الإسكندرية: عشش السكة الحديد، الحياة بين الأمراض والزواحف

1 أبريل 2014

 المصري اليوم لم تتخيل زينب حميدة، بعدما دفنت زوجها، ولملمت ما تبقى لها من أثاث، بعد انهيار العقار الذى كانت تسكن فيه- أنها ستضطر إلى الإقامة مع ابنتيها داخل «عشة» من الخشب والصفيح بلا خدمات على شريط السكة الحديد فى القبارى، غربى الإسكندرية. هذا *ما حدث مع زينب التى أدركت قبل 10 أعوام أن حلم حصولها على شقة من المحافظة تحمى أسرتها من بهدلة الشارع- يبدو بعيد المنال.

«ما فيش فلوس، وما لقيتش حته تلمنى، وتستر بناتى أحسن من هنا».. قالتها زينب البالغة من العمر 55 عاماً، وهى تشير إلى زقاق ترابى ضيق يكاد يكفى مرور شخص واحد، وتفتح عليه أبواب مجموعة من العشش المبنية من الخشب والصفيح أو من الطوب الأبيض، ولا تتجاوز مساحة أكبرها 15 مترا مربعا.

على امتداد مسافة كيلومتر تقريباً، بحذاء شريط السكة الحديد وقرب محطة القطارات تتناثر نحو 300 عشة، يقطنها نفس العدد من الأسر، ويصل متوسط عدد أفراد كل منها إلى 4 أفراد، وكان هناك 200 عشة فقط فى المنطقة قبل نحو عامين، كما ظهر فى إحصاء أجراه حى غرب التابعة له المنطقة- أى أن العدد يزيد 50 عشة فى المتوسط كل عام.

قالت زينب التى تعمل ابنتاها الشابتان فى تنظيف المنازل إن كل محاولات تركهن المنطقة باءت بالفشل، لأنه ليس لديهن دخل يتيح لهن استئجار حجرة واحدة فقط فى مكان آخر، مشيرة إلى أنها ترغب فى مغادرة المنطقة بسبب ما تعانيه من أمراض تقول إنها أصيبت بها، عقب مرور 4 سنوات على استقرارها بالمنطقة، أبرزها الفشل الكلوى والالتهاب الكبدى، وفقاً لفحوصات طبية حديثة أظهرت أوراقها.

وأضافت: «إحنا عايشين عيشة الكلاب، الوضع هنا ما يرضيش حد أبداً، لا نومة كويسة ولا ميه نظيفة، ولا صرف، ولا كهرباء، والمرض ينهش أجسام الناس كلها».

رغبة زينب فى المغادرة قابلها إصرار على البقاء من جانب جارتها رضا قبارى، (37 سنة)، التى تسكن فى المنطقة منذ 8 سنوات، ولديها 7 أطفال: «إحنا ناس غلابة مش عايزين نتشال من هنا، وراضيين باللى إحنا فيه بس يوصلوا لنا الميه والنور والصرف ويسيبونا فى حالنا». لافتة إلى أن هذا الطلب يرفضه رؤساء شركات المياه والكهرباء والصرف الصحى بالمحافظة، بحجة مخالفته القوانين، باعتبارها منطقة غير مخططة أو منظمة من جانب الحى، على حد قولهم.

يذكر أن سكان العشش التى يعود تاريخ ظهورها إلى نحو 20 سنة مضت يحصلون على مياه الشرب منذ 7 أعوام من بئر حفروها على عمق 16 متراً، وقبلها كانوا يحصلون عليها من «اسطبل الأفندى» للخيول الذى يبعد عن المنطقة نحو 400 متر. وتنقل ماسورة بلاستيكية لا يتجاوز قطرها 4 بوصات مياه الصرف الخاصة بكل عشة إلى مسافة لا تتجاوز المترين خلف العشش. وقال الدكتور ثروت عبد الفتاح، أستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة الإسكندرية، إن هذا الوضع كارثى، فعمق البئر ليس كافياً لاستخراج مياه صالحة للاستخدام الآدمى، بخلاف تشبع المنطقة بمياه الصرف الخاصة بهم، لذا لا بد من توقف الأهالى عن استخدامها فوراً، لأنهم يشربون مياها جوفية مختلطة بالمجارى.

وأضاف إن الدراسات أكدت تشبع هذه المنطقة أيضاً بالمياه المهاجرة أرضاً من بحيرة مريوط القريبة منها، فى ظل أعمال الردم والتعديات التى تشهدها البحيرة، وهى مياه ثبت أنها تحتوى على ملوثات عضوية وصناعية خطرة، على حد وصفه.

