في الدقهلية: أبراج يسكنها الموتى ‏

21 مايو 2013

 السكرتير العام لمحافظ الدقهلية: تعلية المقابر حل جيد لأن الدولة لا تستطيع تخصيص أراض لبناء جبانات

الشروق – يبدو الحى الذى تعلو فيه المبانى إلى أربعة وخمسة طوابق، كإحدى المناطق الراقية، حيث تقل الفوضى والضوضاء، ويعم الهدوء والسكينة. ولا يدرك الزائر الغريب فى تلك المنطقة أنه الآن وسط مقابر فريدة من نوعها، اخترعها الأهالى حلا لمشكلات ضيق المساحة وزيادة الأسعار.

فى محافظة الدقهلية وتحديدا فى منطقة مقابر العيسوى وميت كرما، لجأ الأهالى إلى التوسع الرأسى فى بناء المقابر، وبدلا من أن تتكون المقبرة من طابق تحت الأرض وطابق فوق الأرض أى طابقين فقط حسبما ينص قانون الجبانات، أصبحت ترتفع ثلاثة طوابق وأربعة بل تصل أحيانا إلى خمسة طوابق لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق سلالم حديدية مثبتة على جدار المقبرة من الخارج كى يستطيع اللحاد والمشيعون نقل الجثمان إلى «عين الدفن».

قانون الجبانات ألزم بإزالة المخالفات.. لكن البعض يتحايل بوضع لافتة «المقبرة بها جثامين»ورغم أن آراء علماء الدين اتفقت على عدم مشروعية الدفن فوق الخرسانة المسلحة ورغم تحذيرات الأطباء من الاحتمالات الكبيرة لانتشار الجراثيم والميكروبات فى الهواء بعد تحلل الجثث المدفونة فوق الخرسانة، ما زالت هذه الظاهرة الغريبة تنتشر فى مقابر محافظة الدقهلية، التى يبلغ عدد سكانها نحو ستة ملايين نسمة، دون تدخل من السلطات المسئولة.

ويرى السيد إبراهيم، مدير مركز الدلتا الإقليمى للدفاع عن الحقوق والحريات، أن قانون الجبانات الذى صدر عام 1960 لتنظيم بناء المقابر يتضمن ثغرات تساعد على انتشار هذه الظاهرة. فبعد أن نص القانون على إزالة المقابر المخالفة، عاد وأجاز حبس الموظف الذى يزيل مقبرة تضم جثامين.

ويقول إبراهيم إن القانون لم ينص على إمكانية تعلية المقبرة «ولذا أصبحت التعلية زيادة على طابقين تجاوزا للقانون ومخالفة يجب إزالتها». ويوضح أن هذه مسئولية الحى ومديرية الإسكان والبيئة والصحة وفقا لما جاء فى قانون الجبانات.

لكن بعض المسئولين يرون فى تعلية المقابر حلا مناسبا لعدم قدرة الدولة على تخصيص أراض لجبانات جديدة، يميل لهذا الرأى أحمد الخميسى، السكرتير العام لمحافظ الدقهلية ورئيس حى غرب بمدينة المنصورة سابقا، الذى يقول: «الدولة لا تستطيع تخصيص أراض لبناء مقابر عليها لأن المقابر تحتاج إلى مساحات كبيرة ويجب أن تكون أرض المقابر مخصصة للمبانى وليست أراضى زراعية، ويجب أن تكون قريبة من الكتلة السكانية».

ويضيف «تعلية المقابر حل جيد لحل أزمة المقابر ولكن ليس لهذا الارتفاع الكبير الذى يصل إلى خمسة أدوار، فيتم بذلك التوسع رأسيا».

وبلغت نسبة المتوفين فى محافظة الدقهلية عام 2012 حوالى 6.6 فى المائة من عدد السكان مقابل نسبة المواليد التى سجلت 29.2 فى المائة فى العام نفسه.

ولكن الخميسى أشار إلى ضرورة إزالة تلك الأدوار المرتفعة المخالفة للقانون «إلا أن البعض يلجأ إلى التحايل بوضع لافتة بعد البناء بأن المقبرة تضم جثمانا».

ويحدث هذا التحايل لمنع المسئولين بالحى من إزالة أى مقبرة عن طريق وضع لافتة عليها اسم شخص مدفون فى تلك المقبرة حتى لو كانت خالية. لكن يمكن للمسئولين وقف المخالفة أثناء ارتكابها، أى خلال عملية البناء، وإن كان هذا لا يحدث كما يظهر من الأعداد المتزايدة للمقابر المتعددة الأدوار.

ويرى علماء الدين أن ما تشهده مقابر الدقهلية مثل مقابر العيسوى وميت كرما من بناء خرسانى للمقابر لا يتفق ورأى الشرع لأنه لا يجوز وضع الجثمان فوق أرض خرسانية.

ويقول محمد ثابت الوزير، عضو لجنة الفتوى بالدقهلية، إن عملية تعلية المقابر «ليست من الضرورات حيث إنها سوف تضر بالأحياء ولا بد أن يعود الجسد إلى الأرض ليدفن بها وكأنه عاد إلى أمه كون الأرض تضم مكونات الجسد».

