رغم أنه الأنسب والوحيد مازال الغموض يحيط بمصيره .. تغيير موقع "الضبعة" يهدد مشروع مصر النووى بالفشل أهم خبراء الهيئات النووية فى مصر يؤكدون: ضياع الضبعة يعنى ضياع المشروع النووى بالكامل

5 فبراير 2009

محمد هارون الذى يملك معصرة زيتون صغيرة بإحدى قرى مدينة النجيلة غربى مرسى مطروح، لن يمانع بأى حال فى استخدام الأرض التى يعيش فيها مع ذويه كموقع لإقامة محطة نووية ضمن المشروع النووى المصرى لتوليد الكهرباء. فالكهرباء ضرورة لحياته على بساطتها، وتساعده على إكمال عمله بمعصرة الزيتون اليدوية التى يمتلكها بعد غروب الشمس؛ إلا أنه يخشى تكرار سيناريو الضبعة الذى يعرفه جيدا بحكم وجوده على بعد 200 كيلو متر أو يزيد قليلا منها، وبحكم القرابة التي تربطه ببعض أبنائها ممن توقفت حياتهم تماما باختيار مدينتهم لإقامة المشروع النووى الذى تحول من “خير قادم” كما ظنوا فى البداية، إلى المسامير المكملة لنعش المدينة الموصومة أساسا بالفقر والبدائية بعد توقف العمل به. رعب هارون يضاعفه جهله التام بالقرار الحكومى حيال قريته.. هل حقا اختيرت موقعا للمشروع النووى، أم أنه سيستكمل بالضبعة المخصصة له من البداية؟.. أم أن هناك مواقع أخرى هى الأنسب؟ .. وهو جهل طبيعى ومبرر بحكم بساطة هارون النابعة من بيئته البسيطة، لكن غير الطبيعى أن يشاركه هذا الجهل أساتذة وخبراء الطاقة النووية فى مصر، الذين لا يعلمون عن موقع المشروع أكثر مما يعلم رجل الشارع العادى، بسبب التعتيم الرسمي شبه الكامل على تفاصيله؛ ليظل السؤال بعد عامين كاملين من الإعلان عن إحياء المشروع النووى المصرى.. هل يقام بموقع الضبعة الذى اختير فى ثمانينات القرن الماضى، بعد أن استوفى كل الدراسات والأبحاث اللازمة، أم يتغير الموقع لأى سبب من الأسباب؟ .. وهو سؤال – على بساطته وحتميته- لا إجابة له حتى الآن عند أى خبير بالطاقة النووية ومحطاتها أو حتى عند مسئولى البرنامج .. البرنامج الذى اقتصر الحديث عنه خلال العام الماضى على “الاستشارى العالمى” الذى ينتظر الإعلان عنه قريبا، لم تبدأ فيه خطوة تنفيذيه واحدة، بخلاف التصريحات الرسمية المكررة للحكومة ووزارة الكهرباء، عن الترتيب والإعداد له بعد الاستقرار على موقع بين مواقع عديدة يجرى عليها الاستشارى المنتظر دراساته ليحدد أنسبها للمشروع، رغم تأكيد الدراسات السابقة التى قام بها مكتب استشارى – عالمى أيضا – هو مكتب “سوفراتوم” الفرنسى، مطلع ثمانينات القرن الماضى، والتى أكدت جميعها صلاحية موقع الضبعة، الذى اختير بعد دراسة 11 موقعا في مناطق مختلفة على سواحل البحر المتوسط والدلتا والبحر الأحمر وخليج السويس.”سوفراتوم” أجرت على الموقع دراسات جيولوجية وزلزالية ودراسة الأرصاد الجوية وحركة المياه الجوفية والتيارات البحرية والمد والجزر، بالإضافة إلى دراسات سكانية انتهت جميعها إلى تأهيل الموقع لإنشاء محطات نووية، والتأكيد على أنه يفي بجميع اشتراطات الأمان وفقا للمعايير العالمية وإصدارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبلغت تكاليف دراسات اختيار موقع الضبعة وما تم من إنشاءات البنية الأساسية فى الثمانينيات – قبل توقف المشروع منذ 20 عاما- ما بين 700 إلى 800 مليون جنيه، وفقا لتقارير هيئة المحطات النووية التى عرضت على مجلس الشعب. ملايين موقع الضبعة التى تم إنفاقها عليه، ودراساته التى استغرقت 5 سنوات كاملة،لم تشفع له عند مسئولى الحكومة، ولا عند تنفيذيى الهيئات النووية المختصة، فأعلنت وزارة الكهرباء البدء فى المشروع النووى بالبحث عن مواقع جديدة تجرى عليها الدراسات لاختيار أنسبها للمشروع، رغم أن د.منير مجاهد نائب رئيس هيئة المحطات النووية للدراسات والشئون النووية، والمدير المقيم السابق لموقع الضبعة أكد أن الموقع يستوفى كافة المقومات والتجهيزات التى يمكن بها بدء العمل فورا دون إبطاء، من شبكة كهرباء داخلية متكاملة، وشبكة مياه داخلية، إضافة للطرق الداخلية بالموقع..كل هذا موجود كما يؤكد د.مجاهد، مضيفا أن هذه هى البنية الأساسية اللازمة للشركة المنفذة للمشروع لتبدأ عملها فورا. موقع الضبعة بصورته الحالية – بحسب كلام د. منير مجاهد، يختصر من 3 أو 4 سنوات هى تلك التى ستستغرقها الدراسات الجديدة على مواقع أخرى، ورغم الحاجة الفعلية لأكثر من موقع؛ إلا أن الحسابات الاقتصادية تصب فى مصلحة الضبعة، “الأفضل والأنسب من ناحية الوقت والتكاليف، وفى نفس الوقت يمكن البحث عن مواقع جديدة صالحة للمحطات النووية بالتوازى مع العمل بموقع الضبعة”، بحسب رأى الدكتور حمدى عبد العظيم الخبير الاقتصادى والرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية. وسيوفر موقع الضبعة فى حال اختياره تكلفة البنية الأساسية لموقع جديد، و 40% تقريبا من الفترة الزمنية التى ستستغرقها أول محطة نووية منذ بدء العمل فيها وحتى دخلوها الخدمة، بحسب المصدر نفسه.

