غياب قانون الطب العدلي.. والموروث الديني سببان في ذلك

25 ديسمبر 2013

صحيفة الأيام – مرت أكثر من أربع ساعات على غياب الأطفال الثلاثة، عن منازل  عائلة ابو فخيدة. استنفرت العائلة للبحث عنهم في مختلف أنحاء  قرية رأس كركر، القريبة من رام الله، فعثر مساءا على أبناء العمومهالثلاثة (عمر 3 سنوات، مهند 4 سنوات، ومحمد 6 سنوات)، وقد فارقوا الحياة داخل ثلاجة قديمة، في مخزن كان جدهم يستخدمها منذ سنوات عديدة في محل بقالة يقع في أسفل منازل العائلة.

 انتشرت القصة في أنحاء مدينة رام الله، وسط روايات متعددة. وقبل أن تشرق شمس اليوم الثاني كان النائب العام اصدر تصريحا بالدفن، وسجلت الحالة في ملف “القضاء والقدر” في 20 حزيران/ يونيو 2012.

رفضت العائلة تشريح أي من الأطفال الثلاثة، على ما يستذكر محمود أبو فخيدة؛ والد الطفل محمد: “رضينا بقضاء الله وقدره فلماذا نوافق على التشريح، ونحن نرفضه بشكل عام، ورفضنا التشريح ايمانا منا بقضاء الله، وطالما الأطفال توفوا فليس هناك معنى للتشريح!!”، على ما يضيف الأب المكلوم.

والرواية التي اغلق ملف وفاة الاطفال   على اساسها، ان الثلاجة اغلقت عليهم من تلقاء نفسها وهم يلعبون بداخلها، ولم يقدروا على فتحها من الداخل.

وفي قرية سلفيت، كادت عائلة مكلومة أن تدفن أما وطفليها دون أن تشرح الجثث بعدأن ساد اعتقاد بأن الوفاة نجمت عن استنشاق غاز ميثان. وفي اللحظات الأخيرة التي سبقت الدفن، برزت أدلة وقرائن لعناصر الأمن تشير إلى اشتباه جرمي، تبين لاحقا وفقط عبر تشريح الجثث، بأن أحد أفراد الأسرة أقدم على قتل الأم وطفليها بعد أن عرفت أنه يعمل جاسوسا لصالح المخابرات الإسرائيلية، حسب ما اعلنت المباحث الجنائية ومحافظة نابلس لاحقا، مستندين الى اعترافات الجاني.

وعندما توفي الرئيس ياسر عرفات، لم تخضع جثته للتشريح، غير ان معلومات جديدة برزت بعد تسع سنوات على وفاته، دفعت الى نبش جثته للفحص عن أثار تسمم، بعد استصدار فتوى شرعية لا تمانع ذلك، وتبين بالفعل وجود مواد سامة.

في فلسطين تطغى ثقافة ترفض تشريح جثة المتوفى، رغم قناعة وزارة العدل بضرورة التشريح ليس لأسباب جنائية فقط، وانما لأسباب تتعلق بعلم الأمراض، وفق وكيل وزارة العدل خليل كراجة، الذي يؤكد أن غياب قانون الطب العدلي في الأراضي الفلسطينية مهد لسيطرة الثقافة الرافضة لتشريح المتوفى. ويعزّز هذا الموروث قدسية “الشهيد” الذي يسقط أثناء مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

اضافة الى ذلك، أسهم غياب السلطة التشريعية عن النظام السياسي الفلسطيني في تنامي ثقافة الرفض، إلى جانب غياب القدرات الطبية والمعاهد القادرة على التشريح بالطرق العلمية المتعارف عليها، ما يبقي الباب مفتوحا أمام جناة من الافلات من العقاب.

وبحسب مركز المعلومات في وزارة الصحة، شهد عام 2012 تشريح 162 جثة فقط، من اصل 10733  حالة وفاة.

تستند النيابة العامة الى ما وصفه وكلاء نيابة ب” تعليمات” للمستشفيات، حينما تصل حالة متوفى مشبوه فيها، يتم استدعاء الطبيب الشرعي ليقوم بفحص سريري ومن ثم يقرر ان كانت هذه الحالة بحاجة الى التشريح ام لا.

