في سيدي بوزيد يهدرون منح الري الحكومية

16 مارس 2014

جريدة المغرب  – في سيدي بوزيد، المدينة الزراعية التي تعاني من شحّ مياه الريّ، تستشري قصص استغلال منح وزارة الفلاحة الموجهة للمزارعين.هذا الدعم الذي يرمي الى حثّ المزارعين على استخدام نظم ري مقتصدة، من شأنها الحدّ من إهدار الثروة المائيّة، فضلا عن مساهمتها بزيادة انتاجيّة المحاصيل الزراعيّة، ما يسهم بتحسين مداخيل الفلاحين.

أبطال عمليّات التلاعب هذه فلاحون وتجار معدات ومواد زراعيّة وموظفون بمندوبية الفلاحة في المدينة المشهورة بزراعة الطماطم والفلفل والبطاطا، والتي تعدّ منتجاتها مكوّنات اساسية على موائد التونسيين.

كلفة هذه العمليّات الدائرة منذ سنة 1995.. تاريخ اطلاق مشروع منح الاقتصاد في مياه الري الى حدود عام 2011 ناهزت الـ29 مليون دينار (18 مليون دولار) في سيدي بوزيد فقط من أصل 118 مليون دينار (74 مليون دولار) مخصّصة لصغار الفلاحين في كامل تونس، وذلك حسب دراسة لوزارة الفلاحة، منشورة على موقعها الالكتروني.

الوزارة تعترف بوجود هذه الاختلالات، مبرّرة ذلك بضعف الموارد البشرية والمالية التي تسمح لها بارسال لجان كافية لمتابعة اوجه التصرّف في المنح قبل وبعد الصرف. في الأثناء يستمر التحايل وبطرق مبتكرة.

المزارع بشير؛ تقدم بطلب للحصول على منحة من المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بسيدي بوزيد في بداية 2011، لتجهيز مزرعته بقنوات الري بالتقطير ومحرّك الضخّ وخزان مياه مطابق للمواصفات المعمول بها.

في مارس 2012 حصل بشير على 10.000 دينار (6500 دولار ) كمنحة لكنّه لم يشتر المعدات. بل لجأ لاستئجار تجهيزات السقي بالتقطير من تاجر مواد فلاحية مقابل 3.000 دينار (1800 دولار)، دفعها من المنحة. ثم تنازل له عن 3600 دينار( 2300 دولار) نظير تكفل التاجر بتشييد خزان مياه غير موافق لشروط المنحة لأنه شٌيِد بطريقة متسرعة جعلته غير صالح لتجميع المياه.

مخالفات بشير هذه مرصودة في محضر معاينة، قام به عدل منفذ بدائرة قضاء المحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد بطلب من محامي أراد تسجيل هذه الخروقات، لكنه فشل باقناع المزارعين لكي يعترفوا بهذه الاختلالات. بشير دفع ايضا 300 دينار (180 دولار) لموظف المندوبية الذي زار الموقع قبل صرف الدعم، وذلك بوساطة من نفس التاجر للإمضاء على وثيقة جاهزيّة المشروع.

صافي ما حصل عليه بشير كان 3100 دينار (1900 دولار) من القيمة الاجماليّة للمنحة. وبعدها بشهور اضطر الى كراء مزرعته لفلاح اخر لمحدوديّة امكانياته المالية.

بشير واحد من 20 مزارعا التقيناهم لانجاز هذا التحقيق الاستقصائي الذي استغرق 6 أشهر. 15 منهم اعترفوا بمخالفتهم لشروط الحصول على المنح عبر التواطؤ مع موظفين، تستّروا على استئجارهم لمعدّات قديمة من تجّار مقابل رشاوى، أو باستعارتها من جيرانهم أو أقاربهم، على غرار الفلاح صالح الذي استعان بفاتورة مزيّفة مع استعارة معدّات ريّ قديمة من مزارع مجاور و استئجار محرّك حراري.

الفلاحون أول ضحايا تحايلهم!