“تأخرنا فى بدء تنفيذ المشروع النووي بالضبعة يقلل من فرص تنفيذه من الأساس.. فالضبعة هى الأمل لبناء المحطات النووية فى مصر” .. بادرنى أحد خبراء هيئة المواد النووية الذين لهم ثقلهم بالعبارة السابقة، طالبا عدم ذكر اسمه .. فنقلت العبارة إلى د.حافظ حجى الرئيس الأسبق لهيئة المحطات النووية، والمقيم حاليا بمدينة ميلانو الإيطالية، وكان رده “نعم .. هذا القول صحيح 100%”.

حجى عدد الأسباب التى تؤكد كلامه بمنطق علمى فى نقاط؛ أولها أن تجهيز موقع بديل للضبعة يحتاج إلى 5 سنوات على الأقل، وأن فترة التعاقد على المحطة النووية ستمتد بعدها لثلاث سنوات أخرى، ليتأخر بدء البرنامج النووى بذلك كثيرا، مما يضاعف من تكاليف إنشاء المحطات عدة مرات. حجى ختم بقوله “بناء على ماتقدم، وكمسئول سابق عمل فى هيئة الطاقة الذرية من 1965 وحتى 1983، وفى هيئة المحطات النووية من عام 1983 وحتى 1995 وآخر منصب شغلته رئاسة هيئة المحطات النووية “أنصح بالإعلان عن موقع الضبعة كموقع للمحطة النووية الأولى، واختيار النوع المناسب من المحطات النووية، مع اشراك الخبراء السابقين والحاليين فى هذا الاختيار، والتعاقد المباشر لإنشاء المحطة النووية الأولى بالضبعة دون تأخير”.

