الصيد الجائر يسبب انقراض الأسماك الفراتية الشهيرة

30 أغسطس 2008

تحقيق: حمود العجاج

أوقف صياد بجرم الصيد بالصعق الكهربائي.. وبعد عشرة أيام أوقف ثانية بجرم الصيد بالديناميت بتاريخ 30/1/2008 قُدم الصياد (ع . م) إلى القضاء عن طريق الأمن الجنائي في الرقة بجرم الصيد بالصعق الكهربائي في نهر الفرات. وفي 11/2/2008، أوقف ثانية بجرم الصيد بالديناميت، وفقاً لوثائق الشرطة. أي أنه أخلي سبيله بعد التهمة الأولى بأقل من عشرة أيام حتماً، قبل أن يوقف ثانية.

يُرجِع رجال القانون هذا التساهل مع المخالف، في التوقيف الأول على الأقل، إلى عدم ذكر الصعق الكهربائي تحديداً في نص المرسوم 30 لحماية الأحياء المائية الصادر عام 1964، مع أن إحدى مواده تنص على “توقيف من يُشاهد أو يُضبط وهو يصطاد أو يحاول الصيد بالوسائل المحظورة”. والصيد بالكهرباء، الذي لم يكن معروفا قبل 44 عاماً، لا بد أن يعتبر من الوسائل المحظورة.

أما الغرامة المالية المرافقة لعقوبة الحبس البالغة 200 – 1000 ل.س، فكانت تعتبر زمن صدور المرسوم مبلغاً جسيماً، يصعب على الصياد المخالف تدبر تسديده إلى الخزينة العامة. أما اليوم فهي مبلغ ضئيل بكل المقاييس. فإذا أجرينا مقارنة مثلاً بين سعر الذهب ذلك الحين، البالغ قرابة خمس ليرات سورية للغرام الواحد مقابل ما يزيد عن ألف ومئتي ليرة اليوم، تتضح فعالية تلك الغرامة يومئذٍ، وهزالها اليوم.

تطبيق القانون.. آه

يتفق المتابعون لموضوع قانون تنظيم الصيد وإجراءاته القضائية على ضرورة رفع قيمة الغرامة المالية في الوقت الراهن بما يساوي قيمتها الشرائية يوم صدور المرسوم 30 على الأقل، كي تؤدي دوراً أشد تأثيراً في ردع الصيد الجائر الذي أصبح ظاهرة واسعة الانتشار، وليس مجرد حوادث متفرقة، فكيف إذا لم ننسَ أن عقوبة الحبس بسيطة جداً أيضاً، أو حتى تكاد تكون غير مجدية، بدلالة حادثة الصياد (ع . م).

يعاقب المرسوم التشريعي 30 لعام 1964 الصياد المخالف بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وغرامة تبدأ بمئتي ليرة ولا تتعدى الألف. إلا أن ما يحدث على أرض الواقع لا يحقق الردع العام والخاص للصيادين المخالفين.

فالقضاة غالباً ما يستبدلون الحبس بالغرامة، أو تحوّل العقوبة الجنحية إلى عقوبة “تكديرية” بقرار معلل، فيما خلا حالة التكرار. و “العقوبة التكديرية” هي التي لا تتضمن الحبس لأكثر من عشرة أيام.

أكدت وزارة العدل مرة أخرى على أهمية الثروة السمكية ودورها في الاقتصاد الوطني في التعميم 1 لعام1995، والبلاغ 42 لعام 1999، الصادرين عن وزير العدل، اللذين أشارا إلى أن بعض الأحكام القضائية لا ترقى إلى مستوى خطورة ما يُرتكب في حق البيئة.. “ولا تراعي أهمية الثروة السمكية في الاقتصاد الوطني، ولا تكفل في أحكامها تحقيق الردع الخاص في نفس الجاني الذي خالف حكم القانون بصيد الأحياء المائية لكي لا يعاود جريمته، كما لا تكفل تحقيق الردع العام بحيث لا يرتكب غيره الجريمة. ولهذا طلبت وزارة العدل من القضاة والنيابة العامة تطبيق العقوبات الأشد بحق الصيادين المخالفين، والطعن بأي قرار قضائي قد يصدر لصالح الصياد المخالف، والإيعاز أيضا إلى إدارة التفتيش القضائي مراقبة ذلك وإعلام وزير العدل عن كل مخالفة من القضاة بهذا الخصوص”.

