مررتْ بطاقة السحب الآلي، وقفت لثوانٍ للحصول على معاش «تكافل وكرامة»، وهو إجراء تقوم به شهرياً. لكن هذه المرة كانت «مختلفة»؛ بعد أن اكتشفت أن بطاقتها موقوفة.

«منى مرسي»، ذات الـ48 عاماً، المقيمة في الزقازيق بمحافظة الشرقية؛ واحدة من ملايين النساء المصريات المستفيدات من برنامج تكافل وكرامة. تشكل النساء فيه الغالبية العظمى من المستفيدين بنسبة تتجاوز الـ75 في المئة.

قصة تكافل وكرامة

في عام 2014، تبنّت مصر برنامجاً للإصلاح الاقتصادي لسدّ عجز الموازنة، نتجت عنه أزمة اقتصادية، أدت إلى ارتفاع أسعار السلع.

في عام 2015، أطلقت الحكومة بدعم من البنك الدولي بنحو 400 مليون دولار، «تكافل وكرامة»، وهو برنامج للمساعدات النقدية المشروطة، يقدم مساعدات للأسر الفقيرة والأولى بالرعاية، التي لديها مؤشرات اقتصادية واجتماعية منخفضة.

يوفر برنامج «تكافل» دعماً نقدياً للأسر الفقيرة التي لديها أطفال في مراحل التعليم، شريطة انتظامهم في الدراسة بنسبة حضور لا تقل عن 80 في المئة، وللأسر التي لديها أطفال دون السادسة، إضافة إلى الحوامل الملتزمات ببرامج الرعاية الصحية.

فيما يوجه برنامج «كرامة» مساعداته إلى المسنين فوق 65 عاماً ممن لا يملكون دخلاً، والأشخاص ذوي الإعاقة أو العجز الذي يمنعهم من العمل، إلى جانب الأيتام والأرامل.

ويبلغ متوسط قيمة المساعدة النقدية الموجهة للأسرة في الشهر الواحد، 900 جنيه، بحد أدنى 700 جنيه، وقد تصل إلى 4000 جنيه للأسرة الواحدة.

هذا ليس البرنامج الوحيد الذي يدعمه البنك الدولي؛ إذ يموّل مشروع تدعيم شبكات الأمان الاجتماعي في مصر، بتكلفة 900 مليون دولار أميركي، إلا أن «تكافل وكرامة» يعد الركن الرئيسي له، إذ يغطي 27.7 في المئة من الأسر الفقيرة بمصر؛ 67 في المئة منهم في محافظات الصعيد.

تقدمت منى لبرنامج تكافل وكرامة عام 2013، حيث استوفت جميع المستندات المطلوبة؛ بما في ذلك «القومسيون الطبي» لإثبات نسبة العجز لدى زوجها، المشخص بالاضطراب الوجداني ثنائي القطب، وإثباتات غياب التأمين، وعدم امتلاك حيازة زراعية أو عقارات، لتتقاضى نحو 323 جنيهاً شهرياً.

منذ ذلك الحين وحتى 2018، كانت «منى» تتسلم معاشي «تكافل وكرامة»، من مكتب البريد، قبل أن تصبح الأمور أكثر تعقيداً. ففي عام 2018، بدأت ملامح التحول الرقمي في البرنامج تتبلور عبر رقمنة البيانات، وربط الشبكات، وتطوير قواعد البيانات لضمان وصول الدعم للأسر الأكثر احتياجاً.

تزامن ذلك مع ارتفاع نسبة السكان، الذين يعيشون دون خط الفقر في محافظة الشرقية لأزيد من 24.3 في المئة.

ومع التحول الرقمي لوزارة التضامن الاجتماعي، وإطلاق البوابة الإلكترونية للاستعلامات وتسجيل شكاوى المستفيدين من البرنامج، في 30 آذار/مارس 2020، أصبحت الأسرة مضطرة إلى تجديد التقارير الطبية دورياً لإثبات استمرار نسبة العجز، وتقديم مستندات جديدة؛ تشمل التأمينات، وإثباتات الحيازة الزراعية، وخطابات من المدارس، إلى جانب خضوعها لبحث ميداني داخل المنزل انتهى بإقرار استحقاقها للدعم.

