سوء الصيانة وأخطاء في إنشاء الطرق ثالث مسبّب لحوادث السير في سورية غياب معيار الصيانة العالمي عن الطرق السورية لأول مرة في سورية 695 حادثاً سببها الطريق ميول طرق الثنايا تفوق المعدل العالمي المسموح

14 أكتوبر 2009

الاقتصادي- تامر قرقوط

عائلة مؤلّفة من أم وابنتها قتلتا في حادث سير وقع في آب (أغسطس) الماضي بمنطقة السبع بيار “مئة كيلو متر شمال دمشق” وأدى إلى إصابة 33 آخرين. تصادم آخر من “العيار الثقيل” أودى بحياة 15 شخصاً من بينهم شاب وخطيبته ووالدها وجدتّها خلال حزيران (يونيو) الماضي حين اصطدمت حافلة “بولمان” بشاحنة على طريق دمشق- السويداء “تقاطع حزم”.

هذان الحادثان يختزلان المآسي التي تتزايد فوق ثلاثة أوتوسترادات باتت تعرف بـ “طرق الموت” إذ يتكرّر سقوط ضحايا بسبب حوادث السير، التي تؤدي إلى مقتل نحو سبعة أشخاص يومياً، بحسب وزير النقل يعرب بدر. وتحصد هذه الحوادث سنوياً حياة زهاء 2500 مواطن، حسب إحصائيات إدارة المرور.

عام 2008 شهد تحوّلاً في نظرة أجهزة المرور إلى مسبّبات حوادث الطرق في البلاد، لتتجه إلى البحث عن ألغاز طرق الموت، و لأول مرة أضافت إدارة المرور “حالة الطرقات” إلى 15 سبباً رئيساً تذكر سنوياً بأنها وراء وتيرة الحوادث المرتفعة. إذ حلّت الطرقات بالمرتبة العاشرة من بين جملة الأسباب التي تؤدي إلى حوادث السيرالعام الماضي، وجاءت في المرتبة الثالثة خلال الربع الأول من العام الجاري حسب إحصاءات المرور.

بلغة الأرقام، أدخل سوء حالة الطريق كمسبّب للحوادث، وسجّلت تقدماً واضحاً من صفر بالمئة خلال الربع الأول للعام الماضي، مرتفعة إلى 249 حادثاً وبنسبة 4.3 بالمئة من إجمالي عدد الحوادث خلال الفترة ذاتها من العام الجاري، لتحلّ في المرتبة الثالثة بعد السرعة الزائدة وعدم التقيد بإشارات المرور.

واللافت أنه خلال سبعة أشهر من أيار (مايو) إلى كانون الأول (ديسمبر) 2008، سجّلت إدارة المرور 446 حادثاً سبّبه سوء حالة الطريق، ما يدل على أن دور الطريق كمسبّب لحوادث السير يتزايد، في المقابل انخفضت الحوادث الناجمة عن السرعة الزائدة من 3142 أي نصف عدد الحوادث تقريباً في الربع الأول من عام 2008 إلى 2661 حادثاً من أصل 5678 سجّلت خلال الفترة ذاتها من العام الحالي.

يقول مدير إدارة المرور في وزارة الداخلية: الخلل في الطريق وجاهزيتها أو الحفريات لم تكن تدرّج سابقاً ضمن المسبّبات. لكن بدأنا برصد هذه الحالات مع نفاد قانون السير الجديد في 13 أيار (مايو) 2008 ما يؤدي إلى مساعدتنا في التوصل إلى تحديد النقاط السوداء على الطرق.

تشير دراسة أعدّها مجلس وزراء الداخلية العرب عام 2007 إلى أن “وعورة الطريق وعدم سلامتها يساهم بـ 7% من إجمالي أسباب حوادث السير” في الدول العربية.

وتجوّلت “الاقتصادي” في ثلاث طرق رئيسية تعد “طرق الموت” في سورية، دمشق- حلب “355 كلم”، الرقّة – حلب “192 كلم”، دمشق- السويداء “124 كلم”.