كلام د.حافظ حجى أكده د.أحمد حسنين حشاد الرئيس الأسبق لهيئة المواد النووية مضيفا أن “التفريط في موقع الضبعة يعنى التفريط فى المشروع ككل”، بينما رفض د.على الصعيدى وزير الكهرباء السابق التعليق بشكل مباشر، وفضل أن تأتى إجابته حذرة رغم وضوحها، فأكد أن موقع الضبعة “حتى اللحظة الحالية هو الأفضل والأنسب”، مضيفا أن سبب طرح أكثر من موقع للدراسات رغم جاهزية موقع الضبعة أمر لا إجابة له إلا عند مسئولى وزارة الكهرباء والهيئات النووية.

البحث عن إجابات مسئولى وزارة الكهرباء أو الهيئات النووية المعنية، وعلى رأسها هيئة المحطات النووية لن يجدى، فسياسة تعتيم إعلامى تامة مفروضة من جانبهم حول كل ما يتعلق بالمشروع. وحتى المواقع المرشحة لإجراء الدراسات رفضت الجهات الرسمية بالوزارة وهيئة المحطات الإشارة لها، لكن معلومة شديدة السرية وجدت طريقها إلينا، وأكدتها لنا مصادر وثيقة الصلة بالمشروع النووى رفضت الإفصاح عن نفسها، فأوضحت أن 4 مواقع من تلك المرشحة لإجراء الدراسات عليها تقع على سواحل البحر الأحمر، بينما يقع الموقع الخامس فقط على البحر المتوسط بمدينة النجيلة غربى موقع الضبعة بنحو 200 كيلو متر.

المواقع الجديدة تم تحديدها بواسطة “الجهاز المركزى الوطنى لتخطيط استخدامات أراضى الدولة”، بعد أن أرسلت له وزارة الكهرباء وهيئة المواد النووية خطابا يتضمن الاعتبارات التي يجب توافرها في المواقع المختارة لإنشاء المحطات النووية، بحسب المصادر ذاتها.

وبالفعل تشكلت لجنة لتحديد أكثر من موقع يراعى فيها الاعتبارات التى وضعتها هيئة المواد النووية، والتى كان على رأسها خلو المنطقة من السكان، بحيث يمكن السيطرة على كل الأنشطة داخلها، وتوافر المياه اللازمة للتبريد بالموقع بكميات مناسبة، وأن تكون المواقع على البحار، وخارج وادي النيل شريطة أن تكون المسافة كافية على الساحل لدخول وخروج مياه التبريد للمحطة، بالإضافة لبعد هذه المواقع عن التراكيب والظواهر الجيولوجية الخطرة مثل “الزلازل، الفوالق، الكهوف، الإنزلاقات الأرضية”، ووجود مساحة مناسبة لإقامة مرافق تهيئة وحفظ النفايات الصلبة منخفضة ومتوسطة المستوى الإشعاعي تتراوح أبعادها بين 500 متر إلى 1 كيلو متر ..

ما يستحق التوقف أن الاعتبارات السابقة تنطبق تقريبا على مواصفات موقع الضبعة الحالى، بل إن أحد أهم الاعتبارات التى طلبتها وزارة الكهرباء فى المواقع الجديدة أن تكون مساحتها مكافئة لمساحة موقع الضبعة على الأقل، حتى تستكمل الدراسات التفصيلية التى تحدد الاحتياجات الفعلية للمساحة المطلوبة، وهى 15 كيلومترا بمحازاة شاطئ البحر وبعمق يتراوح بين 4 إلى 5 كيلو مترات. وهو أمر مثير للتعجب، فإذا كان موقع الضبعة نموذجيا إلى درجة تفصيل المواقع الجديدة عليه، فلماذا إذن تجاهله من البداية؟ .. ولمصلحة من تعطيل المشروع لسنوات طويلة فى دراسات أجريت بالفعل على الضبعة وثبتت صلاحيته بموجبها؟!.