وباعتراف جلّ الفلاحين الذين تحدّث معهم كاتب التحقيق، تتوزّع حيلهم بين استئجار تجهيزات ري او استعارتها واقتناء فواتير وهميّة وتشييد خزانات مياه باقل التكاليف، او ادعاء ملكيتهم لضيعات تعود لجيرانهم، و الحصول على شهادات في ممارسة الزراعة من العمدة دون ان يكونوا مباشرين لهذا النشاط، او عرض بئر غير صالحة للاستعمال، مع ضمان موافقة بعض موظفي وزارة الفلاحة بعد رشوتهم.

الفلاحون هم أول ضحايا هذه التجاوزات، بما انهم يفرّطون في حوالي نصف الدعم كمعاليم لكراء تجهيزات قديمة ورشى لبعض الموظفين بالمندوبية. يقول المزارع عبد الرزاق الذي تمتّع في 2008 بمنحة قدرها 8.000 دينار (5.000 دولار) انه “لم ينلْ منها سوى 3500 دينار (2200 دولار)”، بعد تنازله عن 4.000 دينار (2500 دولار) لتاجر المعدات الزراعيّة وعلى 500 دينار (300 دولار) لأحد موظفي مندوبية الفلاحة.

اما اسباب التحايل، فيمكن حصرها في 3 نقاط حسب المزارعين: اولا؛ ضعف المنح المخصّصة لهم، والتي لا تغطي سوى 60 % من كلفة تجهيزات الري بالقطرة، وثانيها؛ بطء الاجراءات الادارية التي قد تدوم لسنوات، وثالثها؛ تواطؤ التجّار و عدد من موظفي مندوبية الفلاحة، ما يضطرّ المزارع للمرور عبر التاجر لضمان موافقة الوزارة على منحة الري بالتقطير.

سالم فلاح آخر، بقي ينتظر 3 سنوات للحصول على الدعم، برغم استيفائه كامل الشروط. يقول: “كنت اتنقل الى مندوبية الفلاحة بسيدي بوزيد 3 مرات في الاسبوع، لحثّ الموظفين على معاينة خزان المياه بعد تشييده، ولكنهم كانوا في كل مرة يماطلونني، متعلّلين بعدم توافر سيارات ادارية للتنقل، او بغياب السائق أو بانشغالهم بملفات أخرى”. بينما يتنهّد الفلاح حبيب و هو يتذكّر رحلته مع الدعم قائلا : “عانيت الويلات جرّاء عدم وضوح موظفي المندوبية في التعامل معي. كانت كل عملية مراقبة لاي جزء من المشروع، تتطلب الانتظار لمدة تصل الى 6 اشهر. لذلك لا غرابة ان يعمد المزارع للتقرّب من هذا الموظف او ذاك، للاسراع في الحصول على الدعم”.

مندوبية الفلاحة بسيدي بوزيد، رفضت تمكيننا من الكشف عن قوائم باسماء للمزارعين الحاصلين على المنح، بالرغم من تقدمنا بطلبات مختومة بحسب مرسوم النفاذ للمعلومات لعام 2011.

تعللت المندوبية بعدم أهليتها لكشف هذه الوثائق “التي تخصّ اسرار العمل”. لكنّ موظفي المندوبية لم ينفوا وجود تجاوزات يقوم بها الفلاحون. فحسب محمد المولدي عبد اللاوي عن دائرة التمويلات والتشجيعات فان “المزارعين يلجأون لخداع مراقبي مندوبية الفلاحة عبر كراء او استعارة تجهيزات الري”. بينما يتّهم زميله عبد الباقي الناجي شقّا من الفلاحين بتقديم معطيات مغلوطة عن مزارعهم لتضليل الادارة.