وصار لزاماً عليها تحديث البيانات كل ستة أشهر، من خلال بوابة «تكافل وكرامة»، وتسجيل الرقم القومي والبيانات المطلوبة، ورفع المستندات الرسمية بصيغة إلكترونية، وتشمل: صورة البطاقة، وشهادات الميلاد، وإثبات محل الإقامة، وقسيمة الزواج أو الطلاق، والشهادة الطبية في حال الإعاقة. ثم تأكيد البيانات والضغط على «تحديث».

معاشات موقوفة بأمر السيستم

كانت تخشى توقف المعاش، مع حذف التضامن آلاف العائلات من قائمة مستفيدي تكافل وكرامة. لكنّ مخاوفها تتبدد في كل مرة تمسك بين يديها مبلغ 1435 جنيهاً مصرياً شهرياً. إلى أن جاء شهر كانون الثاني/يناير عام 2026، حين فوجئت بظهور حالة «إعادة تقييم».

ليتوقف صرف المعاشين اللذين كانت تحصل عليهما؛ أحدهما بقيمة نحو 835 جنيهاً والآخر بنحو 600 جنيه، مرتبط بدعم تعليم الأبناء، رغم أن ظروف الاستحقاق لم تتغير. ابنتاها مريم وملك طالبتان على مقاعد الدراسة، وزوجها يعمل بشكل غير منتظم بمقهى أو يبيع المناديل بالشارع. أما هي فتحاول جاهدة أن تستمر في تنظيف السجاد وبيع الخضروات، لكنّ مرض السكري أقعدها مؤخراً عن العمل.

يترتب على ظهور مصطلح «إعادة التقييم»، لمستفيدي برنامج تكافل وكرامة، عبر بوابة الاستعلام والشكاوى، إيقاف الدعم لحين إجراء دراسة شاملة لحالة الأسرة للتحقق من استمرار استحقاقها، ويتطلب من مستفيدي كرامة، حجز موعد جديد للكشف الطبي عبر موقع المجالس الطبية المتخصصة. ويجب على مستفيدي «تكافل» تقديم شكوى عبر بوابة الاستعلام والشكاوى، وإرفاق المستندات المطلوبة (مثل شهادات الميلاد، والتأمينات، وقسيمة الزواج) والتوجه بها إلى وحدة الشؤون الاجتماعية التابعين لها، وإجراء بحث اجتماعي جديد لهم.

حالات إعادة التقييم: اختلاف بيانات الدخل أو الحيازة، عدم تطابق المستندات، تحديثات النظام الرقمي أو لجان البحث.

توجهت منى لمكتب الشؤون الاجتماعية في منطقتها، وقدمت مجدداً جميع المستندات المطلوبة، ثم تقدمت بتظلم إلكتروني أخبرها موظفو الشؤون بقبوله، وأصبحت حالتها على النظام «مقبولة»، إلا أن صرف المعاش لم يُستأنف حتى الآن.

متاهة رقمية

أمام كل هذه الإجراءات، ومتاهة تجديد الأوراق والرفع والشكوى والتظلم، تجد منى نفسها غارقة؛ فتعجز عن استخدام الخدمات الرقمية الحكومية وتستعين بالخدمات المدفوعة الأجر، التي تقدمها مقاهي الإنترنت كل مرة.

تفاصيل الحكاية ذاتها تعيشها عالية جمال، ذات الـ46 عاماً. توقف صرف معاشها في كانون الثاني/يناير 2026. تقول عالية، وهي مطلقة من دون عمل أو مصدر دخل، سوى مساعدات أشقائها، إنها كانت تعتمد على معاش «تكافل» بقيمة 815 جنيهاً، قبل توقفه المفاجئ. وعندما استعلمت على الموقع الإلكتروني، كان السبب «إعادة التقييم».

ورغم تقدمها بشكوى للبوابة الإلكترونية، وتسليمها لجميع المستندات المطلوبة لإدارة الشؤون الاجتماعية في محافظة الشرقية، أبلغتها الموظفة بأن ملفها رُفض نهائياً، دون توضيح السبب. ورغم أن الحالة لا تزال تظهر على الموقع الإلكتروني «إيقاف بسبب إعادة التقييم»، جاءها رد على الشكوى بحذفها بتاريخ 23 شباط/فبراير 2026. طالبتها الموظفة بالانتظار لعام كامل، وحذف بياناتها من المنظومة، ثم إعادة التقديم، دون أن تتلقى شرحاً لذلك.