وطبقاً لتحاليل مخبرية وتقييم ميداني أجرتهما “الاقتصادي” بتاريخ 8 حزيران (يونيو) 2008 على طريق دمشق ـ حمص “منطقة القطيفة” تبيّن وجود خلل في الطريق يتعلق بطبقة الاهتراء ودرجات الرص، وبالذات في منطقة الثنايا البالغ طولها ثمانية كيلو مترات، إذ يرتفع الميل فيها إلى 6.5%، بينما الحدّ المسموح به هو ستة بالمئة ولمسافة ثلاثة كيلومترات فقط. وهذا ما تؤكّده بعض الدراسات الجامعية – التي ننشرها لأوّل مرّة – إذ تشير أيضاً لخلل وأخطاء في الصيانة وأساليبها.

التقرير الوطني الأول لتنافسية الاقتصاد السوري 2007 الصادر العام الماضي يؤكّد أن البنية التحتية للطرق “تحتاج إلى تحديث لتتلاءم مع المواصفات الدولية”. ويشير التقرير إلى تراجع مؤشر الطرق البرية تسع نقاط من 61 إلى 70 درجة خلال عامي 2006 – 2007 من أصل 128 دولة، ما يدل أن حال الطرق تزداد سوءاً. وما ارتفاع معدلات حوادث الطرق العامة في سورية – بحسب التقرير – إلا دليل على ذلك.

وبائيات

تطلق منظمة الصحة العالمية مصطلح “وبائيات” على حوادث السير، وبينما قتل زهاء مليونا شخص نتيجة الكوارث في العقدين الماضيين، يموت سنوياً نحو 1.5 مليون شخص ويتعرض 50 مليون للإصابات والجروح نتيجة حوادث السير عالمياً.

ويُقتل سنوياً في العالم العربي 26 ألف شخص من أصل 300 مليون نسمة عدد سكان الدول العربية نتيجة حوادث السير، فيما يقع 250 ألف جريح، بحسب مجلس وزراء الداخلية العرب. وتبيّن إحصاءات إدارة المرور في سورية عام 2008 وفاة شخص كل ثلاث ساعات و11 دقيقة، ووقوع جريح واحد كل 38 دقيقة ونصف. وفي الإجمال يقع حادث مرور كل عشرين دقيقة وست وعشرون ثانية، فيما يموت يومياً على الطرق ما معدّله سبعة أشخاص، ويبلغ معدّل الوفيات 12.72 وفاة لكل مئة ألف نسمة، و202 وفاة لكل مئة ألف مركبة، بحسب السجل ذاته. ويرى مدير الدراسات في وزارة النقل محمود الحفار: “أن سورية تقع ضمن مجال الدول ذات معدلات الحوادث المرورية المرتفعة” مقارنة مع سائر دول المنطقة.

طرق رديئة

يصف رئيس الجمعية السورية للوقاية من حوادث الطرق ستالين كغدو، الطرق في سورية بأنها أقل من الوسط. ويدلّل كغدو على رأيه بأن “الدراسات السابقة عن الطرق لم تكن دقيقة ولا تتوافق مع الشروط المتعارف عليها دولياً”.

ويرجع كغدو “عيوب” الطرق إلى عدم وجود “أكتاف” أمان على جانبي الطريق لحماية المركبات، فضلاً عن غياب المنصفات وتخطيط الطريق والحارات والعاكسات والشاخصات وأيضاً نسب الميلان المرتفعة.

ويضيف: “لدينا مشكلة من الناحية التنفيذية، فقد تكون الدراسة صحيحة. أما على أرض الواقع فهناك مخالفات للمواصفات الموضوعة، وبالتالي نلاحظ كثيراً في بلدنا طرقاً رديئة لأنها لم تنفذ بالشكل المطلوب سواء من الناحية الفنية أو من ناحية التخطيط أو لجهة توفير متطلبات السلامة على الطريق”.

أطوال شبكات الطرق في سورية تزيد عن 52 ألف كيلو متر، منها 7400 كيلو متر طرق مركزية تصل بين المحافظات وتشرف عليها كلياً المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية.

