لم تكن سلوى عادل ذات الخمسة والأربعين عاماً، المقيمة في إحدى القرى التابعة لمحافظة الجيزة، تتذكر تاريخ تجديد بطاقتها التموينية، لكنها تتذكر جيداً اليوم الذي اكتشفت فيه اختفاء أسماء أبنائها من البطاقة.

لسنوات، كانت تصرف المقررات التموينية لأسرتها المكونة من ستة أفراد؛ هي وزوجها وأبناؤها الأربعة. لم تدرك أن ثلاثة من أبنائها لم تعد تنطبق عليهم الشروط.

لم يتغير عدد أفراد الأسرة، وبقي وضعهم المادي على حاله، لكنّ البطاقة التي عادت بعد التجديد لم تحمل سوى اسمين فقط. للحظات، تجمدت سلوى أمام الموظف في مكتب التموين تحاول فهم ما حدث: «أين ذهب أبنائي؟»، فجاءها الرد مقتضباً: «مش على السيستم (النظام)».

لم تفهم معنى العبارة، فسألت مرة أخرى: «طب راحوا فين؟ أنا مش عارفة... طب أنا أعمل إيه؟ أنا ذنبي إيه؟». قيل لها إن الأمر يحتاج إلى تظلم، ثم أُبلغت لاحقاً بأنه «لا توجد تظلمات».

قصة «سلوى» لم تكن حالة فردية، فعلى مدار شهرين متتاليين، التقيتُ بنساء تشابهت قصصهن رغم اختلاف تفاصيلها؛ بعضهن فقدن أفراداً من بطاقاتهن التموينية دون أن يفهمن السبب الحقيقي وراء ذلك، وأخريات سلّمن بطاقاتهن إلى بدالي التموين (المنافذ الرسمية والمعتمدة لصرف المقررات الغذائية المدعمة للمواطنين حاملي البطاقات الذكية)، اعتقاداً بأن ذلك جزء طبيعي من الإجراءات.

في حين لم تعرف أخريات أن الخدمات التي يحتجن إليها أصبحت تُدار عبر منصات إلكترونية، لم يسبق أن استخدمنها أو سمعن بها، والكثيرات منهن حرمن وأسرهن الدعم التمويني فقط لعدم وعيهن بأساليب التعامل مع الرسائل التي يتلقونها عبر الهاتف، خلال الفترة الأولى من وجودهن على المنظومة التموينية. وجميعهن اعتمدن فكرة البحث عن وسطاء للتعامل مع تلك المساحة الغامضة بالنسبة لهن.

مساحة غامضة

لم يكن الوصول لسلوى عبر الهاتف سهلاً. كانت تنتظر عودة ابنها متأخراً من عمله حتى يعينها على تسجيل قصتها. سلوى، التي بالكاد تعرف طريقها لاستخدام الهواتف الذكية، تجد نفسها عاجزة أمام المنصات الإلكترونية «السيستم». لكنّها لم تترك باباً إلا وطرقته لإعادة دعم التموين لأبنائها.

تقول «سلوى» إنها وعلى مدار أربع سنوات، ظلت تتردد على مكتب التموين، وكلما سمعت أن باب التظلمات قد يُفتح، ذهبت من جديد، حيث كانت تستقل «توك توك» من قريتها إلى مكتب التموين، وتدفع نحو مئة جنيه في «المشوار»، ثم تعود بالإجابة نفسها: «لسه... مفيش تظلم».

لم يخبرها أحد، خلال تلك السنوات، أن هناك تظلماً يمكن تقديمه إلكترونياً، وحتى بعدما سمعت للمرة الأولى عن الخدمات الإلكترونية في التلفزيون، ذهبت إلى مكتب التموين لتسأل، فعادت دون أن تتمكن من تقديم طلبها.

وفق الأنظمة الحديثة، يستحق كل فرد مدرج على بطاقة التموين خمسة أرغفة يومياً من العيش البلدي، بسعر 20 قرشاً للرغيف، كما يستحق كل فرد مقيد على البطاقة 50 جنيهاً شهرياً، تُصرف في صورة سلع تموينية مدعمة من قائمة السلع المتوفرة لدى منافذ البقالين حتى الفرد الرابع فقط.

لم يكن غياب أبناء سلوى عن البطاقة يعني فقدان أسماء فقط، بل فقدان حصتهم من الدعم طوال أربع سنوات، في وقت تصف فيه دخل الأسرة بأنه غير مستقر؛ إذ يعمل زوجها «باليومية». ورغم ضآلة المبلغ الذي لا يتجاوز الدولار الواحد للفرد، لكنّه يمثل طوق نجاة لسلوى وأسرتها.

