(كولومبيا جورنالزم ريفيو): الصحافة الاستقصائية تستمر في الشرق الأوسط رغم التحديات

2016/04/10
التاريخ : 10/04/2016

بقلم شيلا س. كورونيل
6 نيسان/ ابريل 2016
مجلة كولومبيا جورنالزم ريفيو، وهي المجلة الاعلامية العريقة التي تعتبر مرجعاً للإعلاميين وطلاب الإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية، وتصدر عن جامعة كولومبيا في نيويورك أجرت مقابلة مع عدد من صحفيي وممثلي شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) وعدد من الصحفيين العرب الذين يمثلون جيل الصحافة الاستقصائية العربية الواعد، فكان هذا التقرير الذي أعدته عميدة كلية الإعلام البروفيسورة شيلا كورنيل، والذي ترجمته (أريج) لقرائها العرب:
رابط التقرير الأصلي بالانجليزية: http://bit.ly/1PUV3Pi

خلال العام الماضي كانت مجموعة من الصحفيين العرب تعمل بشكل سري في مصر والعراق والأردن والجزائر واليمن كجزء من شبكة عالمية للصحفيين الاستقصائيين للتنقيب فيما سمي بـ”أوراق بنما”.
وجد هؤلاء الصحفيين الاستقصائيين أن بعضاً من الزعماء العرب وشركائهم التجاريين مرتبطون بشركات أوف شور وحسابات بنكية سرية. كما اكتشفوا أن الرئيس السوري بشار الأسد وحلفاءه تمكنوا من التحايل على العقوبات الدولية بتسجيل شركات وهمية في أماكن مثل جزر سيشل.
ما هو مستغرب في هذه القصة ليس ذهاب الديكتاتوريين العرب إلى شركات الأوف شور لإخفاء ثرواتهم وتجنب العقوبات، بل هو استمرار جماعة الصحفيين العرب في ممارسة صحافتهم الاستقصائية في إقليم يتضاءل فيه التسامح مع أي نوع من أنواع حرية الصحافة ودورها في المساءلة والمحاسبة.
في هذه الأيام لاتبدو الأخبار مبشرة عن حال الحريات في العالم العربي. ففي طول الإقليم وعرضه يتم سجن الصحفيين أو قتلهم، تنهار الصحف، وتنقض الرقابة على الصحافة المستقلة. قصة الصحافة العربية في السنوات الخمس منذ اندلاع الانتفاضات العربية يمكن اختصارها بالإغلاق أو تكميم الأفواه، فالأبواب التي كانت بالكاد مفتوحة أغلقتها الأنظمة التي هزتها الاحتجاجات الشعبية والهجمات الإرهابية والتوتر الطائفي.
ومع ذلك، وكما يظهر لنا عمل الصحفيون العرب على أوراق بنما، وأثبتوا أنّ الصحافة الاستقصائية ستستمر، وهي تكشف الانتهاكات والمخالفات من خلال الوثائق والبيانات والمقابلات وأحيانا طرق التخفي، وإن بشكل مخفف. ولكن بينما تهز فضائح أوراق بنما أركان الحكومات في العالم نجد أن رد الفعل هادئ في العالم العربي حتى الآن. فالتسريبات عن انتهاكات الزعماء العرب في الأوف شور لم تحصل على الكثير من الانتباه في وسائل الاعلام في الإقليم كما هو الحال خارجه، وإلى حد كبير لم يكن هناك ردة فعل من الأنظمة العربية على هذه التسريبات.

11
كانت ردات الفعل الحكومية تجاه التحقيقات الإعلامية في المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية فاترة. وكذلك كان المواطنون الذين سئموا من إعلام الفضائح والقذف وأصبحوا يتشككون فيه. هناك ردة فعل عنيفة في العديد من الأماكن.
“الشعور بالوحدة والرؤية الإيجابية للتغيير التي قادتها الاضطرابات تراجعت”، هذا ما كتبه مارك لينش أستاذ العلوم السياسية الذي وثق ما أسماه صعود المجال العام العربي وسقوطه. “العنف والتطرف والحرب تحتل المكان الذي شغلته سابقاً الحركات السلمية للتغيير الديموقراطي. المنابر الإعلامية التي حملت يوماً ما مناقشات عميقة يسيطر عليها الآن الديماغوجيون والأدعياء”.