لكن في قصة عائلة سلفيت، فان الطبيب الشرعي الذي فحص جثة الأم وطفليها، قال لمعدة هذا التحقيق  “إن الاثار التي وجدت على عنق الأم المتوفاة (جرح سطحي خفيف)،  لم تكن أيضا مقنعة بوجود جريمة قتل، في الوقت الذي كان فيه الجميع يدعون إلى تجهيز الضحايا للدفن”.

من جانبه، يقول رئيس نيابة محافظة سلفيت ثائر زهير خليل ذياب، الذي عمل على القضية: “الاشتباه بدأ الساعة الواحده بعد منتصف الليل بعد جمع استدلالات بوجود شخص ساكن في ذات المنزل يحمل إصابات على رقبته”.

بدأت القصة تنتشر، حتى عبر وسائط الانترنت، وأخبار تتحدث عن وفاة عائلة نتيجة استنشاق غاز المطبخ، وفي هذه الأثناء كان الجدال لا يزال قائما بين الطب الشرعي والمباحث الجنائية حول القضية.

المباحث عززت تقديراتها بأن السبب لم يكن غاز المطبخ، ذلك أن السؤال المحوري الذي قاد الى تشريح الجثث: إذا كان سبب وفاة العائلة غاز المطبخ، فلماذا بقيت الطفلة التي تبلغ عاما ونصف، على قيد الحياة؟

ولم تكتشف القصة الا بعد تشريح الجثث، واعتراف القاتل بخنق الأم وطفليها، ثم فتح غاز المطبخ وإزالة آثار بصماته.

وزارة العدل : لا يوجد قانون يلزم  تشريح أي متوفي يصل المستشفى؟

 قد يكون الحظ أسهم في الكشف عن القاتل في جريمة سلفيت، بخاصة في غياب قانون يفرض على ادارة المستشفيات تشريح المتوفى، الا في حال وجود شبهة جنائية، يترك  تقديرها للمباحث الجنائية والنيابة العامة التي قد تواجه في كثير من الحالات رفض عائلة المتوفى.

ويقر وكيل وزارة العدل خليل كراجة، بوجود ما يصفه “بالضعف في التعامل مع قضايا الطب العدلي في الاراضي الفلسطينية”. ويقول “هناك اهمية كبرى لتشريح المتوفى، حتى في حالات القتل الواضحة”.

ولا يعمل المجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 2006،  بسبب الخلافات القائمة بين حركتي فتح وحماس، ما عرقل إستصدار قوانين، عوضا عن النافذة لا سيما قانون الصحة العامة  أو قانون العقوبات الأردني لعام 1960، المعمول به في الضفة الغربية، والذي لا يحتم تشريح المتوفي.

على أن الأردن أدخل سلسلة أنظمة وتعليمات خلال العقدين الماضيين فرضت على المدعي العام تشريح جثث جميع الوفيات الناجمة عن حوادث تثير الشبهة، فضلا عن النساء والأطفال، على ما يؤكد خبير الطب الشرعي د. مؤمن الحديدي. ويؤكد الحديدي- المدير السباق للمركز الوطني للطب الشرعي أن الأردن يشهد تشريح 3000 جثة سنويا، 10 % من الوفيات تقريبا.

د. مؤمن الحديدي، خبير أول طب شرعي، مؤسس مركز أبو قراط المستقل ومدير الطب الشرعي السابق في الأردن، أستاذ في المعهد القضائي

ويقول الحديدي ” في الأردن، تخضع للتشريح جميع الجثث دون استثناء في حالات الإصابة في حوادث(  سير، مشاجرة، اختناق وغيرها، او لدى وجود مؤشرات وقرائن بشبهة جناية: فتاة حامل عزباء .. (جريمة شرف) ، كدمات متعددة في حوادث سير”.

منذ 20 عاما أصبحت النيابة تعتمد على الأدلة أكثر من الشهود والمعلومات خصوصا لدى شبهة الوفاة في ظروف غامضة.

