وجه آخر لاستغلال السوريين داخل بلدهم: الاستثمار في الأطفال لنبش القمامة وخسارة الدولة ملياري ليرة سورية سنوياً

5 أغسطس 2013

الاقتصادي سورية – يدخل إلى محطة القمامة عبر باب شرقي بدمشق حوالي 2000 طن نفايات يومياً من مناطق دمشقية مختلفة. ولكن قبل أن تنهي الشاحنات تفريغ حمولتها، يهرع إليها أكثر من 30 “نباشا” من مختلف الأعمار مسلحين بأكياس بحثا عن مواد بلاستيكية، كرتون أو حديد قبل أن تنقل هذه الشحنات إلى مكب في منطقة دير الحجر. يتسابق “المستثمرون الصغار” لجمع “غلالهم”، المتبقية بعد عمليات النبش الأولية في الحاويات.  يتدافعون بين الشاحنات غير مبالين بالخطر أو الروائح الكريهة.

يجول هؤلاء النباشون ويصولون في مكبات النفايات تحت رعاية جهات مسؤولة في الدولة، وفق شهادات متطابقة ودعوى قضائية لشركة وقعّت عقداً لمعالجة النفايات في ريف دمشق، تتهم فيها محافظة دمشق بإفشال الاستثمار وتعريض حياة فقراء يعملون بدون ضوابط صحية للخطر، وفي الوقت ذاته تفويت جني ملايين الدولارات على خزينة الدولة.

بدأت هذه القصة قبل أكثر من ست سنوات، ومازالت حتى اليوم قصة العالم السري لمافيات تستغل العائلات الفقيرة وأطفالهم لتسويق النفايات، وإبعاد الاستثمارات النظامية، لتكشف وجهاً آخر غير معلن من معاناة السوريين الذين دخل نصفهم تحت خط الفقر (10) ملايين مواطن بحسب تقرير  الربع الأول من العام الحالي لـ “المركز السوري لبحوث السياسات”.

لدى وضع الجدوى الاقتصادية من قبل شركة إيفركلين للاستثمار في النفايات الصلبة عام 2006 قدّر مسح ميداني عدد النباشين في محافظة دمشق بـ80 شخصاً. وبعد عامين من العمل في المحطة تضاعف عدد النباشين مرات عدة إلى 4000، بحسب مسح ميداني ثان لاحظ أيضا تحوّل عمال نظافة إلى نباشين.

وتوصل هذا التحقيق – على مدى عام- إلى أن عشوائية التخطيط وتنفّع مسؤولين في محافظة دمشق من إدامة ظاهرة النباشين يفقد خزينة الدولة ملياري ليرة سنويا (29 مليون دولار) منذ تسع سنوات ويعرض للخطر حياة وصحّة مئات العائلات التي ترتزق من هذه الظاهرة. كل من محافظة دمشق والجهة التي خسرت عقدها لتطوير هذا القطاع يتبادلان الاتهامات حول الطرف المسؤول عن تفاقم المشكلة إلى هذا الحد.

يشتكي يحيى عويضة مدير شركة الاستشاريون للتنمية المستدامة ونائب رئيس مجلس إدارة شركة “إيفيركلين” – التي استثمرت في مجال النفايات الصلبة بالشراكة مع الحكومة- من أن ظاهرة النبش تشكّل أكبر مشكلة أمام المستثمرين. فهي تحول دون إعادة تدوير النفايات وتوفير عائد لخزينة الدولة.

وتفقد دمشق من هذه الظاهرة نحو ملياري ليرة سنوياً _بحسب عويضة_ الذي يقول إن العاصمة “تخسر يومياً نحو 7 مليون ل.س (100 ألف دولار) نتيجة عدم معالجة النفايات الصلبة- باعتبار سعر الكيلو الواحد بـ10 ل.س تقريباً (0.14 دولار)- رغم قانون 49 الذي يكافح ظاهرة النبش، لكنه بقي حبرا على ورق – منذ اعتماده عام 2004- بسبب استفادة مسؤولين عن محطات القمامة والمكبات وكذلك من داخل محافظة دمشق”. ويرى عويضة أن من أعطى العقد هو المستفيد من إيقاف المشروع، في إشارة إلى “تواطوء” مسؤولين في المحافظة ووقوفهم في وجه انجاح مشروع النفايات الصلبة.