الأمية الرقمية وتحديث البيانات

بحسب دراسة منشورة عام 2025، بعنوان «تحليل الفجوة الرقمية في مصر»، بلغت نسبة النساء المستخدمات للإنترنت 53 في المئة، بينما وصلت نسبة الذكور نحو 61.5 في المئة؛ بفجوة بلغت 13.8 في المئة بين الجنسين.

«مريم السيد»، توقف أيضاً صرف معاش «تكافل» الخاص بها، في كانون الأول/ديسمبر 2025، لإعادة التقييم، رغم تقديمها المستندات المطلوبة إلى الشؤون الاجتماعية، في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، لإتمام تحديث البيانات.

ويلزم قانون الضمان الاجتماعي الجديد، رقم 12 لعام 2025، المستفيد من الدعم النقدي، بالقدوم قبل نهاية شهر شباط/فبراير من كل عام إلى الوحدة المختصة التابع لها؛ لتحديث حالة الفرد أو الأسرة الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتعليمية، لضمان عدم توقف الدعم مؤقتاً.

مريم الحاصلة على دبلوم فني، تخطت عامها الـ47، وتقيم مع زوجها وبناتها الثلاث في حي دار السلام بالقاهرة، في شقة من غرفة وصالة، تستأجرها والدة زوجها. كانت مريم تعمل بحضانة للأطفال، حتى تعرضت لإصابة بالساق قبل ست سنوات، أقعدتها عن العمل. فأصبحت أسرتها تعتمد على دخل غير منتظم يجنيه الزوج عامل المحارة، مريض الكلى، بجانب مساعدات عينية يرسلها أقاربها من الريف.

عام 2018، تقدمت بطلب إلى الشؤون الاجتماعية في دار السلام، للحصول على معاش تكافل، وحصلت على أول معاش عام 2020، بقيمة نحو 450 جنيهاً، ثم وصل إلى 500 جنيه. وعندما توقف صرفه، توجهت إلى مكتب الشؤون الاجتماعية، لكنّ الموظفين طلبوا منها تقديم تظلم عبر بوابة الاستعلام والشكاوى لبرنامج «تكافل وكرامة».

ولأنها لا تجيد التعامل مع الخدمات الرقمية، كانت تقصد مكتبة أو «سايبر» للاستعلام أو تقديم الشكاوى، وتقدم بطاقتها الشخصية للعاملين بها لتنفيذ الإجراءات بدلاً منها، مقابل دفع رسوم. لكن انتهت بها الحال معلقة تحت بند «إعادة تقييم» لعدة أشهر، وعندما قصدت وزارة التضامن الاجتماعي أُبلغت بعدم تلقي شكواها. بعدها، تلقت رداً على الشكوى الإلكترونية بالتوجه لوحدة الشؤون التابعة لها، وهناك أبلغها الموظفون بعدم تلقيهم أوامر بهذا الخصوص.

اكتشفت مريم بعد زيارتين لوزارة التضامن الاجتماعي، أن الحظر جاء من مكتب الشؤون الاجتماعية خلال تحديث بياناتها في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وبناءً على ذلك طُلب منها تقديم أوراقها من جديد لإعادة تقييم حالتها.

«السيستم» يربك المستفيدين

عام 2026، أصبح التضامن يمتلك قواعد بيانات وربطاً شبكياً لقاعدة بيانات تكافل وكرامة، مع أكثر من 20 جهة بالدولة، بحسب الوزيرة مايا مرسي.

وتعتمد وزارة التضامن الاجتماعي على منظومة رقمية يستخدمها موظفو مكاتب الشؤون الاجتماعية لتسجيل بيانات الأسر إلكترونياً، ومتابعة المستفيدين من برامج الدعم النقدي وخدمات بطاقة الخدمات المتكاملة. وتختلف هذه المنظومة عن بوابة الاستعلام والشكاوى الخاصة ببرنامج «تكافل وكرامة»، وهو ما قد يؤدي إلى تباين البيانات التي تظهر للمستفيدين عند الاستعلام، بحسب بدار أبو علي، اختصاصي اجتماعي بأحد مكاتب الشؤون الاجتماعية.

يفسر ذلك بأن البوابة الإلكترونية غير مرتبطة بسيستم وزارة التضامن، ويقتصر دورها على جمع البيانات الأولية. يقول بدار: «المشكلة في بعض الحالات يتم تسجيل بياناتها على السيستم وبتكون مستحقة وبعد الإصدار يتضح أنه غير مستحق، فيتم إيقاف تسليم الكارت من قبل الوحدة».