بات التشريح عرفا لكشف سبب الوفافة و/ أو التأكد من هوية الميت خصوصا في حالات والنزاع المسلح، إذ مهم جدا، التعرف على هوية الميت/ القتيل.

حالات التشريح قرابة 3000 سنويا أي 10 % من الوفيات تقريبا.

يعتمد الأردن على قانون أصول المحاكمات الجزائية الصادر عام 1960 والمعمول به في الضفة الغربية. ورغم أن الأردن فك ارتباطه القانوني والإداري معها في تموز/ يوليو 1988، فإن الضفة الغربية ما تزال تعتمد قوانين وأنظمة أردنية.

 ونص القانون يعتمد “فعل أمر”: “إذا مات شخص يستعين المدعي العام بطبيب أو أكثر لمعرفة أسباب الوفاة”.

واضاف الحديدي “حتى الوفيات المسبوقة بمرض لا يمكن تعليله تخضع للتشريح، في بعض الأحيان أظهرت جرائم: دس سم في طعام امرأة عطّل النخاع الشوكي على مدى أسابيع”.

ويضيف كراجة “حتى الذين استشهدوا برصاص قوات الاحتلال، يجب ان يتم تشريحهم وتوثق الإصابة وطبيعة الرصاص المستخدم، حتى وان رفض أقرباء الضحية ذلك، لأن هذا الامر مهم في متابعة قضايانا القانونية في المحاكم الدولية مع الاحتلال”.

وتعكف وزارة العدل الفلسطينية، بحسب كراجة، على اعداد قانون للطب العدلي وتوفير الكادر القادرة على تنفيذه. ويضيف “هناك وفد رفيع برئاستي على اتصال مع وزارة العدل البرتغالية من اجل المساعدة في اصدار قانون عصري متطور في الطب العدلي خصوصا وان في البرتغال  قانون يحتم تشريح جثة المتوفى، حتى  الذي يتوفى في حادثة سير”.

ويعمل في الضفة الغربية سبعة أطباء شرعيين فقط، مقابل عدد سكان يناهز مليونين ونصف المليون نسمة. وزارة العدل من طرفها وقعت في أيلول/ سبتمبر 2013،  اتفاقية مع كندا لتعليم ثمانية أطباء عدليين في الأردن لأربع سنوات بتكلفة 100 الف دولار لكل طبيب، وفق ما أكده كراجة.

ويؤكد كراجة أن “غياب قانون الطب العدلي في الأراضي الفلسطينية، اضافة الى الثقافة السائدة اسهما في ضعف التعامل مع قضايا الطب العدلي”. إلا أن العقبة الأساسية تكمن في الثقافة السائدة، إذ ان البعض يقول بان التشريح “اهانة للميت”، على ما يضيف.

رأي الدين والشرع.. تحريم ولكن !!!!!

مفتي نابلس أحمد شوباش يعلق على رفض البعض تشريح الجثة بالقول: “الأصل ان  تشريح جسد الميت يعد مخالفا لأحكام الشريعة الإسلامية لأنه يعد إهانه للميت واعتداء على جسده، إذ أن عملية التشريح تستدعي جرح جسد الميت وفحص الأجهزة الداخلية، وإجراء عملية شق في جسده وهذا مخالف للشريعة الإسلامية”.

لكنّ المفتي يستدرك قائلا: “إلا أن هذه القاعدة يدخل عليها استثناء أو أكثر، بخاصة إذا كانت الوفاة غير واضحة السبب، أو تبدو على الجثة علامات جريمة وكان لابد من التحقق في سبب الوفاة”. ويقول: “الضرورات تبيح المحظورات وهذا معناه ان معرفة كيفية القتل والتحقيق في ذلك وآثار التشريح التي يمكن الوصول إليها والتي قد تساعد على معرفة الجاني أو أطراف الجريمة تعد سببا مبيحا للتشريح”.

على أن مفتي الأراضي الفلسطينية الشيخ محمد حسين، أجاز نبش ضريح الرئيس ياسر عرفات بعد أن ظهرت معلومات توحي بأن الراحل (خريف 2004) مات مسموما، إذ لم تسمح السلطة الفلسطينية بنبش الضريح الا بعد إصدار فتوى شرعية  بغرض التعرف على سبب الوفاة.

