المصريون يروون "ألف وليلة وليلة"

12 يناير 2009

تحقيق: محمد فاروق عجم

حاول أن يتحرش بها.. قاومته.. مزق جسدها بـ 17 طعنة.. لتكشف التحريات أن مقتل الأستاذة الجامعية جاء على يد ابن بواب العمارة التي تقطن بها في منطقة مصر الجديدة، بعد أن فشل في التحرش بها.

مدرس يتحرش بزميلته التي تدّرس نفس المادة، حيث نشب خلاف بينهما بسبب التنافس على إعطاء الدروس الخصوصية، فما كان منه إلا أن قام بالتحرش بها جسديا أمام ناظر المدرسة والتلميذات!.

صاحب سيارة يطلب من تلميذة الإعدادية أن تغلق له بابها الأيمن أثناء سيرها بجوار السيارة، وعندما تفعل يجذبها بقوة داخل السيارة محاولا التحرش بها، تقاومه بشدة، فيدفعها من السيارة لتُكسر قدمها.. وينطلق..

.. ما سبق كان حصاد أسبوع واحد في صفحات الحوادث بالصحف المصرية، فيوميا لا تخلُ هذه الصفحات من حادثة أو واقعة جديدة للتحرش الجنسي في الشوارع، المواصلات، المنازل، العمل، أقسام الشرطة.. ليصبح التحرش “الخبز اليومي” لشباب يدمن المخدرات، أو يعاني البطالة والفقر، أو من تأخر سن الزواج، ولا مانع أن تتسع دائرة التحرش لتشمل شباب لا يعاني أيا من المشكلات السابقة!.. بينما يقف المصريون خارج هذه الدائرة يترقبون توسع محيطها بعد أن شملت “التحرش الجماعي” لتواصل تمددها وسيرها بقوة.. ومعها يتساءلون “إلى أين تأخذنا هذه الدائرة؟”.

قصص يومية

تسارعً إيقاع التحرش في مصر في ظل الإبلاغ عن 62 ألف جريمة جنسية شهدها عام 2006 حسب أخر تقارير الأمن العام، مقارنة بـ 162 حالة فقط مطلع سنوات التسعينات، وهي الفترة التي شهدت أشهر قصص التحرش المصرية (فتاة العتبة)، التي تم التحرش بها في وضح النهار وسط القاهرة، بل في أكثر مناطق القاهرة ازدحامًا، عندما استقلت الأتوبيس مع والدتها وإذ بأربعة من الشباب يجذبونها إلى الأرض وتمتد أياديهم إلى جسدها، وهي القصة التي يعتبرها الخبراء الاجتماعيين أنها تؤرخ لبداية انتشار التحرش الجنسي الجماعي في مصر، وبداية لاهتمام الرأي العام بالتحرش.

اليوم ومع ما تظهره دراسة المركز المصري لحقوق المرأة “غيوم في سماء مصر” من تعرض 83% من جمهور البحث من المصريات (1010 سيدة) للتحرش باختلاف أشكاله؛ صارت فتاة العتبة بطلة لقصص يومية متجددة تسلط عليها الأضواء الإعلامية؛ تُروى على غرار حكايات “ألف وليلة وليلة”، أبطالها فئة من الشباب استطاعوا بتحرشهم بالإناث أن يضعوا مصر في المركز الثاني في جرائم التحرش الجنسي عالميا وفق ما ذكره تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” تحت عنوان “في مصر .. بعض النساء يزعمن أن الحجاب يزيد من تعرضهن للتحرش” والذي أعدته مسئولة الشئون الخارجية إلين نيكماير الصيف الماضي، بالاعتماد على ذات الدراسة.

فيروس اجتماعي

“فيروس اجتماعي نشط ينتشر حتى يتمكن من جسم المجتمع كله”، هكذا تعلق الباحثة بجامعة عين شمس هبه عبد العزيز، صاحبة أحدث دراسة عن التحرش في مصر صدرت هذا العام، حيث توغل المتحرش للبحث عن ضحاياه بين الصغيرات والمراهقات والشابات والمسنات، ولم يعد الملبس الذي ترتديه الفتاة هو الدافع للتحرش بها فهناك ضحايا الآن من المنقبات والمحجبات.