من جهته، يبرّر رئيس دائرة المناطق السقوية في المندوبية جلال الرابحي، طول مدّة الاجراءات الادارية بان “عمليات مراقبة مراحل تجهيز الضيعات بمعدات الري بالتقطير، ليست مضبوطة بمدّة زمنية معيّنة، بل مرتبطة بعدد المطالب الوافدة على المندوبية، وبتوافر السيّارات الاداريّة”. ويذكر ان المندوبية فقدت 15 سيارة بعد الثورة جرّاء الحرق والسرقة، بالاضافة الى عدم وجود موظفين متفرغين كليّا للنّظر في إسناد منح الاقتصاد في مياه الري”.

تجّار أم شركاء في الدعم؟

مسؤولية التحايل للحصول على منح وزارة الفلاحة لا يتحمّلها المزارعون لوحدهم، لان قسطا كبيرا من قيمة هذا الدعم، يذهب الى جيوب تجار المواد الفلاحية.

اتصلنا بـ10 تجار من أصل 50 تاجرا في مختلف معتمديات ولاية سيدي بوزيد، تتركز أنشطتهم على بيع الاسمدة والبذور والمعدات الفلاحية لـ37 ألف مزارع. أقنعهم انه ابن مزارع حاصل على الموافقة المبدئيّة للاستفادة من الدعم، ثم طلب منهم تمكينه من تأجير تجهيزات المشروع.

8 منهم وافقوا على توفير تجهيزات الري له. بينما ترواحت المبالغ التي اشترطوها عليه بين 5 و8 آلاف دينار، أي تقريبا اكثر من نصف مبلغ المنحة التي يتمتّع بها المزارع.

عز الدين، احد التجار، قال انه مستعد لتأجير قنوات ري مستعملة ومحرك، بالاضافة لتكفّله ببناء خزان للمياه، شريطة حصوله على ثلاثة ارباع المنحة. كما عبّر عن استعداده لاقناع أحد مراقبي مندوبية الفلاحة بالامضاء على وثيقة استجابة المشروع لكافة الشروط. اما اذا أراد كاتب التحقيق الاكتفاء بالحصول على فاتورة تقديرية للمعدّات، فيجب ان يمكّن التاجر من نسبة 18 % من قيمة المنحة، اي ما يعادل 1800 دينار (1100 دولار).

مصطفى صاحب محل لبيع المواد الفلاحية، ابدى موافقته على ترك التجهيزات على ذمة المستأجر لمدة قد تستغرق شهرين، نظرا لتكثيف عمليات المراقبة من  وزارة الفلاحة في الآونة الأخيرة، بشرط رفع المبلغ الذي سيناله. وقد اعترف بعمله لسنوات على تأجير مختلف معدات الري للمزارعين، مبينا انه كان يؤجّر “قنوات ري مستعملة ومحركا حراريا لـ5 أو 6 فلاحين في اليوم على مرأى من بعض مراقبي وزارة الفلاحة، الذين كانوا يغضون النظر عن هذه التجاوزات، بعد ان يتسلموا نصيبهم من الرشاوى”.

فئة كبيرة من التجار وجّهت عملها صوب كراء المعدات الفلاحية للمزارعين للتحايل على المنح التي تسخّرها الدولة لهم، بحسب ما استخلص كاتب التحقيق. كما لا تمانع طائفة منهم في دق أبواب موظفي المندوبية لحثّهم على الاسراع باتمام دراسة مطلب هذا المزارع او ذاك، او الضغط عليهم للتنقل الى مزرعة فلان لمراقبة تطور مشروع تجهيز الضيعة، بمعدات الري بالتقطير، للموافقة على استجابتها لشروط الوزارة.

تورط موظفين بمندوبية الفلاحة

منظومة الفساد تشمل ايضا الموظفين الحكوميين. لكن المندوبية تقلل من أهمية هذا التواطؤ.