في هذه الأثناء عهدت محافظة دمشق المكب للمستثمر زياد خلو منذ عامين لإدخال النباشين في محاولة لشرعنة دخولهم إلى المكب دون اتخاذ إجراءات صحية لضمان سلامتهم. ولاحقا اتهمت المحافظة المستثمر بارتكاب هذه المخالفة فيما نفى المستثمر ذلك، إذ لاحظ كاتب التحقيق أنهم لا يضعون قفازات أو كمامات أثناء النبش، وبالتالي لا فرق بينهم وبين النباشين المخالفين سوى أنهم أدخلو بعلم المسؤولين عن المكب واستخراج ما هو مفيد مقابل 7 مليون و200 ألف ل.س (103 ألف دولار) سنوياً، حجم العقد من المستثمر.

بدأ التفكير في معالجة النفايات الصلبة والتي كانت عشوائية، حين سن قانون النظافة الذي يعالج ظاهرة النباشين ويمهد للبدء بالتخطيط الشامل لإدارة النفايات الصلبة في سوريا.

2004- في العام ذاته أوكلت وزارة الإدارة المحلية لشركة  تريفالور الفرنسية بوضع المخطط التوجيهي لإدارة النفايات الصلبة في سورية بموجب عقد مدته ثمانية أشهر. وقدرت الشركة كلفة بـ21 مليار يورو لإنجاز المحطات كافة وتجهيزها ووضع المخططات اللازمة لذلك.

2004- تنظيم شركة تريفالور لمكب الغزلانية العشوائي ليتم إحالته في ذات العام لشركة إيفركلين. استمرت الشركة في إدارة المكب حتى 30/3/2009 ليتم بعدها وقف العمل فيه وإلحاق المكب بمحافظة دمشق بعد أن كان تحت إشراف محافظة ريف دمشق، نتيجة فشل الشركة في إدارة المكب _على حد قول محافظة دمشق. وبحسب المخطط الذي وضعته الشركة الفرنسية فإنه مع نهاية 2014 يكون تم الانتهاء من مقالب النفايات ومراكز جمعها المقترح.

إضافة إلى النباشين، يحمّل عويضة محافظة دمشق مسؤولية فشل الاستثمار في تدوير النفايات.”عندما بدأنا الاستثمار في النفايات الصلبة (عام 2006) كان هناك مسؤولون في المحافظة يرسلون نباشين لإشعال النار في المكب لأجل إفشال المشروع كونها مستفيدة من توقفه، وتعزز ظاهرة النباشين التي تكسب من ورائها أموالا كبيرة”.

هذا ما يؤكده أيضا عدّد من النباشين. يقول النباش أبو سعيد إن مسؤولين في المحافظة “طلبوا منا إشعال إطارات داخل مكب يستثمره عويضة”، الواقع في منطقة الغزلانية بمحافظة ريف دمشق.

وكانت محافظة ريف دمشق عهدت منتصف عام 2006 إلى شركة  Ever Clean بإدارة مكبها في الغزلانية  بموجب عقد استثمار لخمس سنوات، يلتزم المتعهد بموجبه بإدارة المكب وفق أسس صحية وبيئية سليمة مقابل حصوله على 49 مليون ليرة، إضافة إلى ما يوجد من مواد قابلة لإعادة التدوير من بلاستيك وكرتون وحديد. كان ذلك الاستثمار الوحيد الذي دخلت فيه الدولة مع القطاع الخاص.

لكن بعد خمسة أشهر على بدء العمل ظهرت الآثار السلبية الخطيرة للمكب حيث امتلأ المكب بالنفايات وبدأ بالاحتراق الأمر الذي يؤثر على الهواء وكذلك على التربة نتيجة طمر القمامة مما يؤدي لتسرب النفايات للمياه الجوفية. وإلى الآن تتبادل كل من الشركة المتعهدة والجهات الحكومية الاتهامات حول المسؤولية عن كل ذلك.

الستيني أبو سالم يروي رحلته مع النبش منذ ربع قرن ويزيد. اعتاد الدخول في السادسة صباحاً مع خمسة من أبنائه الـ 21 إلى محطة تجميع النفايات في باب شرقي – الوحيدة داخل دمشق – بحثا عن رزقهم في نبش الكرتون والبلاستيك بأيديهم العارية. أما سائر الأبناء فيتوزعون على شوارع العاصمة لـ”تمشيط” حاوياتها بمعدل ثلاث مرّات يوميا. أبو سالم وأولاده يبيعون اللقائط لمصانع تعيد تدويرها. ويخصّص خمسة آلاف ل.س (70 دولار)- أي نصف ما يجنيه فقط من داخل المكب للمسؤول عن المحطة حتى يسمح له بـ”التنبيش”.

