46 ألف حالة إسهال تسببها المياه الملوثة في ريف دمشق تلوث المياه في سورية يعلن بدء الأوبئة قلة التمويل تعيق استبدال الشبكات المهترئة الناس يفضلون مياه الباعة الجوالين على مياه الشرب من الشبكات

5 سبتمبر 2009

مجلة الاقتصادي-فادي العلوش

قبل 100 عام ضربت جائحة الكوليرا أو ما تسمى بالهيضة سكان دمشق تاركة خلفها آلاف الضحايا بسبب اختلاط مخرجات المجاري بمياه الشرب في جداول وينابيع هذه المدينة العريقة. في عام 2008، أطلت مشكلة تلوث المياه برأسها بثوب مختلف لتنشر مرض اليرقان المعدي في بلدة قطنا من ريف دمشق، حيث أصيب حوالي 700 مواطن غالبيتهم من الأطفال، بحسب رصد المركز الصحي في قطنا ومخابر تحليل خاصة.

من بين المصابين بالتهاب الكبد (A) أنطوان وجوزيف؛ طفلا الأب فادي حداد كاهن كنيسة “النبي الياس” الذي يلقي باللائمة على مؤسسة مياه الشرب. الطفل جوزيف (9 سنوات) يستذكر حالته وحال رفاقه في المدرسة “لمّا فقد بعضهم الوعي وتقيء واصفرت وجوههم”. ويتحدث أيضا عن معاناته مع التحاليل التي كان “يجريها كل سبت لمدة شهرين لمراقبة حالته التي كانت أوفر حظاً من أخيه أنطوان الذي دخل في حجر الصحي واضطر لملازمة الفراش”.

الخوف من أمراض أخرى دفع أسرة راما جبور، التي أصيبت شقيقاتها الثلاث باليرقان، إلى وضع قطعة قماش على حنفية الماء لاعتقادها بأن ذلك يضمن وصول مياه نقية لهم. تقول راما: “رغم شفاء شقيقاتي، لا يفارقنا الخوف من تكرار الحادثة”.

أصابع الاتهام تتجه إلى قطنا

في تحليل أجرته “الاقتصادي” لمياه الشبكة، تبين أنها غير مقبولة جرثومياً لارتفاع تعداد الجراثيم الكلي فوق (400) مستعمرة لكل 100 ملغ، أي ضعف المواصفة القياسية السورية. في كتاب وجه إلى وزارة التربية بتاريخ 17 شباط 2008، كشفت مديرية تربية ريف دمشق أن “سبب انتشار المرض (بين الطلبة) يعود إلى تلوث مياه قطنا بالصرف الصحي منذ فترة، ما يستدعي توجيه مجلس مدينة قطنا لتحمل مسؤوليته ومعالجة ذلك”.

الدكتور حسام اللوباني المختص بالتشخيص المخبري يقول إنه رصد أكثر من 300 حالة إصابة بعد أن أجرى تحاليل لسكان بلدة قطنا في مخبره. ويضيف اللوباني: “مياه الشرب غير النقية نشرت التهاب الكبد A)) ، وهو مرض لا علاج له يسبب خللا في وظائف الكبد”.

يعود تلوث شبكة مياه قطنا إلى خلل في عدة أماكن جعلتها عرضة لتسريبات شبكة الصرف الصحي، حسبما يؤكد مدير الأمراض المزمنة والبيئية في وزارة الصحة الدكتور محمود كريم. ويشير كريم إلى “تسجيل 300 إصابة انتقلت العدوى بينها بواسطة الماء والقبل والمشاركة في الأكل، مما زاد في انتشار العدوى”. نتائج تحاليل أجرتها مجلة الاقتصادي ل “رأس النبع”، مصدر مياه قطنا، التي يسكنها قرابة 150 ألف نسمة، تؤكد “تلوثه جرثوميا وبالتالي عدم صلاحيته للشرب”.