يؤكد التاجر مصطفى انه كان حاضرا سنة 2000 على عملية مراقبة نهائية لإحدى المزارع، بواسطة مراقب في مندوبية الفلاحة حلّ على المكان نفسه، بعد التنسيق معه. لتنتهي هذه المعاينة بالموافقة على الدعم مع تسلّم هذا الاخير لـ500 دينار كعمولة

عمار،ر موظف بمندوبية الفلاحة (يرفض الافصاح عن هويته)، ويقر بتلقي عدد من زملائه لهبات ورشى من التجار، موضحا ان هؤلاء لا يفوّتون أيّ مناسبة او عيد للتقرّب من مراقبي المندوبية، بتسليمهم اضاحي عيد او مبالغ مالية للموافقة على المنح.

من جهة اخرى، يتهم عمار موظفين بالتصرف بالملفات لمساعدة الفلاح، مقابل تلقيه مبلغا من المال. بل تحدث عن تعمد بعضهم تغيير نتائج التحاليل التي تقوم بها المندوبية، لمعرفة نسبة ملوحة مياه الري او نوعية تربة المزرعة.

يناهز عدد الموظفين الذين لهم علاقة مباشرة بمراقبة اسناد المنح نحو 30 يشتغلون في 12 خلية ارشاد فلاحي بمختلف المعتمديات بولاية سيدي بوزيد، الى جانب دوائر المناطق السقوية والتربة والموارد المائية والتمويل والتشجيعات، حسب تصريحات عمار.

التخاذل في مقاومة التجاوزات

في ظل هذه التجاوزات، يطرح سؤال حول دور الوزارة في عملية المتابعة لاسناد المنح و التأكد من مدى التزام الفلاحين الحاصلين عليها باستغلالها استغلال صحيحا.

اختيار الضيعات التي تراقب من موظفي المندوبيات والوزارة، تتم اعتباطيا. حيث يفسر رئيس دائرة الاستثمار والتمويل بوزارة الفلاحة لطفي فراد هذا الاختلال بـ”قلة الموارد البشرية واللوجستية”، مع اقراره بعدم قدرة بعثات المراقبة التي ترسلها الوزارة للمدن الوقوف على كل الاختلالات، بما انها تكتفي بمراقبة شهرية وحيدة، تقتصر على 10 مزارع في أقصى تقدير. لذلك لم يتجاوز عدد الفلاحين الذين عوقبوا بسحب معداتهم في سيدي بوزيد الـ8 منذ انطلاق المنحة ولنهاية 2010، وفق ما ذكره الموظف بمندوبية الفلاحة بسيدي بوزيد عبد الباقي الناجي.

بينما ينصّ الفصل 65 من مجلة الاستثمارات التونسية على سحب الدعم من اصحابه اذا لم ينجز الاستثمار او تحويل الوجهة الاصلية له. يضاف الى ذلك تساهل مندوبية الفلاحة مع المزارعين المخلين بشروط المنح. يقر محمد المولدي عبد اللاوي،عن دائرة التمويلات والتشجيعات في مندوبية الفلاحة بسيدي بوزيد لتمكين المزارعين المتحايلين من الدعم، بعد ان يتداركوا الهفوات او التجاوزات التي ارتكبوها.

وللتصدي لهذه الاختلالات، تؤكد مندوبية الفلاحة بسيدي بوزيد سعيها لتشديد الرقابة وتكثيفها على المزارع المنتفعة بالدعم، الى جانب التنبيه على موظفيها بالالتزام بالاستقامة والتقيد بشروط الانتفاع بالمنح، بحسب رئيس دائرة المناطق السقوية جلال الرابحي. المندوبية وجهت لائحة لوم سنة 2012 إلى احد موظفيها بخليّة الإرشاد الفلاحي بمنزل بوزيان لتنبيهه من مغبة الدفاع عن حق بعض المزارعين المتحايلين في الدعم.

اما وزارة الفلاحة، فبقدر وعيها بالتلاعب بمنحها، وفق ما يشير اليه فراد، فهي تعتبر دور المندوبيات الفلاحية في كل مدينة اساسيا في مواجهة اي تجاوز.