يقول مدير عام المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية حسين عرنوس: “أنشئت هذه الشبكة الكبيرة والمترامية في أوقات مختلفة، بعضها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وتمّ تطويرها وتحديثها بما يتلاءم والواقع، وهذه الطرق تحتاج إلى متممات خاصة بالنسبة لعوامل السلامة المرورية “دهان، إشارات.. إلخ” وبذلت جهود كبيرة خلال الفترة الأخيرة في هذا المنحى”.

ينضم إلى دائرة المنتقدين وزير النقل يعرب بدر الذي يقول: “لم نحصل بعد على شبكة الطرق المثالية التي نطمح إليها، والشبكة الحالية تحتاج إلى إصلاحات”.

من جهته يؤكّد خبير الوقاية من الحوادث في جمعية اليازا “تجمع الشباب للتوعية الاجتماعية” محمد الكسم أن الطريق الدولي الوحيد بالمواصفات هو طريق مطار دمشق، أما البقية فتفتقد إلى حواجز الأمان المعدنية الجانبية المنصفة، ولا توجد عقد مرورية نظامية بل فتوحات سطحية تخترق الطرق الدولية وتسمى معابر الموت، إضافة إلى تدني مستوى الطلاء المروري والمسامير العاكسة التي تحدد معالم الطريق وتفصل المسارب وسوء نوعية شاخصات الدلالة والتحذير.

بالعين المجرّدة

الأستاذ في قسم هندسة النقل والمواصلات بكلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق أندراوس سعود، أشرف على عدد من رسائل الماجستير حول الطرق السورية والتي أثبتت كما يقول: “وجود عيوب ترى بالعين المجردة على الطرق المركزية ومنها طريق الثنايا، وخاصة ظهور تشققات طولية وعرضية”. وأجرى سعود اختباراً على طريق دمشق- حلب “منطقة قارة” تبين فيها أن “الطريق خرجت من الخدمة من حيث قدرة التحمل”. ولاحظ أن نسبة الشاحنات والباصات (السيارات الثقيلة) تتجاوز 17% وهذا يؤدي إلى حوادث السير، بحسب سعود. إلى ذلك شدّد على أن “عيوب الطرق تؤدي إلى وقوع حوادث السير”.

وبينت نتائج رسالة ماجستير في كلية الهندسة المدنية عن حوادث المرور “2000-2001″: أن أقسام الطريق التي تتطلب من السائق أن يخفض سرعة سيارته بحدة مثل الأكواع والمنحدرات والميول… إلخ تعد أقساماً خطيرة، وطالبت الرسالة بإزالة هذه الأماكن والأقسام الخطرة.

يرد مدير عام مؤسسة المواصلات الطرقية حسين عرنوس على ذلك بالقول: “هذا الكلام لا ننفيه ولا نؤيده. أي طريق في العالم سيحدث فيه شق وحفرة وحاجز. واستطعنا في الآونة الأخيرة السيطرة على هذه العيوب من خلال عقود الصيانة الطارئة. ويتضمن العقد الواحد 43 بنداً تشمل الشقوق والحفر والشاخصات والحواجز والرقع.. إلخ”. ويضيف: “كما أن هناك صيانة دائمة ودورية كل ثلاث إلى خمس سنوات إضافة إلى أعمال الصيانة اليومية.

ميول ومنحنيات

يقول مدير المواصلات الطرقية في حلب عبد الرزاق الحجي: “إن طريق دمشق ـ حلب، وطريق حلب ـ الرقة، لم يصلا إلى مرحلة الطرق الحرّة بالمعايير العالمية، بسبب وجود تقاطعات سطحية ومرورها داخل التنظيم “الأماكن السكنية” في كثير من الأحيان”، لافتاً إلى أن “مؤسسته تسعى لإنشاء عقد طرقية في أماكن التقاطعات”.

وجاء في مذكرة للمؤسسة العامة للمواصلات الطرقية بتاريخ 9/1/2008 إن إنشاء فرع ثان لطريق حلب الرقة سيخفض نسب الحوادث عليه. الأمر ذاته ينطبق على طريق دمشق ـ السويداء الذي يخترق مناطق مأهولة بالسكان “سليم، عتيل” وتوجد فيه منعطفات وعقد خطيرة “حزم، لاهثة، شهبا، سليم”. وأشارت مذكرة المؤسسة الأنفة الذكر إلى أن إنشاء فرع ثان لطريق دمشق ـ السويداء حتى يصبح بمواصفات طرق الأوتوسترادات.