 كيف يتم التعامل مع الضحايا؟

وفق ما رصدته كاتبة التحقيق عبر لقاءآتها مع رؤساء نيابة عامة، ومباحث جنائية، فإن الطبيب الذي يلحظ آثارا على جثة المتوفى تشي باحتمال وجود أسباب جرمية خلف الوفاة، يعلم النيابة العامة على الفور، فتستدعي الطبيب الشرعي فور وصولها للمشفى. بناء على ذلك  يطلب الأخير التشريح.

وفي  حالات عديدة قرر فيها الطبيب الشرعي التحويل للتشريح، كان الأهالي يعرقلون الإجراء، وقد وصل الأمر ببعض العائلات لاختطاف الجثامين من غرف الموتى تلافيا لتشريحها نزولا عند ثقافة سائدة ترى في التشريح “إهانة لروح المتوفى وتعذيبا لها”.

ففي عام 2003 هاجم عشرات الشبان غرف الموتى في مستشفى رام الله الحكومي، واختطفوا جثة شاب كان الطب الشرعي قرر تشريحه، لأن سبب الوفاة كان غامضا، في الوقت الذي قالوا فيه الشبان انه توفي نتيجة استنشاق غاز مسيل للدموع اطلقه جيش الاحتلال، وفق مسؤول في المستشفى طلب عدم ذكر اسمه

يقول المسؤول: “قال لنا الشبان حينها انه لا يحق تشريح الشهيد واهانته بعد استشهاده”.

ويروي سائق سيارة اسعاف، كيف ان اهالي احدى المتوفيات ( في الثلاثينات من عمرها) هاجموا سيارة الاسعاف وهي في طريقها الى معهد ابو ديس لنقل المتوفية للتشريح، وقاموا بخطف الجثة ودفنها.

ويوجد في الضفة الغربية معهدان للتشريح، واحد في جامعة النجاح الوطنية والثاني في ابو ديس، في حين تعمل وزارة العدل على انشاء معاهد تشريح اخرى، وفق ما أكدته الوزارة.

ويؤكد رئيس نيابة محافظة نابلس بهاء الأحمد “ان التشريح يتم في حالات وجود شبهة جنائية”.

ويرى  الأحمد ضرورة فرض الزامية التشريح لأي شخص يتوفى من عمر 10 لغاية 50، بغض النظر عن اسباب الوفاة.

معايير الشبهة الجنائية

يقول الأحمد: “مسألة المعيار هي مسألة قناعة تتكون لدى رجال البحث الجنائي بالاستناد للظروف المحيطة بمسرح الجريمة، اذا لم يكن ثمة ما يلفت النظر هناك، والتقارير الطبية تؤكد ان الوفاة جرت لاسباب طبيعية، تكون الشبهة معدومة”.

وليس بالضرورة ان يؤدي التشريح الى الكشف عن القاتل، لكنه قد يؤدي في الوقت ذاته الى التيقن تماما والاطمئنان لسبب الوفاة، على ما يضيف الأحمد.

ويطلق حقوقيون ورجال قانون وصفا لعملية التشريح، بانها “تحقيق الطبيب مع الضحية للتعرف الى القاتل”.

غياب المعلومة

تشير دائرة المعلومات في وزارة الصحة إلى أن غالبية حالات الوفاة في الضفة الغربية لا تخضع للتشريح الطبي. مدير الدائرة الدكتور جواد يؤكد أن العديد من حالات الوفاة التي يتم توثيقها، لا يسجل الى جانبها السبب الحقيقي للوفاة.

يقول الدكتور جواد البيطار مدير المركز: “هناك حالات وفاة غير واضحة، فعلى سبيل المثال يأتي في تقرير الوفاة معظم الأحيان، اصابة القلب بنزيف حاد ما ادى الى الوفاه او تهشم الوجه، لكن ما الذي ادى الى تهشمه لا نعرف”.

ويضيف ” حتى حوادث السير لا يكتب انه حادث سير، بل يكتب نوع الاصابة والتشخيص لا يكون دقيق”.

