استغلال البنوك لعملائها عن طريق بطاقات الائتمان وسط غياب الرقابة الحكومية

5 سبتمبر 2012

صحيفة الوطن – اعتاد أحمد لبيب الذى يعمل مدير تسويق لدى إحدى الشركات المالية، وعمل فى إدارة تسويق أحد البنوك فى وقت سابق، على قضاء مشترياته اليومية باستخدام بطاقة الائتمان «كريدت كارد»، التى يطلق عليها فى العالم المصرفى «النقود البلاستيكية». لم يكن يعلم عند قيامه باستخدام بطاقته الائتمانية، لدى أحد البنوك الكبرى، أنه يتعرض لعملية نصب ونهب، تستهدف تحقيق أعلى المكاسب على حسابه، كما لم يعلم أن تلك العملية ستصل به إلى مرحلة تعثر فى سداد مديونيات لم يحصل عليها.

قصة أحمد -الذى رفض التصوير لدخوله فى نزاعات قضائية مع أحد البنوك- بدأت مع بطاقة الائتمان منذ 5 سنوات، عندما توقف عن السداد فى يناير من العام الماضى، على مديونية قيمتها 2000 جنيه فقط، ليفاجأ فى أوائل العام الجارى بكشف حساب تصل مديونيته إلى 4400 جنيه بعدما توقف عاماً عن استخدام البطاقة أصلا.

أحمد واحد من ملايين المصريين الذين يحملون بطاقات الائتمان، البالغة 10 ملايين بطاقة فى مصر، وفقا لدراسة مؤسسة فيزا العالمية، والتى يستخدمها البعض لشراء احتياجاتهم اليومية بدلا عن حمل مبالغ مالية، فيما يستخدمها البعض كنوع من الوجاهة الاجتماعية، بينما يحملها آخرون لحل أزمات مالية عاجلة وسريعة يتعرضون لها بسبب التزامات وقتية مفاجئة.

تقول دراسة «فيزا» إن بطاقات الائتمان تستخدم مرتين أسبوعيا، وإن أغلب إنفاق المواطنين بواسطتها يكون فى المطاعم ووسائل الترفيه، حيث تبلغ نسبة الإنفاق بها 65% من قيمة الإنفاق العام بهذه الوسيلة، ويأتى الصرف على الموضة والإكسسوارات فى المرتبة الثانية، باستخدام بطاقات الائتمان، حسب الدراسة.

لم يعبأ الملايين من حاملى البطاقات، أمثال أحمد، بما قد تجلبه تلك البطاقة الخفيفة الأنيقة من مشاكل، التى تسمح لحامليها باقتراض مبالغ تفوق 3 أضعاف دخولهم الشهرية، وتتمثل المشاكل فى ارتفاع المديونية والتعثر المالى، وربما تصل لساحات القضاء.

«الوطن» أجرت تتبعا للبنوك العاملة فى مصر، التى يبلغ عددها 39 بنكا، وتقدم عمليات التجزئة المصرفية، ومن بينها «بطاقات الائتمان»، التى تعتبرها البنوك الورقة الرابحة فى استثماراتها، بهدف معرفة طريقة حساب الفائدة، لتضع يديها على عدة مفاجآت واكتشافات، تفسر تركيز البنوك على التوسع فى قطاع التجزئة المصرفية؛ أولها أن معدل سعر الفائدة يتراوح ما بين 18% إلى 37% سنويا، يحسبها كل بنك وفقا لظروفه الخاصة وتكلفة الأموال لديه، بما يجعل قطاع «التجزئة المصرفية» الأكثر ربحا، بل الأكثر جاذبية لديها، ما جعل البنوك تنطلق فى التوسع فى هذا النظام، متجاهلة الهدف الرئيسى من أعمال البنوك «الاستثمار» وتوفير التمويل للشركات، وتركت الهدف المرجو من بطاقات الائتمان، ألا وهو تنشيط الاقتصاد، ليتحول نشاطها إلى ما يشبه الصراع لنهب أموال المواطن وتحقيق أعلى المكاسب على حسابه فى ظل غياب ضوابط تحكم عمل البنوك فى قطاع «النقود البلاستيكية».