ولاحظت عدّة تحاليل أن مياه الشرب تحمل مواد عضوية مسرطنة، طبقا لتصنيف هيئة حماية البيئة الأميركية (EPA). النبع الذي يلجأ إليه السكان في حال انقطاع المياه يتعرض هو الآخر لتلويث منهجي سببه تسرب مياه عادمة من 150 حفرة صرف صحي منزلي، حسبما ما شاهد كاتب هذا التحقيق.

الإسهال يودي بحياة 42 شخصا عام 2007

تبين قوائم الأمراض السارية المبلغ عنها في وزارة الصحة ارتفاع حالات الإسهال الحاد الناجمة عن مياه الشرب في ريف دمشق من 43486 حالة عام 2007 الى 46192 عام 2008، أي بزيادة 2702 حالة. هذه الحالات هي فقط التي يبلغ عنها لدى الجهات الحكومية، ويعادلها تقريباً رقم مشابه لدى الجهات الخاصة من مستشفيات وعيادات، بحسب الطبيب في دائرة صحة البيئة رستم جعفر. كما سُجلت (42) حالة وفاة بسبب الإسهال الحاد في سورية سنة 2007.

وتؤشر القوائم أيضا إلى ارتفاع حالات التهاب الكبد الفيروسي في ريف دمشق من 218 عام 2007 الى 382 حالة عام 2008، 75 % منها التهاب الكبد من نوع (A). مصدر في مستشفى دوما التخصصي للاقتصادي (مستشفى حكومي) يشير إلى أن غالبية الحالات التي تراجع عيادات هذا المستشفى هي الإسهال والتهاب الكبد (A)، وهي من ريف دمشق من بلدة دوما والمناطق المجاورة. معاون مدير الأمراض البيئية والمزمنة في وزارة الصحة الدكتور هاني لحام يؤكد أن تلوث مياه الشرب هي المسؤولة عن تلك الإصابات.

من سيء إلى أسوأ

تزود مناطق ريف دمشق بالمياه عبر شبكة أطوالها أربعة آلاف كلم يستفيد منها حتى شهر تموز عام 2008 حوالي مليونين و 700 ألف شخص. وتتغذى هذه الشبكات من مصدرين أساسيين؛ الآبار والينابيع. وحال الاثنين من سيء لأسوأ بسبب الملوثات الجرثومية والكيميائية والتي تعود أسبابها، بحسب الدكتور كريم، “إلى النفايات البشرية كالصرف الصحي أو القمامة أو ملوثات كيميائية تنجم عن أسمدة تستعمل في الأراضي الزراعية، أو ملوثات عضوية”.

قدم شبكة المياه جعل بعض أجزائها عرضة لملوثات بسبب الاهتراء. مدير عام مؤسسة مياه الشرب والصرف الصحي بريف دمشق عبد الناصر سعد يؤكد أن المؤسسة شرعت في تحديث وتجديد 30 شبكة، ولكنها تحتاج إلى ثلاثة مليارات ليرة سورية والاعتمادات لا تكفي سوى لتنفيذ 11 % من المشاريع المطلوبة.

يقول رئيس وحدة مياه دوما عزيز وقاف إن شبكة مياه المدينة استبدلت عام 2002. لكنه يرجع المشكلة إلى شبكات مياه مناطق التجمعات العشوائية (غير المنظمة عمرانياً). فهي تتغذى من آبار تقع ضمن التجمعات ولا يمكن استبدال الشبكة بسبب عدم تنظيم هذه المناطق، حسبما يشرح وقاف. ويعزو اهتراء الشبكة لقدمها وخاصة أن العمر الافتراضي لأنابيب الحديد التي تشكل غالبية أجزائها، لا يتجاوز 15 عاما، مع أن بعض أجزاء الشبكة في دوما كانت تعود إلى عام1960 أي منذ عهد الوحدة السورية-المصرية.

يرى وقاف ان “الخطأ الفادح يكمن في تقاطع معظم شبكات مياه الشرب مع شبكات الصرف الصحي وخصوصاً انها قد تتعرض الى الكسر تحت ضغط الشاحنات، ما يسبب تسربات في مياه الصرف الصحي الى شبكات مياه الشرب”.