“خوف الناس من الفوضى في الإقليم – الحروب الأهلية والدول الفاشلة، الحرب والدمار والغرق- أكبر من خوفهم من القمع “العادي” للدولة”، تقول رنا الصباغ الصحفية الأردنية التي ترأس شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)، وهي منظمة غير ربحية مقرها في عمان دربت ومولت الصحفيين الذين عملوا على تحقيق أوراق بنما. “بالنسبة لهم، فإن الديموقراطية وحرية التعبير والمساءلة تعادل الفوضى وانعدام الأمن. فهم لا يريدون أن يصبحوا مثل اللاجئين السوريين أو الليبيين او اليمنيين”.
في العقد الماضي طوّر الصحفيون العرب الشجعان أساليب الكتابة عن الانتهاكات في الأنظمة القمعية. وبينما وجد المواطنون والناشطون الحرية في المدونات ومنابر الإعلام الاجتماعي، اختار هؤلاء الصحفيون أن يبقوا داخل الفضاءات الأكثر تقييداً للمؤسسات الإعلامية التي تنشر الأخبار بشكل مهني وتعمل بشكل مفتوح في الفضاء العام. كانوا قادرين على نشر قصص للمساءلة باستخدام لغة حذرة ومحايدة، تقدم التوثيق اللازم وفي أماكن حيث القيود أكثر صرامة، من خلال حصر تنقيبهم في قضايا “آمنة” مثل التعليم أو الصحة.
الصحفي المستقل الرقيب على الأفعال الخاطئة أمر جديد في الساحة الإعلامية العربية. “كان لدينا نوعان فقط من الصحفيين”، يقول داوود كتّاب الصحفي الفلسطيني أحد المؤسسين والرئيس السابق لأريج، “كان هناك فقط إما صحفي مع الحكومة أو ناشطون ضد الحكومة يتصرفون كصحفيين. هناك الآن نوع جديد من الصحفيين يختلف عن الاثنين. بأدواتهم الاستقصائية قام هؤلاء الصحفيون بعمل جيد وهو الحصول على الحقائق. ليس من السهولة التغاضي عنهم بالادعاء بأن عملهم أكاذيب”.
أريج التي يمولها مانحون أوروبيون تستحق الكثير من التقدير لدورها في بروز الصحافة الاستقصائية في المنطقة. فمنذ إنشائها عام 2005، قامت بتدريب أكثر من 1600 صحفي في تسع دول. يتعلم الصحفيون كيف يستخدمون الوثائق والبيانات والأساليب الأخرى لإيجاد دليل على التجاوزات. ويعطى الصحفيون الواعدون منحاً لمتابعة تحقيقاتهم بإشراف من مشرفي أريج. وفريق أريج الذي نقّب في أوراق بنما تم اختياره فرداً فرداً من هؤلاء الذين سبق وحصلوا على منح.
لم تقم الجامعات العربية بتدريس الصحافة الاستقصائية حتى جاءت أريج وساعدت في بناء مناهج لنحو اثني عشر برنامجاً صحفياً. وحتى الآن ما يزال مدرسو الصحافة يستعملون كتباً من الحقبة السوفييتية، فالكثير منهم درسوا في روسيا أو العراق أو مصر، وليس في دول تتمتع بحرية الصحافة.
غالباً ما ينظر إلى التمويل الأجنبي وكأنه شبهة في إقليم ينتشر فيه التشكك بالغرب ونواياه. ولذلك سعت أريج إلى تهدئة هذه المخاوف باعتماد الشفافية بشأن مانحيها، تقول الصباغ، وبالإشارة إلى أن دولاً مثل مصر والأردن تعتمد على المساعدات الأجنبية. كذلك، “الساسة المحافظون اتهمونا بنشر غسيلنا الوسخ أمام العالم، ولكن هذه هي الحقيقة التي علينا أن نعيش معها”، استطردت الصباغ قائلة.
