما دفعنا إلى اللجوء إلى مصادرنا الشخصية داخل أروقة مبنى الوزارة الأمنية، وجاءت الإجابة أنه لا توجد إحصائيات سنوية عن أعداد المفقودين أو الجثث المجهولة، إذ بمجرد انتهاء الدفاتر، يتم الاكتفاء بدخولها إلى المخازن دون إحصاء الحالات المسجلة بها، حيث لا تخرج منها مرة أخرى!


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.