قمحنا من أرضنا.. حلم مصري أعاقه تجاهل"جورن 19"

18 يناير 2009

تحقيق: حازم يونس

في منزل متواضع بمحافظة الإسماعيلية بمصر يعيش المهندس الزراعي علي عاشور.. حلمه كمعظم المصريين يتلخص في كلمة واحدة هي “الستر”.. لكنه أصبح يؤمن أن حلمه البسيط بعيد المنال في زمن أضحى فيه الحصول على “كسرة الخبز” مهمة يحسب لها المصريون ألف حساب.

لم يكن من السهولة أن يصل إلى هذه الدرجة من اليأس، وهو الشخصية التي عرفت بتفاؤلها، ولكن حكايات الحوادث التي وقعت أمام المخابز -مؤخرا- وخلفت ما بين قتلى وجرحى سمتهم الصحف بـ”شهداء الخبز” كانت كفيلة بأن تبث اليأس في نفسه، خاصة أنها كانت مبررا قويا ليظهر للنور ابتكاره “جورن 19” الحاصل على براءة اختراع رقم “23227” من أكاديمية البحث العلمي عام 2004.

يرفع “جورن 19″ إنتاجية فدان القمح بمعدل 25 % للفدان، وفق ما جاء بدراسة أجريت بتمويل من أكاديمية البحث العلمي تحت إشراف كلية الزراعة جامعة عين شمس، بما يساهم في حل هذه المشكلة التي قال عنها خبير الصناعات الغذائية والملقب بـ”أبو الخبز” د. أحمد خورشيد إنها متعددة الأسباب، ولكن منبعها قلة الإنتاج المحلي من القمح.

وفي الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة المصرية بالمؤتمر الأخير للحزب الوطني الحاكم في نوفمبر 2008 عن خطط للوصول بالاكتفاء الذاتي من القمح إلى 80 % عن طريق استزراع أراض بالسودان وأوغندا، يوجد حلا سهلا وبسيطا اسمه “جورن 19″، فلماذا لا يتم استخدامه؟

جهود بلا جدوى. اسأل مجرب. بين الشكوك والعقبات. فتش عن المافيا. الإمارات تطلب الاختراع

جهود بلا جدوى

الدكتور محسن شكري نائب رئيس أكاديمية البحث العلمي لا يملك إجابة على هذا التساؤل، فهو يرى أن الأكاديمية قامت بدورها مع هذا الاختراع، حيث اختاره مكتب براءات الاختراع بها عقب حصوله على البراءة كواحد من أبرز الاختراعات التي تستحق التسويق، وتم تحويله إلى جهاز تنمية الاختراعات ليقوم بهذه المهمة.

وتقول المهندسة جانيت إبراهيم يوسف رئيس الجهاز: كان علينا قبل البدء في عملية التسويق أن نجري دراسة لمعرفة مقدار ما يساهم به المركب في زيادة الإنتاجية؛ لأن شهادة البراءة لا تحدد نسبة، فيكفي فقط أن يحقق مركب زيادة ولو1 % ليحصل على البراءة كفكرة جديدة، لكنه في هذه الحالة لن يكون إنتاجه مجديا اقتصاديا، وبالتالي لن يكون له سوق.

وأسفرت نتائج الدراسة التي أجريت على خمسة أفدنة لنبات القمح تحت إشراف كلية الزراعة جامعة عين شمس أن المركب يرفع إنتاجية الفدان بنسبة 25 % عند رشه بمعدل (100 سم3 لكل200 لتر ماء) على المجموع الخضري للنبات خلال فترتين، الأولى بعد 35 يوما من الزراعة، والثانية بعد 55 يوما.

هذه النسبة الكبيرة التي توصلت لها الدراسة كانت مشجعة لجهاز تنمية الاختراعات ليبدأ في الخطوة التالية وهي التسويق، حيث تم توقيع عقد مع المخترع ليتولى الجهاز تسويق مركبه بين الجهات الحكومية والخاصة.