على مدى سنوات، أتاحت مؤتمرات أريج السنوية للصحفيين العرب فرصة مشاركة نجاحاتهم والتحديات التي يواجهونها. لقد تحدثت في مؤتمرين من هذه المؤتمرات كان آخرها في كانون الأول/ ديسمبر الماضي في عمان. في إحدى الأمسيات جلست مع مجموعة من الصحفيين الذين كانوا يشاهدون مقاطع استقصائية عرضت حديثاً على برامج التلفزيون المحلي. اشتمل الجدول على قصة لتجارة بيع الأعضاء غير الشرعية في العراق؛ تحقيق عن الفساد المرتبط بالسيارات المخصصة للمعاقين المعفاة من الجمارك؛ وتحقيق عن المحافظ العراقي الذي يكشف التحقيق أنه يأخذ رشاوى من المتعهدين الذين يقدمون الإسكان المؤقت للاجئين.

22
التعاون الدولي يساعد الصحافة الاستقصائية العربية على البقاء. ومجرد وجودها شهادة على أن مجتمع الصحفيين استجمع كل صفات الشجاعة والإبداع والمرونة والمنعة ليبقى على قيد الحياة.
كل فيلم كان يتبعه مناقشة قوية عن الأخلاقيات والأدلة وأساليب الكتابة. كان هناك مناقشات حيوية عن المصادر غير المسماة والتصوير السري. سألت أسعد الزلزلي الصحفي التلفزيوني العراقي الذي عرض فيلمه عن التجارة غير الشرعية بالأعضاء ذلك المساء ما إذا كان يتلقى تهديدات. أجابني: “كثيراً. ولكن لا بأس فهذا عملي”.
اليوم هناك مجتمع من الصحفيين الاستقصائيين العرب موجود حيث يجب ألاّ يوجد. في كل مكان آخر تقريباً تكون الصحافة الاستقصائية ممكنة فقط بتوفر بعض من حرية الصحافة والدعم الشعبي للصحافة التي تكشف الفضائح. وهذه الظروف غير متوفرة حالياً في العالم العربي.
نائلة حمدي، أستاذة الصحافة في الجامعة الأمريكية في القاهرة أجرت بحثاً عن الصحافة الاستقصائية في المنطقة. “الحريات الآن اقل بكثير مما كانت عليه قبل الثورات. من الصعب جداً إجراء أي تحقيق صحفي استقصائي جدي في أي مكان، ربما باستثناء لبنان ونوعاً ما الكويت”، تقول حمدي.
من المحزن أن مساحة المناورة تقل يوماً بعد يوم. معظم تقارير فريق أريج عن أوراق بنما، على سبيل المثال، ستنشر في وسائل إعلامية خارج العالم العربي، مثل لندن أو باريس. ففي الجزائر، رفضت مؤسسة إعلامية كان يفترض أنها شريكة مع أريج أن تنشر ما توصل إليه الفريق. وفي الأردن تلقى ناشر موقع عمان نت اتصالاً هاتفياً من مسؤول يحذره من نشر القصة عن شركات رجل أعمال أردني في مناطق الأوف شور.
من المؤكد أن التعاون الدولي يساعد الصحافة الاستقصائية العربية على البقاء على قيد الحياة. وحقيقة وجودها دليل على أن مجتمع الصحفيين جمع الشجاعة والإبداع والمرونة لإبقائه على قيد الحياة.
لينا عطا الله هي واحدة من الذين يبقون شعلة الصحافة في المنطقة مشتعلة. إنها محررة الموقع الإخباري المصري (مدى مصر) الذي فجّر قصصاً إحداها ملايين الدولارات التي انفقت من الأموال العامة لصيانة بيوت الرئيس الأسبق حسني مبارك. وكشف (مدى مصر) الشهر الماضي تورط المخابرات العسكرية في الانتخابات البرلمانية عام 2015. يستخدم صحفيو (مدى مصر) البيانات والوثائق مثل القضايا وتقارير التدقيق المحاسبي لإلقاء الضوء على المشاكل التي لا يغطيها الإعلام المصري المطواع حالياً. نادراً ما يسمح لهم بالوصول إلى المصادر الرسمية؛ وبدلاً من ذلك يحصلون على معلوماتهم من محامي المصلحة العامة والمدافعين عن حقوق الإنسان بل وأحياناً من داخل الحكومة.
“علينا مسؤولية كبيرة للكتابة عن انتهاكات الشرطة وقضايا الفساد الاقتصادي وخاصة على المستوى (الوطني)”، تقول عطا الله. “نحن ننشر عن القصص التي لا تحصل على تغطية كافية في وسائل الاعلام الأخرى، او التي إن نشرت تكون مشوهة إلى حد كبير. نحن نشعر أننا نملك اللغة والاليات لكتابة التقارير التي تمكننا من كتابة قصص أفضل”.

