اغلب صيدليات دمشق تلتزم بعدم بيع الأدوية التي تحتوي مواد مخدرة بدون وصفة طبية

1 أبريل 2007

بورصات وأسواق- كشف تحقيق أجرته مجلة “بورصات وأسواق” على أن معظم الصيدليات العاملة في مدينة دمشق التي يقطنها 6 ملايين نسمة ترفض بيع الأدوية التي تحتوي مواد مخدرة دون وصفة طبية مع أن عددا منها أبدى استعدادا لبيعها دون وصفة طبية مخالفة بذلك تعليمات وزارة الصحة.

أما الصيدليات القليلة التي قبلت بيع الدواء، تحت وطأة الإصرار والإلحاح، فكان أصحابها يترددون في بداية الأمر، لكنهم غالباً ما كانوا يقبلون بيع الدواء مرفقاً بنصائح مثل أن ” هذا الدواء ممنوع وخطير ويسبب الإدمان…الخ”.

تم اختيار نوعين من الأدوية الأكثر انتشارا بين المدمنين كعينة لإجراء التحقيق، وهما دواء السعال “سيمو” الأخضر لاحتوائه على الكودائين، و “بالتان” وهو دواء يعطى للحالات النفسية، أو كما قال أحد الصيادلة في المركز الوطني لمعالجة الإدمان أن (بالتان) يعطى بالتدريج للمدمنين على مادة (الهيرويين) قبل أن يتم منع الدواء نهائياً عنهم.

وقسمت مدينة دمشق إلى أربع مناطق، بحسب مستواها الاجتماعي- الاقتصادي. وتمت دراسة الاحياء التالية: المزة ، المخيم ، مشروع دمر ومساكن برزة، وفيها من الصيدليات حسب إحصاءات نقابة الصيادلة 32 و34 و 21 و 19 صيدلية على التوالي.

لكن هذه الأرقام تختلف على أرض الواقع، ففي بعض الأحياء كان عدد الصيدليات أكبر في حين كان أقل في بعضها الآخر وذلك بسبب تداخل هذه المناطق وعدم وجود حدود إدارية واضحة تفصل بينها (صيدلية واحدة يتم تصنيفها ضمن منطقتين أحياناً).

تمت زيارة 44 صيدلية في المزة، 46 في منطقة المخيم، 17 في منطقة مشروع دمر، و20 في منطقة مساكن برزة.

النسبة العظمى من هذه الصيدليات رفضت قطعياً بيع الدواء بدون وصفة طبية التزاما بتعليمات القانون.

إلا ان ما نسبته 30% تقريباً من الصيدليات، وبعد إلحاح شديد، طلبت العودة بعد يومين، أو أسبوع مثلاً، للحصول على الدواء المطلوب.

وبالعودة إلى هذه الصيدليات، وافق 12 منها على بيع الدواء في حين تهرب أصحاب 18 من وعدهم السابق. كانت حصيلة الجولة الاخيرة 3 علب “سيمو”، دواء السعال الاخضر والذي يحتوي على الكودائين، وظرف “بروكسيمول” وظرفين “زينيكس”.

قليل من دوريات المراقبة…. لكثير من الصيدليات

حسب نظام التوزيع الدوائي المتبع محليا، تستلم الصيدليات الادوية التي تحتوي مواد مخدرة من المستودعات الطبية التي تسلمها بدورها من المصنع من خلال شبكة موزعين. ويجب على الصيدلي المعني تسجيل الوصفة الطبية لكل دواء تم بيعه ويحتوي على مواد مخدرة في دفتر “الادوية النفسية”.

تتم الرقابة عن طريق نقابة الصيادلة بالتعاون مع دائرة الرقابة الدوائية التابعة لمديرية صحة دمشق. وعادة ما يقوم ثلاثة أشخاص على الأقل بهذه الدوريات. لكن وبعد أكثر من زيارة لنقابة الصيادلة قال مصدر مسؤول لمجلة “بورصات واسواق” (تراجع فيما بعد وطلب حذف كلامه من التحقيق) أن كوادر نقابة الصيادلة ومديرية الصحة “لا تكفي للقيام بجولات على صيدليات دمشق” البالغ عددها تقريبا 1147 صيدلية. إضافة إلى أن “وزارة الصحة وبالتعاون مع مديرية الصحة هي التي تمنح الصيدلي الرخصة، فعلى أي أساس تُلزم النقابة بمراقبة الصيدليات؟”

في عام 2005 تم تسجيل ست حالات فقط لصيدليات تبيع الأدوية المخدّرة دون وصفة طبية، منها ثلاث تضمنت إنذارا للصيدلي نفسه و إغلاق الصيدلية وتحويل الصيدلي المسؤول إلى مجلس التأديب.

وعادة ما يوجّه الإنذار للصيدلي ثلاث مرات، يعقبها تنبيه، وفي حال تكررت المخالفات يحوّل الصيدلي إلى مجلس تأديب من قبل نقابة الصيادلة ثم يجري تحقيق معه من قبل مديرية الصحة. كما يغرم الصيدلي بمبلغ يتراوح بين 3000ـ 5000 ليرة سورية (60-100$)، وعند تكرار الشكاوى يتم إغلاق الصيدلية لمدة أقصاها شهر كما يتم سحب رخصة الصيدلي ورخصة الصيدلية كحل أخير في حال عدم الالتزام بما سبق؛ بحسب القانون والتعليمات.

