أطباء في غزة يخطئون ولا يحاسَبون «2 من 2»

2 فبراير 2012

عائلة منال الترك لاتزال تحمل الطبيب الذي أجرى لها العملية في مشفاه بغزة المسؤولية، وتطالب بمحاسبته، لكنه مازال يعمل داخل المستشفى الذي يملكه، ويُجري العمليات للكثير من المواطنين دون أن يتم اتخاذ أي إجراء بحقه، بينما وكلت العائلة محامياً للمطالبة بتطبيق القانون بحق الطبيب المخطئ، وقد قدم المحامي دعوى ضده في المحكمة، بعد قيامة بخطوات عدة، حسب قوله «قبل أن أقيم الدعوى حاولت الالتقاء بالطبيب، وبعد محاولات من بعض الأطباء تمكنت من الالتقاء به، لكنه رفض الإقرار بالمسؤولية ودفع التعويض للعائلة، واتفقنا على أن نجلس مرة أخرى بعد أن استعد بدفع مبلغ مادي رمزي تعاطفاً منه، وليس إقراراً بالمسؤولية، وبعد ذلك لاحظت انه يماطل ولم يتواصل معي».

الحديث والالتقاء مع الطبيب الذي أجرى العملية كان صعباً، فقد رفض ذلك، وأعدنا المحاولة أكثر من مرة، إلا أن الرد كان الرفض أيضاً، وتعدى الأمر ذلك إذ إنه لم يعترف بالجهات المسؤولة عن القطاع الصحي بغزة، كما حمل حديثه تهديداً بسبب إجراء هذا التحقيق الصحافي، فقد قال «انشر ما تريد، لكن لو كتبت كلمة تمسّني سوف أقطع رقبتك».

حلول منقوصة

النائب العام الفلسطيني في غزة المستشار محمد عابد، يرى أن غياب التشريعات يزيد من تعقيد مثل هذه القضايا «ما يجعل وزارة الصحة تقع في إشكالية عدم الوضوح في تحديد ما هي الأخطاء الطبية، وهذه إشكالية سواء كانت لدينا أو لدى وزارة الصحة في هذا الجانب». ويوضح أن الإشكالية تذهب في اتجاه عدم وجود قانون يحدد الإطار للمسؤولية الطبية التي تنظم الأفعال إن كانت خطأ أو إهمالاً طبياً، وبالتالي يصعب على اللجنة أن تهتدي إلى الرأي الذي يحدد سلوك الطبيب في الخطأ المرتكب بحق المريض. وبسبب غياب التشريع الناظم، تلجأ وزارة الصحة في غزة دائماً، بحسب عابد، إلى «معايير خارجية مثل النصوص والقواعد العامة وبعض الأطر التي تحدد المسؤولية نتيجة القصور التشريعي الموجود».

وعلى الرغم من عدم وجود قانون للأخطاء الطبية، إلا أن وزارة الصحة تُشكل لجان تحقيق حسب قولها، وتُصدر قرارات كما يوضح مدير الدائرة القانونية في وزارة الصحة بغزة سليمان الغلبان، إلا أن الوزارة لا تشكل لجان تحقيق في جميع الشكاوى التي تصل إليها حول الإدعاء بوجود أخطاء طبية، إذ إن بعض الشكاوى تكون كيدية أو شكلية، وبالتالي لا يكون هناك جدوى للتحقيق. ويفصّل الغلبان «استقبلنا خلال ثلاث سنوات ونصف السنة منذ بداية عام 2008 حتى شهر يونيو عام 2011 مئات الشكاوى حول الادعاء بوجود أخطاء طبية، لكننا عقدنا 116 لجنة تحقيق للحالات التي تستدعي ذلك، حيث عقدنا 35 لجنة في مستشفيات قطاع خاص، و81 لجنة في مستشفيات حكومية، وما ثبت من وجود ادعاء بخطأ طبي هو 11 حالة في المستشفيات الخاصة، و24 حالة في المستشفيات الحكومية».

ويضيف «هذه الحالات لا ترقى لاتخاذ إجراءات عقابية بحق الطبيب، ولكن ما نقوم به هو إجراءات تأديبية بحق الطبيب الذي يثبت عليه تقصير طبي، منها تأخير ترقية الطبيب، أو تخفيض درجته، أو إعفائه من رئاسة قسم، بالإضافة إلى توجيه لفت نظر أو خصم من الراتب».

وعلى الرغم من تلقي وزارة الصحة لشكاوى عائلات الضحايا، إلا أنها لا تفرض رقابة على المستشفيات لرصد حالات الأخطاء الطبية، وتترك الأمر مفتوحاً للمواطنين والمؤسسات الحقوقية بأن يقدموا لها الشكاوى المتعلقة بهذا الجانب، مما يثني غالبية المواطنين عن تقديم الشكاوى.