ويرى سعود أن هذه الطريق نفّذت دون دراسة، ومن وحي وجهة نظر بعض المهندسين المشرفين، لافتاً إلى وجود “منحنيات في الطريق غير نظامية والالتفاف يصل أحياناً إلى تسعين درجة مع أن الوضع لا يقتضي هذا، وكان من السهولة العبور دون المنحنيات”.

منطقة الثنايا هي الأخرى تشتهر بالحوادث المرورية، وتبدو هذه المنطقة التي هي جزء من طريق دمشق ـ حلب وطولها 8 كلم شاهداً على دور الطريق في وقوع حوادث السير، بعدما أثبتت ذلك التحليل الذي أجرته مجلة “الاقتصادي”.

عن ذلك يقول مدير عام مؤسسة المواصلات الطرقية حسين عرنوس: “منطقة الثنايا خطرة بالأساس. وحتى نتجاوز مشكلات هذه الطريق نحتاج إلى تكاليف كبيرة مادياً وتنفيذياً. وفي الأوتوستراد الحالي ميلان بين 6-6.5 % بينما الميل المسموح 6 % ولمسافة 3 كيلو متر فقط”.

غير مجدية

تلعب الصيانة دوراً في تلافي العيوب الظاهرة على الطرق وتقليل الحوادث الناجمة عنها. يقول الأستاذ في كلية الهندسة المدنية أندراوس سعود: يوجد في كل دول العالم كود صيانة لكل نوع من أنواع العيوب، وللأسف الشديد هذا غير موجود لدينا، ويتم العمل بناء على دفتر الشروط، وأن أغلب العيوب الموجودة على الطرق ناجمة عن سوء التنفيذ والحمولات الشاذة وعدم إجراء الصيانة في وقتها.

ويؤكد مدير عام مؤسسة المواصلات الطرقية وجود مشكلة في الصيانة وميزانيتها التي تنخفض عاماً إثر آخر إذ انخفضت الميزانية بحسب المدير العام إلى مليار ليرة العام الماضي وعادة كان يرصد بحدود 2.5 مليار ليرة بينما الحاجة الفعلية لتتم الصيانة السنوية بالشكل المناسب يجب أن تبلغ 4 مليارات ليرة سنوياً.

لا يتوقف الأمر على هذا، فهناك أيضاً أساليب الصيانة التي توصلت رسالة ماجستير أنجزت خلال عامي 2004 ـ 2005 في كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق، بأن الطريقة المتبعة حالياً في الصيانة غير مجدية في كثير من الحالات لمعالجة العيوب التي قد تطرأ على الأغطية الطرقية، وأكّدت الرسالة التي درست أوتوستراد دمشق ـ الحدود الأردنية بعد فترة وجيزة من صيانته صيانة كاملة وجود قصور وظيفي في حالة الطريق.

وتسجّل عدة ملاحظات على نظام الصيانة الذي تتبعه المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، هذا ما أظهرته رسالة ماجستير أنجزت عام 2007 في كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق، التي بينت غياب المنهج العلمي في تقييم أداء الطريق وتحديد احتياجات الصيانة، وعدم وجود معايير محددة لمعرفة نوع الصيانة المطلوب تنفيذها، وأكدت الرسالة أن صيانة الطرق في المؤسسة تعتمد على الاجتهادات والخبرات الشخصية ولا تستخدم الأساليب العلمية والتقنية، كما أن الموارد المخصصة للصيانة لا تستخدم بشكل فعال وغالباً تحّول هذه الموارد إلى مشاريع غير الصيانة.

مزيد من الاهتمام

22 مليون نسمة عدد سكان سورية وبنسبة نمو 2.3 بالمئة حسب المكتب المركزي للإحصاء، يقتل منهم شخص كل ثلاث ساعات بسبب حوادث السير التي ارتفع دور الطرق إلى المرتبة الثالثة من أصل 16 سبباً تؤدي لحوادث السير، هؤلاء معرّضون لآلام ومخاطر حوادث السير التي قد ترتكبها 1.3 مليون مركبة مسجلة في سورية، وتسير على طرق تسمّى طرق الموت.