3
مدى مصر، مثلها مثل أريج، تنشر قصصها بالإنجليزية والعربية مما يجعل عملهما في متناول الجمهور العالمي. في مكان آخر في العالم العربي تقوم المواقع الإخبارية المستقلة الجريئة ثنائية اللغة بتوسيع الحدود، بما فيها عمان نت وهي محطة إذاعية في الأردن، ومجلة حبر الإلكترونية، أيضا في الأردن والتي تعرضت للمنع سابقاً، وكذلك انكيفاضة وهي مجلة الكترونية تونسية تنشر قصصها بالعربية والفرنسية.

عطا الله، 32 عاماً، بدأت عملها الصحفي مع أفول عهد مبارك، عندما كان الصحفيون ينتهكون حدود الرقابة على الصحافة. كانت رئيسة تحرير في صحيفة الاندبندنت الأسبوعية المصرية النارية الناطقة بالإنجليزية والتي كانت مع جريدتها الأم، المصري اليوم توثق أولى تحركات عدم الرضا التي توجت بالانتفاضة ضد حكم مبارك عام 2011. مثلت عطا الله الجيل الجديد من الصحفيين العرب الذين رفضوا أن تكمم السلطات أفواههم. ولكن صحيفتها أغلقت عام 2013، جزئياً بسبب الخلافات السياسية بين الموظفين الشباب التقدميين في الصحيفة الناطقة بالإنجليزية وبين مالكي الصحيفة.
اليوم تدير عطالله العمل بشكل أشبه بتعاونية للصحفيين. يحصل الموقع على تمويل من المانحين الغربيين ومن المناسبات والنشاطات الأخرى التي تولد الدخل. أما الجمهور الرئيسي للموقع فهو الشباب في العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهم، ومعظمهم ثنائيو اللغة، طلاب من الطبقة الوسطى ومهنيون شباب، والعديد منهم شارك في الاحتجاجات التي أنهت نظام مبارك الذي استمر 30 سنة.

5
تجربة مصر المضطربة مع الديموقراطية عرفت نهايتها بعد عامين ونصف من سقوط مبارك عندما أزاح الجيش الحكومة الإسلامية للرئيس محمد مرسي من السلطة. اعتلى العسكر الحكم ثانية بقوة في مصر، يسجنون ويقتلون المنشقين وينقضون على حرية التعبير. الطاقات الشعبية التي تم حشدها في 2011 تناثرت، تاركة الشباب الذي شاركوا في الثورة منقسمين ومحبطين.
“لم يكن لديهم أية قنوات للانخراط السياسي”، تقول عطا الله وتتابع: “بشكل عام، هناك انسحاب من السياسة والنشاط السياسي، والسبب الرئيسي هو عدم وجود حوار جامع يمكن أن يشملهم. أصبح الاحتجاج مكلفاً للغاية، والعديد من أصدقائنا اليوم في السجن. لم يكن هناك تعطش للاحتجاج على إغلاق الفضاء السياسي. في محيطي أنا، غادر الناس البلاد أو يحاربون ضد الاكتئاب. أصبح الوضع قاسياً.
العنف والتطرف والحرب احتلت الفضاء الذي شغلته سابقاً الحركات السلمية المطالبة بالتغيير الديموقراطي. المنابر الإعلامية التي حملت يوماً ما مجادلات عميقة يحكمها الآن الديماغوجيون والأدعياء”.
وترى عطا الله أن دور مدى مصر هو “تفعيل الحوار لإعادة فتح الفضاء السياسي وإشراك الجمهور في الحوار”. هي تشعر أن الصحافة الاستقصائية هي المحفز لهكذا حوارات “بالتأشير إلى الأشياء التي يمكن أن نوفر الدليل عليها بسرد قصصي محفز يجعل الحوار أكثر إلحاحاً”. وتجد عطا الله أن قصص الفساد تحظى بكثير من المتابعة على الإنترنت. “عندما ننشر شيئاً عليه توثيق ويعطيك إحساساً بصناعة الفساد، كيف تعمل وكيف تحدث وكيف يقومون بها، فهذا يشعرك بأهمية الموضوع. التحقيقات تضيف شعوراً بالأهمية والإلحاح في الحوار السياسي”.