وكانت الجهة الأولى التي فكر فيها الجهاز هي وزارة الزراعة، حيث أرسل ثلاثة خطابات للوزارة في 4 يوليو2007، أحدهما للإدارة المركزية للإرشاد الزراعي، والثاني للإدارة المركزية للتعاون الزراعي، والثالث لمركز البحوث الزراعية، إلا أن الجهاز- كما أكدت المهندسة جانيت- لم يتلق أي استجابة.

ويعتبر هذا الجهد التسويقي لجهاز تنمية الاختراعات هو أحد الأدوار الجديدة للأكاديمية لمساعدة المخترعين على الخروج باختراعاتهم للنور، حيث كان يقتصر دورها على منح البراءات بعد التأكد من قابلية الاختراع للتطبيق الصناعي؛ ولأنه ليس كل فكرة قابلة للتطبيق ذات جدوى اقتصادية، جاء التفكير في هذا الدور ليقوم به الجهاز مع الاختراعات ذات الجدوى.

القطاع العام والخاص

خطابات جهاز تنمية الاختراعات التي لم تلق استجابة من وزارة الزراعة، هي في الواقع أحد الجهود التي بذلت ليصل لمسئولي الوزارة معلومة أن هناك مركبا يرفع إنتاجية فدان القمح بنسبة 25 %، فقد سبقها جهود أخرى قام بها المخترع علي عاشور بنفسه منذ حصوله على البراءة عام 2004، إلا أنها -أيضا- لم تلق استجابة.

عن هذه الجهود يقول: طلبت من مسئولي مديرية الزراعة بالإسماعيلية التي أعمل بها أن يخاطبوا الوزارة بشأن اختراعي، إلا أنهم ورغم اقتناعهم به كان ردهم: “هذه ليست مسئوليتنا.. اذهب بنفسك إلى الوزارة.. وفعلت ذلك، وحولوني إلى مركز البحوث الزراعية لدراسة الاختراع”.

لم يكن الحال على ما يرام بالمركز -كما كان يتوقع عاشور- فهناك طلب منه حتى يثبت صحة اختراعه أن ينتج كميات لتوزيعها على كل محطات البحوث التابعة للمركز على مستوى الجمهورية، ويقوم بمتابعة التجارب معهم، وإذا ثبت صحتها يرفعوا الأمر لوزير الزراعة.

ولأن معنى هذا الكلام أن عليه أن يدور على كل المحطات بما يشبه “الكعب الداير” الذي تطبقه وزارة الداخلية مع المشتبه فيهم، يقول: “اعتبرت كلامهم كأن لم يكن، وانتظرت حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا”.

كان القطاع الخاص هو الخيار الآخر الذي فكر فيه عاشور ليرى اختراعه النور، إلا أن قصته معه لم تكن أسعد حظا من الحكومة.

وتعود بدايات هذه القصة إلى نهايات عام 2007، حيث توسط أحد الأصدقاء بينه وبين المستثمر جمال خليفة بكفر الزيات الذي يعمل في مجال إنتاج الأسمدة الزراعية، وتم الاتفاق بينهما على أن يقوم المخترع بعملية إنتاج المركب، ويوفر له المستثمر التمويل والتسويق نظير هامش من الربح يحصل عليه، لكن المشروع توقف، والسبب -كما يقول عاشور- هو أن المستثمر طلب أن يتم الإنتاج تحت إشراف مصنعه، بما يعني أن الابتكار سيصبح مشاعا لكل الكيميائيين العاملين به.

وتعتبر هذه المشكلة هي أحد معوقات وصول الاختراعات إلى مجال التطبيق، وهي ترجع في الأساس كما يؤكد محمد عبود مدير فرع المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا بالقاهرة إلى ضعف قوانين حقوق الملكية الفكرية بمصر، حيث يمكن اختراق أي مركب بتغيير عنصر غير مؤثر به، وطرحه بالأسواق على أنه مركب جديد دون أن يستطيع صاحب المركب الأصلي إثبات حقه.. ويقول عبود: “أعتقد أن صاحب (جورن 19) خاف من ذلك”.