يجمع كل شخص من عائلة أبو سالم يوميا نحو 20 كيلو بلاستيك ويبيع الكيلو بـ 15 ل.س ( 0.2 دولار)، لمعمل في حمورية. أما الكرتون، فيجمع كل فرد نحو 250 كيلو ويبيع الكيلو بـ5 ل.س (0.07 دولار) لمعمل في بيت سوى.

دخل ابو سالم وأسرته اليومي يكاد يعادل دخل طبيب اختصاصي وأحياناً راتب وزير شهرياً أو أكثر بكثير. يقول أبو سالم: “رغم المخاطر إلا أن عملنا مربح. فكل ولد من أولادي يجني وسطياً 2000 ليرة (28.5 دولار) يومياً، ليصل دخل الأسرة قرابة 40 ألف ليرة (570 دولار) يومياً.

هذا ما يؤكده صاحب معمل البلاستيك في بيت سوى. “يأتي لمعملي حوالي 400 نباش يوميا ويبيعوني كل واحد على أقل تقدير حوالي 15 كيلو من البلاستيك”. ويوجد في منطقة بيت سوى اربعة معامل للبلاستيك وهي عبارة عن ورش صغيرة.

الاضطرابات المتسارعة في سورية منذ عامين ونصف حملت سلبيات وإيجابيات في آن على عائلة ابو سالم. “من جهة لم يعد بامكاننا الوصول إلى كل المناطق، ولم نعد نعمل ليلاً”. أما الجانب الإيجابي فيكمن في “غض الطرف عنا من مديرية النظافة والبلديات وانحسار حملات النباشين”، على ما يضيف.

على شاكلة أبو سالم وعائلته، ينغمس مئات الرجال والنساء والأطفال في القمامة لملء أكياسهم من البلاستيك أو الحديد. عملهم يتواصل ليلاً نهاراً وقد ينامون هناك، ويشكّلون قاعدة الهرم الدنيا في سلسلة (بزنس) تعلوها شخصيات مستفيدة من وجودهم.

القائمون على هذه المهنة يتشاركون في قنص الغنائم مع عدّة جهات، بمن فيهم موظفون حكوميون يشجّعون هذه الظاهرة، بحسب نباشين ومدير شركة إيفيركلين يحيى عويضة، الذي يقر بما يسميه “فساد إفشال المشاريع الحكومية لتحقيق مصالح شخصية”.

النفايات الصلبة بالتعريف هي مخلفات الأنشطة الإنسانية المنزلية والزراعية والاستخراجية والتحويلية والإنتاجية؛ أي هي كل المنقولات المتروكة أو المتخلى عنها في مكان ما.

هذه العوامل أدت لتراجع جاذبية الاستثمار ووضعت تحدّيات في وجه الدراسة التقديرية لتدوير النفايات في سورية التي وضعتها الشركة الفرنسية تريفالور عام 2004، من ضمنها مخطط لإدارة النفايات الصلبة بكلفة 22 مليار ليرة (290 مليون دولار)، تنفقها وزارة الإدارة المحلية، بمعدل ملياري ليرة (29 مليون دولار) سنوياً على مدى عشر سنوات. ولم تحدد الدراسة العوائد من هذا المشروع على خزينة الدولة.

لكن ما تم تنفيذه إلى الآن عبارة عن أبنية لم توضع بالاستثمار، وفق مدير إدارة النفايات الصلبة في محافظة.

ولم يكن دخول إيفيركلين سوى لاستثمار المكب في منطقة الغزلانية، وليس بجزء من مشروع إدارة النفايات الصلبة.

يقول نائب رئيس مجلس إدارة شركة إيفيركلين يحيى عويضة إن شركته التزمت بشروط عقد استثمار المكب كافة.

ويتهم عويضة الحكومة بـعدم دعم تطبيق القانون 49 الخاص بالنظافة والذي ينص أحد بنوده على منع النباشين من استخلاص المواد ذات القيمة من القمامة. ويقول “أيضا حرمنا من وصول أي مادة تأتي إلى الفرز في المحطة التي كلفتنا نحو 65 مليون ل.س (930 ألف دولار)، ما دفعنا إلى إيقاف العمل فيها”.