قاضي نيابة عامة قال: يصنف الصيد الجائر للأسماك عادةً ضمن جرائم (الجنح)، ويُمنح الصياد الموقوف في المخالفة الأولى الأسباب المخففة التقديرية، استناداً لأحكام المادة (244 عقوبات عام) لمصلحة من ارتكب جنحة، بينما في حال التكرار يجب على القاضي المانح للأسباب المخفّفة أن يعلل قراره تعليلاً خاصاً، وعند ارتكاب المخالفة للمرة الثالثة لا يمكن للقاضي أن يتحاشى تطبيق عقوبة الحبس المنصوص عليها في المرسوم 30، أو على الأقل حدها الأدنى.

أوضح قاضي النيابة العامة أن قضاة الحكم ملزمون بمنح الأسباب المخففة التقديرية في التوقيف الأول، وحتى يتم تجاوز ذلك يجب أن يُعدَّل المرسوم 30 لعام 1964 بما يمنع منح الأسباب المخففة للصيادين بالطرق المحظورة.

أما التعاميم والبلاغات الصادرة عن وزير العدل، كالتعميم 1 والبلاغ 42، فهما وإن حثّا على التشدد في التطبيق، ملزمان للنيابة العامة فقط، وليس لقضاة الحكم.

جرم صغير وآخر كبير

يقول المحامي أحمد العلي الذي يقطن على ضفاف الفرات: “لا يمكن نفي صفة الإجرام عن مرتكبي الصيد الجائر بالطرق المحظورة، إلا أن هذا المفهوم ربما يكون قاسياً لنعت بعض الصيادين، خاصة الذين لا يجدون عملا إلا في مياه الفرات، أو أولئك الذين يعملون لدى كبار الصيادين ولا يحصلون سوى على أجر متواضع، ويكون أحياناً مصدر الرزق الوحيد لهم”.

الصياد محمد (35 عاما) الذي يعيل أربعة أولاد، ليس لديه أي عمل سوى ما يجود به الفرات من بقايا أسماك تعلق بشباكه. واسماعيل (45 عاما) لجأ إلى الصيد بعد أن كُفَّت يده عن عمله في إحدى الجهات الحكومية لمدة تزيد عن أربع سنوات، قبل أن يعاد إليه. كل من محمد واسماعيل لا يقومان سوى بمخالفة صغيرة كالتلاعب بأبعاد فتحة الشبكة.

إن من يريد الصيد يمكنه الحصول على ترخيص رسمي، لكن الترخيص لا يخوله استخدام وسائل غير مشروعة يحرّمها قانون الأحياء المائية، فحتى فتحة الشبكة يجب ألا تقل عن30 مليمتراً، حماية للأسماك الصغيرة.

صيادون مسلحون.. وأصحاب سوابق

إلا أن معظم الصيادين المخالفين ليسوا كاسماعيل ومحمد، بل هم مستخدمو الصعق الكهربائي الذين يسبرون المياه بمحركاتهم الكهربائية في مجموعات تبعث الرهبة، يتجاوز عددهم عشرة في المجموعة الواحدة، يستقلون عدة مراكب خلال كل عملية.

في حادثة وقعت يوم 28 شباط 2007 ووثّقت بالضبط رقم 36 لدى شرطة ناحية الكرامة، أقدمت مجموعة منهم على قطع الطريق العام ومنع مرور سيارة الحماية والاعتداء على عناصر الدورية، وكاد يحصل يومئذ ما لا تحمد عقباه لولا أن سيارة الصيادين اصطدمت بحائط منزل، وفقاً للضبط المنظم بالحادثة.

في مطلع 2008 وصل الأمر ببعض الصيادين حد إطلاق النار على عناصر دوريات الحماية في قرية فخيخة، وكذلك حادثة أبو قبيع التي نظم بها الضبط رقم 184 في شباط 2007، عندما أطلق الصيادون النار من بارودة صيد على عناصر الحماية، بل حاول الصيادون في حادثة أخرى صعق عناصر الحماية بالكهرباء وسط النهر في موقع “طاوي رمان” (الضبط رقم 61 شباط 2007). وفي عام 2000 صب صيادون مخالفون البنزين على احد عناصر الحماية لإحراقه في قرية الشاهر.. ما يؤكد أن أغلبية صيادي المراكب المخالفة مسلحون، بل بيّنت التحقيقات الجنائية معهم أن كثيراً منهم من أصحاب السوابق.