إلا أن النقطة المضيئة لصاحب “جورن 19” في هذه التجربة رغم فشلها هي أن هذا المستثمر قبل أن يصل اتفاقه معه إلى طريق مسدود، كان قد قام بتسجيل المركب برقم “6311” في المعمل المركزي للأغذية والأعلاف بمركز البحوث الزراعية، وهو إجراء لابد منه لأي مادة تدخل في الإنتاج الزراعي.

ويبتسم عاشور قائلا: “هذه مهمة ما كنت أستطيع أن أقوم بها بمفردي، وبسببها استطعت إنتاج المركب على نطاق محدود لتوزيعه على بعض المزارعين”.

اسأل مجرب

هذه النقطة المضيئة له، لا يزال المستثمر جمال خليفة يندم عليها حتى الآن، فـ “جورن 19” -من وجهة نظره- لم يكن يستحق أن يعطيه أي اهتمام، مشيرا إلى أنه أخطأ عندما تسرع في السعي لتسجيله بالمعمل المركزي للأغذية والأعلاف، قبل أن يطمأن إلى كفاءته.

ونفى خليفة ما قاله المخترع عن الخلاف الذي وقع بينهما لإصراره على أن تتم عملية الإنتاج تحت إشراف مصنعه، مؤكدا أنه هو الذي لم يسع لإتمام الاتفاق، بعد أن حصل منه على كمية من المركب على سبيل التجربة وقام بتوزيعها على بعض أصحاب المزارع، إلا أن ردود أفعالهم تجاهه جاءت سلبية للغاية.

وكان خليفة حريصا على ذكر واحد من هؤلاء المزارعين وهو المهندس الزراعي محمد حسين، وقال: “اسألوه خلوه يحكلكوا عن وهم (جورن 19)”.

لم يكن الوصول إلى المهندس حسين بالأمر الصعب، فهو واحد من كبار المزارعين بمدينة شربين بمحافظة الدقهلية، ذهبت إليه في أرضه بينما كان يشرف على ري محصول القمح، وكانت المفاجأة قوله إنه يستخدم -حاليا- (جورن 19)، ونفى تماما أن يكون قد شكك فيه، مشيرا إلى أن الفدان من أرضه بسبب استخدامه أصبح يعطي 23 إردبا، بينما لا يزيد إنتاج جيرانه من المزارعين عن 17 إردبا فقط.

وقال: “كلمة حق أحاسب عليها أمام الله.. المركب عشرة على عشرة”.

لكنه أكد على بعض الضوابط والشروط حرص على أن نشاهدها عمليا، وأوضح أن بدون تطبيقها لن يتحقق مردوده الإيجابي، وهذه الضوابط هي، نظافة أدوات الرش؛ بحيث لا يكون بها أي أثر لمبيدات، وأن تكون نسبة تركيز المركب إلى المياه مضبوطة ” 5.8 سم3 من المركب لكل لتر ماء”، ويوضع في إناء الماء بأسلوب “الصدمة”، بمعنى أن يتم وضعه والماء ينهمر من الصنبور، حتى يحدث تفكيك لمكوناته؛ فتتوزع على كمية المياه، وأخيرا استخدامه عندما يصبح عمر النبات من 55 إلى 60 يوما.

ويقول حسين: “تطبيق هذه الشروط يحتاج إلى إرشاد زراعي لن يتحقق إلا إذا تم توزيع المركب من خلال الجمعيات الزراعية .. لذلك أنا أعذر كل من يشكك فيه”.

ووفقا للدراسة التي أجريت بجامعة عين شمس فإن هذا المركب يحتوي على عدد كبير من العناصر المعدنية والأحماض الكيتونية التي تحدث توازنا أيونيا في العصارة النباتية، فتساعد النبات على تسهيل امتصاص العناصر المعدنية من التربة، والاستفادة من الطاقة الضوئية بشكل أفضل، وبالتالي تضمن للنبات نموا صحيا وقويا.