المحافظة – بحسب عويضة- هي من عرقلت نجاح مشروع النفايات الصلبة. ويؤكد أن تزايد كميات النفايات المرسلة من محافظة ريف دمشق إلى المكب من 530 طناً إلى 1600 طن يومياً، كان أحد أسباب فشل المشروع. كون العقد ينص على ذلك، على إرسال 530 طن فقط وكذلك المكب لا يتسع لأكثر  من 600 طن يومياً. مما أدى إلى امتلاء المكب بأقل من سنتين واشتعال النيران به عدة مرات. ثم أن هذه النفايات لم تكن منزلية فقط، “بل تحوي نفايات صناعية وطبية بها أعضاء بشرية صغيرة”.رغم نفي مدير مدير إدارة النفايات الصلبة موريس حدادل ذلك مؤكداً “أنه وبعد استلام محافظة دمشق للمكب تبين أن كمية القمامة الواردة إليه يوميا لا تتجاوز 600 طن”.موضحاً أنه تم وزن شحنات القمامة القادمة للمكب.

” رغم العائد المغري (قرابة 60 ألف ليرة شهريا=860 دولار)، يتعرض النباشون لأمراض معدية نتيجة احتكاكهم اليومي مع أطنان من النفايات. وأظهر مسح ميداني على 50 نباشا أن 30 منهم مصابون بأمراض الجهاز التنفسي والجهاز المناعي والكبد. وزارة الصحة أكدت أن مهنة النبش تعرض العاملين بها لهذه الأمراض الناتجة من روائح التخمر عن الحاويات. وقد تتحول جراح النباشين إلى إصابات قاتلة نتيجة الالتهابات التي تسببها قطع الحديد والزجاج الملوثة، بخاصة أن الحاويات تضم أحياناً نفايات طبية وكيمياوية.

جدول

جدول يوضح الأمراض التي تم رصدها من محرر التحقيق في عينة من 100 نباش في دمشق وريفها:

يلاحظ من الجدول السابق أن النسبة الأكبر أفراد العينة تتراوح أعمارهم من 40 عاماً فما فوق حيث أن 14% منهم يعانون من نقص المناعة و12% لديهم أمراض في الكبد، و20% وزعت مناصفة بين أمراض التنفس والالتهابات.

وطالب في كتب رفعها إلى محافظ ريف دمشق، ورئيس بلدية الغزلانية، بتعويض شركته ماديا لقاء ذلك، دون أي جدوى، ناهيك عن إرسال النباشين لإحراق إطارات داخل المكب وإشعاله.

ما تبقى من آليات الشركة ما يزال في المكب بعد تلف معظمها، بحسب عويضة الذي رفع دعوى قضائية عام 2010 ضد المحافظة للمطالبة بتعويض خسارته. ولم يصدر حكم في هذه القضية إلى الآن.

مصادر في مديرية النظافة التابعة لمحافظة دمشق تؤكد أنها لن تتمكن من ضبط النباشين لوجود جهات مستفيدة منهم. فالمسؤول عن محطات نقل النفايات التابعة لمديرية النظافة وللمحافظة يغض الطرف عن دخولهم الممنوع قانوناً. ذلك أن حصول المسؤول عن المكب وموظفين داخله على جزء من عائدات النباشين يعزز هذه الظاهرة، ناهيك عن تواطؤ البعض من داخل المديرية مع النباشين وقيامهم بتحذيرهم في حال وجود حملة ضدهم مقابل بعض المال.

قانون غير فعال

يرد معاون مدير نظافة دمشق باسل علون على كلام عويضة قائلاً: “نعمل على ضبط النباشين وإصدار مخالفات بحقهم وحجز سياراتهم التي يجمعون من خلالها النفايات، أو الشاحنات ذات الثلاث عجلات والدراجات الهوائية”.

الحجز على الآلية يكون بوتيرة تصاعدية. ففي المرة الأولى تحجز لمدة 15 يوما وللمرة الثانية 30 يوما وفي المرة الثالثة ثلاثة أشهر. ولا يتم إعادة الآلية إلا بعد كتابة تعهد بعدم العودة للنبش وتغريم صاحبها 1000 إلى 3000  ليرة سورية (14 دولارا إلى 42 دولار) ومضاعفة الغرامة عند التكرار، إضافةً لإغلاق المحلات التي تشتري منهم ما يجمعونه، على ما يشرح علون.

