تخشى إيمان الاقتراب من ماكينة الصراف الآلي، تدفع داليا جزءاً من معاشها لمن يسحبه نيابة عنها، بعد أن ابتلعت ماكينة الصراف الآلي بطاقتها ذات مرة. أما ميرفت، فتنتظر في طابور البريد كل شهر، رغم امتلاكها بطاقة إلكترونية.
ثلاث نساء، ثلاث حكايات، تكشف مشكلة واحدة: التحول الرقمي لا يعني بالضرورة أن الجميع قادرون على استخدام أدواته.
تحمل إيمان (اسم مستعار)، بطاقة تكافل في يدها كل شهر، لكنّها لا تجرؤ على الاقتراب من ماكينة الصراف الآلي، تقف أمامها كما لو كانت ترى جهازاً هبط من عالم آخر. لا تعرف لغته ولا تفهم كيف يعمل، تتساءل في دهشة: «نفسي أشوف الماكينة بتشتغل إزاي؟». تخشى أن تضغط الزر الخطأ، أو أن تبتلع الماكينة بطاقتها، فتفقد المبلغ القليل الذي تنتظره كل شهر لتدبير احتياجات أسرتها.
بالنسبة لها، الطريق الأطول إلى مكتب البريد، والانتظار في الطوابير، وحتى دفع عمولة لشخص يسحب المعاش نيابة عنها، كلها خيارات تبدو أكثر أماناً لها من الوقوف أمام شاشة الصراف الآلي.
عندما أطلقت وزارة التضامن الاجتماعي برنامجي «تكافل وكرامة» عام 2015، لم تتردد إيمان في التقدم للحصول على الدعم، بعدما وجدت أن ظروفها تنطبق على شروط برنامج «تكافل»، المخصص للأسر الفقيرة التي لديها أطفال، والذي يربط الحصول على الدعم النقدي باستمرار الأبناء في التعليم، والالتزام بمتابعة الرعاية الصحية. ويُعد البرنامج أحد أبرز أدوات الحماية الاجتماعية التي تتبناها الدولة لدعم الأسر الأكثر احتياجاً.
أما برنامج «كرامة» فيُخصص لكبار السن (65 عاماً فأكثر) والأشخاص ذوي الإعاقة غير القادرين على العمل، ولا يملكون مصدر دخل ثابت. ويهدف البرنامجان إلى تعزيز العدالة الاجتماعية، وتوجيه الدعم الحكومي إلى مستحقيه، وتحسين الظروف المعيشية للفئات الأكثر احتياجاً، ويُصرف منتصف كل شهر.
تنتظر إيمان موعد صرف المعاش، الذي رغم محدوديته (880 جنيهاً)، يُمثل لها استعادة الحياة ولو مؤقتاً.
تسدد ديونها المتراكمة لدى البقال والجيران، بعد أن اضطرتها الحاجة إلى الاستدانة قبل موعد الصرف، تقول: «ساعات بروح لواحدة حنينة أقولها: هاتِ لي كيلو سمك، وبكرة لما أقبض هديكي الفلوس، أو آخد حاجة من البقالة وبنمشي حالنا كده».
الطوابير مقابل الـ ATM
يبدأ المستفيدون صرف معاش تكافل وكرامة من خلال جميع ماكينات الصراف الآلي المتاحة على مستوى الجمهورية، كما يمكنهم إجراء الدفع الإلكتروني، وجميع المعاملات الحكومية والمشتريات، وفقاً لوزارة التضامن الاجتماعي المصرية.
ولأن كل جنيه في معاش إيمان محسوب بدقة، تبدو فكرة استخدام ماكينة الصراف الآلي مخاطرة لا تستطيع تحملها. فاحتمال ألا تصرف الماكينة الأوراق النقدية الصغيرة، أو أن تضطر إلى ترك جزء من مستحقاتها داخلها، كفيل بأن يدفعها إلى تجنبها تماماً، حتى لو كان البديل هو الوقوف في طوابير مكتب البريد. تقول: «لو فيه عشرينات أو خمسينات، المكنة مش بتطلعها».
لم تكن إيمان وحدها التي تتعامل مع البطاقة بحذر يصل إلى حد الخوف. فخلال مقابلات مع عدد من المستفيدات، تكررت الحكاية نفسها وإن اختلفت تفاصيلها؛ بطاقات يحملنها منذ سنوات، لكنهن يفضلن الوقوف في الطوابير، أو يقتطعن جزءاً من معاشاتهن مقابل أن يسحبها شخص آخر نيابة عنهن.