النترات خطر مسرطن

محافظة ريف دمشق تضم 28 مدينة و180 قرية على مساحة 18 ألف كم2 ويقطنها حوالي 2.487 مليون، بحسب تقدير المكتب المركزي للإحصاء.تلحظ دراسة صادرة عام 2008 عن وزارة الإسكان والتعمير “ان تركيز شاردة النترات تتجاوز الحدود المسموح بها في مياه الشرب بدءاً من حدود المدينة شرقاً لتتجاوز 200 ملغ/ ل وتصل إلى 228 ملغ/ل في حقول آبار الشيفونية ودوما والمناطق المحيطة”. وترجع الدراسة الأسباب

إلى التسربات والرشح من شبكات الصرف الصحي بصورة أساسية، والى الأسمدة العضوية. فضلا عن التلوث الجرثومي في قطنا ينتشر تلوث كيميائي على شكل نترات في بعض مياه أحيائها الشرقية ومنها دوما، حرستا، جرمانا والسيدة زينب.

وجاء في دراسة لوزارة الإسكان عام 2004 إن (التركيز الزائد للنترات في مياه الشرب، يمكن أن يشكل خطورة على الصحة وخاصة صحة الأطفال الرضع والحوامل). وتشير وزارة الصحة الى ان زيادة النترات والنتريت يمكن أن يزيد خطر الاصابة بالسرطان عند الانسان بسبب تشكل مركبات النتوراد، والتي يعد الكثير منها مسرطن للحيوان. كما تشكل زيادته الميتهيموغلوبين (Met- Hemoglobin) في الدم وبالتالي حدوث فقر الدم. و الميتهيموغلوبين هي نوع من الهيموغلوبين الشاذ الذي لا تربط الأوكسجين. يمكن أن تكون وراثية أو ناجمة عن التعرض لمواد كيميائية مختلفة وتبعا لمستوى يمكن أن يسبب مشاكل صحية.

وتسبب النترات الموجودة في مياه الشرب مرض متلازمة الوليد الأزرق لدى الأطفال، وهي حالة خطيرة بشكل خاص لدى حديثي الولادة حتي الشهر الثالث. تقول مديرة سلامة المياه في وزارة الدولة لشؤون البيئة ريم عبد ربه: “إن دراسات عديدة أثبتت ارتفاع (النترات NO و الآمونيا) في مياه ريف دمشق” موضحة “أنّ إحدى الدراسات التي أشرفت عليها شخصياً بالتعاون مع الأمم المتحدة، أثبتت ارتفاع هذه النسب في منطقتين جرى

اختيارهما كعينة وهما: الريحان وحوش الضواهرة”. وترى أنه لا يوجد حل لموضوع النترات إلا تركيب محطات لتحلية مياه الشرب، لافتة إلى وزارة الإسكان تجهز حالياً بالتعاون مع الجانب الماليزي محطات لتنقية مياه الشرب من الأملاح والنترات والتي قد تبدأ بالعمل بعد تركيبها.آبار غير مطابقة للمواصفات

بحسب مؤسسة المياه سدس آبار دمشق (342 من 2100 بئرا) غير مطابقة للمواصفات السورية بسبب ارتفاع النترات (NO3) في غالبيتها، من بينها آبار دوما، إلى 200 ملغ/ل أي أربعة أضعاف الحد المسموح به.

منظمة الصحة العالمية تحدد سقف النترات المسموح به ب 45 ملغ/ليتر. الكيميائية انتصار مارديني، التي قادت فريقا أعد دراسة جودة مياه الآبار في غوطة دمشق الشرقية سنة 2004، توصي بفحص المياه باستمرار لأنه لا يمكن رصد النترات بدون ذلك. وتؤكد مارديني أن الرضع والحوامل والمرضعات أو الشيوخ الأكثر والأسرع تأثراً بالنترات.