تراجع إجراءات الضبط

فخلال عام 2011 تم تنظيم 1704 ضبطاً في دمشق لأسباب عدة منها 23 ضبطاً بحق نباشين. هذا الرقم انخفض خمس مرات عام 2010 من 9882 ضبط بالنسبة للضبوط بشكل عام، لكن ضبوط النبش فيها ازدادت لـ 36 لنباشين. والضبوط المحررة لم تحدد، إذ تكتفي المديرية بالقول أنها كانت متنوعة بين الحجز والغرامة. هذا ولا تتوافر لدى المديرية احصائيات عن العام 2012. كما لا يتوافر لدى المديرية أي ضبوطات ضد محال لبيع الخردة، التي تشتري ما يستخرجه النباشون من النفايات.

النبش مهنة قائمة

وبحسب الدراسة عام 2011 التي أجراها رئيس قسم الطاقات المتجددة في كلية الهندسة الكهربائية بجامعة دمشق سميح الجابي، فإن نفايات دمشق تنقسم لنوعين: مواد عضوية بنسبة 78 % مصدرها الطعام، ومواد غير عضوية “الورق والكرتون وأكياس النايلون وعبوات بلاستيكية ومعدنيـة وزجاجية” بنسبة 22 % من النفايات، وهي القابلة لإعادة التدوير. هذه النسبة (أي قرابة 660 طنا يوميا) تكون من نصيب النباشين ومن يجندهم من أصحاب الورش الصغيرة والمعامل التي تشتري ما يستخرجه النباشون، والتي تزرعهم في المكبات وعلى الحاويات لإخراج مايمكن إعادة تدويره، بحسب عويضة.

إحصائيات وزارة الدولة لشؤون البيئة قدرت كمية النفايات البلاستيكية ب 637272 طناً عام 2010، وهي تمثل 11.71 % وزناً و47 % حجماً من مجمل النفايات الصلبةـ، صعودا من 244.985 طناً عام 2004. وتشمل المخلفات البلدية 70 % مخلفات منزلية و20 % مخلفات تجارية و10 % مخلفات صناعية وحرفية غير خطرة.

ويبقى مخطط إدارة النفايات المحدد  بدراسة وتشخيص الوضع الراهن لإدارة النفايات الصلبة في سورية. واقتراح الحلول لإدارة النفايات الصلبة. ووضع الحلول والتوصيات النهائية لإدارة النفايات الصلبة. ووضع الوثائق من أجل تقديم العروض. دون تنفيذ رغم مرور تسع سنوات على إطلاقه. فهو عبارة عن أبنية وهياكل لم توضع في الاستثمار حتى الآن، وفقاً لمدير إدارة النفايات الصلبة موريس حداد.

يقدر إفراز سورية من النفايات الصلبة بـ 6.5 مليون طن يوميا، منها 2150 طن في دمشق، وفق بيانات وزارة الإدارة المحلية لعام 2011. يعالج منها يومياً في العاصمة 200 إلى 250 طن يومياً، أي خمس الكميات الواردة. ونسبة المواد القابلة لإعادة التدوير من هذه الكميات لا تتجاوز 5 %، بحسب حدّاد. ليتم نبش البقية من قبل المستثمر الذي عهدته المحافظة المكب. تزداد هذه الكمية في كل عام بمعدل 4% سنوياً.

في حين قدر صاحب معمل لتدوير النفايات، فضّل عدم الكشف عن اسمه، عدد النباشين في دمشق وريفها حالياً بنحو 30 ألف نباش، بمعدل دخل شهري لا يقل عن 60 ألف ليرة (860 دولار) لكل نباش.

ويرجع صاحب المعمل صمت المعنيين لسببين: أولهما أنها أصبحت مهنة لعدد لا يستهان به من الباحثين عن عمل، وثانيهما أنهم يخففون عبئاً عن البلدية كونهم يأخذون أكثر من نصف الحاوية.