ويشرح أن «مكننة» منظومة «تكافل وكرامة» بدأت عام 2018، ثم جرى تطويرها عام 2021 عبر ربطها بعدة قواعد بيانات حكومية؛ ما عزز قدرة الدولة على اكتشاف حالات عدم الاستحقاق. لكنّ بعض البيانات، مثل حالات الطلاق أو الوفاة، لا تُحدَّث تلقائياً، بل تتطلب إخطاراً من المواطن وتقديم المستندات اللازمة.

ويؤكد بدار أبو علي أن المعاش يتوقف عند ظهور مؤشرات على عدم الاستحقاق، مثل امتلاك سيارة حديثة أو أرصدة مالية أو سجل ضريبي.

أين سقط مستحقو الدعم؟

في كانون الثاني/يناير 2026، تقدم عضو مجلس النواب، أحمد عصام الدين، بسؤال برلماني، بشأن شطب عدد كبير من مستفيدي معاش تكافل وكرامة، رغم توافق شروط الاستحقاق عليهم، دون إخطارهم بأسباب واضحة أو إتاحة آلية تظلم فعالة.

في المقابل، يرجع إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، سبب الأزمة إلى آليات البحث الاجتماعي، وإصدار البطاقات وتسليمها، والتظلمات، وعدم الالتزام بالزيارات الميدانية للتحقق من أوضاع المتقدمين، أو إعداد تقارير لا تعكس الواقع الفعلي لهم، واعتبار امتلاك بعض الأجهزة الكهربائية، مؤشرات على عدم الاستحقاق.

عملاً بحق الرد، تواصلنا مع وزارة التضامن الاجتماعي للتعليق، لكنّنا لم نتلقَّ رداً حتى تاريخ النشر.

تلاعب في الأرقام

منتصف 2025، أعلنت وزيرة التضامن أن «تحسن الوضع الاقتصادي لبعض الأسر كان سبباً في خروجها من البرنامج، فـ7.7 مليون أسرة استفادت من تكافل وكرامة، خرج منها ثلاثة ملايين». وكان تقرير صحفي قد كشف عن استبعاد 620 ألف مستفيد، وضم نحو 570 ألف أسرة جديدة.

وبحسب رأفت شفيق، مدير برنامج الدعم النقدي لتكافل وكرامة بوزارة التضامن الاجتماعي، يُمنح الدعم النقدي لمدة ثلاث سنوات فقط، بعدها يُعاد تسجيل الأسر المستفيدة.

بالنسبة للفقر، ارتفعت المعدلات من 29.7 في المئة عام 2019، إلى 33.5 في المئة عام 2021. وبلغت في المناطق الريفية بصعيد مصر 51.9 في المئة في 2017، مقارنة بنسبة 56.7 في المئة في 2015، أما في المحافظات الحضرية، فقد بلغ معدل الفقر 26.7 في المئة في 2018/2017 مقارنة بنسبة 15.1 في المئة في 2015.

ويرى الدكتور أحمد لطيف، مدير العمليات السابق ببرنامج الدعم النقدي «تكافل وكرامة» بوزارة التضامن الاجتماعي، أن البرنامج بحاجة إلى إعادة هيكلة. ويقول إن تقييم الفقر ينبغي ألا يستند إلى تقييم مواصفات المسكن؛ لا سيما أن المساعدات العينية التي تقدمها الجمعيات الأهلية أو جهات حكومية أو أفراد قد تكون سبباً في وجود أجهزة أو أثاث داخل منازل الأسر الفقيرة، ولا يصح اتخاذها مؤشراً على خروجها من دائرة الفقر.

مَن يعيد منى؟

لا تزال منى تبحث عن حل لاستعادة الـ1400 جنيه شهرياً (28 دولاراً)، قيمة معاشي تكافل وكرامة، اللذين حُرمت منهما أسرتها. واليوم باتت مطالبة بسداد كامل المصروفات الدراسية لمدرستي ابنتيها اللتين انتقلتا للصفين الأول الإعدادي والأول الثانوي، بعد أن كان يشملهما الإعفاء من السداد كونهما من مستفيدي البرنامج.

وبينما تقول المنظومة الرقمية إنها مستحِقة، تظل منى وكثير من النساء الأكثر فقراً معلقات، في انتظار أن يتحول هذا الاستحقاق الرقمي إلى دعم نقدي.

يتساءلن متى تنتهي معاناة أسرهن؟

كل النساء اللاتي تحدثنا إليهنّ ظهرن بأسماء مستعارة.