خلال سنوات ازداد المتحرش عنفا، فدراسة المركز المصري لحقوق المرأة والتي ظهرت منتصف العام الحالي توضح أن أبرز الأشكال الشائعة للتحرش هو اللمس بنسبة 40 %، يليه التحرش بالألفاظ البذيئة بنسبة 30 %، كذلك زاد العنف بتحول التحرش من الصورة الفردية (شاب تجاه فتاة)، إلى الصورة الجماعية (مجموعة شباب ضد فتاة أو فتيات)، ومن سابق معرفة بين المتحرش والضحية إلى نزوله للشارع وممارسة التحرش ضد أي فتاة مجهولة، وتطاول باستخدام أسلحة ومواد ملتهبة وتهديد الفتيات بالحيوانات حتى يجعلها المتحرش تنهار وتستسلم له!.

الدكتور د. أحمد عبد الله، مدرس مساعد الطب النفسي بجامعة الزقازيق، يرى أن رؤيتنا لموضوع التحرش بها الكثير من الخطأ، “فنحن نصنف التحرش على أنه إحدى المشكلات الجنسية ويأخذ الحديث مجراه للكلام عن الكبت الجنسي، أو دور ملابس الفتيات وتحررها في زيادة التحرش، وكلها أمور تقودنا لأن ندور في حلقة مفرغة ولا نصل للحقيقة، والصحيح أن التحرش يعد تجليا من تجليات العنف وصورة من صور العدوان، فعند تفسير جرائم التحرش سواء كان فرديا أو جماعيا يجب ألا ننظر فقط للجانب الجنسي، فالحوادث السابقة تنبهنا إلى أهمية أن نضع في اعتبارنا الفجوات الطبقية، والتطلعات الهائلة لبعض الفئات، والغضب المكبوت، والحرمان، وهي العوامل التي تظهر وتترجم بشكل مادي في العنف والاعتداء”.

كلمات د. عبد الله تتوافق مع المادة الأولى من الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة الصادر سنة 1993، الذي يُعرف التحرش بأنه “أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة بدنية أو جنسية أو نفسية للمرأة، بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل أو الإكراه أو الحرمان من الحرية، وسواء وقع ذلك في الحياة العامة أو الخاصة”.

حديث التحرش

حرّك المتحرشون البرلمان المصري العام الماضي ليشهد مناقشات ساخنة، وليُعلن من منبره عن 45 ألف جريمة آداب بين تحرش جنسي واغتصاب تم ضبطها من جانب إدارة مكافحة جرائم الآداب منذ بداية 2006 وحتى مارس 2007!، وهو ما جعل المجلس القومي للمرأة يتقدم بمقترح لتعديل قانون العقوبات الصادر بالقانون 58 لسنة 1937 بإضافة مادة جديدة له لتغليظ عقوبة التحرش.

ومع منتصف عام 2008 يرصد تقرير “مركز الأرض لحقوق الإنسان” 30 حادثة تحرش جنسي ضد الفتيات خلال نصفه الأول تم رصدها من تحليل مضمون الصحف المصرية، أبرزها التحرش بالفتاة “نهى رشدي” التي صارت بطلة فصل جديد من فصول التحرش بالشوارع المصرية، وهذه المرة ليس في حي شعبي بل في أحد أحياء القاهرة الراقية مصر الجديدة، وهي القضية التي نال الشاب الذي تحرش بها ثلاث سنوات بالسجن إلى جانب الغرامة المالية، حيث ارتكزت المحكمة في هذا القرار إلى المادة 268 من قانون العقوبات والتي تنص على أن كل من هتك عرض إنسان بالقوة أو بالتهديد أو شرع في ذلك يعاقب بالسجن المشدد من 3 إلى 7 سنوات.

زاد من سخونة “حديث التحرش اليومي” حوادث تحرش جماعية، مثل واقعة التحرش بالمطربة اللبنانية مروى، التي هجم عليها عشرات الشباب محاولين الفوز بلمسة أو قبلة أثناء حفل غنائي لها بمدينة الإسكندرية، إلى جانب حادث التحرش الجماعي بخمس فتيات بشارع جامعة الدول العربية في ثاني أيام عيد الفطر الماضي، وهو الصورة المتكررة لحادث التحرش الجماعي بوسط البلد في نفس المناسبة قبل عامين.

قائمة متحرشين

بين ماض طويل وحاضر أليم ومستقبل غامض.. ينتشر التحرش ويتوغل المتحرشون ويتوحش المجتمع .. فإذا وضعنا في حسباننا خريطة الأرقام والإحصائيات السابقة نجد كيف تطور التحرش بشكل تدريجي، بينما يتجلى لنا الواقع معلناً أن التحرش آخذ في الانتشار، فنسبة 30 % من إجمالي المعتدى عليهن اللواتي شملتهن دراسة مركز حقوق المرأة – السابق الإشارة إليها- أكدن تعرضهن للتحرش الجنسي بصفة يومية!.