زيادة في إنتاج الدواء المخدر

لم يكن ممكناً من خلال زيارات متعددة لمعامل الأدوية والمستودعات لإجراء التحقيق بالتعاون مع شبكة أريج – إعلاميون من اجل صحافة استقصائية عربية — معرفة أرقام ونسب بيع الأدوية.

إلا أن مسؤولاً في مديرية الصحة أوضح أن استهلاك مدينة دمشق من دواء بالتان (5 ملغ) بلغ ما يقارب 14400 علبة بين الشهر الأول و الشهر العاشر من عام 2006. أما استهلاك سيمو الأخضر فبلغ 7000 قطعة، وهذا الرقم هو ما يتم إدخاله نظامياً من المستودع إلى الصيدليات في منطقة دمشق.

وخلال البحث عن الأرقام الحقيقية لمبيعات أدوية سيمو الأخضر وبالتان، باءت أغلب المحاولات بالفشل.

حتى السؤال عن اسم المطبعة التي يطبع فيها كرتون الأدوية لمعرفة عدد النسخ التي تطبع لم يجدِ نفعاً لعدم توفر أي مصدر في تلك المطابع.

إلا أن توافر نسخة من الـ GMR الـ Global marketing research) ) ومقرها عمان، الأردن، ويحسب نسبة مبيع كل دواء بشكل وسطي. ساعد المرجع هذا في الحصول على أرقام تقريبية لإنتاج “سيمو” الأخضر وبالتان، علماً بأن هناك معادلات عديدة تستخدم في عملية الحساب وفقاً لهذا المرجع، منها مثلاً أخذ عينة من 200 صيدلية في دمشق وحساب مبيع الدواء في يوم واحد ضرب 1000 يعادل مبيع الدواء في سورية سنوياً.

بحسب المرجع، منذ الشهر العاشر من عام 2005 لغاية الشهر العاشر من عام 2006 بيع من دواء “سيمو الأخضر” 250 ألف قطعة، فيما بلغت مبيعات “سيمو” من دون كودائين 100 ألف قطعة أما بالنسبة لدواء “البالتان” 5 ملغ فبلغت مبيعاته في الفترة ذاتها 200 ألف قطعة. مع العلم بأن النسبة مقسمة على مناطق سورية كالتالي: 45% دمشق ، 35% محافظة حلب ، 20% باقي المحافظات .

في دمشق سبعة عشرة غرفة لعلاج 153 مدمنا؟

في ساحة العباسيين بدمشق، تطل على المارة لافتة كبيرة كتب عليها (الدار الوطنية لمعالجة الشباب من الإدمان) وهو بناء ضخم بجدران بيضاء عالية وأبواب حديدية محكمة الإغلاق. في سجل القبول تدون الكميات المتعاطاة والمنطقة، حيث تبين أن أكثر المناطق عرضة للتعاطي بحسب السجل، هي المناطق التي يعيش فيها الناس حول أحزمة أو خطوط الفقر، مثل أحياء المخيم و مساكن برزة.

و يظهر السجل أيضاً أن عدد حالات القبول في عام 2004 بلغ 744 منها 122 حالة إدمان دوائي. وفي عام 2005 كان العدد الكلي 573، أي أقل من العام السابق، لكن حالات الإدمان الدوائي ارتفعت إلى 153 حالة. كل ذلك في الوقت الذي تحتوي فيه الدار على سبعة عشر سريراً فقط لمعالجة هذه الحالات.

أدوية للمرضى ..وللمدمنين أيضا!

في هذا الاثناء، يستمر تحدي اساءة استعمال الادوية الطبية التي تحتوي على مواد مخدرة. مثل عالية، وهي فتاة جامعية تتعاطى الأدوية المخدرة. بدأت بتناول ثلاث حبات من دواء (بالتان) قبل دخولها الامتحان لأنه يعطيها “طاقة أكبر لتذكر كل شيء” حسب ما قالت.

عالية التي لم تتجاوز الـ23 عاما مقتنعة بجدوى تناول مثل هذا النوع من الدواء. في البداية كانت تتناول نصف حبة (بالتان) يوميا. الآن وبعد مرور ستة أشهر أصبحت تتناول ثلاث حبات كل ست ساعات، مع العلم أنها ايضا كانت تتناول قبل هذا الدواء، وبكميات متفاوتة، شراب السعال (سيمو) الأخضر وهو الدواء الأكثر شهرة لمدمني الادوية الطبية في سورية حيث لا يتجاوز سعره الخمسين ليرة سورية. وفي مرحلة لاحقة صارت عالية تخلط دواء سيمو مع حبوب بروكسيمول (مسكن ألم).

تحصل عالية على هذه الأنواع من الأدوية المخدرة رغم أن قوانين نقابة الصيادلة في دمشق تمنع بيعها إلا من خلال وصفات طبية.

وكانت بارعة في لعب دور الفتاة المسكينة التي غالبا ما “تنسى” الوصفة الطبية الخاصة “بأمها المريضة في البيت”، أو “تضيعها في الطريق أو تاكسي الأجرة” قبل وصولها إلى الصيدلية!!.

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) www.arij.net


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.