مئات المسنين يتزاحمون على دور تحولت إلى مجرد مصحات بلا عناية

14 فبراير 2011

ابتسام ضاهر/ الاقتصادي- تتكئ إلى سريرها بمسحة حزن تخفي خلفها حياة شقاء وتشرد قبل أن تؤويها دار الكرامة الحكومية لرعاية المسنين في دمشق.

عواطف الخمسينية، الممثلة الإذاعية سابقاً تشرد بصمت، بينما تستذكر العاملة في الدار نجاح قصتها عندما أحضرتها الشرطة بعد أن ضبطتها في حالة تسول تحت ضغط زوجها.

عواطف العاجزة عن النطق حالياً، تهزّ رأسها مؤيدة بأسى وهي تستمع إلى رواية قصتها على لسان العاملة نجاح: ” كان يربطها على كرسي متحرك لهذه الغاية ويضربها كلما حاولت الهرب، حسبما تنقل عنها نجاح. ندب الضربات ما تزال ظاهرة على جسمها ورأسها ومحفورة في قلبها، تذكّرها ب”همجيته” التي جعلتها تدمن الحبوب المهدئة.

في الممرات المحاذية لغرفة عواطف تنتشر روائح عفن وبول تزكم الأنوف من مهاجع أقسام النزلاء المقعدين بسبب “إهمال عمال النظافة وضعف الإشراف الحكومي في هذه الدار”.

نزولها في الدار قبل نحو خمس سنوات، فاقم من وضعها النفسي بدل أن يشكل منعطفا في حياتها نحو الطمأنينة، إذ تفتقر عواطف إلى الرعاية النفسية والاجتماعية التي يفترض توافرها بموجب القانون في دور رعاية المسنين.

تتشابه مأساة عواطف مع 865 قصة لمسنين في /19/ داراً لرعاية المسنين في سورية، من بينها دار الكرامة، الحكومية الوحيدة في دمشق ومبرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأوقاف في حلب. الـ 17 دارا المتبقية تابعة لجمعيات أهلية تشرف عليها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

لا يوجد مخصصات حكومية في ما يخص هذه الشريحة، وإنما يقتصر على التبرعات المادية والعينية بفضل العلاقات الشخصية للقائمين على هذه الدور، بحسب إبراهيم صابور مدير دار الراحة للمسنين في اللاذقية.

مقابل ساكني الدور هناك مئات المسنين في سورية يحتاجون لخدمات مماثلة في مجتمع متغير، يعيش فيه أكثر من 600 ألف مسن (من بلغ الستين عاماً بحسب القانون 20 الناظم لدور المسنين في سورية). هذا العدد يعادل ثلاثة أضعاف عددهم في عام 1960.

غياب مطلق للطبيب النفسي

في تحقيق ميداني أجرته جريدة الثورة على دور رعاية المسنين في اللاذقية ودار الكرامة في دمشق تبين الغياب المطلق للطبيب النفسي في جميع تلك الدور خلافا للمادة /17/ من القانون /20/، التي تنص على ضرورة تواجد طبيب نفسي في دار رعاية المسنين. ومن خلال زيارات متكررة للدور لفترات متباعدة على مدى ثلاثة أشهر تبين لكاتبة هذا التحقيق أن 90 % من نزلاء دور الرعاية يعانون من أمراض نفسية تتفاوت بين عدم التوافق النفسي والاجتماعي، الاضطرابات النفسية والحاجة إلى أخصائيين نفسيين واجتماعيين. أجريت هذه الدراسة (أنظر إطار رقم واحد) من خلال تطبيق اختبار نفسي مقنن (مدروس) على يد عشرة أساتذة من جامعة دمشق- كلية التربية وعلم النفس – بوساطة الأخصائية النفسية فاتن دهان من أجل قياس مدى التوافق الاجتماعي لدى المسنين (مقياس علمي يرصد الرعاية النفسية للمسنين في محيطهم). وعلى الرغم من أنّ المادة /8/من القانون /20/ تنص على ضرورة وجود قسم للرعاية الاجتماعية في دور المسنين الا أن واقع الحال ينفي ذلك،فلا القسم موجود ولا الأخصائي موجود الا نادراً.