“ابحث عن مستثمرى السياحة” العبارة السابقة جاءت على لسان د.أحمد حسنين حشاد، خبير الطاقة الذرية لافتا إلى الصراع القديم لبعض مستثمرى الساحل الشمالى للحصول على أرض موقع الضبعة، واستغلالها فى مشروعات سياحية تدر عليهم الملايين. ومشيرا إلى ضغوط بعض رجال الأعمال لتعطيل المشروع فى فترات سابقة ليمكنهم الاستحواذ على أرضه، بدعوى أن المحطات النووية تشكل خطرا على مشروعاتهم السياحية الممتدة بطول الساحل الشمالى وعلى إقبال السياح الأجانب عليها، لكن د.منير مجاهد المدير السابق لموقع الضبعة نفى تأثير المحطات النووية على السياحة بالساحل الشمالى، مؤكدا أنه لا خطر من المحطات النووية على البيئة المحيطة بعد ارتفاع معدلات الأمان المتعارف عليها عالميا إلى درجات غير مسبوقة.

مجاهد أكد أن المحطة النووية بالضبعة لا تمثل أى خطورة، وقال “الأجانب الذين يخشى عليهم مستثمرى الساحل الشمالي يفدون من دول توجد بها شواطئ بجانب المحطات النووية. وهو أكبر دليل على أنها لا تمثل أية خطورة”، مضيفا أنه لو هناك أى أخطار سيكون العاملون بالمحطة النووية وأسرهم التى ستعيش فى مستعمرة بنفس المكان أول من يتأثر بها، قبل أن يختم كلامه قائلا “إحنا واثقين من نفسنا، ونعلم عن الموضوع ما ينبغى أن نعلمه”.

اقتصاديات المشروع النووى، تدفعنا إلى المقارنة بين عوائد المشروعات السياحية بالساحل الشمالى، وبين عوائد المشروع النووى حال تنفيذه بالضبعة، وهى مقارنة فى غير صالح المشروعات السياحية كما يخبرنا الفريق محمد الشحات محافظ مطروح السابق، بتأكيده أن إجمالى ثمن الأرض المخصصة للمشروع بالضبعة لن يتخطى 40 مليار جنية “7.5 مليار دولار”، فى الوقت الذى ستتكلف فيه الدراسات التى ستجرى على المواقع الجديدة وحدها ما يقرب من 400 إلى 500 مليون دولار، بحسب كلام د.طارق فهمى، الخبير بهيئة المواد النووية، إضافة إلى تجهيزات وإنشاءات البنية التحتية التى ستتكلف ملايين الدولارات في حال تغيير الموقع الجاهز بهذه الإنشاءات، أي أن بيع أرض الضبعة لمستثمرين لن يغطي كلفة إقامة المشروع في موقع آخر، فقط سيحمل الدولة ملايين إضافية على ميزانيات المشروع، يذهب مثلها تقريبا إلى أرصدة مستتثمرى السياحة الذين ستؤول إليهم ملكية أرض موقع الضبعة بعدها.

الفريق الشحات الذى اتهمته الصحافة والرأى العام بالتواطؤ مع المستثمرين ورجال الأعمال لبيع أرض الضبعة أثناء عمله محافظا لمحافظة مطروح قبل بضعة أعوام، أكد أن فكرة بيع الموقع كانت بغرض المصلحة العامة بظنه أن هناك مواقع أخرى صالحة للمشروع، وأن استغلال الموقع سياحيا سيحقق عوائدا تساهم فى إتمامه بموقع آخر، ورأى الشحات أن عدم وجود موقع بديل للمشروع يحتم على الجميع الحفاظ على الضبعة.

من جانبه أكد الخبير الاقتصادى د.حمدى عبد العظيم أن جملة عوائد السياحة تتراوح بين 8 إلى 10 مليار دولار فى مصر سنويا، لا تتعدى مساهمة الساحل الشمالى فيها بـ 500 مليون دولار على الأكثر، وهو رقم يراه عبد العظيم هزيلا، ولا يستحق التضحية بالمشروع النووى الذى يحقق عوائدا اقتصادية كبيرة من أجله، إضافة إلى المكاسب التى يحققها المشروع فى مجالى البحث العلمى وتطوير الصناعات، والتى يصف د.منير مجاهد، نائب رئيس هيئة المحطات النووية، دور المشروع النووى فيها بـ “قاطرة للتنمية” ستحرك الصناعة المحلية فى مصر من جديد بدءا بصناعة الأجزاء المكملة لبناء المحطة النووية، ووصولا إلى باقى الصناعات التى ستنشأ بجانب المحطة النووية مستغلة الطاقة الهائلة المولدة منها، لتعود مصر من جديد إلى عصر الصناعة والإنتاج.