في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تم اعتقال الصحفي حسام بهجت وهو أحد صحفيي (مدى مصر) لمدة ثلاثة أيام بتهمة نشر أخبار كاذبة بعد أن كتب عن محاكمة عسكرية سرية تم فيها إدانة 26 ضابطاً بالتخطيط لمؤامرة انقلاب. وقامت محكمة مصرية الشهر الماضي بتجميد أصول بهجت ومنعته من السفر إلى الخارج كجزء من تحقيق بدأ عام 2011 في المنظمات غير الحكومية التي تتلقى تمويلاً أجنبياً.
يتزايد الشعور شيئا فشيئاً بأن مدى مصر تتزلج على جليد رخو. فقبل عامين أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي تعديلا على القانون الجنائي يعاقب بالسجن المؤبد الأفراد الذين يتلقون تمويلاً من دولة أو مجموعة أجنبية بهدف زعزعة الحكومة. وفي شباط/ فبراير، اتهم رئيس مؤسسة إعلامية محلية بـ”الرشوة الدولية” لإجرائه بحثاً لحساب منظمات أجنبية بدون أخذ موافقة أمنية. ويقول المحامون إن التحقيقات الاستقصائية يمكن أن تجرم بموجب هذا النص الجديد.
“إذا لم نعتقل، إذا تمكنا من حشد قوتنا لمحاربة شعورنا بالتعب بسبب كل القيود المحيطة بنا،” تقول عطا الله. “أريد لمدى مصر أن تنمو وتصبح موقعاً تذهب إليه للحصول على التحقيقات الاستقصائية، وأن تبني ثقافة إعلامية حيث يتوقع الجمهور هذه النوعية من المحتوى وأن يبدأوا بالإيمان بأن المحتوى السيء أو المهادن هو بالفعل إهانة لهم”.
تاريخ الإعلام العربي هو تاريخ التبعية والخنوع. فمنذ أن تعزز الحكم الاستبدادي في خمسينيات القرن الماضي أصبحت الصحف والشبكات الاذاعية أبواقا للنخب الحاكمة وقارعة طبول للدول الاستبدادية.
ولكن بدءاً من نهاية التسعينيات فتحت المحطات الفضائية ولاحقاً الانترنت ووسائل الإعلام الاجتماعي فضاءات جديدة للخطاب العام. فعبر العالم العربي كله، بدأ الصحفيون والمواطنون يستكشفون هذه الفضاءات وسرعان ما استخدموا المنابر الجديدة للمطالبة بأن تكون أصواتهم مسموعة. وعلى العكس من كبار السن نجد أن الجيل الذي وصل إلى سن الرشد في هذه المرحلة الجديدة من المعلومات، لم يكن خائفاً من مواجهة الأنظمة العاجزة في الإقليم.
في الماضي، ازدهرت الفضائح في الفترات التي تميزت بالتغيير الديموغرافي والاغتراب العميق عن السلطة والتغيرات التكنولوجية في وسائل الاعلام. فالزيادة في طاقات نشر الفضائح في بداية 1900 وفي 1960 وسبعينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة تعزى جزئيا الى هذه الظروف.
تصدعات مماثلة كانت تحدث في الإعلام العربي في نهاية القرن الماضي، موفرة تربة خصبة للفضائح. قناة الجزيرة كانت من بين الذين تولوا القيادة، مع الصحفي المصري يسري فودة الذي أطلق برنامجه الاستقصائي سري للغاية في 1998. وفي الوقت نفسه، كان جيل جديد من الصحفيين ينبش في قضايا ممنوعة تشكل تابوهات مثل الفساد وانتهاكات حقوق الانسان وحقوق العمال ضمن حدود ممكنة تحت الحكم المتشدد للاستبداديين العرب.
بدا التغيير ممكناً حتى في سورية. في عام 2000، خلف بشار الأسد ابن الـ 35 عاما الذي تدرب كطبيب عيون في بريطانيا أباه في الحكم ووعد بأن يفتح بلاده للعالم. أرخى الحبل المفروض على الصحافة، وخفف قبضة الدولة على الاقتصاد. تشجع السوريون ليبراليو التفكير بالإصلاحات فأسسوا نواد للحوار، بما فيها ناد عرض السخرية السياسية. شجع وزير الإعلام الانفتاح الجديد، وكذلك فعل وزير الداخلية الذي شكى من أن منشورات الدولة لا تشجع على القراءة.