ويشكو سكان العشش من انهيار الأسقف الخشبية واندلاع الحرائق فى بعضها، خاصة فى فصل الشتاء بفعل عشوائية تركيب أسلاك الكهرباء، حيث يسرقون التيار الكهربى من أعمدة الشوارع. قال خلف عبدالحكم عباس، (65 عاما)، الذى يقطن إحدى العشش الخشبية: الأمطار تغرقنا فى الشتاء، فالأسقف تشبعت بالمياه وانهار معظمها، وتبطينها بالخرسانة أو المشمع لا يجدى.

وحكى عصام جمعة عن حريق التهم عشته الصيف الماضى، قائلاً: لاتزال على ذراعى آثار الحريق الناجم عن ماس كهربائى فقدنا بسببه كل متاعنا، وكدت أخسر حياتى أيضاً.

الافتقار إلى الخدمات لم يكن مصدر الشكوى الوحيد من الحياة التى يعيشها هؤلاء المواطنون، لكنهم يشكون أيضا من انتشار الزواحف والحشرات المميتة، قال سيد عبدربه، أحد سكان هذه العشش من داخل عشته التى تسودها القذارة، وتغطى أرضيتها الطحالب الناشئة بفعل مياه الصرف: أصبحنا ننام وأعيننا مفتوحة، خوفاً على أطفالنا وأرواحنا من لدغات العقارب والثعابين التى كثيراً ما تتسبب فى انسداد مواسير الصرف الصحى وغرق العشش بمياه المجارى. مسؤولو المجالس المحلية السابقة كانوا يدركون خطورة مشكلات المنطقة، لكنهم لم يمتلكوا الإمكانيات لحلها آنذاك، قال صابر رواق، رئيس لجنة تنمية وتطوير العشوائيات بالمجلس الشعبى المحلى المنحل للمحافظة: لم نكن نمتلك عصاً سحرية، لتنمية المنطقة أو نقل سكانها إلى مناطق لائقة.

ويرى بهاء الدين مبروك، خبير التنمية المجتمعية، مدير المشروعات بجمعية الحرية لتنمية المجتمع والبيئة، أن الجهود الرسمية تأثرت سلبا بأحداث ثورة 25 يناير 2011، قائلا: المشروعات التطويرية شهدت تراخيا وتراجعا تدريجيا، بسبب تخوف مسؤولى الأحياء والمحافظة من تحمل مسؤولية أى قرار يتخذونه طوال الفترة الماضية.

وقال اللواء أحمد محمود متولى، رئيس الحى منذ يونيو 2012، إن المسؤولية لا تقتصر على الحى أو المحافظة فقط، وإنما تمتد إلى هيئة السكك الحديدية التى قال إن معظم سكان العشش يتعدون على حرمها الخاص، مشيراً إلى أن عدد من هذه العشش يقع ضمن حرم السكك الحديدية، ولا نستطيع إزالتها إلا بقرار منها، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

وأشار إلى أن دور الحى يقتصر على إبلاغ المحافظة بمشكلات المنطقة وحصر عدد سكانها على أن تتولى الأخيرة مسؤولية التنسيق مع صندوق تنمية وتطوير العشوائيات التابع لمجلس الوزراء، لوضعها ضمن أقرب خطة تطوير يتم اعتمادها.

ورفض محمد حسن، رئيس الإدارة المركزية للهيئة فى الإسكندرية، التعليق بحجة وجود تعليمات وزارية تقضى بعدم الإدلاء بأى تصريحات صحفية.

قال اللواء حسين رمزى، سكرتير عام المحافظة، إن الأولوية فى عملية التطوير تكون للمناطق العشوائية الأكثر خطورة المعرضة لانهيار صخرى أو جبلى، تليها المناطق ذات المسكن غير الصالح للإقامة ثم تلك التى تفتقد المرافق العامة بأنواعها.

وإلى أن تتوفر المخصصات، وتدخل عشش حرم السكة الحديد فى مخطط التطوير، سيبقى سكانها يعانون غياب الخدمات وغزو الأمراض والزواحف.

تم إعداد هذا التقرير الإخبارى بدعم شبكة أريج إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية، ضمن برنامج تدعيم الإعلام لتغطية قضايا الإدارة العامة فى المحافظات)


تعليقاتكم

رد واحد على “الإسكندرية: عشش السكة الحديد، الحياة بين الأمراض والزواحف”

  1. يقول Len:

    Your style is really unique compared to other people I have read stuff from. Thanks for posting when you have the opportunity, Guess I’ll just bookmark this web site.|

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.