وتتكرر الحكاية

عائلة مها أبوالصعاليك كعائلة منال الترك توجهت بشكوى إلى وزارة الصحة، وإلى النيابة العامة من أجل محاسبة الأطباء الذين تسببوا في وضعها الحالي، وتعويض العائلة حسب القانون، ولكن رد وزارة الصحة الصادر بعد عام من تقديم الشكوى كان في صالح الطبيب، فقد أقرت أن ما حدث مع الضحية «مها» هي مضاعفة طبية محتملة. وما يؤكده استشاري الجراحة العامة د.أحمد شهوان، أن «الطبيب الذي أجرى العملية لمها خدرها بواسطة ماسك التنفس الصناعي على الهواء دون أن يضع أنبوباً للتنفس، وهذه الطريقة خطرة، لكنه لم يجد بديلاً آخر، وتحمل المسؤولية بأنه يجب أن يخدرها».

ويضيف «هذه العملية نحن لا نلجأ لها ونلجأ لاستخدام أنبوب التنفس، لأن لها مضاعفات كثيرة، منها قلة وصول الأكسجين إلى الرئتين».

جهات غير حكومية

ظاهرة الأخطاء الطبية وإن لم تجد دراسات معمقة وخاصة بها تحدد حجمها، لكنها تظهر حجم الشكاوى التي تتلقاها الهيئة المستقلة لحقوق المواطن، ووزارة الصحة في الحكومة المقالة بغزة، وبعض المؤسسات الأهلية والحقوقية، ومكتب النائب العام.

ففي عام 2008 استقبلت الهيئة ثلاث شكاوى، وفي عام 2009 استقبلت 18 شكوى، فيما بلغ عدد الشكاوى التي استقبلتها عام 2010 ثماني شكاوى.

ويقول منسق الإعلام والعلاقات العامة في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بهجت الحلو «تقوم الهيئة بعد استقبال الشكاوى من المواطنين وعائلات الضحايا بمخاطبة الجهة ذات العلاقة وهي وزارة الصحة، ولكننا حقيقة نتقلى ردوداً نمطية في ما يتعلق بوجود أخطاء طبية لا ترقى للحصول على مستوى رضا من قبل الضحايا ومنظمات حقوق الإنسان». ويضيف «تصلنا ردود بأننا نحقق ونوافيكم بالنتائج لاحقا، وردود تنسب الخطأ إلى مضاعفة محتملة ولا يتم إقرار بوجود أي تقصير، وأحياناً لا يصلنا أي نتيجة أو رد».

ضحيتان والطبيب واحد

بين حالتي «منال ومها» خمس سنوات، لكن مسلسل الأخطاء الطبية مازال مستمرا في مستشفيات قطاع غزة، من بينها ما حدث مع المواطن «ناصر مقبل» الذي فارق الحياة بفعل إهمال الطبيب الذي أجرى له عملية الزائدة الدودية بحسب شقيقه نصر «بعد ان شعر ناصر بمغص شديد في بطنه استدعى نقله إلى مستشفى كمال عدوان، واستقبله الطبيب المناوب وأخبره بضرورة إجراء عملية لاستئصال الزائدة الدودية».

وعند إجراء بعض التحاليل وصورة أشعة وتلفزيون، خرج الطبيب بنتيجة أنه لا يوجد في بطن المريض أي سوائل، بمعنى أن الزائدة الدودية لم تنفجر بعد وعليه تقرر إجراء العملية بعد أن تم استدعاء رئيس القسم الطبيب.

ويضيف «بعد أن خرج رئيس القسم من غرفة العمليات أبلغني أنني أحضرت أخي متأخرا، وأفادنا بأنه لم يجر له أي شيء سوى عملية تنظيفات لأن الزائدة انفجرت، وأخبرنا بأكثر من تشخيص عن حالة ناصر، وعندما خرج الطبيب المناوب أخبرنا بتشخيص آخر، وأصبح هناك تضارب في تشخيص الأطباء». ويتابع مقبل قوله بصوت مختنق «قبل إجراء العملية لناصر عملنا فحص دم لأخي ووجدنا كرات الدم البيضاء مرتفعة جدا أكثر من 31 ألفاً، ونشب خلاف في المستشفى بأن الجهاز فيه عطل ويقرأ الفحص بشكل خاطئ وهو ما أكده طبيب العناية المركزة، ونتيجة هذا الفحص يتلقى المريض العلاج».

ويوضح أن هذه العملية تسببت بمضاعفات لدى ناصر زادت خلال الأيام التي مكثها داخل مستشفى كمال عدوان قبل أن يتم تحويله إلى مستشفى سوروكا الإسرائيلي ليفارق الحياة هناك قبل أن يتم السيطرة على حالته الحرجة.

من جهة أخرى، يقول طبيب الجراحة العامة أحمد شهوان، بعد اطلاعه على التقارير الطبية لحالة المريض ناصر قبل وبعد وفاته «عندما فتح الطبيب البطن كانت الأمعاء متهتكة بسبب الصديد الذي كان في البطن وهو ما أثبت في التقرير الطبي، وأي حركة في الأمعاء خلال العملية تتسبب في تهتكها بشكل أكبر، وتصبح في حالة أسوأ، وقد تتسبب في ثقب آخر لا يمكن رؤيته». وفي حديث أجريناه مع الطبيب المعالج لناصر، والذي تتهمه العائلة بالمسؤولية عن وفاة ابنها، نفى عن نفسه المسؤولية، وألقى بها على طبيب آخر.

وللتوصل إلى كشف الحقيقة الخفية؛ حصلنا على شهادة خطية من مصدر في المستشفى، تؤكد إشراف الطبيب الأول على العملية، وقد اكتفينا بهذه الشهادة بعد رفض المصدر التسجيل والتصوير معه لظروف عمله وخشية ملاحقته. (مرفق الشهادة الخطية).

لم تكن حالة «ناصر» هي الوحيدة؛ فقد تبين لنا أن مواطنا آخر من عائلة «رضوان» قد ذهب ضحية في ظروف مشابهة لما حدث مع«ناصر».

التعويض غائب

ضياع حقوق الضحايا لا يتوقف عند غياب قانون للأخطاء الطبية، فإن نظام التأمين والتعويض ضد هذه الأخطاء غير موجود، رغم أنه يكفل حق الضحية؛ وفق قانون الخدمة المدنية. ويؤكد منسق العلاقات العامة والإعلام في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بهجت الحلو، أن القانون منحاز تماماً للضحية والمريض الذي وقع بحقه الخطأ الطبي.

ويعتبر أن الطبيب ووزارة الصحة مسؤولين مسؤولية مطلقة عن الخطأ الموجود سواء كان خطأ لمضاعفات أو خطأ إداريا أو فنيا أو أي شكل من أشكال الخطأ، كما يعتبر أن هناك ضررا وقع حتى لو لم يكن هناك خطأ، ويطالب الجهات المختصة بتعويض الضحية. ويقول الحلو «هناك نظرة متقدمة تطالب الجهة التي يتبع لها الطبيب بتعويض الضحية على افتراض وقوع الضرر على الضحية، كما أن ذلك يستدعي تشكيل محكمة طبية من شأنها الفصل في قضايا النزاع، فالخطأ الطبي يكون في دائرة وزارة الصحة، والتقارير والردود تصدرها وزارة الصحة، فلا يعقل أن تكون هي المتهم والقاضي في الوقت ذاته، لذلك من شأن المحكمة الطبية تحقيق مزيد من الإنصاف لتعويض الضحايا، والتصدي لانتهاك حقوق الإنسان المتمثلة في الأخطاء الطبية».

ويستشهد الحلو بما ينص عليه القانون الفرنسي في التعامل مع حالات الأخطاء الطبية، حيث طور هذا القانون بقفزات اتجاه حقوق ضحايا الأخطاء الطبية عندما نقل عبء الإثبات من الضحية حول وقوع خطأ طبي بحقه، إلى عبء إثبات يقع على الطبيب الذي يجب أن يتخذ التدابير كافة.

رأي الحلو هذا يوافقه المحامي عدنان أبوموسى «إذا أثبتنا أن هناك خطأ وأن هذا الخطأ تسبب بضرر، وأن الشخص الذي ارتكب الخطأ له علاقة مع الخطأ والضرر، تتحقق المسؤولية التقصيرية ويجوز تقديم الدعوى والمطالبة بالتعويض عن هذا الضرر».

إن كانت شذا وندى وشمس وسما قد حرمن من حنان الأم نتيجة خطأ أو إهمال طبي، ولم تجد براءتهن التائهة مَن يحميها؛ فإن الباب يبقى مفتوحاً أمام الكثير من التساؤلات أهمها: إلى متى سيبقى قانون الأخطاء الطبية، والتأمين ضدها غائباً عن أولويات وزارة الصحة، دون الاكتراث لحجم الضرر الواقع على الضحايا، والدموع التي لم تفارق عائلاتهم؟


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.