الاقتصادي- تامر قرقوط

عائلة مؤلّفة من أم وابنتها قتلتا في حادث سير وقع في آب (أغسطس) الماضي بمنطقة السبع بيار “مئة كيلو متر شمال دمشق” وأدى إلى إصابة 33 آخرين. تصادم آخر من “العيار الثقيل” أودى بحياة 15 شخصاً من بينهم شاب وخطيبته ووالدها وجدتّها خلال حزيران (يونيو) الماضي حين اصطدمت حافلة “بولمان” بشاحنة على طريق دمشق- السويداء “تقاطع حزم”.

هذان الحادثان يختزلان المآسي التي تتزايد فوق ثلاثة أوتوسترادات باتت تعرف بـ “طرق الموت” إذ يتكرّر سقوط ضحايا بسبب حوادث السير، التي تؤدي إلى مقتل نحو سبعة أشخاص يومياً، بحسب وزير النقل يعرب بدر. وتحصد هذه الحوادث سنوياً حياة زهاء 2500 مواطن، حسب إحصائيات إدارة المرور.

عام 2008 شهد تحوّلاً في نظرة أجهزة المرور إلى مسبّبات حوادث الطرق في البلاد، لتتجه إلى البحث عن ألغاز طرق الموت، و لأول مرة أضافت إدارة المرور “حالة الطرقات” إلى 15 سبباً رئيساً تذكر سنوياً بأنها وراء وتيرة الحوادث المرتفعة. إذ حلّت الطرقات بالمرتبة العاشرة من بين جملة الأسباب التي تؤدي إلى حوادث السيرالعام الماضي، وجاءت في المرتبة الثالثة خلال الربع الأول من العام الجاري حسب إحصاءات المرور.

بلغة الأرقام، أدخل سوء حالة الطريق كمسبّب للحوادث، وسجّلت تقدماً واضحاً من صفر بالمئة خلال الربع الأول للعام الماضي، مرتفعة إلى 249 حادثاً وبنسبة 4.3 بالمئة من إجمالي عدد الحوادث خلال الفترة ذاتها من العام الجاري، لتحلّ في المرتبة الثالثة بعد السرعة الزائدة وعدم التقيد بإشارات المرور.

واللافت أنه خلال سبعة أشهر من أيار (مايو) إلى كانون الأول (ديسمبر) 2008، سجّلت إدارة المرور 446 حادثاً سبّبه سوء حالة الطريق، ما يدل على أن دور الطريق كمسبّب لحوادث السير يتزايد، في المقابل انخفضت الحوادث الناجمة عن السرعة الزائدة من 3142 أي نصف عدد الحوادث تقريباً في الربع الأول من عام 2008 إلى 2661 حادثاً من أصل 5678 سجّلت خلال الفترة ذاتها من العام الحالي.

يقول مدير إدارة المرور في وزارة الداخلية: الخلل في الطريق وجاهزيتها أو الحفريات لم تكن تدرّج سابقاً ضمن المسبّبات. لكن بدأنا برصد هذه الحالات مع نفاد قانون السير الجديد في 13 أيار (مايو) 2008 ما يؤدي إلى مساعدتنا في التوصل إلى تحديد النقاط السوداء على الطرق.

تشير دراسة أعدّها مجلس وزراء الداخلية العرب عام 2007 إلى أن “وعورة الطريق وعدم سلامتها يساهم بـ 7% من إجمالي أسباب حوادث السير” في الدول العربية.

وتجوّلت “الاقتصادي” في ثلاث طرق رئيسية تعد “طرق الموت” في سورية، دمشق- حلب “355 كلم”، الرقّة – حلب “192 كلم”، دمشق- السويداء “124 كلم”.