تكتل

يشكّل النباشون – بحسب مديرية  النظافة بدمشق- تكتلاً مترابطاً  يسيطرون به على مكبات النفايات، إضافةً لاستئجارهم أطفالا لهذه الغاية ينتشرون في أحياء دمشق. ورغم تعليمات وزارة الإدارة المحلية والبيئة ومحافظة دمشق وريفها لمكافحة الظاهرة إلا أنها تتسع ويتم تنظيمها نظراً لمردودها الكبير على المافيا المسيطرة.

هذه المافيا – بحسب المديرية – تضم القائمين على المكبات ومن يقف وراءهم وأصحاب الورش الصغيرة ومعامل تزّور منتجات تشتريها من النباشين (علب شامبو – زجاجات عطر – زجاجات كحول)، عبر إعادة تعبئتها وبيعها على بسطات منتشرة في شوارع دمشق. يضاف إلى ذلك محال منتشرة لشراء المواد التي يخرجها النباشين.

النباش زهير (28) عاماً يعمل في هذا الكار بعد ثلاث سنوات على نيله شهادة في علم الاجتماع دون أن يجد عملا. يقول زهير: “تعلمت النبش من شاب يقطن بجوارنا أطلعني على المرابح التي يحققها فانضممت إليه”.

يمتلك زهير وشريكه الآن سيارة شحن صغيرة ولديهم سبعة عمال غالبيتهم صغار السن موزعون على عدة مناطق. هذا يتنافى مع البرتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع واستغلال الأطفال والذي وقعت عليه سوريا. مهمتهم استخراج الأشياء من الحاويات وبيعها لمحلات منتشرة في منطقة دف الشوك ومساكن برزة.

تضارب في التصريحات

مديرة النفايات الصلبة في وزارة الإدارة المحلية أهداب المبيض تؤكد أن هذه الدائرة قررت إنجاز أربعة مطامر، إحداها منفذّ وغير مستثمر واثنان منفذان ومستثمران والرابع قيد الإنجاز. تم ذلك وفق توصيات تضمنتها دراسات الجدوى الاقتصادية.

أما معامل الفرز والسماد الأربعة فلم ينفذ أي منها حتى الآن لعدم اعتماد الميزانية اللازمة لها. وبالنسبة لمحطتي معالجة النفايات الطبية، تم تنفيذ واحدة منها وهي قيد الاستثمار.

وعن مراكز التخزين المؤقتة للنفايات الخطرة والبالغ عددها اثنان، نفذ واستثمر منها واحد فقط. ومحطات النقل والبالغ عددها 15 محطة نفذ واستثمر منها 8 محطات و3 أخرى قيد الانجاز أما البقية، فلم يتم إلى الآن تنفيذ منهةا أي شيء.

لكن كلام المبيض يتعارض مع طرح مدير إدارة النفايات الصلبة موريس حداد، الذي يؤكد أن هذه المشاريع خارج الاستثمار وعبارة عن أبنية فقط، لافتاً إلى أن ما أنفق إلى الآن لم يحقق أي عوائد استثمارية، كونه صرف على تجهيز الأبنية فقط دون مراعاة وجود الآلات والكادر الفني لتشغيل هذه المحطات.

تجربة حكومية خجولة

“لا يوجد استثمار للنفايات بدمشق إلا معمل وحيد حكومي قديم في منطقة دير الحجر، يعالج يومياً من 200 إلى 250 طن من النفايات من أصل 3000 طن تصل إلى المعمل من دمشق وريفها”، على ما يؤكد حداد.

ويرى أن عدم معالجة كل النفايات الواردة يعود لقدم المعمل ولا يستطيع معالجة جميع النفايات لقدمه وعمره الافتراضي 15 عاماً والآن مره عليه 10 سنوات فعمر المعمل الآن 25 عاماً، وطاقته الانتاجية 200 – 250 طن من الأسمدة العضوية -بحسب مدير النفايات الصلبة في محافظة دمشق موريس حداد-.

وأوضح حداد أن المعالجة تقتصر على تحويل السماد بواقع 250 طن، والكمية المتبقية يتم طمرها كونها غير صالحة للمعالجة.

يؤكد حداد أن المعمل يتكبد خسائر ولا يغطي تكاليف إنتاجه. وتم إبرام عقد مع متعهد لإدخال عمال إلى المقلب والتنبيش عن مواد يمكن تدويرها مقابل سبعة ملايين و200 ألف ليرة سنوياً (103 ألاف دولار) تدفع للمحافظة سنوياً، كون المعمل لايمكنه معالجتها.