أمام الحاجة الملحّة، يقصد المسنون هذه الدور بحثاً عن الرعاية والراحة إما بسبب وضعهم الإنساني أو بسبب قصة عقوق ونكران من العائلة، كما حدث مع محمد الضابط المتقاعد الذي انضم إلى الدار قبل تسع سنوات. يقول محمد إن جحود بكره أوصله إلى الدار بعد أن وكّله بشراء بيت للعائلة. “سجّل البيت باسمه وحرمني من رزقي ثم رماني في دار الرعاية، لأجد نفسي وحيدا أتمنى أن تفرغ ساعة الزمن الرملية حباتها الأخيرة”، حسبما يتحسر. فهذا الضابط السبعيني يعاني من تبول لا إرادي والتهابات، ويحتاج لعملية جراحية ودواء تكلفة كل علبة منه 4000 ل.س رغم أن راتبه التقاعدي لا يتجاوز 5000 ل.س. الدار الأهلية عاجزة عن اجراء العملية الجراحية، كما يؤكد لنا القائمون عليها.

كبت المشكلات

في الدراسة الميدانية لدور رعاية المسنيين التي أجرتها عام 2010 الهيئة السورية لشؤون الأسرة تبين”أن لا أحد من المسنين يحصل على خدمة نفسية من أخصائي نفسي، وأن أكثر من نصف المسنين يكبتون مشكلاتهم النفسية ولا يبوحون بها لأحد، الأمر الذي يولد انعكاسات سلبية على صحتهم النفسية والجسدية”. ورغم حساسية المجتمع المحافظ، توصلت هذه الدراسة التي استقصت أوضاع ثلاثة آلاف مسن ومسنة في المجتمع السوري أن 67 % من المستطلعة آراؤهم يعتبرون أن وجود دور لرعاية المسنين أمر ضروري. ولكن من الملفت قلّة عدد الدور المرخصة رسمياً في المحافظات عموماً رغم أن المادة 1 من قانون 20 لعام / 1981 أقرت إنشاء مركز لرعاية العجزة والمسنين، في كل محافظة من محافظات القطر الأربعة عشر من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

ولكن فعلياً لا يوجد في محافظة اللاذقية على سبيل المثال أي مؤسسة حكومية لرعاية المسنين، كما يقول عدنان طراف رئيس دائرة الخدمات الاجتماعية في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل. ويؤكد طراف وجود خطة لإنشاء دار رعاية مسنين كان من المقرر إنجازها خلال ثلاث سنوات بدءا من عام 2007. وقد وضع حجر الأساس لهذه الدار ولكن لم يبدأ البناء حتى الآن. في اللاذقية ثلاث دور رعاية مسنين تابعة لجمعيات خيرية.

دار المسنين التابع لجمعية البر تضم بين /25ـ30/ نزيلاً (رجال ونساء)

دار الراحة للمسنين التابعة لجمعية الرحمة المسيحية 22 نزيلا

دار العجزة التابع لجمعية المواساة الإسلامية يضم 16 نزيلة

وسيلة ترفيه وحيدة

ظنا منهم أن دور رعاية المسنين تقدم خدمات تضمن لهم شيخوخة مريحة، اختار بعضهم أن يقضّي السنين الأخيرة من حياته في هذه الدور، كما فعلت جانيت (73 عاما) التي أتت إلى دار الراحة للمسنين بمحض إرادتها، وذلك تخوفا من أن تعيش المستقبل في المنزل تعاني من شبح الوحدة بين أربعة جدران. وهكذا باعت بيتها ووضعت أموالها في البنك لتعيش من فوائدها في الدار، طمعا بحياة اجتماعية ورعاية واهتمام.

ولكن في الحقيقة يصطدم هؤلاء المسنون بتحالف الزمن والواقع عليهم، لأن الأمور الترفيهية التي يفترض أن تناسب قدراتهم الصحية والمادية غائبة تماماً خلافا ًللقانون 20 الذي يؤكد أهميتها. فالمسن كما يقول، د. محمد مزنوق رئيس قسم الإرشاد النفسي في جامعة تشرين، يتمتع بـ”طبيعة سيكولوجية تستلزم التفهم من خلال إيجاد انسب وسائل الرعاية التي تكفل الحفاظ على كيانها ووضع برامج معدة لهذا الغرض”. ولكن واقع حال معظم الدور يفتقر إلى تلك الإستراتيجية. فهناك غياب للأجهزة التقنية الحديثة ذات الطابع التثقيفي والترويحي، والكل يعيش في تلك الدور حياة روتينية يلونها وسيلة ترفيه يتيمة وهي التلفاز. ويعود ذلك، كما يقول إبراهيم صابور مدير دار الراحة للمسنين في اللاذقية، “لضعف الإمكانات المادية لدينا. فالدار مثلا بحاجة لوسيلة نقل مريحة كبيرة وواسعة بدلا من سيارات الأجرة لتسهيل قيامنا بالرحلات والنزهات ولو لمسافة طويلة خارج المحافظة، وكذلك إقامة البرامج الترويحية والتعليمية والتثقيفية والرياضية والتدريبية يحتاج لدعم مادي لا تستطيع الأقساط والتبرعات تغطيتهاً.