وطبقاً لتحاليل مخبرية وتقييم ميداني أجرتهما “الاقتصادي” بتاريخ 8 حزيران (يونيو) 2008 على طريق دمشق ـ حمص “منطقة القطيفة” تبيّن وجود خلل في الطريق يتعلق بطبقة الاهتراء ودرجات الرص، وبالذات في منطقة الثنايا البالغ طولها ثمانية كيلو مترات، إذ يرتفع الميل فيها إلى 6.5%، بينما الحدّ المسموح به هو ستة بالمئة ولمسافة ثلاثة كيلومترات فقط. وهذا ما تؤكّده بعض الدراسات الجامعية – التي ننشرها لأوّل مرّة – إذ تشير أيضاً لخلل وأخطاء في الصيانة وأساليبها.

التقرير الوطني الأول لتنافسية الاقتصاد السوري 2007 الصادر العام الماضي يؤكّد أن البنية التحتية للطرق “تحتاج إلى تحديث لتتلاءم مع المواصفات الدولية”. ويشير التقرير إلى تراجع مؤشر الطرق البرية تسع نقاط من 61 إلى 70 درجة خلال عامي 2006 – 2007 من أصل 128 دولة، ما يدل أن حال الطرق تزداد سوءاً. وما ارتفاع معدلات حوادث الطرق العامة في سورية – بحسب التقرير – إلا دليل على ذلك.

وبائيات

تطلق منظمة الصحة العالمية مصطلح “وبائيات” على حوادث السير، وبينما قتل زهاء مليونا شخص نتيجة الكوارث في العقدين الماضيين، يموت سنوياً نحو 1.5 مليون شخص ويتعرض 50 مليون للإصابات والجروح نتيجة حوادث السير عالمياً.

ويُقتل سنوياً في العالم العربي 26 ألف شخص من أصل 300 مليون نسمة عدد سكان الدول العربية نتيجة حوادث السير، فيما يقع 250 ألف جريح، بحسب مجلس وزراء الداخلية العرب. وتبيّن إحصاءات إدارة المرور في سورية عام 2008 وفاة شخص كل ثلاث ساعات و11 دقيقة، ووقوع جريح واحد كل 38 دقيقة ونصف. وفي الإجمال يقع حادث مرور كل عشرين دقيقة وست وعشرون ثانية، فيما يموت يومياً على الطرق ما معدّله سبعة أشخاص، ويبلغ معدّل الوفيات 12.72 وفاة لكل مئة ألف نسمة، و202 وفاة لكل مئة ألف مركبة، بحسب السجل ذاته. ويرى مدير الدراسات في وزارة النقل محمود الحفار: “أن سورية تقع ضمن مجال الدول ذات معدلات الحوادث المرورية المرتفعة” مقارنة مع سائر دول المنطقة.

طرق رديئة

يصف رئيس الجمعية السورية للوقاية من حوادث الطرق ستالين كغدو، الطرق في سورية بأنها أقل من الوسط. ويدلّل كغدو على رأيه بأن “الدراسات السابقة عن الطرق لم تكن دقيقة ولا تتوافق مع الشروط المتعارف عليها دولياً”.

ويرجع كغدو “عيوب” الطرق إلى عدم وجود “أكتاف” أمان على جانبي الطريق لحماية المركبات، فضلاً عن غياب المنصفات وتخطيط الطريق والحارات والعاكسات والشاخصات وأيضاً نسب الميلان المرتفعة.

ويضيف: “لدينا مشكلة من الناحية التنفيذية، فقد تكون الدراسة صحيحة. أما على أرض الواقع فهناك مخالفات للمواصفات الموضوعة، وبالتالي نلاحظ كثيراً في بلدنا طرقاً رديئة لأنها لم تنفذ بالشكل المطلوب سواء من الناحية الفنية أو من ناحية التخطيط أو لجهة توفير متطلبات السلامة على الطريق”.

أطوال شبكات الطرق في سورية تزيد عن 52 ألف كيلو متر، منها 7400 كيلو متر طرق مركزية تصل بين المحافظات وتشرف عليها كلياً المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية.

يقول مدير عام المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية حسين عرنوس: “أنشئت هذه الشبكة الكبيرة والمترامية في أوقات مختلفة، بعضها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وتمّ تطويرها وتحديثها بما يتلاءم والواقع، وهذه الطرق تحتاج إلى متممات خاصة بالنسبة لعوامل السلامة المرورية “دهان، إشارات.. إلخ” وبذلت جهود كبيرة خلال الفترة الأخيرة في هذا المنحى”.