وبتابع البيطار” كثير من المرات تأتينا حالات شنق ولكن لا يوجد مزيد من التفصيل فيما اذا كان الضحية هو من شنق نفسه أن جرى شنقه”.

ويقر رئيس نيابة سلفيت ثائر خليل بوجود حالات عدة تم دفنها دون معرفة السبب الحقيقي للوفاة، ويتم دفن الحقيقة مع الضحايا اوتتعقد الامور بعد الدفن حينما يبرز طرف خيط بان هناك جريمة، غير ان خليل لا يوجد لديه معلومات حول العديد الحقيقي للذين يدفنون دون معرفة سبب وفاتهم.

جريمة “شرف” بأثر رجعي

ويقول: “حدثت اكثر من حالة لم يكن هناك موجبات او اشتباه جنائي في وفاه شخص ما ويتم تسليم الجثة لذويها للدفن، وبعد الدفن يتضح ان هناك جريمة قد ارتكبت بحق المتوفي”.

ووقعت حادثة في إحدى قرى الضفة، حسب سجلات المباحث الجنائية في رام الله، حيث جرى دفن المتوفية على اعتبار إصابتها بالجلطة القلبية المفاجئة. بعد الدفن وصلت معلومة الى المباحث الجنائية تقول بأن اشقاء الفتاة كانوا قد اشتروا سما من احدى الصيدليات قبل ايام. وبعد التحقيق معهم تبين انهم سمموا شقيقتهم بعد اكتشافهم أمر علاقة عاطفية غير شرعية بشاب من قرية اخرى. عندماا امر النائب  باخراج الجثة ليتبين بالفعل انها توفيت بالسم وان الضحية حامل في شهرها الثاني، إذ لم يظهر هذا الأمر الا بعد التشريح.

يشتكي البيطار: “في حالات الغرق لا نعرف إذا ما كان متعمدا ام لا، ولا يوجد في تبليغ الوفاه مثل هذه الامور. تصلني الحالة ويكون مختوم عليها من الطبيب الشرعي والنيابة العامة”.

ويشير البيطار الى نموذج تبليغ الوفاة، الذي يتضمن فقرة تحتم على الطبيب ان يكتب بوضوح سبب الوفاة. “لا اعرف السبب الدقيق وراء غياب تفصيل اسباب الوفاة، لكن ما استطيع تأكيده ان كثير من حالات الوفاة لا يصلنا معلومات كافية ودقيقة عن السبب” يقول البيطار.

ثقافة ترفض التشريح

يؤكد الدكتور نائل بني فضل المحاضرفي القانون، في معهد الحقوق في جامعة النجاح الوطنية، انه وحسب ما هو مطبق فان النيابة العامة هي الجهة المخولة في التحقيق في أسباب وفاه شخص ما، لكن هناك اسباب اجتماعية وثقافية قد تمنع التحقيق من اخذ مجراه، خاصة في حال كان القاتل والمقتول من نفس العائلة.

 ويقول بني فضل ” الناس تخشى تشريح الجثث ولكن المفترض وجود  قانون يحتم التشريح”.

رأي علم الاجتماع

ويقول الدكتور ماهر أبو زنط عميد كلية الآداب ومحاضر علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية في جامعة النجاح الوطنية: “من وجهه نظر علم الاجتماع تلعب طبيعة المجتمع والقيم والعادات والتقاليد دورا وتؤثر على هذا السلوك بحيث الناس لا تعتبر عملية تشريح الجثة أو بقاء الجثة خارج الدفن أمرا طبيعيا والناس يريدون التستر على الجثة”.

ويضيف: “الثقافة الموجودة تعتبر انه ما دام توفي انتهى الموضوع ولكن مفهوم مجتمعنا الفلسطيني والعربي لا يقبل عملية التشريح رغم انه قد يكون وراء الوفاة قتل أو ابتزاز ولكن هناك أمور عائلية خاصة”.

ويضيف: “يجب ان يكون هناك قانون يجبر على تشريح الجثة لأننا نريد كشف حقائق”.