«بخاف... لأني مرة حطيت البطاقة في المكنة واتسحبت مني».
بهذه الكلمات تلخص داليا سبب عزوفها عن استخدام ماكينة الصراف الآلي. فمنذ تلك الواقعة، لم تعد مستعدة لتكرار التجربة، بعدما استغرقت يومين إلى ثلاثة أيام، وعدة زيارات، حتى تتمكن من استعادة بطاقتها. تقول: «طلعوا عيني... فضلت رايحة كذا مشوار لما ادوهالي».
الاستعانة بغريب
منذ ذلك الوقت، أصبحت داليا تستعين بأحد مستخدمي ماكينات الصراف، أو تتوجه إلى مكتب الشؤون الاجتماعية للحصول على معاشها، مقابل رسوم تتراوح بين 25 و30 جنيهاً عن كل عملية سحب. بالنسبة لها، تبدو هذه التكلفة أقل من المجازفة بفقدان البطاقة، أو تعطل صرف المعاش مرة أخرى.
ورغم أنها حاصلة على دبلوم تجارة، فإنها لا تزال تجد صعوبة في التعامل مع ماكينة الصراف الآلي. تقول إن التعليمات التي تظهر على الشاشة تربكها، وتخشى أن ترتكب خطأ في إحدى الخطوات يحرمها من المبلغ الذي تنتظره كل شهر.
يرى الدكتور شاكر الجمل، خبير أمن المعلومات، أن غياب الوعي الرقمي لا يقتصر أثره في عزوف المستفيدين عن استخدام بطاقات الصرف، بل يجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والاحتيال، قائلاً: «مينفعش نثق بأي حد، خصوصاً الأشخاص اللي عندهم ضعف في الوعي الرقمي». مشيراً إلى أن كثيراً منهم يطلب من أي شخص أمام الماكينة أن يسحب له المعاش، ما قد يعرضهم لسرقة البطاقات أو تصوير بياناتها واستخدامها مرة أخرى.
ويضيف: «حتى الرقم السري مينفعش حد يعرفه أو يكتبه على البطاقة، لأن المستفيد في النهاية هو اللي بيتحمل الخسارة»، ويؤكد الجمل أن رفع الوعي بكيفية استخدام البطاقات وحماية بياناتها لا يقل أهمية عن توفير الخدمة نفسها، لأن التحول الرقمي لا يكتمل دون تمكين مستخدميه من التعامل معه بأمان.
خلال عقد من تطبيق البرنامج، وصل «تكافل وكرامة» إلى أكثر من 8.2 مليون أسرة منذ إطلاقه، فيما يستفيد منه حالياً نحو 4.7 مليون أسرة، وفق بيان وزارة التضامن الاجتماعي في أيار/مايو 2026. وتؤكد الوزارة أن النساء يمثلن نحو 75 في المئة من إجمالي المستفيدين، في إشارة إلى أن البرنامج يعتمد بدرجة كبيرة على النساء، كونهن المستفيدات الرئيسيات من الدعم النقدي.
تشارك عدة جهات حكومية ودولية في تنفيذ برنامج «تكافل وكرامة»، تتصدرها وزارة التضامن الاجتماعي، التي تتولى إدارة البرنامج واختيار المستحقين، وإصدار البطاقات الذكية المخصصة لصرف الدعم. كما تتولى وزارة التربية والتعليم متابعة انتظام الأطفال المستفيدين في الدراسة، على ألا تقل نسبة حضورهم عن 80 في المئة من أيام الدراسة الفعلية، وتتولى وزارة المالية توفير المخصصات المالية اللازمة لتنفيذ البرنامج.
وتشارك وزارة الداخلية في التحقق من صحة البيانات المقدمة من الأسر المتقدمة للحصول على الدعم، في حين تتولى الهيئة القومية للبريد صرف المستحقات المالية للمستفيدين من خلال مكاتبها المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد. ويحظى البرنامج أيضاً بمتابعة ودعم عدد من المؤسسات الدولية، من بينها البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وذلك في الجوانب المتعلقة بالتشغيل والتطوير.