ينضم إلى دائرة المنتقدين وزير النقل يعرب بدر الذي يقول: “لم نحصل بعد على شبكة الطرق المثالية التي نطمح إليها، والشبكة الحالية تحتاج إلى إصلاحات”.

من جهته يؤكّد خبير الوقاية من الحوادث في جمعية اليازا “تجمع الشباب للتوعية الاجتماعية” محمد الكسم أن الطريق الدولي الوحيد بالمواصفات هو طريق مطار دمشق، أما البقية فتفتقد إلى حواجز الأمان المعدنية الجانبية المنصفة، ولا توجد عقد مرورية نظامية بل فتوحات سطحية تخترق الطرق الدولية وتسمى معابر الموت، إضافة إلى تدني مستوى الطلاء المروري والمسامير العاكسة التي تحدد معالم الطريق وتفصل المسارب وسوء نوعية شاخصات الدلالة والتحذير.

بالعين المجرّدة

الأستاذ في قسم هندسة النقل والمواصلات بكلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق أندراوس سعود، أشرف على عدد من رسائل الماجستير حول الطرق السورية والتي أثبتت كما يقول: “وجود عيوب ترى بالعين المجردة على الطرق المركزية ومنها طريق الثنايا، وخاصة ظهور تشققات طولية وعرضية”. وأجرى سعود اختباراً على طريق دمشق- حلب “منطقة قارة” تبين فيها أن “الطريق خرجت من الخدمة من حيث قدرة التحمل”. ولاحظ أن نسبة الشاحنات والباصات (السيارات الثقيلة) تتجاوز 17% وهذا يؤدي إلى حوادث السير، بحسب سعود. إلى ذلك شدّد على أن “عيوب الطرق تؤدي إلى وقوع حوادث السير”.

وبينت نتائج رسالة ماجستير في كلية الهندسة المدنية عن حوادث المرور “2000-2001″: أن أقسام الطريق التي تتطلب من السائق أن يخفض سرعة سيارته بحدة مثل الأكواع والمنحدرات والميول… إلخ تعد أقساماً خطيرة، وطالبت الرسالة بإزالة هذه الأماكن والأقسام الخطرة.

يرد مدير عام مؤسسة المواصلات الطرقية حسين عرنوس على ذلك بالقول: “هذا الكلام لا ننفيه ولا نؤيده. أي طريق في العالم سيحدث فيه شق وحفرة وحاجز. واستطعنا في الآونة الأخيرة السيطرة على هذه العيوب من خلال عقود الصيانة الطارئة. ويتضمن العقد الواحد 43 بنداً تشمل الشقوق والحفر والشاخصات والحواجز والرقع.. إلخ”. ويضيف: “كما أن هناك صيانة دائمة ودورية كل ثلاث إلى خمس سنوات إضافة إلى أعمال الصيانة اليومية.

ميول ومنحنيات

يقول مدير المواصلات الطرقية في حلب عبد الرزاق الحجي: “إن طريق دمشق ـ حلب، وطريق حلب ـ الرقة، لم يصلا إلى مرحلة الطرق الحرّة بالمعايير العالمية، بسبب وجود تقاطعات سطحية ومرورها داخل التنظيم “الأماكن السكنية” في كثير من الأحيان”، لافتاً إلى أن “مؤسسته تسعى لإنشاء عقد طرقية في أماكن التقاطعات”.

وجاء في مذكرة للمؤسسة العامة للمواصلات الطرقية بتاريخ 9/1/2008 إن إنشاء فرع ثان لطريق حلب الرقة سيخفض نسب الحوادث عليه. الأمر ذاته ينطبق على طريق دمشق ـ السويداء الذي يخترق مناطق مأهولة بالسكان “سليم، عتيل” وتوجد فيه منعطفات وعقد خطيرة “حزم، لاهثة، شهبا، سليم”. وأشارت مذكرة المؤسسة الأنفة الذكر إلى أن إنشاء فرع ثان لطريق دمشق ـ السويداء حتى يصبح بمواصفات طرق الأوتوسترادات.