وغموض المستقبل تظهره إحدى الدراسات الإعلامية بعنوان “المعالجة الصحفية لقضية التحرش الجنسي” نشرتها المجلة المصرية لبحوث الرأي العام وقام بها د. عبد الجواد سعيد أستاذ الصحافة المساعد بآداب المنوفية، حيث أشارت إلى أن “خطورة مشكلة التحرش لا تكمن فقط في حجمها وطبيعتها ومعدلات حدوثها، بل فيما تولده من مشكلات لاحقة”، ومع اتساع فئة المتحرشين وتنوعهم في العمر والتعليم والثقافة والبيئة، ينذر ذلك باتساع هذه المشكلات..

“فهناك فئات مهنية لم تكن موجودة من قبل في قائمة المتحرشين والجناة، وعلى رأسهم أطباء ورجال دين ومدرسون ورجال شرطة، وهو ما ينذر بكارثة ويهدد سلامة وأمن المجتمع”، وهو ما تشير إليه الدكتورة فادية أبو شهبة، الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، كما أن كل من يعاني من مشكلة البطالة أو الفقر مرشح للانضمام قريبا لقائمة المتحرشين (19.6% من سكان مصر تحت خط الفقر في عام 2005‏، بحسب التقرير الوطني لمتابعة تنفيذ الأهداف التنموية للألفية).

“السنوات الأخيرة شهدت تناميا لعدد من الأشكال المرتبطة بالتحرش الجنسي، ومع ارتفاع الأسعار والمغالاة في المهور وتكاليف الزواج وأزمة البطالة والسكن، فمن المنتظر أن يفرز ذلك أشكالاً عديدة من التحرش تتعرض لها الفتاة في السنوات القادمة مثل التحرش الجنسي من (المحارم) الذي يتم داخل الأسرة لتشمل قائمة المتحرشين الأب، الأخ، العم، الخال”.. هذا ما تؤكده الدكتورة مديحة عبادة، أستاذ علم الاجتماع بآداب سوهاج، وصاحبة دراسة “الأبعاد الاجتماعية للتحرش في الحياة اليومية” الصادرة عام 2007.

أظهرت الدراسة أن التحرش الجنسي بالمحارم أصبح يشكل ظاهرة في المجتمع المصري، ووفقا لما خرجت به فهناك 39.3% من الفتيات اللاتي شملتهن الدراسة (140 فتاة) أكدن تعرضهن لأفعال التحرش الجنسي من أحد محارمها أو أقاربها، منها اعتراف فتاة بالقول: “أخويا الصغير، مرة صحيت من النوم ولقيته نايم معي في السرير ورامي رجله على جسمي، وبمجرد ما صحيت عرفت أنه صاحي، ضربته وقلت لماما”، وأخرى: “عمي حاول يقبلني غصب عني، وحضني حضن مش حضن عم لبنت أخوه”!.

ضحايا جُدد

ومن المتحرشين إلى الضحايا .. فـفتاة العتبة ونهى رشدي، نموذجان للتحرش في الماضي والحاضر، لكن باستطاعة المتحرشين – وفق ما تقوله الباحثة هبه عبد العزيز- أن يضّموا للقائمة فئات أخرى في المستقبل القريب، كالفنانات والمطربات، ففي حادثة المطربة مروى وجدنا كيف تحرش بها الشباب بعنف لحماية مجتمعه الذكوري الذي أهين من خلال أغنياتها التي تجاوزت حدود الاحترام بكلمات ذات إيحاءات جنسية صريحة!.

تضيف: “ما بين العتبة “الشعبية” ومصر الجديدة “الراقية”، لن يكون صعبا أن ينتقل مسرح التحرش بعروضه المستمرة إلى أماكن جديدة، فالجامعات الخاصة والمدارس الخاصة المشتركة بيئة صالحة لنمو التحرش، والتي تحطمت فيها القيم بين الأستاذ والطلاب بسبب التعليم بالمال، إلى جانب غياب الرقابة في كثير منها”.

التحرش مقدمة الاغتصاب

حالة من دق أجراس خطر التحرش يعيشها المجتمع المصري الآن لا شك أنها ستلقي بظلالها على المستقبل، وبرأي د. أحمد عبد الله : “حالة الوعي الحالية بخطورة التحرش ستؤدي إلى نتيجتين، الأولى أن يتردد المتحرش ولا يكمل طريقه أي يتوقف عن تحرشه، والثانية أن يستمر المتحرش في طريق التحرش ولكنه يحتاط لنفسه، أي يحاول أن يؤّمن نفسه في هذا الطريق بحيث لا يتم كشفه وعقابه، وفي هذه الحالة – وهي الأقرب- سيتطور التحرش على المستويين الرأسي والأفقي في إطار العنف والعدوان، فعلى المستوى الرأسي يمكن أن نرى أشكالا جديدة من الجريمة كأن يتطور التحرش إلى قتل، وعلى المستوى الأفقي ينتشر التحرش في أماكن وتجمعات جديدة يكثر فيها الزحام، لأن الزحام يستفز العدوان”.