في الاتجاه نفسه، يشير د.أحمد حشاد إلى أن تنفيذ المحطة النووية الأولى فى مصر سيغير من نمط الحياة الحالى، لأننا لن نستطيع تنفيذ مشروع كهذا دون أن يكون هناك انضباط وجدية نفتقدهما كثيرا فى الوقت الحالى، وستؤدى عودتهما إلى دخول مصر عصر الصناعة من جديد بدلا من عصر الاستهلاك الحالى.

نعود للمواقع التى رشحت لإجراء الدراسات عليها وفقا لما كشفته مصادر وثيقة الصلة بالمشروع لـ “اليوم السابع”، والتى تم استبعاد موقعين أثناء إجراء الدراسات عليهما فى الثمانينات مع موقع الضبعة، وهما موقعا “سفاجا” بالبحر الأحمر، و “عيون موسى” بمحافظة السويس، حيث كانا ضمن المواقع المرشحة لإقامة المحطات، وتم استبعادهما في ذلك الحين لنشاطهما الزلزالى المرتفع بسبب وقوعهما على ساحل البحر الأحمر الغير مستقر جيولوجيا، واختار المكتب الفنى وقتها موقع الضبعة كأفضل المواقع الموجودة.

يبقى موقعى “حمام فرعون” بجنوب سيناء، و”مرسى علم” بالبحر الأحمر، واللذان لا يختلف حالهما كثيرا عن حال الموقعين السابقين، بحسب وزير الكهرباء السابق الدكتور على الصعيدى الذى كان يشغل منصب رئيس هيئة المحطات النووية عند اختيار موقع الضبعة، حيث أكد أن البحر الأحمر غير مناسب لإقامة المحطات النووية، فهو عبارة عن فالق جيولوجى طبيعى يرتفع فيه معدل الزلازل إلى درجة كبيرة. ومعنى ذلك أن إنشاء محطات فى موقع كهذا يرفع التكلفة بشكل كبير. وهو نفس رأى د.حافظ حجى الذى قال أن “إقامة محطات نووية على ساحل البحر الأحمر ممكن، لكنه يضاعف التكلفة بنسبة 50 إلى 100% عن تكلفة نفس المحطات بموقع الضبعة”.

أما موقع النجيلة، الذى يمتد بطول 25 كيلوا مترا بطول ساحل البحر، وبعمق 5 كيلو متر، وهو الموقع الأقرب لموقع الضبعة مسافة وتشابها فى الخواص الجيولوجية والجغرافية، إضافة لأنه أكبر منه فى المساحة بمقدار مرة ونصف تقريبا، حيث تبلغ مساحته الكلية 77 كيلو مترا، فى حين لا يزيد أى من المواقع الأخرى بما فيها موقع الضبعة عن 50 كيلو مترا، وهى إشارة قوية إلى فرص النجيلة الأكبر لاختيارها موقعا للمشروع، يعزز من ذلك تصريح وزير الكهرباء د.حسن يونس لجريدة “المصري اليوم” بتاريخ 10 نوفمبر 2008 بأن موقع الضبعة لا يكفى إلا لإقامة 4 محطات نووية، بينما المقرر إنشاء 8 محطات، وهو ما يشير بقوة إلى نية الحكومة ووزارة الكهرباء تغيير موقع الضبعة، رغم نفيهم الدائم لذلك.