ويرى سعود أن هذه الطريق نفّذت دون دراسة، ومن وحي وجهة نظر بعض المهندسين المشرفين، لافتاً إلى وجود “منحنيات في الطريق غير نظامية والالتفاف يصل أحياناً إلى تسعين درجة مع أن الوضع لا يقتضي هذا، وكان من السهولة العبور دون المنحنيات”.

منطقة الثنايا هي الأخرى تشتهر بالحوادث المرورية، وتبدو هذه المنطقة التي هي جزء من طريق دمشق ـ حلب وطولها 8 كلم شاهداً على دور الطريق في وقوع حوادث السير، بعدما أثبتت ذلك التحليل الذي أجرته مجلة “الاقتصادي”.

عن ذلك يقول مدير عام مؤسسة المواصلات الطرقية حسين عرنوس: “منطقة الثنايا خطرة بالأساس. وحتى نتجاوز مشكلات هذه الطريق نحتاج إلى تكاليف كبيرة مادياً وتنفيذياً. وفي الأوتوستراد الحالي ميلان بين 6-6.5 % بينما الميل المسموح 6 % ولمسافة 3 كيلو متر فقط”.

غير مجدية

تلعب الصيانة دوراً في تلافي العيوب الظاهرة على الطرق وتقليل الحوادث الناجمة عنها. يقول الأستاذ في كلية الهندسة المدنية أندراوس سعود: يوجد في كل دول العالم كود صيانة لكل نوع من أنواع العيوب، وللأسف الشديد هذا غير موجود لدينا، ويتم العمل بناء على دفتر الشروط، وأن أغلب العيوب الموجودة على الطرق ناجمة عن سوء التنفيذ والحمولات الشاذة وعدم إجراء الصيانة في وقتها.

ويؤكد مدير عام مؤسسة المواصلات الطرقية وجود مشكلة في الصيانة وميزانيتها التي تنخفض عاماً إثر آخر إذ انخفضت الميزانية بحسب المدير العام إلى مليار ليرة العام الماضي وعادة كان يرصد بحدود 2.5 مليار ليرة بينما الحاجة الفعلية لتتم الصيانة السنوية بالشكل المناسب يجب أن تبلغ 4 مليارات ليرة سنوياً.

لا يتوقف الأمر على هذا، فهناك أيضاً أساليب الصيانة التي توصلت رسالة ماجستير أنجزت خلال عامي 2004 ـ 2005 في كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق، بأن الطريقة المتبعة حالياً في الصيانة غير مجدية في كثير من الحالات لمعالجة العيوب التي قد تطرأ على الأغطية الطرقية، وأكّدت الرسالة التي درست أوتوستراد دمشق ـ الحدود الأردنية بعد فترة وجيزة من صيانته صيانة كاملة وجود قصور وظيفي في حالة الطريق.

وتسجّل عدة ملاحظات على نظام الصيانة الذي تتبعه المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، هذا ما أظهرته رسالة ماجستير أنجزت عام 2007 في كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق، التي بينت غياب المنهج العلمي في تقييم أداء الطريق وتحديد احتياجات الصيانة، وعدم وجود معايير محددة لمعرفة نوع الصيانة المطلوب تنفيذها، وأكدت الرسالة أن صيانة الطرق في المؤسسة تعتمد على الاجتهادات والخبرات الشخصية ولا تستخدم الأساليب العلمية والتقنية، كما أن الموارد المخصصة للصيانة لا تستخدم بشكل فعال وغالباً تحّول هذه الموارد إلى مشاريع غير الصيانة.

مزيد من الاهتمام

22 مليون نسمة عدد سكان سورية وبنسبة نمو 2.3 بالمئة حسب المكتب المركزي للإحصاء، يقتل منهم شخص كل ثلاث ساعات بسبب حوادث السير التي ارتفع دور الطرق إلى المرتبة الثالثة من أصل 16 سبباً تؤدي لحوادث السير، هؤلاء معرّضون لآلام ومخاطر حوادث السير التي قد ترتكبها 1.3 مليون مركبة مسجلة في سورية، وتسير على طرق تسمّى طرق الموت.

وثائق التحقيق


  • تعليقاتكم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.