كما تساعد تلك العناصر النبات على زيادة المحتوى النشوي؛ فتدفع البراعم الساكنة للنمو؛ مما يضمن زيادة الإنتاجية، وتدعم تخليق الأحماض الأمينية داخله، وتقوي الأنسجة النباتية؛ وهو ما يرفع قدرة النبات على تحمل الحرارة والملوحة، ويزيد من سمك ورقته؛ مما يساعد على زيادة عملية التمثيل الضوئي التي تسهل من انتقال المواد الغذائية من الورقة للحبة، وكل ذلك يصب لتحقيق زيادة الإنتاج بنسبة 25 %.

والمثير أن مزارعين آخرين استطلعت “إسلام أون لاين.نت” آراءهم أكدوا أن المركب حقق معهم زيادة فاقت هذه النسبة، منهم المزارع حمدي جودة الذي يستخدمه من عام 2001 وزادت إنتاجية فدان أرضه من 14 إلى 19 إردبا، وقال: “هذا مركب سحري أدعو الجميع لتطبيقه”.

ولا يقل حماس المزارع حمدي علي قناوي للمركب عن سابقه، حيث أكد أنه أدى إلى زيادة إنتاجية أرضه من 20 إلى 25 إردبا، وقال: “لم تكلفني هذه الزيادة سوى 40 جنيها اشتريت بها زجاجتين منه”.

وتعتبر التكلفة الضئيلة للمركب أحد عناصر تميزه التي تضاف إلى قدرته على زيادة الإنتاج بهذه النسب، هكذا أكد د.أحمد بلال أحد الأساتذة الذين أشرفوا على دراسة جامعة عين شمس، وأوضح أن هذا المركب مصنع من طحالب بحرية مستخرجة من بحيرة التمساح بالإسماعيلية، ومن ثم فإن مواده الخام متوفرة، وتكلفتها -فقط- تنحصر في مصاريف النقل من البحيرة إلى المصنع، وذلك إذا قدر لهذا الاختراع أن ينتج على نطاق واسع.

ويدعو د.بلال الحكومة إلى تبني هذا الاختراع، إذا كانت جادة -حقا- في تحقيق نسبة الـ 80 % من الاكتفاء الذاتي من القمح، مشيرا إلى أن مصر تنتج 55 % من احتياجاتها، ومن ثم فإن وجود اختراع يحقق زيادة 25 %، فهذا معناه أننا سنصل إلى هذه النسبة، والأمر الجيد في هذا الاختراع -كما يقول د. بلال- إن ذلك لن يحتاج إلى توسع أفقي على حساب محاصيل أخرى، وبالتالي سنتخلص من سؤال “القمح أم البرسيم؟” الذي يتكرر عندما تطرح قضية الاكتفاء الذاتي من القمح، كما أنه لن يضطرنا إلى زراعة أراض بالسودان أو أوغندا كما هو معلن

بين الشكوك والعقبات

مركب بهذه المزايا، لماذا لا تستخدمه وزارة الزراعة.. هل تكون متخوفة من تأثير المادة التي صنع منها على الصحة، أو أن المادة التي صنع منها قد لا تكون من الكثرة بحيث لا تسمح بتعميم صناعته على نطاق أوسع؟؟؟.. تساؤلات طرحتها على المخترع قبل أن أذهب إلى الوزارة

لم يكن التعليق عليها بالصعب على المهندس عاشور، الذي بدا مبتسما وهو يقول: “ليست هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها هذا الكلام.. فكل من يسمع عن ابتكاري يقولها، دون أن يكلف نفسه عناء سماع الرد مني”.

سألته: وما هو ردك؟ أجاب: ببساطة حصولي على براءة اختراع من أكاديمية البحث العلمي هو رد على المشككين في تأثير المركب على الصحة؛ لأنه من المعروف أن أي اختراع يشترط خضوعه لاختبارات تحت إشراف متخصصين بهدف الاطمئنان على هذا الأمر.