وبيّنت نتائج التحاليل المخبرية لبعض مياه آبار ريف دمشق/ 2002-2004/ المرسلة من مخبر الوزارة، أن زيادة تركيز النترات فوق نقطة 45/مغ/ل بدأ أواخر 2002 ومطلع 2003 عقب الهطول المطري الشديد، ما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه في الآبار وحدوث التلوث نتيجة جرف المياه للملوثات السطحية المختلفة إلى المياه الجوفية ومنها المواد الآزوتية. رغم انخفاض تلوث آبار بعض المناطق، ظلّت معدلات النترات مرتفعة في آبار دوما. وأجرت المؤسسة العامة لمياه الشرب في محافظة ريف دمشق تحاليل مخبرية بين 17/10/2006 إلى

17/12/ 2008 لمياه ثمانية آبار حددت للمراقبة في / دوما –حرستا- مليحة –النشابية –الشيفونية ––جرمانا –ضمير –عربين. بينت نتائج التحاليل المخبرية أن محتوى مياه الآبار من النترات تراجع في ثلاثة آبار من ثمانية أجريت عليها الدراسة. فيما بقي الارتفاع ملحوظا في آبار دوما مثل بئر الشيفونية حيث تصل نسبة النترات فيها من 180-210 مغ/ل.

لا يشربون مياه الشبكات

تؤكد مؤسسة مياه الشرب صلاحية المياه التي تضخها عبر الأنابيب إلى منازل المواطنين. ورغم ذلك لا يشرب غالبية المشتركين الماء من الصنبور. وبحسب استبيان أجرته الاقتصادي على عينة شملت (150) عائلة في ثلاث مناطق؛ السيدة زينب، جرمانا وحرستا- تبين أن 76 % لا يشربون مياه الشبكات التي تصل الى منازلهم. والسبب عدم الثقة ولأنها مياه كلسية وغير صحية وملوثة وترتفع فيها نسبة الكلور. ومن يشرب مياه الصنبور يفعل ذلك لعدم وجود خيارات أخرى، حسبما توصل إليه الاستبيان.

بحسب منظمة الصحة العالمية، يعاني نصف سكان العالم من الأمراض المتعلقة بالمياه الملوثة. والتي تسبب أمراض الاسهال لـ 2 مليار شخص.. كما صدر عن مؤتمر ريو لبرنامج الأمم المتحدة عام 1992 تقديرات تفيد بأن المياه الملوثة تسبب 80 % تقريباً من الأمراض كافة و ثلث الوفيات في الدول النامية .

بلا كلور

خلال جولة ل”الاقتصادي” على آبار تضخ مياه الشرب عبر الأنابيب في منطقة حرستا تبين أن بعض الآبار التي تزود الشبكات لا تضاف إليها مادة الكلور المعقمة وغير محمية بشكل كاف. ويلجأ العديد من سكان ريف دمشق للاستغناء عن مياه الشبكات بمياه الباعة الجوالين والتي تسمح لهم مؤسسة مياه الشرب ببيع المياه بعد ترخيص تمنحه لهم. ولكن وضعهم ليس أحسن حالا.ً ففي مدينة دوما تمت مصادرة حوالي 20 سيارة للباعة الجوالين بسبب عدم وجود الكلور في المياه سنة 2008، بحسب رئيس وحدة مياه دوما عزيز وقاف.

كما يلجأ البعض الآخر الى تركيب أجهزة تنقية ( فلترة) لتجنب تلوث مياه الشرب كما فعل الأب فادي حداد اثر اصابة اطفاله باليرقان لكن هل تحل المشكلة. فيما يبقى الكثير من الناس أسرى مياه الشبكات ودون مياه تمر عبر جهاز تنقية وعرضة للملوثات الكيميائية والجرثومية. ورغم ذلك لم يتم تحري الآثار الصحية الناجمة عن تلوث المياه بشكل منهجي في سورية حتى الآن.

تم إعداد هذا التقرير بدعم وإشراف من شبكة إعلاميون من اجل صحافة استقصائية عربية(أريج) www.arij.net وبإشراف الزميل حمود المحمود


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.