ورغم فرص موقع النجيلة الأكبر باعتباره موقعا يرضى جميع الأطراف، إلا أن الأمر ليس مجرد مساحة كبيرة فحسب، بل إن دراسات مفصلة يتحتم إجراؤها للتأكد من استيفاؤه كافة الشروط كما أكد جميع الخبراء، هذه الدراسات ستتكلف ملايين الجنيهات، قد تصل إلى 400 أو 500 مليون دولار، وستهدر سنوات أخرى عديدة، وهى نفس الدراسات التى خضع لها الضبعة من قبل، لنعود من جديد للمربع رقم صفر .. وليقفز السؤال فى وجوهونا بإلحاح .. لماذا هذه المحاولات المضنية للبعد عن الضبعة؟ .. وهل باستبعاد الضبعة يمكن أن يستكمل المشروع؟ ..

الإجابة جاءت على لسان د.منير مجاهد بتأكيدة أن تأخير البرنامج سيرفع تكلفة إنشاء المحطات إلى درجة كبيرة جدا تتراجع معها فرص مصر فى إنجاز مشروعها النووى، إضافة إلى أن استبدال موقع الضبعة بأى موقع آخر قد يتسبب فى حدوث ما يسمى بـ NIMBY syndrome، وتعنى أعراض “ليس فى فنائى الخلفى” ، أو ” Not In My Back Yard”، بمعنى دفع البرنامج النووى إلى الوضع الذى يجعل الرأى العام يرفضه، حتى وإن اقتنع بأهميته، يعنى ” كويس آه، بس اعمله بعيد عنى”، كما لخصها مجاهد.

وأضاف أن أمرا مشابها لذلك قد حدث فى الولايات المتحدة الأمريكية عندما قررت الحكومة انشاء مخزن للنواتج النووية واختاروا له أحد الأماكن على أسس علميه سلميه. لكن تخوف بعض المواطنين، ومزايدة السياسيين المحللين لتحقيق مكاسب انتخابية، دفعا الحكومة للبحث عن موقع بديل، لكن المواطنين فى المكان الآخر رفضوا متساءلين .. “لو كان الأمر طبيعى فلماذا تركتم الموقع الأول، وإن كان غير طبيعي فلماذا تقيموه فى أرضنا؟” .. وتكرر الأمر فى أكثر من موقع بعدها، وعلق منير على ذلك قائلا “الموضوع بصورته دى بقى زى كورة التلج اللى كل ما تمشى كل ما تكبر.. وهيوصلنا لدرجة استحالة تنفيذ البرنامج”، ولفت مجاهد إلى تأثير الرأى العام المتزايد فى مصر ضاربا المثل برفض أهالى محافظة دمياط لمصنع أجريوم للبتروكيماويات.

د. مجاهد شدد على أهمية موقع الضبعة التى تنبع من ندرة المناطق التي تصلح لإنشاء محطات نووية في مصر وفي معظم دول العالم، ويفسر سبب ذلك بأن تلك المواقع تتطلب العديد من الاشتراطات التى يصعب أن تجتمع في موقع واحد، وأضاف “ليس معقولا أن نتخلى عن الموقع الوحيد الذي نملكه ونعرف خواصه ومتأكدين من صلاحيته لإقامة محطة نووية آمنة على أمل أن نعثر على مواقع أخرى بديلة في وقت نسابق فيه الزمن لتعويض تأخرنا الطويل عن الدخول في العصر النووي”.

د.حافظ حجى اتفق مع الرأى السابق مؤكدا في الوقت نفسه أن موقع النجيلة يمكن أن يكون مناسبا لو تم تجهيزه للمراحل التالية من البرنامج، بعد بدء العمل بموقع الضبعة الذى لن يستمر المشروع النووى بدونه، وختم كلامه مؤكدا على أهمية موقع الضبعة كضمان أخير لتنفيذ المشروع النووى وقال “صدقونى .. إذا ضاع موقع الضبعة ضاع البرنامج النووى كله”..

في الوقت نفسه، ما تزال قيادات وزارة الكهرباء والهيئات النووية المعنية تبحث عن مواقع أخرى بديلة للضبعة .. المغضوب عليها لأسباب غامضة وغير مفهومة حتى الآن.


وثائق التحقيق


  • تعليقاتكم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *