أمينة ليست في أيد "أمينة"

3 سبتمبر 2013

أمينة ليست في أيد "أمينة"

3 سبتمبر 2013

وطن للأنباء –  “أمينة” لم تكن في أيد “أمينة” خلال رحلة حياتها التي لم تتجاوز 26 عاما. هذا ما تُخلص إليه عندما تتحدث مع هذه الشابة التي تزداد سخرية اللغة عندما تدرك أنها أيضا لا تستطيع أن تحرك “يدها” اليمنى”. فالشلل النصفي الذي أصابها ممتد منذ أكثر من سبع سنوات، والسبب هو طبيعة عملها في مستوطنة “نعما” إحدى المستوطنات الزراعية في منطقة الأغوار التابعة لمحافظة أريحا والأغوار في الضفة الغربية، أو هكذا تقول: “عملت لسنوات في المستوطنة أقوم كل يوم بقطف أشجار العنب والبندورة والفلفل …. كنت استخدم السكاكين والمقصات في عملي لقصف الثمار لمدة سبع ساعات يوميا وبصورة متواصلة”.

الحوار مع أمينة جاء متقطعا، فعادة ما تتوقف بين الفينة والأخرى لاستخدام بخاخ الصدر بسبب معاناتها من أزمة حادة في الصدر أيضاً أصيبت بها خلال السنوات الأخيرة بعد انتقالها للعمل في مستوطنة زراعية أخرى بالأغوار للقيام بنفس المهمة تحت ضغط البطالة التي تعدت 45 بالمئة وفق إحصاءات رسمية. 

اضطرت أمينة إلى ترك العمل في المستوطنات بعد أن خضعت لعملية جراحية في يديها في مستشفى أريحا الحكومي. ولم يكن هناك بديل خاصة وأن أمينة التي بدأت عملها في المستوطنات وهي في الخامسة عشر من عمرها لم تكمل تعليمها. 

 

لكن هذه ليست النهاية..

فأمينة لا تستطيع أن تبلغ إدارة المستشفى بطبيعة عملها في السابق أو بسبب إصابتها. 

“خفت أن يحرمونني من التأمين الصحي الفلسطيني الذي لا يغطي إصابات العمل؛ وعندها سأضطر إلى دفع تكاليف العلاج بنفسي”. فبلغة القانون، المستوطنات مازالت من وجهة نظر السلطة الفلسطينية غير مشروعة وبالتالي ما ينتج عن العمل فيها غير مشروع ولا يضمن لصاحبه أية حقوق. ولأن أمينة كانت تحصل على أجر يومي لا يزيد عن 60 شيقلا )16 دولار) دون تأمين صحي أو تأمين ضد اصابات العمل من قبل المشغل الإسرائيلي، تعيش هذه الشابة في ظروف مادية صعبة بعد أن فقدت مورد رزقها في منطقة تصل فيها نسبة الفقر إلى 24.4 بالمئة، وفق إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام2011 ، وترتفع فيها مصاريف المعيشة خاصة نتيجة الارتباط بإسرائيل اقتصاديا. 

قصة أمينة تبقى “حكاية” خاصة وأنه ليس مع هذه السيدة أوراق تثبت صدقها… ومن هنا انطلقنا في هذا التحقيق الذي استمر شهرين من أجل الإجابة على بعض الأسئلة.. هل الأمر يقتصر على حالات فردية مثل “أمينة” ولا توجب التعميم أم أن هناك “ظاهرة”؟ 

وإن ثبت الاستغلال، فما هي اشكاله (مادية أم صحية أم جنسية)؟ ومن هو الجاني؟ و إن ثبت أنه السمسار الفلسطيني، فما هو حجم الاستغلال؟ لكن السؤال الأهم يبقى: هل تقوم الجهات الرقابية في السلطة الفلسطينية بدروها المفترض في منع التجاوزات ومحاسبة المسئولين وتخفيف معاناة الضحايا؟ 

من أنتم؟ 

في محافظة أريحا والأغوار يصل عدد العاملين في المستوطنات الزراعية إلى ثلاثة آلاف عامل وعاملة، 20% منهم عمالة نساء، أي حوالي 600 امرأة يتوزعن على 23 مستعمرة زراعية، إضافة إلى ما يقارب 360 امرأة أخرى يعملن خارج نطاق الزراعة في 13 مستوطنة أخرى من المجموع الكلي البالغ 36 مستوطنة في محافظة أريحا والأغوار. 