ويشير الزعنون الى انه في بعض الاحيان يستند الرافضون للتشريح الى فتاوى دينية، تحرم التمثيل في الجثة، الا انه اعتبر هذه النظرة ” متخلفة”.

حالات لم يتم فيها تشريح  المتوفين بسبب الثقافة الرافضة

وتم تتبع ارشيف وسائل اعلام مختلفة، خلال فترة اعداد هذا التحقيق، وتم رصد حالات لم تخضع للتشريح، لاسباب اجتماعية وثقافية، ودفنت على انها قضاء وقدر.

غير ان كثيراً من المؤيدين لفكرة وجوب التشريح، يستندون الى اعادة نبش جثمان الرئيس ياسر عرفات بعد تسع سنوات على استشهاده، حيث ان جثمان الرئيس لم يخضع بتاتا لتشريح فلسطيني.

– في 2001 توفي مسؤول ملف القدس في منظمة التحرير الفلسطينية فيصل الحسيني في الكويت، ولم يتم تشريحه عند نقل جثمانه للاراضي الفلسطينية، تحت مبررات احترام جثة الشهيد.

– النائب العام الفلسطيني السابق احمد المغني اعلن في ورشة عن القضاء، بانه تم دفن شخص على انه توفي بصعقة كهربائية، غير انه تبين لاحقا انه توفي مسموما، ولم يتضح ذلك الا بعد ان امر باخراج الجثة وتشريحها.

– يرفض ( ا ، ا ) الحديث عن تفاصيل وفاة ابنه قبل ثلاث سنوات، حينما سقط من بناء عالي، وهويعمل في البناء، ولماذا لم يطالب بتشربح ابنه للتأكد ان سبب الوفاة كان السقوط من مكان مرتفع، واكتفى بالقول ” مهما كانت التفاصيل، ففي النهاية انا فقدت ابني، وانا مؤمن بان اكرام الميت دفنه، وغير ذلك لا يعنيني”.

– توفي ضابط امن كان محتجزا في مقر امني، للتحقيق معه في اواخر العام 2012، ولم يتم تشريحه لانه عسكري، وتم الدفن على اساس انه ازمة قلبية حادة.

– وفي ذات الفترة توفي معتقل لدى احدى الاجهزة الامنية، حيث اعلن انه توفي بسبب سقوطه من الطابق الثالث للجهاز دون ان يعلن عن تشريحه.

– في عام 2001، نقل جثمان شاب في العشرينات من عمره الى مستشفى رام الله، وهو جثة هامدة، وحسب ما قاله الذين نقلوا الجثة الى المستشفى بانه تعرض لغاز مسيل للدموع بعد دخول الجيش الاسرائيلي، وهو ما سبب وفاته.

الاطباء حينها قالوا، إن ما لديهم هو جثة شاب في العشرينات من عمره، وغير معروف سبب الوفاة، وهو الامر الذي يستدعي تشريحه، لكن العائلة رفضت عميلة التشريج واخرجت الجثة من غرفة الموتى بعد تدخل جهات قيادية عليا.

– في ذات السنة توفي شاب فجأة وهو مع اصدقائه ، وكان لزاما ان يتم تشريحه، الا انه وبعد تدخلات من قياديين تم اخراج الجثة من غرفة الموتى، وتم نعيه على انه شهيد والصقت صوره على اعمدة الكهرباء في قريته.

فمن الناحية العلمية والقانونية، فان تشريح المتوفي تخدم المجتمع، ليس فقط في التعرف على وجود قاتل ام لا، وانما تخدم المجتمع ايضا في التعرف على امراض لم تكن معروفة، ما يخدم الطب في معالجتها مستقبلا.

 فهل يتم اصدار قانون جديد او تعديل ما هو قائم لفتح المجال امام الطب العدلي للتحقيق مع الضحية والتعرف الى قاتلها؟؟؟؟.

انجز هذا التحقيق بالتعاون بين وحدة التحقيقات الاستقصائية في صحيفة “الايام” وشبكة اعلاميون عرب من اجل صحافة استقصائية “أريج” وباشراف حسام عزالدين.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.