ضعف جدوى نظام الري بالقطرة

مقابل تلك التجاوزات ثلاثية الابعاد، يفتخر موظفو المندوبية الجهوية للفلاحة بسيدي بوزيد بنجاح استراتيجية ترشيد مياه الري في تجهيز نحو 80 % من الاراضي السقوية بالجهة بمعدات الري بالتقطير، اي اكثرمن 38000 هكتار من مجموع 48000 هكتار من الاراضي السقوية بالمدينة، بحسب مصادر بالمندوبية.

لكن هذه النسبة المئوية المرتفعة، تبقى حبرا على ورق، لانها مرتبطة اساسا بحسابات نظرية لمساحة المزارع التي حصل اصحابها على منح توفير مياه الري دون ان تستغل من كثيرين. بما ان وزارة الفلاحة تفتقر لابسط الدراسات الميدانية للتحقق من نجاعة منظومة الدعم للاقتصاد في مياه السقي، وفق اعتراف اكثر من مصدر بمندوبية الفلاحة.

الخبير في المياه احمد العموري، ينبّه لاستنزاف المائدة المائية في الجهة، بسبب الاستعمال العشوائي لمياه الري، كما تشير دراسة متعلقة بالموارد المائية بسيدي بوزيد، من اعداد الوكالة الألمانية للتعاون الفني وبالتعاون مع وزارة البيئة في 2013، تشير لاستغلال الموارد المائية الجوفية السطحية بالجهة بنسبة فاقت الـ132 %.

النتائج بالنسبة للفلاحين متفاوتة. فبالاعتماد على عيّنة متكونة من 10 مزارعين حاصلين على الدعم، تبين لكاتب التحقيق ان 3 فقط من اصل 10 استفادوا ماليا من منح الري بالتقطير، واستغلوا التجهيزات المقتصدة بتطوير مداخيلهم المالية من الاستثمار في زراعة الخضراوات.

قصة نجاح يرويها الفلاح عامر الذي حقق سنة 2002 ربحا قدره 15.000 دينار (9.000 دولار) جراء غراسة هكتارا بالطماطم المروية بنظام الري بالتنقيط مقابل 10.000 دينار (6500 دولار) للمساحة والمنتج نفسيهما عام 2000.

الفلاح حبيب المتعوّد على زراعة البطاطا، تطورت ارباحه من 18 الف دينار عن الهكتارين في سنة 1999 الى نحو 35.000 دينار (21.000 دولار) سنويا، بفضل هذا النظام. في المقابل، لم تشهد أوضاع بقية المزارعين الـ7، أي تغيير يذكر بعد الحصول على الدعم، لأنهم لم يستخدموا المنح في شراء المعدات المقتصدة لمياه الري.

من بين هؤلاء، يقول محسن وهو يشيح بنظره نحو أغنامه العشر المتناثرة امام منزله المتهالك ان :”محصول الحضراوات الذي يجنيه سنويا بالكاد يغطي النفقات التي يتكبّدها”.

يبقى مشروع الري بالتقطير  ايجابيا على مستوى اهدافه، ولكن تطبيقه لم يحقق النتائج المرجوّة. والمطلوب اذن من وزارة الفلاحة ومندوبياتها تشديد المراقبة على المزارعين والموظفين على حد سواء، وان يحرصوا على تطبيق القانون و القضاء على منظومة الفساد التي تتسبّب في اهدار المال العام.

وفي الاثناء، لم يستكمل المحامي محمد العماري جلاّلي مبادرته الشخصية، لبدء سلسلة اجراءات قانونية لوقف هذه التجاوزات من خلال تتبّع التحايل في منظومة دعم الفلاّحين، لاثبات الثغرات منذ لحظة موافقة الوزارة على المنح وحتى العرض المؤقّت من طرف المزارعين لمعدّات “وهميّة مستأجرة” في مزارعهم، ودور الموظفين بوزارة الفلاحة وتجّار المواد الفلاحية في هذه العمليات المركبة. بينما يشير الى رفض الفلاّحين فضح هؤلاء “المستغلّين” حتى لا يكونوا هم انفسهم عرضة للمتابعة القضائية.