قطاع خدمي وليس ربحي

مدير إدارة النفايات بريف دمشق نضال عوابدة يؤكد أنّ قطاع النفايات لا يمكن أن يكون ربحياً بوجود النباشين. فالنفايات التي يمكن الاستفادة منها تذهب بدءً من النباش ذاته ثم إلى عامل القمامة ونهايةً بالسيارة التي تقوم بترحيل القمامة إلى المكبات. جميع هذه العناصر تأخذ المفيد من النفايات وتبيعه للقطاع الخاص، الذي يجند أتباعا في كل منطقة مرتبطة بشخص معين يتم بيعه هذه المواد لتتم معالجتها في معمله.

بحسب عوابدة، لا يوجد معالجة للنفايات في ريف دمشق. فجميع ما ينتج من نفايات هناك يطمر، وأحياناً يحترق لوحده بسبب غاز الميثان القابل للاشتعال داخله.

معامل بعيدة عن الرقابة

في جولة ميدانية مع أحد المستثمرين، يتبين وجود عدة معامل تتمثل في ورشات صغير غير منظمة يقدر عددها بـ30 ورشة في دمشق لتدوير النفايات، بخاصةً البلاستيك والكرتون. بعض هذه المعامل بدائية لكنها مربحة 100% وتعتمد على النباشين في تأمين مادتها الأولية. لا يحتاج ترخيصها سوى لموافقة من البلدية كما أنها خارج نطاق المراقبة. والخطير في هذه المعامل-بحسب عويضة- أن بعض المواد المدوّرة تستخدم في تصنيع مواد غذائية، في مخالفة للقانون. مادة الكرتون مثلا، تستخدم بعد تدويرها في تصنيع علب للحلويات.

خطر بيئي

يقول الخبير البيئي موفق الشيخ علي إن عمليات نقل النفايات عبر شوارع دمشق إلى الريف، وعدم الفرز من المصدر ووسائل النقل التي يتم استعمالها توزع التلوث على شوارع المدينة وصولاً إلى الريف.

يتم اختيار أماكن الطمر في وديان أو مقالع تم هجرها وبالتالي لا يتم تقييم الواقع الجيولوجي والهيدروجيولوجيلتلك لهذه المناطق، بحسب الشيخ علي.  وهناك خطر تغلغل هذه المواد إلى المياه الجوفية.

يرى الشيخ علي أن النبش العشوائي يسمح بوجود نقاط “ساخنة” من التلوث الأفقي على سطح التربة أو الشاقولي وصولاً للمياه الجوفية ومجاري الأنهار والوديان. وغالباً يؤدي تلوث المياه الجوفية بالرشاحة الناتجة عن الطمر العشوائي لإحداث تراكم في العناصر الثقيلة في المزروعات التي يتم سقايتها بهذه المياه في القرى المجاورة.

لإحياء بالمشروع

تبلغ تكلفة معالجة النفايات 80-100 ليرة (1.42 دولار) لكل طن، مقابل مردود يقدر بـ3000 ليرة (42 دولار)، وهو مقتصر على السماد، بحسب مدير إدارة النفايات الصلبة في محافظة دمشق، الذي يوضح أن المردود غير مهم حالياً كون يتم بيع الكمية المعالجة بسعر تشجيعي للفلاحين. بينما تبلغ ميزانية معالجة النفايات الصلبة في ألمانيا في ألمانيا  بين ـ100- 200 يورو للطن يخصص 5% منها لحملات التوعية، وفقاً لدراسة قدمها الدكتور عبدالله نصور لوزارة الدولة لشؤون البيئة السورية بالاستناد إلى جراسة لجامعة روستوك بألمانيا. أما الدول العربية فتكلف معالجة الطن الواحد 30 يورو في دول الخليج، و10-15 يورو في باقي الدول العربية.

علق الناقد نبيل سليمان في مقالة بصحيفة “الحياة” على رواية “النباشون” الصادرة عام 2012 للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، بكلمات ختم فيها قائلاً أن رواية “النباشون” إذا أضفت إليها: “أن في جديدة عرطوز بريف دمشق فندقاً للكلاب (خمس نجوم)، يضم خمسين غرفة، فهل يصير كل ذلك كافياً للزلزلة السورية؟”.

تم إعداد هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج إعلاميون عرب من أجل صحافة استقصائية


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.