في منتصف عام 2021، بدأت وزارة التموين والتجارة الداخلية بتطبيق التحول الرقمي؛ فصار لزاماً على المستفيدين والمتقدمين الجدد استخدام منصة «مصر الرقمية»؛ وهي منصة حكومية تنظمها وتشغلها شركة فيكسد المصرية، وتقدم عدة خدمات حكومية.

بحسب دراسة «تحليل الفجوة الرقمية في مصر»: هناك فجوة بين الجنسين في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على مستوى المحافظات والنوع. ويتضح ذلك من خلال مؤشر نسبة مستخدمي الإنترنت، الذي يُظهر وجود فجوة في نسبة استخدام الإنترنت وطرق استخدامه، وصلت نسبة النساء اللاتي يستخدمن الإنترنت بحسب الدراسة إلى 53 في المئة، في حين كانت نسبة المستخدمين من الذكور 61.5 في المئة، ويتضاعف هذا التحدي في المجتمعات الريفية التي تعاني ضعف تغطية الشبكات مقارنة بالمدن؛ ما يقلل من فرص المرأة الريفية في الاستفادة من التحول الرقمي.

مصائر في يد «البدال»

لا تعلم سلوى إلى اليوم ما إن كان تحديث البيانات أو خلل في تسجيلها أو غير ذلك أدى لإسقاط أبنائها من البطاقة؛ إذ لم تكن «سلوى» هي من تولت إجراءات تجديد بطاقتها التموينية في قريتها. فكما تقول إن الأهالي اعتادوا ترك بطاقاتهم لدى بدال التموين، الذي يجمعها مع المستندات المطلوبة، ويتولى إنهاء الإجراءات نيابة عن أصحابها. لم ترَ «سلوى» في ذلك ما يدعو للقلق، فالعادة مستقرة منذ سنوات، والبطاقة كانت تُستخدم لصرف التموين بصورة طبيعية.

لم تكن رواية سلوى الوحيدة التي تشير إلى احتفاظ بدالي التموين ببطاقات المواطنين، وإنهاء الإجراءات نيابة عنهم. فخلال المقابلات التي أجرتها معدة التحقيق، تكرر ذكر هذه الممارسة، خصوصاً في المناطق الريفية، وكأنها أمر اعتيادي وطبيعي، حيث يعتمد كثير من المواطنين على البدال في تحديث البيانات وتجديد البطاقات، بسبب محدودية المعرفة بالإجراءات أو صعوبة الوصول إلى الخدمات.

غير أن هذه الرواية يرفضها ماجد نادي، نقيب بدالي التموين، الذي يؤكد أن احتفاظ البدالين ببطاقات المواطنين لا يجوز، ولا توجد حاجة عملية إليه من الأساس، فعلى حد تعبيره: «بطاقة التموين ما تنفعش تكون عند تاجر التموين... هي بتتضرب مرة واحدة في الشهر، فهيسيبها عنده ليه؟».

وأضاف أن البطاقة لم تعد مجرد وسيلة لصرف سلع محددة، كما كان الحال في السابق، بل أصبحت تحمل قيمة مالية يستطيع المواطن أن يختار بها السلع التي يريدها، وهو ما يجعل الاحتفاظ بها لدى أي شخص آخر مخاطرة بالنسبة لصاحبها.

ولا يكتفي نقيب البدالين برفض الممارسة، بل يُحذر من تعريض التاجر للمساءلة إذا ثبت احتفاظه ببطاقات المواطنين: «دي عقوبتها كبيرة جداً، ممكن توصل لغلق المنفذ أو الحرمان من صرف السلع التموينية».

ورغم نفي نقيب بدالي التموين مسألة الاحتفاظ ببطاقات المواطنين التموينية، فإن الرواية نفسها تكررت في شهادات أخرى جمعها التحقيق؛ من بينها شهادة هدى جمال* التي أكدت أنها لم تحتفظ ببطاقتها التموينية منذ سنوات. اعتادت، مثل غيرها من أهالي منطقتها، أن تتركها لدى بدال التموين وصاحب المخبز، اللذين كانا يتوليان صرف الخبز والسلع وإدارة البطاقات: «مبناخدش البطاقة... بتاع العيش بياخدها يضربها كل يوم على حسابه، عشان يستفيد من ورايا، وهم لامين البطاقات عندهم بيتصرفوا فيها زي ما هم عايزين».