غياب المساءلة

يقتصر دور مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل على متابعة أوضاع النزلاء في الدور من خلال القيام بجولات إشرافية فقط تكتفي بالتنبيه والتوجيه” كما يقول عدنان طراف رئيس دائرة الخدمات الاجتماعية في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في اللاذقية. فلم يتم تسجيل أي مخالفة نظافة على سبيل المثال بحق الدور الثلاثة في اللاذقية حتى كتابة هذه المادة مع أن رائحة البول الكريهة بالمهاجع في أقسام النزلاء المقعدين لا تطاق. يضاف إلى ذلك الإهمال الشديد في توافر المرافق الأساسية المساعدة كالمرحاض الكرسي والحمام المستقل على نطاق كل غرفة، ما يكبد المسن عناء جسديا يوميا ويجبره على طلب الخدمة من الآخرين وخصوصاً العاجزين منهم. وقد تسبب هذا الوضع بمشاكل كثيرة مع فئة المقعدين، فمعظمهم يعاني من الأمراض التي تفاوتت بين الالتهابات الجلدية والأكزيما وصولا إلى التقرحات الجلدية كما حدث مع النزيل( م.أ) بسبب عدم النظافة والاعتناء والتعقيم وإصابات فطرية كما حدث مع النزيلة (ر.م) .

يقول طبيب الصحة العامة عمر فوزي بخاري والذي استشارته كاتبة التحقيق “أن ذلك الوضع لا يمكن معالجته ما لم يتم وضع هؤلاء العاجزين بغرف ذات مواصفات خاصة، كأن تكون غرف صغيرة ذات تهوية خاصة، مغلقة غير مفتوحة على بعضها، بالإضافة إلى زيادة عدد المستخدمين وكمية المستلزمات الضرورية لخدمة هذه الغرف والعاجزين فيها، من معقمات ومعطرات وحفاظّات، وذلك في الحقيقة أكبر من إمكانيات الدور”.

كذلك من المهمات المهمة الغائبة عن تلك الدور مفهوم المعالجة الفيزيائية للنزلاء وتأمين الأجهزة الطبية والوسائل اللازمة، التي يؤكد المهندس طلال اليوسفي أمين سر جمعية البر “أهميتها في معالجة الخمول والضمور العضلي لدى بعض المسننين نتيجة الجلوس المستمر” وكذلك نقص المستلزمات الخاصة بالمسننين (الكراسي المتحركة ،العكازات ،المعينات السمعية والبصرية).

فمرض الخشكريشة الذي أصاب المقعد /هـ.ي/ كان نتيجة عدم تواجد فرشات هوائية التي تساعد على تلافي الالتهابات والتقرحات الجلدية التي تحدث نتيجة النوم الطويل بسبب الشلل والقعود الطويل وعدم الحركة.

وقد نفى مسن من بين كل أربعة وجود الدواء اللازم، وأيضا وجود الوسائل الصحية المساعدة. ونفى مسن من بين كل ثلاثة وجود المعالجة الفيزيائية والعمل الجراحي،على الرغم من وجود عيادات وأطباء ملحقين بالدور. كما بينت الدراسة الميدانية لهيئة شؤون الأسرة.

وهناك إشكالية بالنسبة للدور التي لا تستقبل حالات عجزة. تقول تقلا دالي مشرفة دار الراحة: “بعض نزلائنا أصبحوا مقعدين مع الوقت وبحاجة إلى خدمة خاصة. فالدار تستبقيهم من باب إنساني ولكننا نواجه هنا مشكلة إنسانية وقانونية، وذلك كونهم غير مستوفين لشروط القبول (أن يتمتع المسن بصحة جيدة، وأن يتعهد أهله باستمرار الترابط الاجتماعي)، فنكون مجبرين لتركهم بالدار مما يسبب لنا مشاكل كثيرة بسبب وضعهم الجديد ونقص المستلزمات الخاصة بهم وقلة الكادر المؤهل لخدمة هؤلاء المعوقين”.

فكلمة “عجزة” هي التي تخول المسن دخول جنة الدار في دور تنتظر غرفها موت شاغليها بصمت لتستقبل مرشحين جدد ينتظرون دورهم. هذا ما تؤكده جميلة يونس مسؤولة البحث الاجتماعي في دار الكرامة الذي يستقبل حالات جديدةعند حدوث حالات وفاة في الدار والتي تتراوح بين /1ـ2/شهرياً. وتزداد هذه الوفيات في الشتاء لازدياد علامات الشيخوخة(تدهور الوظائف العقلية والجسدية بصورة أكثر وضوحاً مما كانت عليه في الفترات السابقة من العمر). فيتم قبول المسنين المسجلين على قائمة الانتظار حسب الأقدمية التي تتضمن حالياً /7/أشخاص مع العلم أنه يزداد الأقبال عن السنوات الماضية.

عاملات يقرأن مستقبلهن

معاناة المقيمين في هذه الدور ينضم إليها العاملون والعاملات فيها، هؤلاء الذين يقضون شبابهم في خدمة المسنين، مقابل أجر زهيد وساعات عمل طويلة يخشون أن تنتهي حياتهم إلى جانب من يخدمونهم حاليا. العاملة ( ن.س) في دار الكرامة منذ عشر سنوات والمسؤولة عن ستة رجال معوقين، تشكو نقص العاملين ما يولد أعباء أكبر عليها. السيدة (ج.ا) العاملة منذ 19 سنة وأم ل 13 ولدا تشكو آلاما في الظهر والتهاب في المفاصل. تروي هذه المرأة معاناتها مع المواصلات والأجر الذي لا يكفي لتسديد أقساط المنزل. يعزو المدير السابق لدار الكرامة خالد الخطيب سبب ظروف العمل هذه “لقلة العاملات اللواتي يقبلن بشروط العمل في الدار”. ويضيف: “نعاني معاناة كبيرة في مسألة توظيف العمال، فالرواتب القليلة لا تتناسب مع المجهود والتعب الكبيرين اللذين يقدمان، والعاملات يشكلن أيضا عبئا علينا بعد عمر معين. فنحن نطالب بتسريحهن في سن مبكرة، لأنهن عندها يحتجن لمن يرعاهن وهن غير مؤهلات”. إلى ذلك عاتب الخطيب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل “لعدم الدعوة لدورات وندوات تدريب وتأهيل، كما أننا بحاجة حقيقية لمتطوعين بخاصة أيام الحمامات لمساعدة العاملات لدينا اللواتي تبذلن أقصى جهدهن”. فالدار تضم 145 نزيلاً40 %منهم مسنون و60 %عاجزون بين مسن ومعوق عادي وشلل دماغي فيما عدد العاملين المسؤولين عن النزلاء /76/ يعملون على ثلاث ورديات بالتناوب على مدى 24 ساعة.

العاملة (ش.ع) المسؤولة عن ستة رجال معوقين أربعة منهم بلا حركة ومقعد على كرسي متحرك إضافة إلى مسؤوليتها عن عائلتها المكونة من 12 ابنا تقول: “نعرف نهايتنا، فإذا ما بقينا على هذه الحال فكلنا سنكون معوقين في المستقبل ننتظر من يقوم بخدمتناً.

معاناة العاملين والعاملات في هذه الدور، أدى إلى نقص في عدد العاملين والبالغ عددهم /593/عاملاً في مجمل الدور، وهو عدد قليل كما أدك لنا جميع المسؤولين عن هذه الدور.

وبحسب نصيب المسنيين من العاملين في الاختصاصات المختلفة تبين أن هناك:

طبيب مقيم واحد لكل/146/مسناً

طبيب زائر واحد في الاختصاصات الطبية المختلفة لكل/15/مسناً

ممرض واحد لكل /18/مسناً

أخصائي اجتماعي لكل/146/مسناً

تم إجراء هذا التحقيق بدعم من شبكة أعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية(اريج) www.arij.net وبإشراف الزميل حمود المحمود


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.