صحافة بلا يدين..!

2014/10/26
التاريخ : 26/10/2014

الغد – علاء الدين أبو زينة  –  نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية مؤخراً مقالاً تحت عنوان: “تخيلوا عالما بلا صحافة استقصائية، فقد لا تحتاجون إلى التخيل قريباً”. ويشكو كاتب المقال من أن الصحافة في بلده تفقد حريتها لصالح الشرطة والسلطات العامة الأخرى، التي شرعت بالتنصت سراً على هواتف الصحفيين والصحف، وهو ما يراه مشكلة كبيرة للمجتمع الديمقراطي.

ليس الصحفي البريطاني مضطراً كثيراً إلى “تخيل” عالم بلا صحافة استقصائية، هو أو مواطنوه. ما عليهم سوى ركوب الطائرة بضع ساعات لزيارة بلادنا، ليصبح ذلك العالم “المريخي” الذي يحذر منه في متناول اليد ورأي العين، بالتفصيل الواقعي. هنا، يمكن أن يكتب صحفي لقرائه، من دون أن يتجنى على شيء أو أحد: “تخيلوا عالماً بصحافة استقصائية فقط. لأنها لن تتسنى لكم رؤيته قريباً”!

يقول الكاتب البريطاني، إن “السلطة” التي يتمتع بها الصحفيون لنشر القصص “مثل فضيحة انتهاكات فوذرهام ونفقات مجلس النواب، أصبحت تحت التهديد من جهة الشرطة”. ويقول إنه من دون وجود من يسمونهم في الغرب “Whistleblowers” (“كاشفو الفساد”، بأقرب المقابلات العربية)، فإنه لن تكون هناك صحافة استقصائية. “ومن دون صحافة استقصائية، يستطيع المسؤولون العامون الفاسدون وغير الأكفاء أن يناموا ليلهم الطويل قريري العين إلى حد كبير”. ويمضي الكاتب إلى القول: “وهكذا، عندما تشرع الشرطة والسلطات العامة الأخرى في فحص سجلات هواتف الصحفيين والصحف سراً، فإن ذلك يصنع مشكلة كبيرة للمجتمع الديمقراطي. ويمكن أن أسمي ذلك فضيحة وطنية”.

ماذا يقول الصحفيون في بلادنا إذن؟ وكيف يستطيعون أن يحتفظوا لعملهم بشيء من المسؤولية والمهنية وهم يصرفون كثيراً من الطاقة في تحسس مواضع أقدامهم لتجنب الفخاخ والألغام؟ بماذا يمكن أن يُوصف هذا “العالم” الذي تتحالف فيه كل السلطات ضد “سلطة” الصحافة لتجريدها من وظيفتها الأساسية: كشف الحقيقة، ومراقبة السلطات الأخرى والتدقيق على أدائها لمصلحة الوطن والمواطن؟!

مثل كل شيء آخر يخضع للكثير من الرقابة والتدجين تحت عناوين الأمن القومي وحفظ الاستقرار، يجري في الأماكن “الناجية من الربيع العربي” مصادرة أي مساحات ربما تكون الصحافة قد كسبتها مع الاندفاعة الأولى. ودائماً يكون هذا الخلط الغريب بين كشف الحقيقة وبين التشويش على أداء السلطات -من غير الصحافة، باعتبارها ليست سلطة ولا ما يحزنون- وكأن الصحافة في جانب والبقية في جانب آخر. وتحت هذا العنوان، يُشعرون الصحفي بأن التستر على الخلل واجب وطني: لا يجوز أن تتحدث عن فساد أو استغلال في قطاع الصحة مثلاً، حتى لا تخرب السياحة العلاجية؛ لا يجب أن تتحدث عن تورط مسؤولين في قضايا كسب غير مشروع حتى لا تضر بالشكل العام للبلد، أو تسيء إلى شخصيات عامة. سوف ينصح الصحفيَّ صديق محب: “سيبك” من هذه المسألة لأنك لست “قد” هذا أو هؤلاء. ومن هذا الكثير! باختصار: تسود قاعدة النعامة والرمال. تعامى عن هذا فيصبح غير موجود!

من باب الحلم الآمل، يجوز للمواطن والصحفي أن يتخيلا فقط “عالماً بصحافة استقصائية”، أو “عالماً بصحافة حرّة” حقاً. والبدهي أن يكون تحقق هذا العالَم مشروطاً بالتغيير. لكن المؤسف والمناقض للتعريفات الطبيعية للأشياء، هو أنّ الصحافة لا تُعطى أي فرصة حقيقية للمشاركة في التغيير، وإنما سيترتب عليها أن تنتظر المساحة التي سيتيحها لها الآخرون إذا نجحوا ورغبوا. وكما قال الصحفي البريطاني، فإنك يمكن أن تتعقب وجهة الأشياء جميعاً -تقدماً أو تراجعاً- من حال الصحافة. سوف تفقد “الديمقراطية” ديمقراطيتها إذا انهالت السلطات الأخرى على الصحافة وأخضعتها. أما حيث لا ديمقراطية أصلاً، فلن تكون هناك أي فرصة للديمقراطية من الأساس، ما لم تكف السلطات عن استهداف الصحافة واعتبارها عدواً وصانعة مشاكل.

للمسألة علاقة بحسن النية. سوف يقول أمين مستودع نزيه للمفتشين: “تعالوا ودققوا فواتيري وأوراقي في أي وقت. ليس لدي ما أخفيه”. وسوف يرتعد إذا كانت أوراقه فاسدة ولا يريد أن يراها أحد. وعندما لا تحب كل “سلطة” “فضول” الصحافة، وتضربها على يدها كلما سألت عن شيء، فبمن تحتمي الصحافة؟ ولأيّ شيء هي إذا لم تعرّف الناس بما لا يعرفون وهم جمهورها الطبيعي؟! سوف ينام الفاسدون ليلهم الطويل فقط، قريري العين، لوقت طويل!

أخبار ذات صله


تليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.