فالأمر بالنسبة لها لم يكن مجرد وسيلة لتسهيل صرف الخبز أو المقررات التموينية، بل تحول إلى فقدان كامل لسيطرتها على البطاقة وما يُصرف من خلالها، فتقول إنها لم تكن تستطيع اختيار السلع التي تحتاج إليها أسرتها، رغم أن منظومة الدعم تتيح للمواطن حرية الاختيار في حدود قيمة الدعم المخصصة له.

لم تكن تلك هي المشكلة الوحيدة التي تعانيها «هدى» في رحلة حصولها على الدعم التمويني؛ إذ إن اثنين من أبنائها خارج المنظومة، رغم أن الصغيرة بينهما عمرها 12 عاماً، والسبب الوحيد الذي يتم ذكره طوال تلك الأعوام، أن إضافة المواليد الجدد متوقفة في المنظومة، وفق قولها.

المحرومون: من فقدان البطاقة إلى فقدان الطريق

رحاب سالم* واجهت عائقاً مختلفاً، فلم تكن مشكلتها في مكان البطاقة، وإنما في الطريق إلى استعادة حقها في الدعم التمويني الذي تستحقه بقرار الجهة الإدارية نفسها. فلم تُحرم أسرتها من الدعم لأن بياناتها غير مكتملة، ولا لأنها لم تستوفِ شروط الاستحقاق، بل لأن زوجها لم يستجب لرسالة نصية وصلت إلى هاتفه.

تروي «رحاب» أنها قبل نحو عشر سنوات، أنهت إجراءات استخراج بطاقة تموين جديدة، وانتظرت استلامها، وعندما توجه الزوج إلى مكتب التموين لاستلام البطاقة، كانت المفاجأة: «فيه رسالة جاتلك وما رديتش عليها... إنت كده من المحرومين».

كانت تلك أول مرة تسمع الأسرة كلمة «المحرومين»، لم يكن أحد قد أخبرهم من قبل أن رسالة نصية قد تحدد مصير البطاقة، أو أن عدم التفاعل معها قد يحرم الأسرة من الدعم.

ومنذ ذلك اليوم، لم تتوقف الأسرة عن بحث مختلف السبل التي تمكنهم من الحصول على الدعم المفقود، وبحسب روايتها كلما ذهب زوجها إلى مكتب التموين للسؤال، يأتيه رد واحد لا يتغير ولا يجوز التعامل معه: «أنتم من المحرومين... مالكوش تموين للأبد».

خلال تلك السنوات، لم تكن «رحاب» نفسها مدرجة على أي بطاقة تموين؛ فبعد زواجها لم تعد مسجلة مع أسرتها، ولم تتمكن من الانضمام إلى بطاقة زوجها المتوقفة. وحين فكرت في استخراج بطاقة مستقلة، قوبل طلبها بالرفض، فتقول: «أنا دلوقتي لا باخد مع الزوج ولا باخد مع الأب... وأنا معايا 3 أولاد».

التحول الرقمي .. حرمان قسري

تكشف حالة «رحاب» تحدياً آخر في التحول الرقمي؛ فنجاح الخدمة لم يعد مرتبطاً فقط بإتاحتها إلكترونياً، وإنما بقدرة المواطنين على فهم الرسائل والإجراءات المطلوبة، فرغم أن تغطية شبكات الجيل الرابع في مصر تصل إلى نحو 98 في المئة من السكان، فإن اتساع التغطية لا يعني بالضرورة قدرة جميع المواطنين على استخدام الخدمات الرقمية أو التفاعل معها على النحو المطلوب.

تستعد وزارة التموين والتجارة الداخلية لتحويل دعم التموين العيني إلى نقدي مع بداية العام الجديد (2027). وبحسب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، التابع لمجلس الوزراء، فإن وزارة التموين والتجارة الداخلية تستعد لتنفيذ هذه التغييرات اعتماداً على قواعد بيانات محدثة ومدققة، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بدقة وعدالة.

بيد أن هذه التحولات المؤسسية، التي يُفترض أن توسّع الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً، تصطدم بواقع الفجوة الرقمية؛ فتظل بعض الفئات عالقة بين ثبوت «الاستحقاق» في السجلات الرسمية، وإمكانية الوصول الفعلية إلى هذا الحق على أرض الواقع.