وفي هذا السياق، ارتبط تطوير برنامج «تكافل وكرامة» وتوسيع نطاقه بشراكة مستمرة بين وزارة التضامن الاجتماعي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير. ففي عام 2015، وقّع الطرفان مشروع تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي بتمويل قدره 400 مليون دولار لدعم منظومة التحويلات النقدية في مصر، تلاه تمويل إضافي بقيمة 500 مليون دولار عام 2019. ووفّر التمويل موارد لتوسيع نطاق منظومة الحماية الاجتماعية، وتطوير آليات استهداف المستفيدين وإدارة التحويلات النقدية، بالتزامن مع زيادة عدد المستفيدين من «تكافل وكرامة».
خلال العمل على التحقيق، رافقنا ميرفت (اسم مستعار) في يوم صرف الدعم إلى مكتب البريد التابع لمدينتها، بأحد مراكز محافظة الشرقية. استيقظت مبكراً، وغادرت منزلها متجهة إلى البريد الذي يبعد عنها نحو 15 دقيقة سيراً على الأقدام، فهو المنفذ الوحيد للصرف في بلدتها. وما إن وصلت في الساعات الأولى من الصباح، حتى اتجهت مباشرة إلى الطابور الطويل أمام شبابيك البريد، لتأخذ دورها.
ماكينة الصرف الآلي.. ممنوع الاقتراب أو السحب
بينما في الخارج، كانت ماكينة الصراف الآلي خالية تماماً من الجمهور، في الوقت الذي اصطف فيه جميع مستفيدي برنامج تكافل وكرامة تقريباً أمام الشبابيك، مفضلين الانتظار لسحب مستحقاتهم من الموظف؛ بدلاً من استخدام الماكينة التي يتجنبها الجميع.
انتظرت ميرفت أكثر من ساعة حتى جاء دورها. تقول إن الوقوف لساعات، أقل مخاطرة من تجربة استخدام ماكينة الصراف الآلي، خاصة أنها لا تجيد القراءة أو التعامل مع الماكينات، كما لا تثق في بأن توكل أحداً للسحب نيابة عنها.
بينما ينتظر المستفيدون أدوارهم أمام شبابيك الصرف، يقف م.ح، موظف الأمن على باب مكتب البريد، ينظم دخول المواطنين للحد من التكدس والإجابة عن استفساراتهم. لكنه يتجنب تماماً الاقتراب من ماكينة الصراف الآلي الملاصقة للمبنى، أو مساعدة أي شخص في استخدامها؛ خوفاً أن يُحمله المواطنون مسؤولية أي عطل قد يحدث في أثناء عملية السحب.
موقع تكافل وكرامة خارج نطاق المستفيدين
لا تقتصر الفجوة الرقمية على استخدام ماكينات الصراف الآلي، بل تمتد إلى المنصات الإلكترونية للبرنامج نفسه. فعلى الرغم من أن برنامج «تكافل وكرامة» يستهدف الأسر الأكثر احتياجاً، ويضم مستفيدين أغلبهم من محدودي التعليم، فإن بعض صفحات البوابة الرسمية للبرنامج، التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، تتضمن خطوات معقدة، بالإضافة إلى إدخال بعض البيانات باللغة الإنجليزية.
ورصدنا أن الضغط على صفحات مثل «الأسئلة الشائعة» و«مبادرات وبرامج» للتعرف على تفاصيل البرنامج أو مبادرة «لا أمية مع التكافل»، ينقل المستخدم إلى صفحة تسجيل دخول تعرض حقول التسجيل باللغة الإنجليزية أيضاً.
كابشن الصورة
كابشن الصورة
لا تقف صعوبة الوصول إلى المعلومات عند حدود الموقع الإلكتروني، بل تمتد إلى الخدمات والحقوق التي يُفترض أن يعرفها المستفيدون. فلم تكن تعلم «ميرفت»، أن من حق ابنتها، التي تعاني إعاقة حركية، استخراج بطاقة الخدمات المتكاملة، تقول، إنها سمعت عنها مصادفة خلال استقلالها إحدى وسائل المواصلات العامة، فسارعت إلى استخراجها قبل خمس سنوات، لكنها لم تستفد منها حتى الآن. وتضيف: «الكارت كلفني 100 جنيه، ومستفدتش بيه بحاجة، مابعرفش إيه المميزات اللي فيه».