البنوك تتلاعب بالعملاء وتحتسب الأموال المدفوعة

 من الشريحة الأقل فائدة لإغراقهم فى الديون

 وتكشف تقارير البنك المركزى عن شهر يناير الماضى، عن أن قطاع التجزئة المصرفية فى مصر بلغ 103٫4 مليار جنيه تمثل نحو ربع إجمالى القروض الممنوحة للشركات خلال نفس الفترة، بينما تعتبر دراسة شركة فيزا العالمية أن حجم الإنفاق باستخدام بطاقات الائتمان يبلغ 2٫5% من إجمالى حجم الإنفاق العام، وترى أن النسبة منخفضة إذا ما قورنت بالعديد من الدول الأخرى، مثل إنجلترا التى يبلغ فيها حجم الإنفاق 40% باستخدام بطاقات الائتمان.

وهنا يفرض السؤال نفسه: «لماذا تنخفض نسبة الإنفاق باستخدام بطاقات الائتمان فى مصر بالمقارنة بالدول الأخرى؟»، جاءت الإجابة من بسنت فهمى الخبيرة المصرفية ومستشارة أحد البنوك الكبرى، قائلة إن «ثقافة الاستثمار والتعامل فى البنوك لدى الدول الأوروبية والأمريكية، وبعض الدول العربية، مرتفعة للغاية، على عكس مصر»، لكن الخبيرة المصرفية أكدت أن هناك أسبابا أخرى بخلاف الثقافة، تتمثل فى التسهيل على العملاء، وانخفاض سعر الفائدة، بخلاف أن أوروبا تحديدا تهدف إلى زيادة النمو الاقتصادى، وتحريك الاقتصاد، ما دفعها لوضع ضوابط للتعامل ببطاقات الائتمان لتنشيط المشتريات والحفاظ على مصلحة العميل.

ولهذا الهدف أصدر البنك المركزى الأوروبى قرارا بدأ تطبيقه فى يناير 2011، يلزم البنوك التى تمنح بطاقات الائتمان باستخدام طريقة دقيقة، عند استرداد وتحصيل أى أموال من العملاء المدينين، تتمثل فى خصم المبلغ المدفوع من المبالغ التى يتم احتساب فائدة عليها، وهى فى أغلب الأحيان عمليات السحب النقدى، يحقق هذا القرار الحفاظ على مصلحة العميل إلى جانب دفع العميل لإجراء تعاملاته بالبطاقة الائتمانية بشكل دائم، بما يساعد فى عملية الخروج من الركود الاقتصادى والكساد نتيجة لزيادة المشتريات والإنفاق.

 لم يكن الارتفاع المبالغ فيه لسعر الفائدة فى مصر، خاصة فى ظل وجود تجارب دولية وعربية تشير إلى وجود تلك الضوابط الصارمة، الصدمة الوحيدة التى كشفتها «الوطن» خلال تتبع هذا النشاط فى البنوك العاملة فى مصر، وتتوالى الصدمات باكتشاف وجود بنوك تجرى احتساب سعرين للفائدة على بطاقة الائتمان الواحدة، سعر أقل للمشتريات، وآخر أعلى للسحب النقدى، لا يعد هذا كارثة لأنه يهدف لتنشيط الشراء بوصف خبراء مصرفيين، لكن الكارثة تكمن عند إقدام العميل على سداد جزء من مديونيته، إذ يجرى خصمها من المبالغ التى يتم احتساب فائدة أقل عليها، ليواصل البنك احتساب الفائدة الأعلى على المبالغ المتبقية فى الحساب، وتحقيق مكاسب «خلفية» حتى آخر «قرش» يسدده العميل من مديونيته، رافعين شعار «ليه تكسب أقل لما ممكن تكسب أكتر؟»

 ثمة سؤال آخر يطرح نفسه الآن: «ما الضوابط المحددة من قبل البنك المركزى المصرى بشأن التعامل فى بطاقات الائتمان وتحديد سعر الفائدة؟»، لن تجد إجابة شافية هذه المرة، فالبنك المركزى لم يحدد سعر فائدة، وكل ما يقوم به هو تحديد متوسط سعر الفائدة بشكل «استرشادى» للبنوك، فيما تحتفظ كل البنوك التى تعمل فى مصر بكافة صلاحيات تحديد سعر الفائدة وفقا لظروفها وتكلفة الأموال والسيولة لديها، لذلك تختلف أسعار الفائدة من بنك لآخر.