حمود المحمود، خريج صحافة حديث من جامعة دمشق انضم الى صحيفة تشرين الحكومية في السنة التي تولى فيها بشار الأسد الحكم. ولكونه من الرقة وأول فرد في عائلة من الفلاحين يتخرج من الجامعة عرف المحمود أن فرصه في هذه الصحيفة الحكومية لن تكون مشرقة.
وصل إلى دمشق للعمل وسرعان ما رأى أنك “يمكن ان تكون غبياً، يمكن أن تكون كسولاً ولكن يمكنك أن تكون ناجحاً إذا كان لديك معارف، إذا كان لديك أقرباء أقوياء في السلطة مثل جنرالات في الجيش والأجهزة الأمنية”، يقول المحمود الذي يتابع قائلا: “حتى لو كنت جيداً لن تتم ترقيتك لأن قوة أولئك الذين لديهم معارف ستكون اقوى منك. ولكن عندما فتحت وسائل إعلام خاصة كان لدي الفرصة لأكون في مجلة جديدة ورئيسا لتحريرها”.
في عام 2005، انضم المحمود الى مجلة الاقتصادي وهي واحدة من المنشورات الجديدة المملوكة للقطاع الخاص التي سمح لها بالانطلاق خلال ما يعرف الآن بربيع دمشق. في السنة نفسها، التقى وفد من الصحفيين الدنماركيين بصحفيين عرب بارزين، عارضين الدعم على مشاريع إعلامية في المنطقة. وبعد ذلك بقليل تم تأسيس أريج بتمويل من الحكومة الدنماركية. وهذا جمع المدربين الدنماركيين والمدربين الأوروبيين الآخرين للتعليم ووفروا التمويل والإشراف للمشاريع الاستقصائية في عدة بلدان.
وفي سوريا، توصلت أريج إلى اتفاقية رسمية مع الحكومة: سمح لها بتمويل مشروعات طالما ليس هناك أموال أمريكية فيها، وشريطة أن تعرف وزارة الإعلام مسبقاً بأسماء الصحفيين والمشرفين عليهم، وأن تفصح أريج عن تكاليف المشروعات وبيانها. “كان لدينا جدال كبير في مجلس إدارة اريج”، تستذكر الصباغ التي كانت تقود السيارة من عمان الى دمشق كل بضعة أشهر للإشراف على المشروعات. “هل نتصارع مع السلطات ونجري تحقيقات استقصائية قاسية أم أن علينا أن نتنامى تدريجياً بالتأكد من أن الصحفيين الذين يعملون معنا لديهم مهارات الكتابة الاستقصائية؟”
أتاح تنازل أريج الفرصة للصحفيين لممارسة الأساليب الاستقصائية، ولكن ذلك عنى أن عليهم أن يلتزموا بالقواعد وأن يكتبوا في القضايا المسموح بها فقط مثل قضايا المستهلك والمشاكل البيئية والصحة العامة والتعليم وعدم تطبيق العدالة.
“لا أعلم لماذا سمحت الحكومة السورية بذلك”، يقول كتاب، الذي كان عندها نائب رئيس أريج. “افترض أنهم أرادوا تحسين علاقاتهم مع العالم الغربي مثل الدنمارك والسويد واللتين لا تمثلان أي تهديد حقيقي لها، وكانوا مقتنعين ان هذا ليس مؤامرة على النظام. كما احتاجوا إلى الانعتاق من سترة الحجز التي كانوا يلبسونها ولكنهم لم يعرفوا كيف. كانوا مستعدين للسماح لنا بذلك الحيز الضروري، ولكن المهم أنّ هذا ما احتجنا إليه في البداية”.
ما هو مدهش في هذه القصة، ليس أن الديكتاتوريين العرب يذهبون إلى الاوف شور لإخفاء ثرواتهم وتجنب العقوبات، بل هو أن مجتمع الصحفيين العرب يستمرون في التحقيق الاستقصائي في منطقة يتزايد فيها عدم التسامح مع أي نوع من أنواع الحرية والمساءلة.