لم تكن رحلة الحصول على الدعم الحكومي أقل مشقة؛ فبعد أربع سنوات من الانتظار، بين عامي 2014 و2018، تمكنّت من استخراج بطاقة «كرامة» لابنتها، لتبدأ بصرف 440 جنيهاً شهرياً، قبل أن يرتفع المبلغ تدريجياً إلى 800 جنيه مصري.
أما هي، فانتظرت ثلاث سنوات أخرى للحصول على بطاقة «تكافل» كونها مطلقة؛ إذ بدأت إجراءات التقديم عام 2023، واستوفت الأوراق المطلوبة، لكنها فوجئت برفض طلبها بدعوى عدم توافق الشروط عليها. تتذكر تلك اللحظة قائلة: «قالولي إنتِ غير مستحقة... أمال مين المستحق؟». وبعد سلسلة من الشكاوى، وتدخل بعض الأشخاص، حصلت أخيراً على أول دفعة من معاش «تكافل» عام 2026.
في الوقت نفسه، توقفت بطاقة «كرامة» الخاصة بزوج إيمان، بعدما كان يتقاضى منها 825 جنيهاً شهرياً، إثر إصابته بكسر في الفقرتين الرابعة والخامسة من العمود الفقري؛ نتيجة سقوطه من سقالة في أثناء عمله في المعمار. خضع كغيره من المستفيدين، لكشف «القومسيون الطبي» لإثبات أن إصابته دائمة وتمنعه من العمل الدائم، وكان يُعاد عرضه على اللجنة الطبية سنوياً، والتي أكدت كل مرة استحقاقه للدعم بحسب «الزوجة». لكنّ صرف المعاش توقف فجأة في 15 نيسان/أبريل 2026.
حاولت الأسرة تقديم شكوى، لكنّها اصطدمت بعائق جديد؛ فهي لا تعرف كيفية استخدام البوابة الإلكترونية أو تقديم تظلم عبر الإنترنت، كما لا تملك المعرفة الرقمية التي تمكنها من متابعة إجراءاتها بنفسها، لتجد نفسها مضطرة إلى انتظار المساعدة من الآخرين.
ووفقاً لوثيقة تقييم المشروع الصادرة عن البنك الدولي في أواخر عام 2022، بشأن توسيع نطاق برنامج «تكافل وكرامة» في مصر، يتضمن مسار العمل مجموعة من البرامج التدريبية التي تستهدف مساعدة المستفيدين على إنشاء مشروعات صغيرة ومصادر دخل مستدامة، من خلال توفير تدريبات فنية وتدريبات متخصصة في إدارة الأعمال.
كما يشمل البرنامج تقديم تدريبات موجهة للنساء لتعزيز الاستفادة من الأصول المتاحة لهن في مجالات الحرف اليدوية والتجارة والخدمات والأنشطة الزراعية، إضافة إلى برامج لمحو الأمية المالية؛ إذ تستهدف تعزيز الشمول المالي وتشجيع الادخار.
وفي الوقت نفسه، يتضمن البرنامج تنفيذ دورات لبناء القدرات المؤسسية والفنية للعاملين في وزارة التضامن الاجتماعي، والجهات المعنية بتنفيذه، بهدف رفع كفاءة الخدمات المقدمة للمستفيدين وتوسيع نطاقها.
يقول الدكتور شاكر الجمل، خبير أمن المعلومات، إن معالجة عزوف بعض مستفيدي «تكافل وكرامة» عن استخدام بطاقات الصرف لا تتطلب حلولاً معقدة، بل برامج توعية عملية تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً. ويضيف: «الدولة اتحولت رقمياً، ولازم الناس دي تواكب التحول، الحل يبدأ بحصر المستفيدين الأكثر احتياجاً للتدريب، وتنظيم ورش عمل داخل القرى، مع إرسال فيديوهات ورسائل توعوية لمن يستطيع استخدامها».
لا تحتاج إيمان إلى بطاقة جديدة، ولا إلى ماكينة أحدث، بقدر ما تحتاج إلى من يشرح لها كيف تستخدم ما تحمله في يدها منذ سنوات. فنجاح التحول الرقمي لا يقاس بإتاحة الخدمة فقط، وإنما بقدرة الفئة المستهدفة على الوصول إليها والاستفادة منها دون خوف أو وسيط أو تكلفة إضافية.