سُجّل عام 2007 تحويل 23 ضبطاً شرطياً إلى القضاء تشمل الاتهام لـ 52 صياداً مخالفاً معروف الهوية، إضافة إلى عدد من مجهولي الهوية. وفي الأشهر الستة الأولى من العام الجاري (حتى 12/6/2008) سُجّل 20 ضبطاً تشمل الاتهام لـ 45 صياداً مخالفاً معروف الهوية، إضافة إلى عدد من مجهولي الهوية. والدلالة الأولية للأرقام الظاهرة في تفاقم.

فاقد الشيء..

وفقا لمدير الثروة السمكية في الرقة لا يتجاوز عدد العاملين في جهاز الحماية 90 عاملاً بين دائم (40 عاملاً) ومؤقت (50 عاملاً)، موزعين على سبعة مراكز، ومسلحين ببارودة واحدة.

يشكو المهندس أحمد معروف رئيس شعبة الأسماك قلة عناصر الحماية وافتقارهم إلى سيارات كافية للإشراف على مسطحات مائية تزيد مساحتها عن 80 ألف هكتار، توجد لديهم سيارتان متهالكتان تحتاجان كميات كبيرة من الوقود يومياً، ولا يمتلك جهاز الحماية اليوم أي زورق لقطر مراكب الصيد المصادَرة، كما توجد حاجة ملحة إلى فلوكات منامة تمكِّن العناصر من الإقامة الدائمة في عمق المياه، بدلاً من مراكز الحماية الحالية التي لا تعدو في الغالب خياماً منصوبة على ضفاف النهر، أو مقطورة جرّار تصل الحرارة والبرودة فيها حدوداً يصعب تحملها صيفاً وشتاءً.

وقد شكا سائق زورق مطاردة من عدم كفاية المحروقات المخصصة لزوارق الحماية، فلا يُخص الزورق الواحد بغير مئتي لتر من البنزين شهرياً، وهي كمية لا تكفي أكثر من حاجة يومين أو ثلاثة أيام.

وبينما لا يتعدى الأجر الشهري للعامل الموسمي من عناصر الحماية خمسة آلاف ليرة شهرياً، “يتمتع” العامل الدائم بالمزايا المعطاة لجميع العاملين في الدولة، وهي تحلّق أعلى بقليل فوق أجور العمال الموسميين. فكيف إذا عرفنا أن العامل الموسمي لا يتمتع بأي نوع من الضمانات المتعلقة بمخاطر العمل وإصاباته.

ولعل قصة عامل الحماية (ع. ا.) (28 عاماً) مثال على الظرف الخطر الذي يعمل فيه العمال الموسميون. عُيِّن(ع. ا) بعقد عمل مدته ثلاثة أشهر عام 2005 ليخرج بعاهة دائمة في يده اليمنى نتيجة تعرضه لإطلاق نار، خلال اشتباك مع صيادين في أحد المسطحات المائية قريباً من قرية (حزيمة) شمال الرقة. وهو لا يستحق وفق قانون العمل المؤقت الحصول على تعويض إصابة عمل، ولم يصرف له من نفقات العلاج التي تجاوزت مئة ألف ليرة، على حد قوله، سوى نذر قليل.

ولم يختلف مصير العامل (م. ف) عن مصير زميله (ع. ا). “عندما قام أكثر من عشرين صياداً برمي عناصر الحماية بالحجارة بالقرب من مدينة معدان، فأصابوني بحجر في عيني اليسرى أفقدها نصف قدرتها على البصر”، على حد قوله.. المفارقة الغريبة في حادثة (م. ف) أن تاجر الأسماك الذي يتعامل مع مجموعة الصيادين التي قامت بالاعتداء، بادر إلى تغطية نفقات علاجه عندما وجده وحيداً لا معين له في محنته!.

تبدو المعاناة محزنة بوضوح في مركز الطويحينة الذي يشرف على حماية القسم الأكبر من بحيرة الأسد، أوسع مسطح مائي عذب في البلد، يحوي مخزوناً سمكياً هائلاً.

لكن مركز الحماية المسؤول عنها ما يزال يفتقد حتى الآن إلى كل شيء، إذ ليس في مقره المتواضع جداً تيار كهربائي، أو مياه شرب نقية، أو خط هاتفي، أو واسطة نقل غير جرار زراعي لا يقوى على المطاردة، وليس له طريق معبد يوصل إليه.