ويأتي هذا الشرط الذي أشار إليه عاشور أثناء مرحلة الفحص الفني للاختراع، وهي وفقا لنظام الحصول على براءات الاختراع بمصر الوارد في موقع الأكاديمية على الإنترنت، تمثل المرحلة التالية لتسجيله، والسابقة للحصول على البراءة، فبعد أن يقوم المخترع بتسجيل اختراعه، تكون هناك فترة عامين يتم خلالهما فحصه فنيا؛ للتأكد من قابليته للتطبيق الصناعي، وعدم وجود آثار جانبية له من الناحية الصحية، وذلك بالنسبة للاختراعات المتعلقة بالدواء والطعام، ويتم ذلك عن طريق إرساله للتحليل بمعامل وزارة الصحة.

أما عن القول بعدم كفاية المادة التي يصنع منها المركب لإقامة مشروع قومي، فكان رده أن المادة الأساسية المستخدمة في تصنيعه هي طحالب بحرية تنمو في بحيرة التمساح، وهذا النوع يمكن إكثاره في كل بحيرات مصر، وإن كان ذلك صعبا فإن الكميات التي يمكن الحصول عليها من البحيرة كافية؛ لأن الطحالب البحرية كائنات سريعة النمو، ومن ثم فإنه يمكن الحصول يوميا على كميات كبيرة تجعل بحيرة التمساح وحدها قادرة على إمداد كل أنحاء مصر باحتياجاتها اللازمة لإنتاجه.

ويعتبر الاتجاه إلى استخدام الطحالب البحرية في أغراض طبية وزراعية أحد الاستخدامات الإيجابية لها والتي بدأت تنتشر مؤخرا، وترجع د. ألفت عبد الحميد المدرسة بقسم النبات بكلية العلوم جامعة حلوان ذلك إلى خاصية النمو السريع لها، حيث لا تتعدى فترة نموها الثلاثة أيام.

حزمة سياسات خاطئة

هذه الحقائق حول المركب والردود حول الشكوك التي قد تثار حوله واجهنا بها مسئولي وزارة الزراعة.. كانت البداية من مديرية الزراعة بمحافظة الإسماعيلية، حيث جاءت ردودهم مطابقة لما سمعه منهم عاشور عام 2004، وقال مصدر طلب عدم ذكر اسمه: “ما باليد حيلة.. لا يمكننا أن نفعل شيئا.. فمهمتنا هنا هي تلقي التعليمات من الوزارة وتنفيذها”.

وأضاف: “لكننا رغم ذلك تكلمنا في أكثر من اجتماع ضمنا مع مسئولي المحافظة عن الاختراع، ولم يعر أحد كلامنا اهتماما”.

وأخرج من مكتبه مذكرة قال إنه كان قد عرضها في أحد الاجتماعات، حول هذا الاختراع.

سألته: وما سبب هذا التجاهل؟

أجاب: ربما لأن محافظة الإسماعيلية تعتمد في الزراعة بشكل أكبر على الفواكه، ويقتصر محصول القمح بها على عده أفدنة قليلة.

وتبلغ مساحة أفدنة القمح بالمحافظة 40 ألف فدان وفق بيانات مركز المعلومات بمديرية الزراعة، من أصل 3 ملايين و64 ألف فدان مزروعة قمحا بمصر، فإذا كانت هذه المساحة الضئيلة غير مشجعة لمسئولي المحافظة على تشجيع الاختراع -كما قال المصدر- فإن التجاهل لمجرد هذا السبب يكشف عن سياسة تدار بها الوزارة اسمها “سياسة الجزر المنعزلة”، حرمت باقي محافظات مصر من الاستفادة بالاختراع.

إلا أن هذه السياسة على ما يبدو ليست السبب الأساسي، فهناك خليط من السياسات الأخرى كشفت عنها جولة “إسلام أون لاين” بين مكاتب الوزارة.

فالجزر المنعزلة وإن كانت قد منعت انتقال أمر الاختراع من محافظة الإسماعيلية لواضعي السياسات بمقر وزارة الزراعة بمنطقة الدقي بالقاهرة، فإن أمره قد وصلها من خلال خطابات أكاديمية البحث العلمي، وعندما استفسرت من إدارات الوزارة التي تلقت هذه الخطابات عن ردود أفعالهم جسد كلام رئيسا الإدارة المركزية للإرشاد والتعاون الزراعي سياسة أخرى هي: “وأنا مالي”، حيث قالا: “يبدو أن الأكاديمية قد وجهت الخطابين للمكان الخطأ”.

وأضافا: “كان الأجدر بها أن توجه الخطاب إلى وكيل مركز البحوث الزراعية لشئون الإرشاد لدراسة هذا الاختراع، وإذا أثبت المركز صحته وقررت الوزارة إنتاجه بنفسها، أو عن طريق القطاع الخاص تأتي مهمتنا، حيث تتولى إدارة الإرشاد الإعلام عنه، وتتولى إدارة التعاون الزراعي توزيعه من خلال الجمعيات الزراعية”.

كلام هذين المصدرين رغم سلبيته، فإنه كشف عن النظام المنطقي لترويج الاختراعات ذات الطبيعة الزراعية، حيث ينبغي -أولا- أن يدرسها مركز البحوث الزراعية؛ ليتحول أمرها بعد ذلك لإدارتي الإرشاد والتعاون الزراعي.. ولأن المركز هو أحد الجهات التي تلقت خطاب أكاديمية البحث العلمي ذهبت إلى هناك لأمسك طرف الخيط من البداية، فأرشدوني إلى مسئول كبير قيل لي إن مثل هذه الأمور لابد أن تصب عنده؛ لينتقي منها ما يعرضه على رئيس المركز.

وكانت المفاجأة أنه أنكر تلقيه أي خطاب من الأكاديمية، وعندما أطلعته على نسخة من هذا الخطاب نظر إليه وقال بعدم اكتراث: “نفس المهمة التي يقوم بها المركب المذكور يقوم بها سماد آخر اسمه (أبو قردان) سيتم نشره على المزارعين من خلال الجمعيات الزراعية”، وأخرج من مكتبه كتيبا عن هذا السماد، وبابتسامه ساذجة قال: “اقرأه ستجد أن هذا السماد يحقق نفس فائدة المركب الذي تحدثني عنه”.

وأضاف: “على فكرة هو حاصل على براءة اختراع أيضا”.

سألته: “لكن يا دكتور هل يحقق زيادة الـ 25 % بإنتاجية فدان القمح التي يحققها جورن 19؟” ارتبك للحظة ثم أجاب: “نسبة الـ 25 % أكيد مبالغ فيها”.

لم يكن الرد على هذا الكلام بالأمر الصعب، فقد أخبرته أن كلية الزراعة جامعة عين شمس وهي أعرق كليات الزراعة بمصر أقرت ذلك، وحصول المركب على براءة اختراع دليل آخر.

وحتى أصل معه إلى نتيجة قلت له: ألا يمكن أن تجربوا المركب لتروا هل يحقق هذه النسبة التي تراها مبالغ فيها أم لا؟ رد بعدم اكتراث قائلا: “ومالوا خلي المخترع يفوت علي بكره”.

ما أشبه الليلة بالبارحة

إجابات هذا المصدر، خاصة جملته الأخيرة “خلي المخترع يفوت علي بكره”، ذكرتني بتجربة “الكعب الداير” التي كان ينوي مسئولو المركز تطبيقها مع عاشور عقب حصوله على البراءة؛ لهذا السبب لم أجد نفسي متحمسا لمعاودة الاتصال به، طالبا منه لقاء هذا المسئول، ورأيت أنه من الأفضل أن أحصل على مزيد من المعلومات عن سماد “أبو قردان”، ربما يساعدني ذلك في الإجابة على سؤال: لماذا تبنته الوزارة وترفض حتى تجربة غيره؟

أخذت أقلب في الكتيب الذي كان قد أعطاه لي المسئول، فلم أجد بين طياته أي حديث عن زيادة بالإنتاج يحققها، وكانت كل المزايا تدور حول كونه يوفر في الأسمدة المستخدمة خلال الزراعة، خاصة النيتروجينية منها بنسبة 35% والفوسفاتية بنسبة 50%.

وكانت المفاجأة التي وجدتها بالكتاب أن هذا السماد لم يحصل على براءة اختراع من أكاديمية البحث العلمي، وأنه مسجل -فقط- كبراءة اختراع تحت رقم 592 في شهر نوفمبر 2007، أي بعد ثلاث سنوات من حصول “جورن 19” على البراءة.

عدت إلى أكاديمية البحث العلمي حيث تأكدت من هذه المعلومة عن طريق المهندسة نادية عبد الله رئيسة مكتب براءات الاختراع التي أوضحت أن هناك فرقا كبيرا بين التسجيل للبراءة والحصول عليها، وقالت: “كل إنسان من حقه التسجيل ما دام أنه يرى في فكرته أمرا غير عادي، ولكن حتى تتحول الفكرة لبراءة اختراع لابد من التأكد أنها جديدة، ليس على مستوى مصر فقط، ولكن على مستوى العالم، كما ينبغي أن يتوافر بها شرطي القابلية للتصنيع وعدم تأثيرها على الصحة العامة، وهذا يحتاج لفترة دراسة لا تقل عن عامين”.

وأضافت: “كثير من المنتجات يتم ترويجها على أنها حاصلة على البراءة، في حين أنها لم تكن تعدت مرحلة التسجيل”.

فتش عن المافيا

إذن، فالمقارنة بين المركبين تكشف عن أن “جورن 19” حاصل على البراءة، وهي تعني خضوعه لاختبارات صحية، كما كشف كلام مديرة مكتب براءات الاختراع، وهو يرفع الإنتاجية بمعدل 25 %، بينما لم يتجاوز “أبو قردان” مرحلة التسجيل، وتقتصر إيجابياته فقط على توفير الأسمدة، فلماذا شق طريقه نحو وزارة الزراعة، بينما ضل الآخر الطريق؟.

أوراق تسجيل “أبو قردان” بالأكاديمية، قد تعطي نصف الإجابة فهو مسجل باسم شركة “المتحدون للتنمية الزراعية” وهي شركة كبرى في مجال الأسمدة، لها فريقها التسويقي، في حين أن مخترع “جورن 19” إمكانياته محدودة.

أما النصف الآخر، فيجيب عليه البروتوكول الموقع بين الشركة المنتجة له ووزارة الزراعة، فالوزارة كما ينص البروتوكول سيقتصر دورها على المهمتين اللتين كان قد حدثني عنهما رئيسا الإدارة المركزية للإرشاد والتعاون الزراعي، وهما إعلام المزارعين بالسماد وتوزيعه من خلال الجمعيات الزراعية، بينما “جورن 19” لأن منتجه فرد وليس شركة، فهو يحتاج أن تدخل وزارة الزراعة كمنتج وموزع نظير هامش بسيط من الربح يحصل عليه المخترع.

لكن عند وضع ما يحتاجه “جورن 19” من وزارة الزراعة في مقارنة مع ما تنفقه الدولة سنويا على استيراد القمح، أستطيع أن أجزم أنه سيوفر على الدولة ملايين الدولارات، وهو ما يجعل عدم الاهتمام به لغزا يحتاج إلى تفسير، خاصة في ظل اتجاه رسمي أعلن عنه في مؤتمر الحزب الوطني الحاكم يرمي إلى تحقيق اكتفاء ذاتي من القمح نسبته 80 %.

وتنتج مصر وفقا لبيانات مركز معلومات مجلس الوزراء 8.2 مليون طن من القمح، بينما تستورد 6 ملايين، وتحتاج لإنتاج 4 ملايين أخرى لتحقيق نسبة الـ 80 % من الاكتفاء الذاتي المستهدف.

حاولت البحث عن حل لهذا اللغز عند المهندس أحمد الليثي وزير الزراعة السابق الذي أكد أن المشكلة ليست في المخترع واختراعه، ولكنها ترجع إلى سياسة مصر الزراعية التي لا تضع على قائمة أولوياتها تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، وإن أُعلن عكس ذلك، مشيرا إلى وجود ما يسمى بـ “مافيا مستوردي القمح” في مصر، والتي تعرقل أي مساع لتحقيق الاكتفاء.

وأوضح أنه عندما تولى مسئولية الوزارة في يوليو 2004 كانت هناك مدرسةٌ متبعةٌ منذ 23 عامًا بالوزارة اسمها مدرسة “الميزة النسبية” أو ما عُرِفَ وقتها بسياسة “الفراولة والكنتالوب”، والتي تعتمد على زراعة محاصيل ذات ميزة نسبية لمصر تُغطي استيراد القمح، وقد حاولت تغيير هذه السياسة؛ فوضعت خطة من ثلاثة محاور لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح:

الأول: بالتوسع الأفقي عن طريق تقديم حوافز تشجع المزارعين على زراعة القمح على حساب المحاصيل الأخرى.

والثاني: بالتوسع الرأسي عن طريق الاهتمام بالبحث العلمي، وخصصت في هذا الإطار 9 ملايين جنيه من ميزانية الوزارة لدعم كليات الزراعة الإقليمية التي تجري أبحاثا تخدم هذا الهدف، والثالث: بترشيد الفاقد حيث تفقد مصر 30% من إنتاجها، بسبب عمليات التداول والتخزين.

ويمضي الليثي قائلا: نجحت الخطة في محورها الأول، حيث زادت المساحة المزروعة بالقمح إلى 3 ملايين فدان في موسم 2005 – 2006، ثم جاءت التغييرات الوزارية، ولم أعد وزيرا للزراعة.

سألته: ولكن البعض يردد أن تغييرك، جاء لتبنيك هذه الخطة؟

ابتسم قائلا: لا تعليق.

الإمارات تطلب الاختراع

هذا الرد وإن كان قد بدا دبلوماسيا، إلا أنه إذا وضع مع تأكيد المهندس الليثي في بداية حديثه وجود ما يسمى بـ “مافيا مستوردي القمح”، يجعلنا نضع أيدينا على سبب تجاهل “جورن 19”.

فهذه “المافيا” والتي حدد أسماءها تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات المنشور في جريدة البديل يوم 26 نوفمبر 2008 اعتادت على تحقيق أرباح طائلة من القمح بطرق غير مشروعة؛ بسبب تعاملاتها مع بعض الجهات والأشخاص في دوائر اتخاذ القرار.

وتصدر التقرير “معيار سلامة القمح” الذي اعتادت هذه المافيا مخالفته، وكشف عن أن 69 % من القمح الذي دخل البلاد عام 2008 غير مطابق للمواصفات، وسجل التقرير شراء هيئة السلع التموينية من المستوردين “رباس” و”جلينيكور”و “بونجي” 3 صفقات قمح روسي (120 ألف طن) بزيادة عن السعر العالمي بما يعادل 20 مليون جنيه، ومن “تديران” و”داريفوس” و”تويفر” ثلاث صفقات قمح أمريكي بزيادة عن السعر العالمي 16 مليون جنيه، ومن “داريفوس” أيضا 63 ألف طن قمح كندي بزيادة عن السعر العالمي 12.5 دولار في الطن، أي إنهم أهدوا المستوردين 40 مليون جنيه.

هذا المبلغ الضخم الذي دخل جيوب المستوردين بخلاف ربحهم الشرعي خلال عام واحد فقط، يمكن أن يؤسس 8 مصانع كبرى لإنتاج مركب “جورن 19″، حيث تشير دراسة جدوى صممها المهندس عاشور إلى أن المصنع الواحد لإنتاج مركبه على نطاق تجاري واسع يحتاج إلى 5 ملايين جنيه على الأكثر، ولكن للأسف ما وصلني منه -مؤخرا- على بريدي الإلكتروني يقول إن مصر هي الخاسرة، فقد أخبرني أنه على وشك الاتفاق مع مستثمر إماراتي من أصل باكستاني للحصول على حق شراء هذا الاختراع.

وعندما عاودت الاتصال به طالبا منه الصبر، عسى أن يأتي الفرج قريبا.. ألجمني بقوله: “عمري الآن 65 عاما.. يا ترى من يعيش”.

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) www.arij.net


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.