كان المحمود من بين الأوائل الذين حصلوا على منحة أريج، “كانت فعلاً نقطة تحول في حياتي”، يقول المحمود. “أدركت أنني احتجت لتوثيق قصصي، للتحقق من كل شيء، للبحث عن دليل على كل شيء، أن أترك مشاعري جانباً وأن أكون موضوعياً في كتابة وجمع المعلومات. أدركت أنني إذا فعلت كل هذا، سأكون قادراً على كتابة قصص أكثر حساسية. تلقيت تهديدات أقل وكمية أقل من ردود الأفعال السيئة من الأشخاص ذوي السلطة لأنهم رأوا دليلاً قوياً أمامهم”.
في سوريا، عمل الصحفيون الذين دربتهم أريج على قصص في قضايا مثل تلوث الهواء ومصادرة الأراضي والنفايات الطبية. وبالنسبة لبلد انحدر نحو الحرب الأهلية، أصبحت الكتابة الصحفية أكثر خطورة. توقفت مجلة الحمود عن الطباعة لأن القتال جعل من الصعب توزيع نسخها، رغم أنها استمرت في الصدور بطبعتها الإلكترونية.
في عام 2012، بينما كان القتال يحتدم في العاصمة، طلبت جامعة دمشق من المحمود أن يدرس مساقاً عن الصحافة الاستقصائية مدته أسبوعين. “كانت الجامعة قريبة جداً لخطوط القتال بين النظام والمتمردين”، يستذكر المحمود. “كنت أدرس رغم كل القصف. كان الطلاب بالفعل سعداء لحضور هذا المساق. بالنسبة لهم، كانت هذه أول مرة يدرسهم شخص يعمل في الميدان. أخبرتهم عن آخر المستجدات في الصحافة الاستقصائية، بينما كان أساتذتهم يدرسونهم من كتب قديمة”.
بقي المحمود في دمشق حتى 2014 عندما انتقل إلى عمان ليتولى قسم البحث في أريج. ويقوم حالياً بمساعدة الفنيين بوضع قاعدة معلومات لسجلات الشركات وقضايا المحاكم والعطاءات الحكومية في 18 بلدا عربياً. حفظت أريج بيانات من مواقع حكومية تم محوها في حينها، رغم أن بعضها ما يزال في أرشيف الانترنت. وهي تأمل أن تتمكن قريباً من الكشف عما يمكن أن يكون أكثر قاعدة معلومات شاملة، ويمكن البحث فيها للسجلات العامة في العالم العربي.
في آذار/ مارس، نشر المحمود وسبعة صحفيين أوروبيين وعرب تحقيقاً عن ملكية بواخر الشحن التي اكتشف أنها تهرب اللاجئين إلى أوروبا. التعاون عبر الحدود هو إحدى الطرق التي تأمل أريج من خلالها أن تستمر في الصحافة الاستقصائية في ظل الظروف الحالية غير المواتية.
العديد من الذين دربتهم أريج في سوريا هربوا، وعدد قليل منهم قتلوا أو اختفوا. الصحفيون الذين دربتهم أريج في اليمن يهربون أيضاً. وأولئك الذين ظلوا في البلدين يستمرون في العمل ويكتبون تحت أسماء مستعارة لحماية هوياتهم. السنة الماضية، كتب الصحفيون الذين مولتهم أريج في سوريا عن المناهج في مدارس داعش وانتعاش تجارة الاختطاف مقابل الفدية التي يمارسها الجيش والمتمردون على حد سواء. وكشف تقرير حديث نشر باسم مستعار الشركات السرية لخال الأسد وعائلته، مستخدماً سجلات حصلت عليها صحيفة لوموند والاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين من موظف سابق في بنك اتش اس بي سي.
“نحن نفكر في كيفية البقاء، كيف نجعل صحفيينا يستمرون في العمل بدون أن يتعرضوا للأذى أو للمخاطر”، يقول المحمود. “أخشى أننا عدنا إلى المربع الأول. نحن نتعرض للضغوط، ونرى أن نافذة الأمل تضيق، ولكننا ما نزال موجودين ونكتب القصص”.