وأضاف ثابت «الأصل فى دفن الميت أن تحفر له حفرة فى الأرض، ويوضع تحت مستوى سطحها، ولا يتحقق الدفن بغير ذلك، قال تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَة أُخْرَى). ولا بد من تعميق القبر بحيث لا تؤذى رائحة المتوفى المارة من الناس. وكذلك لا تصل الحيوانات إلى جسد المتوفى فتفتك به».

وأشار ثابت إلى أنه لا يجوز رفع القبر زيادة على شبر من الأرض، كما لا يجوز البناء عليه، لحديث مسلم عن جابر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وعن أَبِى سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ»، رواه ابن ماجه.

ويتفق معه الشيخ سعد الفقى، وكيل مديرية الأوقاف الأسبق بالدقهلية، قائلا: «أصل دفن الميت أن يكون تحت الأرض حماية له من نبش الحيوانات والأفضل أن يكون القبر تحت الأرض لحدا وهو الشق الذى يدفن فيه الميت ويجوز أن يكون غرفة أو ما يشبه الغرفة شكلا».

ويؤكد الفقى أنه يجوز التعلية طابقا أو اثنين فى حالة الضرورة فقط وبغير هذه الضرورة لا يجوز الدفن إلا فى اللحد (وهو شق فى الأرض للدفن داخله). واستطرد الفقى قائلا «إذا كانت هناك ضرورة تدعو لبناء مقبرة من طابقين وذلك لعدم وجود أرض كافية تتسع للمقابر، ففى هذه الحالة فقط يجوز بناء مقبرة من دورين وبشرط أن تكون مغلقة ومصمتة وليست لها نوافذ ولا تفتح إلا فى حالات الدفن فقط. أما إذا لم تكن هناك ضرورة ووجدت أراض تتسع لدفن المسلمين فلا يجوز بناء المقابر فى أدوار ويجب أن يكون الدفن فى الأرض سواء كان فى القبور أو العيون التى تبنى تحت الأرض لدفن الموتى».

ويحذر الأطباء المتخصصون من خطورة المقابر المتعددة الطوابق من الناحية البيئية حيث يزداد احتمال انتشار الأوبئة والأمراض بسبب طريقة الدفن هذه، وذلك لوجود بكتيريا وميكروبات متبقية من الجثث يمكن أن تتكاثر نظرا لقدرتها على تحمّل ظروف مناخية وبيئية قاسية فى التربة الخرسانية. وقال الأطباء إن أى مرض معدٍ ناجم عن جراثيم أو بكتيريا كالجمرة الخبيثة يمكن أن ينتشر بين السكان بعد تحلل الجثة المدفونة فوق الخرسانة فى الطوابق العليا. وقال الدكتور عادل محمود المنصورى، رئيس قسم الطب الشرعى والسموم الإكلينيكية السابق بكلية الطب، جامعة المنصورة، إنه فى حالة إصابة المتوفى بأمراض وبائية معدية فإنه بعد الوفاة وتحلل الجثة تتحرر الميكروبات المسببة لهذه الأمراض من قيد الجثة وتستطيع البقاء لفترات طويلة داخل ذلك الوسط الخرسانى وتعود من جديد إلى الوسط المحيط، ثم تنتقل بعد ذلك محمولة مع الهواء عند فتح المقبرة لتصيب من يتواجد فى محيطها بل وقد تنقلها الرياح إلى داخل المدينة ما يزيد من مساحة التلوث. وداخل مقابر ميت الكرما التابعة لمركز طلخا بمحافظة الدقهلية كان بعض الأشخاص يعملون فى بناء مقبرة فى وقت مبكر من أحد أيام الجمعة. وأكد صاحب المقبرة سعد عبدالرءوف، وهو موظف على المعاش يبلغ من العمر 66 عاما، أنه تم وضع خرسانة على سقف المقبرة حتى تتحمل بناء العديد من الأدوار.

وتصل مساحة المقبرة فى المتوسط إلى حوالى ستة أمتار مربعة وارتفاعها متر واحد وتبنى جدرانها بالطوب الأحمر إضافة إلى العمدان والأسقف المسلحة حاليا لتحمل تعدد الأدوار. ومن المعتاد أن يتم الدفن فى عين وتبقى مغلقة عاما كاملا وفى حالة دفن جثمان آخر خلال العام ذاته يتم الدفن فى عين مجاورة.

وفى يوم آخر داخل مقابر ميت الكرما قال لحاد القرية أحمد عبدالعظيم، البالغ من العمر 75عاما، إن «الزمن تغير ففى الماضى كانت المقابر تتكون من طابق واحد على شكل فرن ثم تطورت إلى دورين ثم وصلت الآن إلى خمسة طوابق بعد انشاء أسقف مسلحة لتسمح بارتفاع الأدوار».

يضيف عبدالعظيم «فى الماضى كانت الأماكن واسعة ومفتوحة فالكل يبنى فى عين واحدة أو اثنتين وتبنى عين للصدقة أما الآن فلا أحد يريد أن يدفن غريبا وسط عائلته فلا توجد أماكن لدفن الموتى».

ويشكو عبدالعظيم من أن الأدوار المرتفعة للمقابر باتت تسمح للخارجين عن القانون بالتوارى بسهولة عن الأنظار، قائلا إنه من وقت لآخر يتم القبض على تجار مخدرات أو قطاع طرق.

 «تم إعداد هذا التقرير الإخبارى بدعم شبكة (أريج)، إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية، ضمن برنامج تدعيم الإعلام لتغطية قضايا الإدارة العامة فى المحافظات».


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.