قال رئيس مركز الطويحينة صالح السالم: “يعتمد عملنا بالدرجة الأولى على اتصالات المخبرين عبر الموبايلات، لكن فرص ملاحقة الصيادين المخالفين تضيع أحياناً نتيجة هذه الإمكانيات البدائية”.

وحسب المراقب البيطري عبد المجيد الشيخ رئيس مركز السكر فإن مجموعات الصيادين المخالفين الكبيرة.. “الذين يكون معظمهم مخموراً خلال القيام بالصيد المحظور، لا تتناسب مع هذا الوضع الحزين لمراكز الحماية”.

يشير الضبط رقم 200 تاريخ 30 أيار 2008، الذي نظم في مركز شرطة مدينة معدان، إلى قيام مجموعة من الصيادين بضرب رئيس مركز الحماية وسرقة أربع ربطات من الشباك، من مقر المركز. وقد أخلي سبيلهم بعد نحو عشرة أيام من التوقيف. ومع غياب الضابطة العدلية السمكية يبقى عناصر الحماية في قلق دائم خشية التعرض للمساءلة القانونية بسبب افتراءات صيادين مخالفين، يكيدون لهم بأساليب ماكرة.

يقول الدكتور عصام كروما مدير الثروة السمكية في وزارة الزراعة: ” منذ ربع قرن ونحن نرسل مذكرات إلى الجهات المختصة على المستويين الحكومي والشعبي، لافتين إلى الأخطار المحدقة بالثروة السمكية في حوض الفرات والمصايد السمكية الأخرى. ناشدنا الجميع دعم جهود وزارة الزراعة لنشر الوعي بين الصيادين، ومؤازرة دورياتنا لحماية الأحياء المائية، ومعاقبة المخالفين.. لكن الاستجابة لم تكن بالمستوى المأمول.

بقي العبء على كاهل الوزارة ثقيلاً، تُحال إليها وحدها قضايا الصيد المخالف والمدمّر، فيما تفتقر أجهزة الحماية إلى وسائط نقل، والقليل المتوفر منها متهالك. نُسَيّر بضع مئات من عناصر الحماية، أغلبهم مؤقتون وبعضهم موسميون، نغطي أجورهم من الميزانية الاستثمارية لمشروع تطوير الثروة السمكية، التي كان يجدر أن تُنفَقَ في سبل استثمارية، أكثر فاعلية”.

تطلع مسؤولو قطاع الأسماك في وزارة الزراعة إلى وضع قانون جديد للأحياء المائية، منذ سنوات عديدة. وقد جرت محاولة أولى، منذ سبع سنوات، اقتصرت على تحديث التسميات في المرسوم 30 لعام 1964، في ضوء بعض المستجدات الإدارية كتغيّر أسماء وزارات وإدارات عامة عبر الزمن، حيث أُثير نقاش لاحقاً حول جدوى تعديلٍ محدودٍ على نص مرسوم طاعن في السن، وسّع مدى الرؤية ليشمل مستجدات مواجهة التحدي على الأرض، ونصوص قوانين أكثر تطوراً لحماية الحياة المائية في بلدان أخرى، وضرورة ارتقاء أي تشريع جديد إلى مستوى استراتيجية وطنية، تلحظ احتياجات المستقبل في المدى المتوسط على الأقل. وقد نتج عن النقاش نص مشروع قانون جديد، حوِّل إلى قسم التنمية الإدارية في الوزارة لتعمل على إرساله إلى الرئاسة، كخطوة شرطية على طريق إصدار القانون عن مجلس الشعب أخيراً، لكن الأمر أُجّل إلى ما بعد تشكيل هيئة جديدة للأسماك عوضاً عن مديرية الثروة السمكية ومؤسسة الأسماك معاً، لكي لا يضطر المشرّعون إلى إحداث تعديلات على نص القانون بُعيد صدوره، نتيجة ما قد يطرحه إحداث الهيئة من مهام وتسميات جديدة.

“وقد يصدر قانون إحداث هذه الهيئة قبل نهاية العام الجاري” كما يتوقع الدكتور كروما، الذي يرى “ألاّ ضرورة لرهن صدور قانون حماية الحياة المائية بتشكيل الهيئة، نظراً للضرورة الملحة لمواجهة الاستنزاف المتفاقم للمصايد على الأرض، خاصة وأن صك إحداث الهيئة، إنْ صدر لاحقاً، يمكن أن يضمَّن تسميات استبدالية توائمه بيسر مع قانون الحياة المائية”.

القانون الجديد: طوف نجاة للأمل

تحيط اليوم بعالم صيد الأسماك، في حوض الفرات على نحو خاص، ظروفٌ غائمة تبدو فيها حدود المسموح والممنوع متداخلة، بل يبدو فيها الممنوع أشد منعة من المسموح بتساهل من مؤسسة القانون أحياناً.. وتخلق هذه الظروف صعوبات حقيقية أمام أية عملية لإنقاذ ما تبقى وإشاعة الأمل، ما لم يصدر تشريع جديد يستوعب الوضع الراهن بكل مستجداته واحتمالات تطوره في المستقبل.

صدر التشريع الحالي لحماية الحياة المائية قبل أربعة وأربعين عاماً، في ظروف واقعية أقل تعقيداً وخطورة، ولم يُشكل طوال تلك السنين جهاز شرطي لقمع الصيد الجائر وتقديم المؤازرة المباشرة إلى عناصر الحماية السمكية، وما تزال هذه الخطوة في مد وجزر بين وزارتي الداخلية والزراعة.. رغم أن تعليمات عديدة صدرت من أعلى المستويات، إلى مختلف الأجهزة ذات العلاقة أكثر من مرة، طوال تلك السنين، تعتبر التطاول على الحياة الطبيعية في البر والبحر والمسطحات المائية اعتداء خطيراً على الحياة، وتطلب قمعه بشدة.

اتصلنا خلال الأسبوع الأخير من فترة منع الصيد في أيار الماضي بالدكتور أديب سعد، مدير المؤسسة العامة للأسماك، الذي عبّر عن استيائه، بعد أن عاد لتوه من زيارة ميدانية لمسامك حوض الفرات في محافظة دير الزور، قال: “تصوروا! الأسماك الفراتية تملأ الأسواق في كل المدن التي عبرتها، حتى في حمص وحماه، رغم أننا ما نزال في فترة تحريم الصيد”.

صادرت الحماية السمكية خلال العام الماضي 83 محركاً كهربائياً، وفي الشهرين الأول والثاني من العام الجاري 2008 تم حجز 7 محركات. أما في فترة منع الصيد التي تستمر 75 يوماً (15 آذار – 30 أيار) فقد ضبط هذا العام 25 محركاً كهربائياً..

مع ذلك ينبغي أن نشير إلى أن معظم ساحات بيع السمك والمطاعم في الرقة تمتنع عن بيع الأسماك الفراتية وتقديمها، علناً على الأقل، خلال فترة منع الصيد، تنفيذاً للتعليمات.

الأسباب شائكة..

عبد العزيز العلي عضو سابق في المكتب التنفيذي لمحافظة الرقة عن قطاع الزراعة، أكد في حوار معه على ضرورة وضع خطة شاملة لاستثمار هذه المسطحات المائية بصورة علمية متطورة في زراعة الأسماك وتربيتها وصيدها وحمايتها بواسطة الأقفاص العائمة، وتشجيع هذا الاتجاه بمنح القروض وتسهيل إجراءات الترخيص وتحسين الإشراف.

لكن الأوضاع اليوم أصبحت معقدة. والعودة بها إلى نقطة بدء مناسبة لم تعد سهلة. فالاعتداء الجرمي على أسماك الفرات والبحيرات أصبح مستشرياً منذ أواسط الثمانينيات، لتداخل ظاهرة الصيد الجائر مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية في حوض الفرات. وبسبب تدني مستوى دخل الفرد نتيجة ارتفاع معدل النمو السكاني وتقلص حصته من الملكية الزراعية، انتقل عدد متزايد من سكان القرى العاملين في الزراعة إلى الصيد، كعمل رئيسي أو إضافي، لكن الدافع الأقوى في لجوء معظم هؤلاء إلى أساليب الصيد الجائر هو ما تحققه من ربح أكبر بجهد أقل، لاسيما مع اتساع مظاهر الربح السريع في القطاعات الاقتصادية الأخرى، و”استشراء” نمط من أنشطة اقتصادية غايتها الثراء، طوّر بالتوازي نمطاً اجتماعياً من العيش ومنظومة قيمية مرتبطة به، تصفِّق لمن يعود وسلاله حُبلى بالاسماك يومياً، بغض النظر عن طريقة الصيد ووسيلته.

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) www.arij.net


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.