جميعهن يعلمن أن وجود المستوطنات غير شرعي و أنها مقامة على أراضٍ فلسطينية، لكن الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع نسبة البطالة أجبرتهن على العمل في المستوطنات الإسرائيلية خاصة وأن برامج وخططاً عدة أعلن عنها من قبل وزارة العمل لاستيعاب العمالة الفلسطينية لم تكتمل بعد. بعد البحث والتقصي، اكتشفنا ان عملية تشغيل النساء في المستوطنات تتم عبر وسيط: سمسار أو سمارة فلسطينية. وفق إحصاء قمنا به وتأكدنا من أكثر من مصدر توصلنا إلى أن عدد السماسرة 50 شخصا، معظمهم يعرفون بعضهم بعضا مما خلق قدرا من الاحتكار للمهنة لأسباب اكتشفناها لاحقا. كما اصبح معرفة أصول هذه المهنة مقتصرا على هذه الفئة التي تحتاج إلى أن تكسب ثقة طرف آخر مهم في المعادلة: المشغل الإسرائيلي. 

وبناء على ذلك يقوم السماسرة بالتنسيق مع المشغل الإسرائيلي لتوظيف الباحثات عن عمل في المزارع أو المصانع التابعة للمستوطنات، ويصبح السمسار أو السمسارة في حينها مسؤول أو مسؤولة عن عدد معين من النساء يتحدد حسب حاجة المشغل نفسه. 

يقول أحد السمسارة الذي رفض أن نذكر اسمه قررنا أن نشير إليه بالأحرف الأولى (م.ا) إن هذه العملية من التوظيف لم تخلق احتكارا للمهنة فقط بل توارثا بين العاملين فيها: 

“انا أعمل منذ أكثر من 10 سنوات في هذا المجال، لكنني عملت بعد أن ترك سمسار آخر قبلي العمل وأنا أخذت مكانه، فصرت أنا الذي أقوم بالتنسيق بشكل مباشر مع المشغل الاسرائيلي، وأحضر له عمالاً وعاملات حسب حاجته في العمل.” 

تبقى هذه الشبكة من السماسرة مغلقة خاصة وأنه من مصلحة المشغل الإسرائيلي أن يدفع اجر أقل من الحد الادنى للاجر وفق القانون الإسرائيلي ومن مصلحة السمسار أن يجني ما يشاء من أرباح تضمن له الثراء الفاحش بعيدا عن قبضة القانون الإسرائيلي كما سنكتشف فيما بعد عندما تمكنا من الدخول إلى عالم هؤلاء السماسرة … والبداية كانت بمعرفة ما يحصلون عليه من أرباح. 

ثراء “الفورد الفارهة” 

عندما حاولنا أن نبحث عن الأرباح الحقيقة التي يحصل عليها السماسرة ذهلنا فالامر معقد ويمرّ بأكثر من مرحلة. 

يفترض أن يطبق على عمال المستوطنات رجالاً ونساء الحد الأدنى للأجور الذي ينص عليه قانون العمل الإسرائيلي وهو 23 شيقلاً في الساعة (ستة دولارات)، لكن من خلال بحثنا عرفنا ان هذا لا يحصل حقاً على أرض الواقع. ولتوضيح الأمر اكثر سنقوم بإجراء عملية حسابية بسيطة وفق أرقامنا التي حصلنا عليها بناء على اعترافات سماسرة سابقين ومن عشرات من العاملات الفلسطينيات ممن تحدثنا معهم خلال هذا التحقيق الذي امتد لأشهر. 

بموجب قانون العمل الإسرائيلي الذي من المفترض أن يطبق على العاملات في المستوطنات الإسرائيلية، فإن الأجرة اليومية تصل إلى 23 شيقل في الساعة، وإذا قمنا بضرب هذا المبلغ (23 شيقلاً) في سبع ساعات عمل سنحصل على مبلغ 161 شيقلاً في اليوم، لكن المشغل الإسرائيلي لا يلتزم بالمبلغ الأصلي ويعطي السمسار عن كل عاملة تقريباً 100 شيقل أو 90 شيقل حسب المزاج. بعد ذلك يقتطع السمسار 20 شيقلاً من المبلغ الأصلي (100 شيقل) عن كل عاملة تعمل تحت مسؤوليته، وبطرح المبلغ الأصلي من المبلغ الذي يقتطعه السمسار (100 -20 ) يتبقى 80 شيقلاً. 

الاستغلال لا يتوقف هنا… 

فالسمسار مسؤول أيضاً عن جلب العاملات للعمل، ويقوم بننقلهن بسيارته الخاصة والتي تكون غالباً من طراز “فورد”، ويأخذ أجرة من كل عاملة بقيمة 15 شيقلاً، ومع طرح اجرة السيارة من المبلغ المتبقي سنحصل على 65 شيقلاً وهو صافي الأجر الذي تتقاضاه العاملة، وفي حالات أخرى وصل الأجر إلى 60 أو حتى 50 شيقلاً فقط حسبما أكدت لنا كل العاملات الفلسطينيات تقريبا (وهو الرقم الذي يتوافق أيضا مع ما أكدته “أمينة” التي كانت بداية الخيط في هذا التحقيق). إذاً يكسب السمسار يومياً عن كل عاملة 35 شيقلاً كأقل تقدير… 

هذه الأرباح اكتشفنا أنها كبيرة بعد أن توصلنا إلى عدد العاملات الفلسطينيات … 

وفق إحصاء غير علمي أجريناه يتراوح عدد العاملات اللواتي يعملن مع كل سمسار بين 20- 70 عاملة تقريباً ( يختلف حسب حاجة المشغل الاسرائيلي، مكان العمل، عدد السماسرة الآخرين الذين يعملون في نفس المستوطنة الزراعية، وأحياناً حسب قدم أو حداثة السمسار وعلاقته مع صاحب العمل الاسرائيلي.) 

ولكي نعرف بقية الأرباح التي يحصل عليها السماسرة، سنأخذ الرقم الأصغر لعدد من يعملن مع كل سمسار وهو 20 عاملة وسنقوم بضرب الربح اليومي للسمسار عن كل عاملة (35 شيقلاً) بالعدد الأصغر للعاملات (20 عاملة) وعندها سنحصل على مبلغ 700 شيقلاً يومياً أي 21 ألف شيقلاً شهرياً (ستة آلاف دولار) هذا في حال تقليل عدد العاملات وتقليل عمولة السمسار. 

وبإمكاننا تخيل المبالغ الحقيقية التي ستظهر في حال زيادة عدد العاملات إلى 50 أو 100 عاملة مثلاً وحينها سيكون المبلغ الشهري هو 100 ألف شيقل (30 ألف دولار). هذا طبعاً عدا عن الراتب اليومي الذي يتقاضاه السمسار من المشغل الاسرائيلي والذي يصل إلى 150 شيقلاً في اليوم (4500 شيقل شهريا) وبعض الحوافز التي يعطيها المشغل الإسرائيلي كما سنكتشف فيما بعد خلال التحقيق. 

وقد تم توثيق معلوماتنا من أكثر من مصدر بين سماسرة سابقين رفضوا ذكر أسمائهم… وقررنا مواجهة السماسرة الحاليين بالأرقام. 

البعض اعترف وأكد أن الأرقام صحيحة تماما. لكن البعض الآخر قلل من الأرباح. فقال أحد السماسرة الذي رفض أيضا ذكر اسمه: ” المعلم اليهودي يعطيني 70 شيقلاً تقريباً ، وأنا أقوم بأعطاء العامل او العاملة 50 شيقلاً غير اجرة السيارة، وأقوم بأخذ باقي المبلغ لجيبتي الخاصة”.

حتى وإن كان هذا الرقم الذي قاله السمسار هو الغالب، فالأرباح تبقى خيالية أيضا لأنها ستكون أكثر من نصف ما تحصل عليه كل عاملة. “الماتانا”! 

الحصول على 30 ألف دولار شهريا أغرى بعض العاملات أنفسهن لاستغلال غيرهن من العاملات من خلال محاولة الدخول إلى مهنة السمسرة. 

فقد تبين لنا خلال التحقيق أن معظم السماسرة كانوا عمالاً لسنوات عدة قبل أن يتحولوا إلى سماسرة وسمسارات؛ فمع الزمن يتعرفون على مفايتح العمل و أسرار التشغيل، ليصبحوا خلال فترة وجيزة مسؤولين عن تشغيل ومتابعة عدد كبير من العاملين والعاملات. 

وتقول سمسارة والتي كانت عاملة في السابق بعد أن أصرت على إخفاء هويتها

“في بداية العمل كنا 15 امراة من مدينة أريحا، وكان السمسار الفلسطيني المسؤول عن عملنا من خارج اريحا، كان يعطينا 50 شيقلاً أجرة يومية ، ومع الوقت اكتشفنا انه كان يحصل على مبالغ كبيرة من المشغل الاسرائيلي لكنه كان يعطينا أقل مما يتقاضاه بكثير، وتعرفنا بعدها على المشغل الاسرائيلي حيث طلب مني في حينها ان اجلب عدداً من النساء كوني من مدينة أريحا وأعرف عدداً كبيراً منهن، وبالفعل هذا ما حصل في عام 2006 حيث جلبت 10 نساء ثم 15 ، ثم ازداد العدد إلى 170 امرأة..”.

من خلال الأرقام الموثقة لدينا حول الأرباح، تكسب هذه السمسارة 170 ألف شيقل في الشهر الواحد أي حوالي 50 ألف دولار في الشهر الواحد بعد أن كان راتبها 125 شيقلا في الشهر الواحد… 

تزداد اوجه الاستغلال عندما ندرك أن دائرة هذا الاستغلال يتم تشجيعها من قبل المشغل الإسرائيلي الذي من مصلحته دفع أقل مبلغ بغض النظر عن استغلال العاملات الفلسطينيات من قبل سماسرة فلسطينيين. 

أخبرني سمسار آخر يبدو من ملامحه أنه صغير السن:” أنا مرتاح وسعيد في عملي، فعندما تعمل مع المشغل الاسرائيلي لسنوات عديدة فإنك تكسب ثقته وتحصل على زيادات ومكافآت مالية و”ماتانا” وهي كلمة عبرية تعني باللغة العربية هدية. 

أشكال الثراء واضحة على السماسرة .. في سياراتهم الفارهة التي يتنقلون بها وفي ملابسهم التي يرتدونها وفي ممتلكاتهم.. 

عرضنا الأرقام التي توصلنا إليها على رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في محافظة أريحا والأغوار وائل نظيف المختص بمتابعة ملف العاملات الفلسطينيات في المستوطنات، فأكد أنها دقيقة. 

وقال نظيف: “نحن حالياً نسمي السماسرة أصحاب المليارات، اذا قمنا الآن بدراسة واقعهم ونمط حياتهم، سياراتهم، عماراتهم فسنجد انهم من أصحاب المليارات، وهذا كله من خلال استغلال العمال على مدار أعوام طويلة”. هذا الثراء لاحظناه خلال التحقيق من خلال شكل السماسرة ولباسهم وأسلوب حياتهم خاصة سياراتهم الفارهة.  

أين القوانين؟ 

في 10-10-2007 بعد معارك قضائية بدأها عدد من جمعيات الدفاع عن حقوق العمال واستمرت لثلاثة عشر عاماً، قررت المحكمة العليا في إسرائيل تطبيق قانون العمل الاسرائيلي على العمال الفلسطينيين العاملين في المستوطنات. ومعنى ذلك أن العمال الفلسطينين الذين يعملون لدى مشغلين اسرائيلين يستحقون كل الحقوق الاجتماعية التي يستحقها العمال الاسرائيليون حسب القانون ومنها “الحد الأدنى للأجور وإصابات العمل.” وبحسب قانون العمل الإسرائيلي الصادر في العام 2005 بشأن إصابات العمل، ينبغي على المشغل الإسرائيلي في حالة حدوث إصابة عمل لأحد العاملين أن ينقله إلى أحد المسشتفيات الاسرائيلية لتلقي العلاج مع دفع تكاليف علاجه كاملة. 

لكن إقرار القوانين لم يضمن تطبيقها حسبما اكتشفنا في التحقيق … 

ما يحدث هو أن السمسار الفلسطيني يقوم بنقل العامل المصاب إلى المستشفيات الفلسطينية كي يحمي المشغل الإسرائيلي من التزاماته وفي النهاية يدفع العامل او العاملة المصابون تكاليف العلاج بأنفسهم لأن التأمين الفلسطيني لا يغطيهم في حال إصابات العمل. 

تحدثت مع العشرات من العاملات الفلسطينات في المستوطنات وأكدن جميعا أن هذا صار أقرب إلى “التقليد المتبع” عند تعرض أي منهن للإصابة. رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في محافظة أريحا والأغوار وائل نظيف أكد أيضا ذلك وقال: 

“للأسف فإن ما يحدث هو أن السمسار الفلسطيني يقوم بمجرد حدوث إصابة لاحد العاملين او العاملات بنقلهم بسيارته الخاصة إلى مستشفى أريحا الحكومي وهناك يضغط السمسار على العامل المصاب ويهدده كي لا يسجل أصابته كإصابة عمل مدعياً (السمسار) بأن المشغل الاسرائيلي سيقوم بتغطية تكاليف علاج العامل او العاملة وهو ما لا يحدث في أحيان كثيرة “. 

ولأن معظم الحالات تذهب إلى مستشفى أريحا الحكومي ، ذهبنا إلى المستشفى للتأكد من مدى دقة ما سمعناه من العاملات وما قاله لنا المسئول النقابي. مدير مستشفى أريحا الحكومي د. ناصر عناني أكد صحة الروايات قائلاً: “يأتينا عدد كبير من الحالات إلى مستشفى أريحا بعد تعرضهم لإصابات عمل في أثناء عملهم في احدى المستوطنات، وبالفعل نواجه معهم مشكلة أنه لا يوجد لديهم أي تغطية من ناحية التأمين الصحي وخصوصاً إصابات العمل. في بعض الحالات يقوم المشغل الإسرائيلي بوعد العامل انه سيقوم بتغطيته وبالتالي لا يعلن العامل عن أنها إصابة عمل”. 

الكثير من العاملات قالوا لنا إن وعود المشغل الإسرائيلي لا يتم تنفيذها في أغلب الأحيان… لأن المشكلة من الأساس تكمن في غياب الأوراق الثبوتيه… 

اكتشفنا أيضاً من خلال إعداد هذا التحقيق أن عمال المستوطنات بشكل عام والنساء بشكل خاص لا يملكون أية أوراق رسمية تثبت حقوقهم كعاملين؛ حيث لا يتلقون قسيمة راتب، أو تصريح عمل، أو أي شيكات مصرفية، ما يجعل من السهل على المشغل الإسرائيلي التنصل من مسؤولياته اتجاههم وبالتالي عدم تطبيق هذا القانون، وهو الأمر ذاته الذي حدث مع أمينة التي لم تحصل على أي حقوق بعد اصابتها في العمل، وتنصل المشغل الاسرائيلي من كافة مسؤولياته تجاهها. 

وإذا خالف المشغل الإسرائيلي والسماسرة الفلسطينيون القانون فيبقى السؤال: ما هو دور الجهات الرقابية في السلطة الفلسطينية المسئولة عن العاملات الفلسطينات بإعتبارهن دافعي ضرائب من ناحية ويعيشن داخل نطاق السلطة جغرافيا؟ 

تقصير ومراوغة؟ 

أوضح الوكيل المساعد في وزارة العمل آصف قزموز أن وزارة العمل يفترض بها ان تتابع كل ما يتعلق بقضايا العمال إلا انها لا تتدخل في موضوع عمال المستوطنات؛ بل تحيل قضاياهم إلى الاتحاد العام لنقابات العمال بحكم قرار سياسي يمنع وزارة العمل من التدخل في هذا الموضوع، على اعتبار ان ذلك اعتراف بشرعية المستوطنات. 

ويقول قزموز: ” لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن نشجع العمل في المستوطنات، رغم إدراكنا لصعوبة الوضع الاقتصادي، ووضع سوق العمل الفلسطيني، وبالتالي تعذر علينا ان نقدم مثل هذه الخدمة في الرقابة على العاملات لأنهن يعملن لدى مشغل اسرائيلي في المستوطنات، ونحن لا نستطيع الدخول إليها.” 

لكن معظم السماسرة الذين قابلناهم خلال إجراء هذا التحقيق يقيمون في مناطق تابعة لسيطرة السلطة الفلسطينية والمسماة حسب اتفاقية اوسلو مناطق (أ)، ما يعني أنه بإمكان الجهات الرسمية كوزارة العمل ومحافظة أريحا والأغوار والأجهزة الأمنية مراقبة هؤلاء السماسرة ومعاقبتهم دون الحاجة إلى الدخول أو التعامل مع المستوطنات. 

وبموجب مرسوم رئاسي صدر عام 2010 يحظر التعامل مع منتجات المستوطنات، فإن الجهات المختصة تستطيع ان تعاقب السماسرة وفق القانون: 

فالمادة 3 من قانون حظر ومكافحة منتجات المستوطنات تنص على أنه يحظر على أي شخص تقديم سلعة او خدمة للمستوطنات، أما المادة 14 فتنص على أنه “يعاقب كل من يخالف أحكام هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد عن خمس سنوات، وغرامة مالية لا تقل عن عشرة آلاف دينار أردني أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانونياً، او إحدى هاتين العقوبتين كل من تداول منتجات المستوطنات وكل من شارك او ساهم في تداولها او ورّد سلعة او خدمة للمستوطنات “. 

واجهنا بهذه القوانين مدير مديرية العمل في محافظة أريحا والأغوار أمجد جابر والذي أكد ان بامكان الوزارة من خلال التعاون مع محافظة أريحا والأغوار والشرطة اعتقال وضبط السماسرة المتهمين من خلال اللجوء غلى احكام القانون السابق الذي يمنع تقديم اي خدمات للمستوطنات ، لكنه بين أن ذلك “لا يمكن أن يتم دون وجود أي شكاوى بحق هؤلاء السماسرة.” وقال جابر : “إذا ما وردني أسماء وأرقام هويات السماسرة، سأقوم بشكل رسمي بتوجيه كتاب للمحافظ ومدير الشرطة حتى يقوموا باعتقالهم وتحويلهم للنيابة. أنا لا استطيع أن أتصرف من دون أن يردني أي شكوى ، أنا مثلكم سمعت لكن أريد شيء موثق لا استطيع أن اتبلى على احد.” 

لكننا اكتشفنا أن رواية جابر غير صحيحة

اكد رئيس الاتحد العام لنقابات عمال فلسطين وائل نظيف أن الجهات الرسمية مطلعة على هذا الموضوع ولديهم كافة التفاصيل الموثقة من قبل الاتحاد : 

“يوجد بيننا وبين الاجهزة الرسمية لقاءات مستمرة، ونضعهم دائماً في كافة التفاصيل، والقصص التي تصلنا موثقة بالاسم والتواريخ، ونتمنى ان يكون لهم تحرك أكثر من ذلك”. حسب قول نظيف. 

محافظ أريحا والأغوار ماجد الفتياني وهو جهة تنفيذية أيضاً أكد أنه على علم بهؤلاء السماسرة بل واعترف باحتمال التقصير: 

وقال الفتياني: “بالرغم من كل الظروف التي نعيشها في فلسطين هناك بعض ضعاف النفوس الذين يستغلون حاجة المواطن الفلسطيني في القرى لرفع مستوى معيشتهم، يجب البحث في أداء الأجهزة الرسمية الفلسطينية في هذه التجمعات النائية، وربما هناك تقصير في بعض الجوانب”. 

غياب الرقابة الرسمية يعني أن مخالفات السماسرة واستغلالهم للعاملات الفلسطينيات ستستمر… بل أنها بدأت تتفاقم وتأخذ اشكالا أخرى من الاستغلال أقل انتشارا لكنها أكثر خطرا خاصة وأن تقديم شكاوى حولها صعبة في مجتمع محافظ وخاصة في ظل صعوبة إثبات الشكوى. 

وهو ما دفعنا إلى تتبع أشكال هذا الاستغلال الجنسي في التحقيق. 

استغلال جنسي! “ 

وفاء (اسم مستعار) يبدو من ملامحها انها في الاربعين من عمرها، رغم ان بنية جسدها القوية وبنطال ” الجينز ” جعلاها تبدو أصغر سناً. 