التفسير السابق لجريمة التحرش في إطار العنف والعدوان، يأخذنا إلى نوع آخر من الجريمة تفسر أيضا في إطار العنف، وليست بمنأى عن التحرش بل أنه يعد مقدمة لها، ألا وهي جرائم “الاغتصاب” التي تعد أشد أشكال العنف الجسدي خطورة، فبحسب أستاذة القانون الجنائي د. فادية أبو شهبة: “تعد جريمة التحرش خطوة أولى لانتشار جريمة أكثر خطورة هي الاغتصاب، فانتشار التحرش الفردي أدى لظهور التحرش الجماعي، وكليهما يحركان الاغتصاب نحو الزيادة مستقبلا”.

يشير مؤشر الاغتصاب المصري حاليا – وفق دراسة د. فادية عن انتشار جريمة الاغتصاب في مصر والصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية منتصف عام 2007- إلى الإبلاغ عن 20 ألف جريمة سنويا بمعدل حادثتين لكل ساعة تقريبا، وأن 90 % من جملة القائمين بعمليات الاغتصاب من العاطلين عن العمل، بينما كان المعدل منذ عشر سنوات بحسب تقرير الأمن العام لسنة 1998 الإبلاغ عن 197 حالة فقط!.

ومع توحش فيروس التحرش وتوغله، لن يكون هناك عائقا لمؤشر الاغتصاب أن يواصل تقدمه هو الآخر، حيث يشير تقرير العنف ضد المرأة في مصر، الصادر من مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات العام الماضي، أن نوعية جرائم الاغتصاب قد أخذت أبعادَ عنف أخرى كاغتصاب الفتيات الصغيرات المرتبط باختطافهن مما يشكل تهديد واضح لتماسك المجتمع وتنذر بحالة من عدم الأمان.

ويزداد الأمر خطورة عندما يرتبط التحرش بعوامل أخرى كالمخدرات والكحوليات، فالإدمان يرتبط بالمتحرش أو المغتصب، ولنا أن ندرك مدى اتساع دائرة المتحرشين بعد أن كشفت مناقشات لجنة الصحة بالبرلمان المصري في العام الماضي أن هناك 6 مليون مدمن في مصر!.

غابة من العنف

في خط مواز لم يعد غريبا أيضا قراءة قصص ذات علاقة بقصص التحرش تدور في إطار العنف المجتمعي، وهي جرائم الثأر من المتحرش بسبب الشرف ودافع الانتقام من جانب أهل الضحية، والتي تصفها د. فادية بجرائم “أخذ الحق باليد”، وتعللها ببُطء إثبات واقعة التحرش، فتحاول الفتاة أخذ حقها بيدها لأن لا أحد يقوم بذلك، وهنا تتحول الفتاة لشخصية أخرى تضطر لخلع ثوب الحياء والتعامل مع المتحرش بأسلوبه باستخدام وحمل معدات الدفاع كالمواد الملتهبة على سبيل المثال، لأنها لا تجد طريقة أخرى للدفاع عن نفسها، وهو ما “يّحول المجتمع إلى غابة”.

وفي هذا الصدد يذكر ذات تقرير العنف ضد المرأة في مصر؛ أن أفعال التحرش الجنسي قد تؤدي إلى نتائج أكثر ضررا إذا قامت الفتاة برد فعل مثلا لمقاومة هذا العنف، أو تدخل أحد أفراد الأسرة لمنع التحرش بفتاة تمت له بصلة قرابة، وفي الحالتين قد يكون القتل هو النتيجة.

توحش التحرش، انتشار الاغتصاب، انتقام الضحية .. ثالوث يصب في نفق التحرش المظلم ليزداد ظلامه يوما بعد يوم، ومع الظلام لا تزال الدائرة آخذة في الاتساع، والمجتمع – فقط – يردد حكايات “ألف ليلة وليلة” بأبطالها الجدد، منتظرا أن يلوح الصباح أو يصمت “التحرش المباح”!.

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) www.arij.net

وثائق التحقيق


  • تعليقاتكم

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.