سلّمنا المحامي محضري معاينة يثبتان التجاوزات التي طرأت على استغلال منحة الري بالتقطير، والتي حصل عليها الفلاح بشير، تفيد بأن مزرعته جهزت بقنوات ري مستعملة، وليست حديثة كما يفرض القانون. وبعد اسبوع من تاريخ المعاينة القانونية الاولى للضيعة، عاد الخبير العدلي المكلف من المحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد للضيعة ذاتها ليكتشف ان “جميع تجهيزات الريّ بالتقطير أزيلت”.

 المزارعون يشتكون من ضعف المنح

يوجد في ولاية سيدي بوزيد 37 الف فلاح، 63% منهم من صغار المزارعين، لا تتجاوز مساحة مزارعهم الـ5 هكتارات، وفق ارقام مندوبية الفلاحة. امّا نشاطهم الاساس فينصبّ على غراسة الاشجار المثمرة و الخضراوات، ما يتطلب عمليات ري منتظمة. ولعل ما يشترك فيه جل المزارعين الذين استجوبوا، اقرارهم بضعف المنح التي تخصص لهم، لان تمكينهم من 60% من اجمالي الدعم، يضعهم في حيرة من امرهم امام اكمال 40% متبقية لتجهيز ضيعاتهم بمعدات مقتصدة في المياه. وهو ما يجبرهم على تقاسم الدعم مع التجار والموظفين. وبالنظر لبعض التجارب المقارنة في سياسة الاقتصاد بمياه الري، تنتهج المملكة المغربية مثلًا خطة استثمارية داعمة لصغار المزارعين، بحيث تتكفل الدولة بتوفير 100% من كلفة معدات الري للمزارع الذي تقل مساحة ضيعته عن 5 هكتارات، وفق الموقع الرسمي لوزارة الفلاحة المغربية.

مشروع منح الاقتصاد في مياه الري

منح التشجيع على توفير مياه السقي، من السبل التي لجأت لها وزارةالفلاحة التونسية منذ 1995 للحثّ على ترشيد استهلاك مياه الري الزراعي، وفق دراسة نشرتها الوزارة على موقعها الالكتروني  في 2010، تشير الى اعتمادها على “برنامج وطني للاقتصاد في مياه الري”، هدفه توفير مياه السقي، بما ان “80% من استهلاك كافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية للمياه، تستغل في النشاط الزراعي”.

 وقد رفع القرار الرئاسي المؤرخ في 12 ماي 1995 في المنحة التشجيعية لمشاريع الاقتصـاد في ميـاه الـري من 25% من تكلفة التجهيـزات إلى 60% لصغار الفلاحين، لذلك، تفيد أرقام الوزارة بلوغ المساحات الاجمالية المجهّزة بمعدات الاقتصاد في مياه الرّي خلال شهر ديسمبر/ كانون الاول 2011 إلى حوالي 358000 هكتار، أي 87% من المساحة الإجمالية القابلة للري منها 43% مجهزة بتجهيزات الري بالتقطير.

كما تبين دراسة الوزارة أن ميزانية دعم صغار الفلاحين لتوفير مياه الري منذ جوان/ تموز 1995 إلى ديسمبر/ كانون أول 2011 تقدر بـ197.6 مليون دينار، 25% منها خصصت لمدينة سيدي بوزيد، أي بما يعادل 49.4 مليون دينار.

وتشترط وزارة الفلاحة على كل مزارع ينوي الاستفادة من الدعم، تقديم مطلب نسخة من بطاقة التعريف الوطنية وشهادة ملكيّة للضيعة التي تحتضن المشروع الفلاحي، ووثيقة تثبت تعاطيه للنشّاط الزراعي، مسلّمة من العمدة، وشهادة فلاحية تسلم من منظّمة الاتحاد الوطني للفلاحة والصيد البحري، بالإضافة الى التزام قانوني بعدم التفريط بالمعدات بعد الحصول على المنحة.

نشر هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج “إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية”باشراف حنان زبيس.


المشرفين



تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.