وافقت وفاء بعد عدة مكالمات هاتفية أجريتها معها على ان نلتقي وعلمت منها أنها منذ أكثر من عشرين عاماً وهي تتنقل بين مزارع ومصانع المستوطنات في الأغوار، ولهذا فهي تعلم قصصاً كثيرة عن ممارسات السمسارة ” القذرة ” على حد وصفها. 

“إذا أعجب السمسار بإحدى العاملات يحاول ان يتقرب منها، ويتظاهر بحبه لها وأنه يريد الزواج منها، واذا لم تنجح هذه الحيلة يقوم بالاتصال بها اكثر من مرة، وفي كل مكالمة يحاول أن يقنعها بأنها أفضل من كل العاملات وانه يريد زيادة راتبها ويسجل لها المكالمة ويقوم بابتزازها وتهديدها.” وأردفت وفاء قائلة :” أحياناً يكون الامر أشبه بما يحدث بالأفلام؛ حيث يتقاضى السمسار مبلغاً من المال من سمسار آخر أو شخص معين أو حتى من المشغل الاسرائيلي كي يحضر له فتاة معينة أعجبته “. 

وعندما سألتها ماذا يحدث في حال رفضت العاملة الاستجابة لضغوطات السمسار أخبرتني وفاء أن ” لقمة عيش” هذه العاملة تنتهي، لأن السمسار يرفض تشغيلها بعد ذلك، ويخبرها بكل وضوح بأن لا تأتي إلى العمل في صباح اليوم التالي، وان لم يتمكن هو من طردها فإنه يقوم بإقناع المشغل الاسرائيلي بأنها غير ملتزمة بالعمل كي يقوم الأخير بالاستغناء عنها. ولأن هذه تبقى رواية فردية فقررت البحث عن مدى حجم هذا الاستغلال الجنسي. توصلنا إلى حالات أخرى من بينها فتاة كانت تعمل في إحدى المستوطنات الزراعية في الأغوار؛ لكنها تركت العمل بسبب تعرضها لمضايقات من قبل أحد السماسرة. كان صوتها خائفاً ولم ترغب في الحديث عن الموضوع، وبعد محاولات عديدة من الإقناع اخبرتنا قصتها. 

حسب ما روته لي ريم ( اسم مستعار ) حاول السمسار او كما يقال له أيضاً ” المعلم” المسؤول عنها وعن فتيات اخريات التقرب منها والحديث معها بطريقة خاصة ومختلفة عن الباقيات، وأثناء العمل كان يقف بالقرب منها وينظر إليها ويسمعها كلاماً يخدش الحياء حسب وصفها، وحاول اقناعها أكثر من مرة بان تخرح معه لشرب فنجان من القهوة مقابل زيادة راتبها وتحسين وضعها في العمل، ولكنها لم تستطع تحمل الأمر فتركت العمل. 

واجهنا السماسرة بهذه الإدعاءات وسألت واحدا منهم عن موضوع الاستغلال الجنسي، فأكد وقوعه لكنه قلل من حجمه وانتشاره. 

الحصول على مزيد من التفاصيل من السمسار كان صعبا خاصة وأنه استشاط غضبا وعلت نبرته وأغلق الهاتف منفعلا حول موضوع “يمس سمعة السماسرة في مجتمعنا” حسب قوله. 

من بين العشرات ممن قابلتهم، الكثيرات أكدن وقوع الاستغلال الجنسي لكنهن اختلفن أيضا حول أشكاله ومدى انتشاره. 

مراقبون وسماسرة وحقوقيون ممن تحدثت إليهم أكدوا أن وقوع استغلال من هذا النوع ليس صعبا خاصة في ظل غياب أي رقابة من قبل السلطات الفلسطينية وعدم اهتمام المشغل الإسرائيلي وهو مغتصب من الأساس لأرض فلسطينية طالما أن لديه من “يؤدي العمل بسعر أقل وبغياب أية رقابة على أية تجاوزات”. 

أحد السماسرة ممن قابلتهم أثناء إعداد هذا التحقيق قال وكأنه يلخص كل التحقيق في جملة واحدة: “العمل كسمسار أسهل مما نتوقع فلا احد يلاحقنا … ولا أحد يسألنا أين؟ وكيف؟ ومتى؟!”

 تم انجاز هذا التحقيق بدعم « إعلاميون من اجل صحافة استقصائية عربية ” أريج ” بأشراف الزميل مصطفى المنشاوي.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.