في عام 2012، بعد وقت ليس ببعيد من الانتفاضات العربية، أجرت حمدي من الجامعة الأمريكية في القاهرة استطلاعاً شمل أكثر من مائتي صحفي عربي. ذكر 60% منهم أنه عمل على مشروع استقصائي خلال السنوات العشر الماضية. عدد جيد من المستطلعين اعتقدوا أن عملهم جذب الانتباه العام لهذه القضايا أو أدى إلى إصلاحات في السياسات العامة. وهذا شيء مثير للإعجاب نظراً للقيود على الإعلام العربي، رغم أن حمدي تقول إن الصحفيين العرب، يعرفون الصحافة الاستقصائية بشكل أوسع من تعريفها المعروف، لتضم ما يعرف في الولايات المتحدة باسم صحافة المشاريع، حيث يبحث الصحفيون في قضايا لا يكتب عنها على نطاق واسع، حتى وإن لم يكشفوا بالضرورة شيئا سرياً أو لم يكن معروفا من قبل.
ولكن منذ ذلك الاستطلاع اشتد الخناق على الصحافة التي تراقب إما لان الأنظمة العربية انجرفت إلى حرب أهلية أو لأنها شددت قبضتها على السلطة. وعندما ننظر إلى الوراء يبدو لنا أن السنوات الأولى من هذا القرن حتى نحو عام 2012 ، كانت العصر الذهبي للصحافة الاستقصائية العربية. فهذه السنوات شهدت، بكلمات صبا بيباوي الأكاديمية الأسترالية ومؤلفة كتاب صدر حديثا عن الصحافة الاستقصائية العربية، “صعود تقاليد التقصي الصحفي المنهجي”.
كتب الأكاديميان البريطانيان جنغرونغ تونغ وكولين سباركس في معرض حديثهما عن الصين عام 2009 عن استمرار زخم الصحافة الاستقصائية، رغم الرقابة الحكومية والضغوط الإعلانية على مالكي وسائل الإعلام. ظهرت الصحافة الاستقصائية في الصين في ثمانينيات القرن الماضي مع الانفتاح الاقتصادي ورفع الدعم عن الإعلام الحكومي، والاضطرابات الاجتماعية التي رافقت التحضر السريع والنمو الاقتصادي المتزايد.
بعد خمس وعشرين سنة، أجرى تونغ وسباركس مقابلات مع أكثر من 70 صحفياً ووجدا أنهم طوروا مخزوناً من التكتيكات والالاعيب لتفادي القيود، بما في ذلك انتقاد النظام أو مجموعة ما بدلاً من القاء اللوم على أفراد متنفذين. أما السبب وراء استدامة الباعث لكشف الأخطاء في الصين، فكان مأسسة الممارسات الاستقصائية في المؤسسات الإخبارية، وظهور أيديولوجية مهنية بين الصحفيين. “هناك تطور نحو نظرة الصحافة لنفسها كنوع من الخدمة العامة. فالنظرة الجديدة للصحفيين تجاه أنفسهم هي أن اعتمادهم على السلطة السياسية، يقل يوماً بعد يوم ليصبحوا مجموعة وظيفية متميزة لها وظيفة تزداد وضوحاً يوما بعد يوم”.
من الصعب أن نقول كيف ستبدو الصحافة الاستقصائية العربية عام 2030. فمن غير المحتمل أن ترتخي القبضة على الإعلام العربي في أي وقت قريب. والجماعات الإسلامية المسلحة التي تجوب الإقليم تستمر في تخويف وقتل الصحفيين الجامحين. كما أن الكثير من التقارير الصحفية التي تتعلق بالمحاسبة والمساءلة يمولها المال الأجنبي الذي قد لا يستمر على المدى الطويل.
ومع ذلك ما يزال الصحفيون العرب يجدون طرقاً جديدة لفتح الفضاءات التي تضيق. ولا تزال مكانة الصحافة الاستقصائية عالية بين الصحفيين، إن لم تكن كذلك بين الناس. وما يزال مجتمع الصحفيين الاستقصائيين العرب المكافحين، من صحفيين ومحررين ينظرون لأنفسهم كمراقبين غير حزبيين للأوضاع.
“يشعر الصحفيون العرب بأنهم يجب أن يكونوا عوامل للتغيير الاجتماعي، وهكذا بأدائهم لهذا النوع من الصحافة يشعرون بأنهم جزء من التغيير، أو يعملون من أجله”، تقول حمدي. ورغم تقلص مساحات الفضاء، تتابع قائلة، “هناك شعور بأن الصحافة الجيدة كانت ممكنة وستكون ممكنة في المستقبل”.
شيلا س. كورونل هي عميدة الشؤون الاكاديمية في كلية كولومبيا للصحافة ومديرة مركز للصحافة الاستقصائية.


تليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.