 المفاجئ أن قانون البنك المركزى يضع بعض الالتزامات على البنوك من خلال تقديم التسهيلات الائتمانية، وينص على أن يراعى البنك عند تقديمه لتسهيل ائتمانى لأى عميل أن يتأكد من الجدارة الائتمانية للعميل، وكفاءة إدارة نشاطه، إلى جانب استيفاء خطوات الاستعلام عن العميل، من مصادر موثوق بها، مع مراعاة تجديد الاستعلام مرة على الأقل كل ستة أشهر، بالإضافة إلى التأكد من حسن سمعة العميل، وتوافر موارد ذاتية كافية لديه، تتناسب مع حجم التمويل أو التسهيل الائتمانى المقدم له من البنك والبنوك والجهات الأخرى، فضلا عن العديد من الضوابط الأخرى، التى يرتبط أغلبها بالشركات والمؤسسات دون التطرق إلى الائتمان الاستهلاكى أو الشخصى للمواطنين، فيما يقصد به «بطاقات الائتمان».

تؤكد بسنت فهمى الخبيرة المصرفية أن «البنك المركزى لا يتدخل فى التسعير، وأن سعر الفائدة الذى يحدده «استرشادى» لا أكثر، فكل بنك يجرى احتساب المخاطر وتكلفة الأموال، بطريقته الخاصة، وفقا للسيولة المتاحة لديه، وبنود اتفاقية «بازل» تؤكد أن سعر الفائدة يعكس المخاطر»، و«بازل» اتفاقية اقتصادية وقع عليها البنك المركزى، وتهدف إلى إحكام الرقابة على البنوك، وتضع العديد من الضوابط العامة للبنوك، وصدقت عليها مجموعة الدول الصناعية العشرة.

وتشير «بسنت» إلى أن الضوابط المتاحة بشأن العمل ببطاقات الائتمان فى مصر، ليست إلا متطلبات فنية تتمثل فى وجود نظام يسمح بالسحب من ماكينات البنك والرقابة عليها فقط، فيما تبرر ارتفاع سعر الفائدة المحتسبة على البطاقات، بأن مخاطر قطاع التجزئة المصرفية مرتفعة، والبنك يحاول جمع أمواله فى أقصر وقت، تفاديا لتعثر العميل فى السداد، فيصبح البنك فى أمان تام، وقد حصل على أمواله فى الأشهر الثلاثة الأولى من التعامل بالبطاقة البلاستيكية.

رشاد عبده: البنوك تستغل عدم وجود ضوابط من «المركزى» على البطاقات وترفع شعار: «ليه تكسب أقل لما ممكن تكسب أكتر»

تستحق تجربة دولة الإمارات العربية النظر بعين الاعتبار، حيث وضع البنك المركزى هناك، فى يناير الماضى، سقفا لفوائد بطاقات الائتمان عند 18% سنويا، وانتهى فعليا من وضع اللوائح والتشريعات، لتوحيد الفوائد على البطاقات بأقل من 18%، على غرار دول الخليج العربى، بعد أن لاحظ مبالغة البنوك فى سعر الفائدة، البالغة -للمفارقة- معدلا أقل من المعمول به فى مصر حاليا، وهى مبالغة تستلزم وضع حد أقصى فى أقرب وقت بضرورة ملحة، كما يؤكد أحمد آدم الخبير المصرفى، خاصة فى ظل حرص البنوك على مصلحتها فقط، على حساب مصلحة العميل وحساب الاقتصاد والمصلحة العامة.

