أطباء وممرضون يخرقون الفحص الطبي قبل الزواج

24 سبتمبر 2014

جريدة المغرب  «كل شيء تمام، الأمر لا يستحق أكثر من بطاقتي هوية وإن شاء الله مبروك للعروسين»، بهذه العبارات طمأن أحد الممرضين في مستشفى ماجل بلعباس بولاية القصرين (380 كلم من العاصمة) مرافقنا الذي جاء للحصول على شهادة فحص طبي قبل الزواج في نوفمبر 2013.

بعد 30 دقيقة، أطلّ الممرض مبتسماً وسلمه شهادة طبية موقعة تماشيا مع متطلبات عقد القران حسب قانون 46 لسنة 1964، والذي يشترط إلزامية الفحص الطبي، تحاشيا لاحتمالات انتقال جينات قد تسبب أمراضا وراثية للأطفال.

ذات السيناريو، تكرر في مستشفى فريانة – 20 كيلومتراً عن مستشفى ماجل بالعباس. إذ طلب مرافقنا من أحد الممرضين – وهو صديق دراسته- مساعدته لإتمام مراسم قرانه من خلال استصدار شهادة فحص طبي. ولم يحتج لإلحاح كبير للحصول عليها، دون الخضوع لأي فحوص.

لا تكلّف الوثيقة المجانية في العيادات والمشافي الحكومية جهداً بما أن الأمر أصبح تقليداً يحظى بمساندة أطباء، يبادرون باصدار شهادات طبية دون إجراء الفحوص اللازمة، التي تبدأ بـ«استجواب» دقيق يعقبه فحص سريري ثم فحص فصيلة الدم للشاب والفتاة. وتجرى أيضا فحوص تكميلية عند الحاجة بما في ذلك التأكد من خلوهما من أمراض معدية ووراثية، وفق نص قانون الشهادة الطبية قبل الزواج رقم 46 لعام 1964. 

جلّ من سألهم معدّا التحقيق، من ممرضين أو مقبلين على الزواج عن أهمية إجراء الفحوص، يردون بسخرية. أحد أقرباء عروسين يقول: «أنت أكيد فقدت عقلك هنا لا إجراءات، ولا فحوص».

تختزل هذه الجملة ظاهرة قيام عاملين في مستشفيات حكومية وخاصة بصرف شهادات فحص طبي لمقبلين على الزواج دون إجرائه، بعضهم مقابل رشاوى، حسبما وثّق معدا التحقيق بعد سنة من الجولات الميدانية. ويساهم ذلك في صعود نسبة الإعاقات في تونس إلى 1.5 % من المعدل العالمي أي نحو 162.990 ألف حامل إعاقة من إجمالي 10.866 مليون نسمة.

في استبيان غير علمي، توصل معدا التحقيق إلى أن 8 من كل 10 أزواج يتحايلون على القانون؛ خمسة منهم ب «التخجيل» وثلاثة مقابل منفعة نقدية، على ما يوثق هذا التحقيق.

تصرف نتائج الفحوص غير القانونية في دقائق مقارنة بمعدل ثلاثة أيام، هي زمن إجراء فحص إكلينيكي وآخر مخبري في العاصمة، سوسة وصفاقس، وقرابة الشهر في 21 ولاية متبقية بسبب عدم تواجد مختبرات فيها، وفق المسؤول عن البرنامج الوطني لسلامة الأم والولي (الأب) بإدارة الصحة الأساسية د. محمد الشاوش.

يكلف فحص المقبلين على الزواج– الذي تغطيه الحكومة – 80 دينارا للعروسين (50 دولارا)، بحسب لوائح المستشفيات الخاصة.

 تقع هذه الخروق رغم أن القانون الساري منذ 50 عاما يشترط إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج «مجانا» في العيادات والمشافي العامة، بحضور الراغبين في الاقتران وإخضاعهما لحزمة فحوص وتحاليل ملزمة. 

ويتجه ميسورون لإجراء الفحص «الملزم» نظريا في مستشفيات خاصّة، حيث يوثق التحقيق وقوع تحايل مماثل، مقابل الإسراع في نيل شهادة الفحص الطبي دون الخضوع للإجراءات الطبية.

في مستشفى تاجروين (حكومي) التابع لولاية الكاف (200 كلم عن العاصمة) أقنع مرافق معدي التحقيق الممرض بأن يعطيه شهادة طبية دون إنتظار لوقت طويل، مقابل 10 دنانير (7 دولارات). طلب الممرض أن نلتقيه خارج المستشفى ثم عاد بعد 45 دقيقة حاملاً معه الشهادة وتسلم المبلغ الذي وقع الإتفاق عليه.

ذات التجربة عشناها في مستشفى حسين بوزيان (حكومي)، في ولاية قفصة (343 كم عن العاصمة)، حيث طلب منا الممرض 20 ديناراً (15 دولاراً) حتى يجنّبنا عناء الانتظار الطويل.
ولاحظ معدّا التحقيق غياب تعليمات يفترض أن يهتدي بها الطبيب أو مخطط متدرج حول الفحص السريري أو فحوص تكميلية ناهيك عن ضعف رقابة تفقدية الصحة وعمادة الأطباء. (إطار 3)

يضاف إلى ذلك عدم وجود عقوبات جزائية للأطباء في ظل القانون عدد 46 المنظم للفحص الطبي قبل الزواج الذي يبقى محدودا على مستوى النجاعة، كما أن الطبيب لا يعاقب إلا في حال تقدم المتضرر بشكوى. وتخلو وزارتا الصحة والعدل من أي بيانات عن تسجيل شكاوى طبية وقضائية. 

fram1

محدودية القانون

يبقى القانون عدد 46 لسنة 1964 المؤرخ في 02 /11 /1964 المنظم لمسالة تقديم شهادة طبية قبل الزواج غير ناجع بالمرة وذلك لسببين أولا لانه مرتبط بالأساس بالتزام أخلاقي في جانب الاطباء ذلك أن هؤلاء لا ينبغي عليهم قانونا إعطاء الشهادة الطبية إلا بعد أن يتولى المعني بالأمر إجراء الفحوصات الطبية الواجبة قانونا وهي: فحص طبي عام- فحص الرئتين بالأشعة وعند الاقتضاء تصويرهما وفحص الدم وفي صورة عدم التزام الاطباء بما تقدم فان القانون لا ينص على أية أحكام زجرية ضدهم.

لا بد من الإشارة في هذا السياق أن تسليم الأطباء لشهادات مجاملة يعتبر خطا فادحا على معنى أحكام الفصل 28 من مجلة واجبات الطبيب الأمر الذي قد يؤدي إلى مؤاخذة الطبيب تأديبيا، إلا أن الإشكال يكمن في صعوبة الرقابة ذلك أن القانون عدد 46 لا يلزم الأطباء بالاحتفاظ بملفات الأشخاص الذين يسلمونهم شهادات طبية قبل الزواج، الأمر الذي يستحيل معه التثبت في مدى احترام هؤلاء لما يوجبه عليهم القانون.

السبب الثاني لعدم نجاعة القانون يكمن في اقتصاره على الجانب التحسيسي والتوعوي، ذلك انه حتى في صورة التزام الطبيب بما يوجبه عليه القانون من ضرورة اجراء الفحوصات الطبية قبل تسليم الشهادة الطبية فان دوره يقتصر على مجرد إعلام المعني بالأمر بحالته الصحية وبمدى وجود أمراض لديه وتنبيهه في صورة إصابته بمرض خطير أو مزمن من إمكانية العدوى ونقل المرض إلى القرين أو إلى الأبناء والتي قد تعرضه لتتبعات جزائية.

علما أنه بإمكان الطبيب قانونا الامتناع عن تسليم الشهادة الطبية أو إرجاء ذلك إلى وقت لاحق، إلا أن هذا الإجراء غير معمول به في التطبيق وغير ناجع لأن المعني بالامر يمكنه بكل بساطة التوجه إلى طبيب آخر للحصول على الشهادة.

يفاقم الأثر السلبي لظاهرة التحايل على إجراءات شهادة الفحص الطبي، تفشي زواج الأقارب في تونس الذي يتراوح بين 30 % إلى 40 % من عدد الزيجات المبرمة والمقدرة ب 4.346 مليون عقد زواج لغاية 2013، بحسب إسقاطات أرقام المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2007.

توثيق التحايل

تتبع معدا التحقيق 10 حالات من المقبلين على الزواج في ولايات تونس، بن عروس، أريانة، الكاف، القصرين وقفصة، ليجدا أن ثمانية من الأزواج، لم يقوموا بفحوص ما قبل الزواج، ومع ذلك، حصلوا على الشهادة الطبية بسهولة.

تداعيات التهرب من الفحص الطبي تطال صحّة الأطفال. ففي استطلاع غير علمي أجراه معدا التحقيق عبر مواقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك وتويتر) على 100 أسرة، أكد سبعة من عشر أزواج تهربوا من الفحص، إصابة أطفالهم بأمراض فقر دم وإعاقات ذهنية. وتحصل ثلاثة من عشرة أزواج على شهادات طبية بعد دفع مبالغ مالية.

ثمانية من كل عشرة استطلعت آراؤهم يرون في الفحص الطبي «مجرد إجراء شكلي«

ولم يشتك أي من الأزواج الذين أجروا فحص الزواج من تعرض أطفالهم لأمراض، وفق الاستطلاع ذاته.
تقدّر وزارة الصحة معدل الإنفاق على علاج كل طفل مصاب بمرض وراثي أو بإعاقة جسمية ب 35 ألف دينار (20 ألف دولار) سنويا. رئيس قسم الأمراض الخلقية والوراثية بمستشفى منجي سليم الحكومي بالعاصمة د. لمياء بن جمعة المختصة في علم الوراثة تؤكد أن «هذه التكلفة تتزايد مع التقدم بالسن».
د. بن جمعة تقول«يحدد الطبيب، من خلال الإجابات، إذا كان هناك خطر على صحة الأطفال الذين سيولدون بعد الزواج. وقد يطلب من المقبلين على الزواج تحاليل إضافية، إذا كان هناك شك في حالة بعينها».

وتؤكد أن اثنين من كل ثلاثة أطفال يتعالجون في مستشفى المنجي سليم، بسبب الإصابة بإمراض وراثية، يكونون من أبوين ينتميان لذات العائلة، دون أن تحصي العدد الإجمالي.

معاناة أسرة

الزوجان راضية ويوسف أنجبا توأمين معاقين ذهنيا قبل 20 عاما في ولاية القصرين (380 كيلو متر غربي العاصمة). «اللوم بعد قضاء (الله) بدعة. كان بإمكاني تفادي مأساة ولدي لو أجرينا الفحوص الطبية قبل الزواج»، حسبما يقول يوسف. ويضيف: «لكن للأسف اليوم أبنائي لا يستطيعون مواصلة دراستهم بسبب تلك الإعاقة رغم أنني أنفقت آلاف الدنانير لعلاجهما».

يوسف وراضية حصلا على شهادة فحص قبل الزواج «بالمخاجلة» بسبب علاقات القربى والجيرة مع القائمين على مستشفى المدينة.

البروفسور رضا بن مراد بقسم الأمراض الوراثية شارل نيكول- مستشفى حكومي – يقول إن دور الطبيب يبقى «النصح والإرشاد واقتراح إجراءات علاجية. غير أنه لا يمكن أن يمنع رغبة المقبلين في الزواج بحسب القانون. فالقانون لا يتضمن أي إجراء رقابي للتأكد من صحة قرار الطبيب».

ويمثل زواج الأقارب 33 % من عدد الزيجات المبرمة، وفق آخر بيانات المعهد لعام 2004. ويتوقع البروفسور رضا بن مراد استمرار هذه الزيجات – معظمها اقتران أبناء عمومة من الدرجة الأولى- حول ذات المعدل في 2013، بالاستناد إلى معاينته للمرضى في قسم الأمراض الوراثية.

ووفق إحصائيات معهد الإحصاء للنهوض بالمعاقين – مؤسسة حكومية – لسنة 2000، فإن 14 % من المقبلين على الزواج سجلت حضور شخص واحد للحصول على الشهادة الطبية مقابل نسبة 62.8 % دون حضور أي طرف من المقبلين. وهذا يعني أن ستة من كل عشر أزواج لم يخضعوا لفحوص قبل الزواج، وأن عريسا أو عروس من كل سبعة أزواج لم يتقدموا للفحص.
وبحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، ارتفعت عقود القران خلال الخمس سنوات الماضية 26 % وصولا إلى 111 ألفا عام 2013، مقارنة ب 81605 عقود عام 2009. وفي 2010 سجل 87081 عقدا، و91520 عقدا عام 2011. ولم يصدر المعهد الوطني نشرة إحصائية عام 2012، بسبب الاضطرابات التي أعقبت الثورة.

وبحسب حساباته مع مراجعيه، يقدر البروفسور بن مراد بأن 4 % من الولادات عام 2013 تحمل أمراضا وراثية وأن 15.5 % مصابون بعاهات خلقية، من إجمالي الولادات المسجلة (214 ألف و500 طفل)

وتشير إحصائيات قسم الأمراض الوراثية بمستشفى شارل نيكول إلى أن مرض الفقر المنجلي (أحد أمراض الدم الوراثية الانحلالية التي تسبب تكسر كريات الدم الحمراء) يصيب 22 من كل ألف ساكن. كما يشكو 19 من كل 1000 ساكن من الثلاسيميا (فقر دم ناتج عن اضطراب وراثي في خلايا الدم) وبخاصة بين سكان المناطق المرتفعة في الشمال الوسط الغربي.
في حين سجلت أمراض الأعصاب نسبة 32 إصابة على 100 ألف ساكن والسمع من 15 إلى 27 حالة إصابة على ألف ساكن.

بتحليل الأرقام الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء، يجد معدا التحقيق أن الأمراض الوراثية تزايدت بواقع 25 % خلال أقل من عقد (2004 – 2013)، مقابل ارتفاع معدل الولادات بواقع 20 % بين 2005 – 2013). ووفق المعادلة ذاتها، شهد العقد الأول بعد تطبيق القانون انخفاضا بواقع الثلث تقريبا (1964 – 1974). وهذا يعكس التزام الكوادر الطبية بنص القانون في ذلك الوقت.

وتواصل الثبات في العقد الثاني (1974-1984) مع الأخذ بعين الاعتبار ازدياد النمو السكاني. وبرزت نقطة التحول السلبي في العقد الأخير.

fram2

تحدي للعقوبة

الشهادات الطبية تذيل بنص: «يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات كل شخص يعلم أنه مصاب بمرض السريان (أمراض جنسية) ويسعى عمدا من خلال سلوكه إلى نقله لأشخاص آخرين (القانون عدد 71 لسنة 1992 المؤرخ في 27 جويلية والمتعلق بالأمراض السارية الفصلين 11و18)».
وزارة العدل تؤكد «عدم توافر أي بيانات» عن شكاوى قضائية لها علاقة بنقل أمراض سارية.
في تعليقه على استفسار معدي التحقيق، يرد البروفسور بن مراد بسخرية «لا محاكم ولا عقوبات في المحاكم حول الموضوع».

ضبابية المرجعيات

 لدى البحث عن دور وزارة الصحة وأوجه التقصير، أحال الملحق الإعلامي في الوزارة إبراهيم اللباسي معدي التحقيق إلى الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري (مؤسسة حكومية)، ليفاجآ بأن الإحصائيات تعود إلى سنة 2001.

حاولا الرجوع لوزارة الصحة، فأكد لهما مديرها العام نبيل بن صالح عدم وجود إحصائيات وأرقام رسمية حديثة عن انتشار الأمراض الوراثية. «لا توجد إحصائيات وأرقام رسمية أو تقييم مفصل عن نسبة الإصابة بالأمراض الوراثية»، لاعتبارات يصفها بن صالح بأنها خارجة عن سيطرة الوزارة. ويرى أن ذلك يبقى في أسفل هرم أولويات الوزارة مقارنة بمسائل أخرى أكثر أهمية.
على أن بن صالح يقر بتفشي ظاهرة التهرب من الفحص قبل الزواج، التي يردها إلى التفكير السلبي وغياب الوعي لدى العازمين على الزواج.

كما يقر بوجود تجاوزات في مستشفيات عمومية نتيجة قلة المراقبة، محملاً المسؤولية إلى مكونات المجتمع المدني التي تلعب دوراً في تثقيف المقبلين على الزواج بأهمية القيام بالفحص الطبي. «هناك مسائل أكثر أولوية جعلت الوزارة تفقد سلطتها على المستشفيات الحكومية»، حسبما يضيف.

ويحمل المسؤولية إلى «كل مكونات المجتمع المدني التي تلعب دوراً في تثقيف المقبلين على الزواج بأهمية القيام بالفحص الطبي».

في سياق متصل، يرى المحامي منذر الشارني «عدم وجود قوانين زجرية تسمح بتتبع الأطباء الذين يمثلون وزارة الصحة عند منحهم شهادات طبية دون فحوص»

من جهتها تنفي مليكة الورغي كاهية مدير بوزارة المرأة والأسرة مسؤولية الوزارة وعلاقتها بأساليب الرقابة مؤكدة أن دورها هو التوعية والتثقيف. كما أن الوزارة لا تمتلك إطارا رقابيا.
في سياق متصل يؤكد الدكتور محمد الشاوش – مسؤول عن البرنامج الوطني لسلامة الأم والولي أن الأقسام المختصة بالتحليل لا تتعدى الأربعة على كامل تراب الجمهورية «موزعة على ولايات تونس، سوسة وصفاقس»

تفقدية وزارة الصحة (المكلفة بالرقابة) ترفض إعطاء أي ملاحظات حول التجاوزات التي تحصل داخل المستشفيات وتوصد الأبواب للحصول على أي أرقام أو معطيات حول الموضوع.
من جهتها وبعد مماطلة دامت ثلاثة أشهر، ترفض مديرة وزارة المرأة والأسرة مليكة الورغي كاهية الإدلاء بأي معلومات بدعوى أن ذلك يقع خارج صلاحياتها.

التحايل في عيادات خاصة

تمتد التجاوزات إلى عيادات خاصة. ففي نوفمبر 2013 توجه معدا التحقيق إلى عيادة بمنطقة لافيات/ العاصمة وطلب مرافقهما من الطبيب أن يعطيه مباشرة شهادة الفحص الطبي، لكن هذا الأخير رفض طالباً منه القيام بالفحوص أولا.

إلا أن الشاب الثلاثيني سارع باختلاق كذبة مفادها أنه وخطيبته قد تعاشرا قبل الزواج، وأن هذه الأخيرة حامل منه. فما كان من الطبيب إلا أن أعطاه الشهادة دون أي أسئلة إضافية.

في مدينة الكرم (ولاية تونس) توجهت مرافقتنا ندى، بطلب منا إلى عيادة أحد الأطباء وأخبرته بأنها جاءت وحيدة دون اصطحاب خطيبها وأنها ترغب في الحصول على شهادة طبية بسرعة لأنها تستعد للزواج في ظرف لا يتجاوز ثلاثة أيام. سألها الطبيب عن مقر إقامة خطيبها فأخبرته أنه مسافر خارج البلاد، وأنه يعود قبل يوم واحد من عقد القران، لذلك فهي مضطرة للقيام بكل الإجراءات بمفردها. استجاب الطبيب لطلبها، دون أي إلحاح، بعد أن طلب منها إبراز بطاقتي هوية الخطيبين.

هدى (30 عاماً) التي كانت تجهّز لزواجها لم تكلف نفسها، حتى عناء مراجعة الطبيب، فقد تكفلت أختها بالذهاب إلى طبيب العائلة بمدينة رادس من ولاية بن عروس، وطلبت منه تحرير شهادتين طبيتين. فلم يمانع طالباً منها فقط أن تزوده بإسميهما.

غياب الوعي

الشاب أنيس بن أحمد يقطن بولاية القصرين، لا يعتبر إجراء الفحوص الطبية أمراً اجبارياً، لأنه لا يرغب في إفساد مراسم زفافه على إحدى بنات عشيرته.

من جهتها، تفسر الشابة انتظار، عدم التزامها بالإجراءات الخاصة بالفحوص الطبية بأن متطلبات الزواج كثيرة وقد اضطرها ضيق الوقت إلى اعتماد شهادة طبية شكلية دون اللجوء للتحاليل.
التفسير ذاته يذهب إليه مراد بوغانمي موظف التسجيل في مركز الرعاية الصحية -عمومي- ببرنوسة (ولاية الكاف)

3

تفاقم زواج الأقرباء

إحصائيات ديوان الأسرة والعمران البشري (مؤسسة حكومية تعنى بشؤون الأسرة التونسية) تشير إلى أن الزواج من غير الأقرباء في الريف ارتفعت من 31 % إلى 49 ٪، وفي الحضر من 60 ٪ إلى 71 ٪ بين 1981 و 2001، وهذا يفسر تقلص انتقال أمراض وراثية إلى الأطفال.

وتبين ذات الإحصائيات أن نسبة القرابة بين الزوجين تختلف حسب المنطقة:
تراجع الالتزام بالفحص الطبي وصعود الخط البياني لمعدلات الإصابة بأمراض وراثية ينذر بتفاقم معاناة الأسر التونسية، ما لم تتحرك الحكومة وسائر المجتمع لوقف هذه التجاوزات.

الفحوص والتحاليل المطلوبة بموجب قانون 46 لعام 1964 المتعلّق بالشهادة الطبية السابقة للزواج

يتكون الفحص الطبي قبل الزواج من 3 عناصر: 1 – المحاورة- 2 – فحص سريري – -3 فحوص تكميلية .

يتطلب الحصول على الشهادة الطبية استجواباً دقيقاً وفحصاً سريرياً للمقبلين على الزواج والقيام بتحاليل لمعرفة فصيلة الدم إضافة إلى بعض الفحوص التكميلية الخاصة عند الحاجة وفحص طبي خاص للبحث عن الأمراض المعدية، الوراثية أو المزمنة.

ويقوم الطبيب الذي سيحرر الشهادة بطرح عدد من الأسئلة على كلا الزوجين وحده و تتمثل هذه التساؤلات عموما في ماهية الأمراض التي توجد في العائلة وهل أن احد أفرادها مصاب بمرض عصبي أو بأمراض مزمنة أو إعاقة وهل ان الزوجين عانا من أمراض في صغر سنهما .

ويحدد الطبيب عامة من خلال الإجابات وجود خطر على صحة الأطفال ما بعد الزواج من عدمه حيث يطلب من المقبلين على الزواج تحاليل أخرى إن كان هناك شك في حالة بعينها لتضمن عدم إصابة الأطفال بمرض وراثي.

كما أن الطبيب ملزم بإعطاء نصائح تدخل في إطار التثقيف والتوعية حول الأمراض الوراثية والأمراض المنقولة جنسياً، إلى جانب التحسيس (نشر الوعي) حول ضرورة مراقبة الحمل والتلقيح ولفت لمقبلة على الزواج حول إمكانية إصابتها بمرض الحميراء «rubeole» خلال فترة الحمل وإعلامها بوجود تلقيح ضد هذا الكزاز كما يلفت نظر المقبل على الزواج حول ما يتعلق بالأمراض المنقولة جنسيا وحول التلقيح ضد التهاب الكبد «صنف ب.»

اعتباراً للأهمية التي يكتسيها الفحص الطبي للعازمين على الزواج فقد نص القانون عدد 46 المؤرخ في 3 نوفمبر 1964

والمتعلق بالشهادة الطبية السابقة للزواج على أنه لا يمكن لضابط الحالة المدنية أو العدول الذين وقع اعتبارهم لتحرير عقود الزواج أن يقوموا بإبرامها إلا بعد أن يتسلموا شهادة طبية لا يزيد تاريخها عن الشهرين تثبت أن المعني بالأمر وقع فحصه قبل الزواج ويمكن الحديث هنا عن فحوصات إجبارية ومجانية وهي الفحوص المتعلقة بالدم، واختبار الكشف عن أمراض الزهري وفصيلة الدم وصورة أشعة صدرية، حيث جاء في النص «يكون تسليم الشهادة الطبية المنصوص عليها إجباريا.

وعممت الشهادة على كامل تراب الجمهورية بقراري وزارة الصحة ووزارة الداخلية بتاريخ 28 – 7 – 1995 ثم حددت من حيث شكلها ومضمونها الحاليين بمقتضى قرار وزير الصحة العمومية المؤرخ في 16 – 12 – 1995.

 الأمراض الوراثية الأكثر شيوعاً في تونس

 فقر الدم المنجلي “La drépanocytose” ومرض الثلاسيميا “thalassémie”ومرض الاعتلالات العضلية “myopathies”وهي مجموعة فرعية من عائلة الأمراض العصبية والعضلية التي تؤدي إلى تنكس العضلات والأنسجة وغيرها من الأمراض.

دراسة أجراها الدكتور صلاح الدين فطوم الطبيب المختص في الجينات بمستشفى الأطفال بباب سعدون خلال العام 2009 كشفت أن معدل الإصابة بأمراض فقر الدم نسبة إلى إجمالي عدد المرضى بلغت في الجمهورية التونسية 4.48 ٪ ويصل أعلى معدل انتشار في الشمال الغربي بنسبة 10.42 ٪ والجنوب الغربي 5.78 ٪ من عدد المرضى

أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية www.arij.net بإشراف الزميلة حنان زبيس. 


المشرفين



تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.