 ويحمل آدم البنك المركزى قدرا كبيرا من المسئولية، قائلا: «القضية تتعلق بالسياسة النقدية التى يضعها البنك المركزى»، مستشهدا بالتجربة الأمريكية، التى يبلغ فيها سعر الفائدة على الودائع «صفرا»، فى حين أن سعر الفائدة على بطاقات الائتمان لا يتجاوز 0٫25%، ما ساعد على تنشيط التوسع فى البطاقات من ناحية ونمو الاقتصاد باعتبار أن البطاقات تستخدم فى مشتريات، وجعل كل التعاملات فى الولايات المتحدة تجرى بواسطة بطاقات الائتمان، وأصبح التعامل النقدى شبه معدوم. حاولنا الاتصال بمسئولى البنك المركزى للحصول على توضيح لهذا الخلل، لكنهم رفضوا التعليق تماما، واكتفى جمال نجم نائب رئيس البنك بالقول إن «البنك يعمل وفقا للقانون». يفسر الخبير المصرفى أسباب توسع البنوك العاملة فى مصر فى بطاقات الائتمان، قائلا: «عندما دخلت البنوك العربية السوق المصرية خلال عام 2004، مع بدء عملية هيكلة البنوك، كانت تعتمد فى الأساس على أن حجم السكان يتجاوز 80 مليون نسمة، وعدد الحسابات البنكية لا يتجاوز 7 ملايين، واعتبرت أن التجزئة المصرفية الحصان الرابح فى جذب العملاء، وبالتالى بدأت تتنازل عن الضمانات، لتصبح عملية استخراج بطاقة الائتمان دون أى ضمانات، منتشرة فى السوق، مؤكدا أن أقصى ضمانة يمكن أن تحصل عليها البنوك حاليا، فاتورة كهرباء منزلى أو صورة ضوئية للبطاقة الشخصية، وكشف حساب بنكى».

 ما يقوله آدم موجود فى جميع اتفاقيات التعاقد بين البنوك وعملاء بطاقات الائتمان، التى لا يقرأها أغلب حاملى البطاقات معتبرين أن من يقوم بالتسويق مصدر «ثقة»، لكن العقد دائما ما يكون فى مصلحة البنك، إذ يمنحه صلاحيات لتعديل أسعار الفائدة فى أى وقت يرغب فيه، بخلاف فرض غرامات التأخير والفوائد دون تحديد أى نسبة.

 أحد بنود العقود، المتشابهة غالبا، ينص على أن «حامل البطاقة مسئول مسئولية مطلقة غير مشروطة قبل البنك عن كافة الالتزامات المترتبة على استخدام البطاقة، والنتائج المترتبة على فقد أو إهلاك أو إساءة استخدام البطاقة»، وينص بند آخر على أن «التسهيل الائتمانى الممنوح للعميل يلزمه بسداد الحد الأدنى عن كل مبلغ يتم استخدامه»، ولم يحدد البند نسبة هذا الحد الأدنى، ومسئولو التسويق بالبنوك لا يطلعون العميل عليها، عند توقيع استخراج بطاقة الائتمان، لكن هذه النسبة دائما ما يعرفها حاملو البطاقات عقب أول عملية سحب يمر عليها شهر، إذ يفاجأ برسالة على تليفونه المحمول تقول: «برجاء سداد مبلغ (…) فورا»، حسب أحمد لبيب صاحب قصة المديونية الزائفة.

 الدكتور رشاد عبده، أستاذ الاقتصاد والتمويل بجامعة القاهرة، الرئيس السابق لإدارة الائتمان بأحد البنوك، يؤكد أن البنوك ترفع شعار «ليه تكسب أقل لما ممكن تكسب اكتر؟»، فالمهم لديها المكسب فقط، «إنها لا تنظر لأى مفردات أخرى»، بهذا يصف «عبده» تعامل البنوك مع حاملى البطاقات، قائلا: «إنها طريقة لنهب أموال الموظفين والعملاء، والعميل الخاسر الوحيد»، ويمضى منتقدا أداء البنوك فى مصر، فى هذه الممارسات، بقوله إن «البنوك تستغل عدم وجود ضوابط من البنك المركزى للتعامل ببطاقات الائتمان فى تحقيق مصالحها عملا بمبدأ «اللى تغلبه العبه»، أى مشروع يستهدف المكسب فقط، ويستغل حقوقه الموجودة فى العقد تحت ضغط الحاجة لتحقيق أعلى المكاسب، مجرد طريقة لاستغلال ضعف ثقافة المواطن، يجنون من ورائها مكاسب خيالية تحت غلاف شرعى»، وينهى معلقا: «كمدير لبنك سأضع أموالى فى استثمارات تحقق عائدا أعلى، وأى مدير شركة ناجح سيفعل الأمر نفسه، وأمام البنوك قطاعان للاستثمار؛ أذون الخزانة الحكومية التى تعطى فائدة تصل إلى 15% سنويا، وبطاقات الائتمان التى يتراوح سعر الفائدة فيها من 18% إلى 37%»، إنها حقا مصباح علاءالدين!.

  أنجز هذا التحقيق باشراف من شبكة “أريج” اعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية، ومن إعداد الوحدة الاستقصائية لصحيفة الوطن.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.