الحيار: مشكلة عمرها مئات السنين، لم تندثر بعد عادةٌ تدفع شباناً وشابات إلى القتل والانتحار والضياع..

30 أغسطس 2009

البعث- حمود العجاج

وضع إبراهيم (22 سنة) مسدسه في نطاقه، كما فعل معظم الذين قصدوا بيت عمه ذلك اليوم، وذهب ليحتفل بعرس ابن عمه. بعد ساعة تحول العرس إلى مأتم. لم يُقتل العريس، ولا قتلت العروس، ولم يُصب أيٌّ من المدعوين خطأً أثناء حماسة الاحتفال، بل قتلت شقيقة العريس، ابنة السابعة عشر، برصاصات غير طائشة، أطلقها ابن عمها إبراهيم بغضب شديد، عندما اكتشف أن عمه ينوي تزويجها بشاب آخر. وقعت الحادثة في إحدى قرى الرقة يوم 72 آذار 9002 (ضبط الشرطة 161).

يقول الباحث التراثي «محمود الذخيرة» من الرقة: ما كانت أصابع إبراهيم لتضغط على الزناد لو لم تكن الضحية.. ابنة عمه. إنها عادة “الحيار” الموروثة عبر الزمان.

“الحيار”

الحيار” حق عرفي يملكه أي شاب في المجتمع العشائري لعقد قرانه على ابنة عمه، حتى إن لم ترغب هي بذلك. وقد يصبح العرف قراراً استباقياً يأخذه والد صبي ووالد بنت، وهما شقيقان في الغالب، بعقد القران بين ولديهما فور ولادتهما. فترتسم دائرة طباشير قوقازية مغلقة حول الولدين، تحدد حياتهما ومستقبلهما حتى الممات أو الطلاق. ظلت معظم الزيجات تعقد بسلطة الحيار في المناطق العشائرية من سورية على مدى قرون، حتى ارتبطت كلمة الحيار بقصص حزينة ومآسٍ كثيرة. ورغم أن الظاهرة تراجعت إلى حد كبير في العقود الأخيرة بتأثير مختلف عوامل التطور الاجتماعي، لاسيما عامل التعليم، ما تزال المجتمعات المحلية، لاسيما أريافها، تشهد قصصاً من هذا النوع بين وقت وآخر، ولا يصل أسماع الناس منها غير أكثرها فجائعيةً، كما يوضح الشاعر «عمر الفرا» الذي اهتم بالظاهرة كثيراً، وله قصيدة مشهورة تحكي قصة فتاة يافعة ذهبت ضحية الحيار اسمها “حمدة” (1)، ألهمت أرواح شباب وفتيات المنطقة الشرقية والوسطى في سورية، حيث أرض الحيار، خلال العقدين الماضيين. والمفارقة أن الشاعر أحيا قبل حادثة إبراهيم بأيام قليلة أمسية أدبية في المدينة الجامعية بجامعة دمشق، تعالت خلالها أصوات مئات الطلاب والطالبات، يطالبونه بإلقاء قصيدته “حمدة”.ابنة العم.. هي الضحية

أجرينا إثر حادثة مقتل الفتاة أواخر آذار الماضي استطلاعاً في محافظة الرقة، شمل عينة عشوائية قوامها مئة شاب وفتاة، معظمهم من المتعلمين، فأيّد 4 % فقط زواج ابنة العم بالسلطة العرفية “للحيار”. بينما وجد 8 % منهم أن لابن العم حقاً يفضُل حق الآخرين في الزواج من ابنة عمه، دون أن يتخذ ذلك بالضرورة صفة الإرغام، أو يصل حدالانتقام.

أربعة شبان إذن تمسكوا بـ “حقهم” النظري في الزواج بابنة عمهم، وتخلوا عن حماستهم لاستخدام عادة الحيار، التي قد تفضي إلى الموت. لكن الاستبيان أظهر -دون لبسٍ- معارضة 96 % من أفراد العينة لسلطة “الحيار”. رغم أن مجتمعهم ما زال مجتمعاً تتواجد فيه ظاهرة «الحيار»، حتى اليوم. (جدول 1)

فجأة.. “حمدة” جديدة

جاء في ضبط الشرطة، أن إبراهيم طالب الحقوق، حاول الانتحار بالمسدس ذاته الذي قتل به ابنة عمه، ولم ينجح. كان قدره أن ينجو ليشهد ما سيحدث له لاحقاً. قال لنا عندما زرناه في مكان توقيفه بالرقة: “لو عاد الزمن إلى الوراء لما أقدمت على جريمتي التي ارتكبتها في لحظة حماقة لا تغتفر”. بدا الشاب هادئاً مهذباً. ادعى أنه أصبح مجرماً بالصدفة، إذ لم يكن لديه أي تخطيط مسبق لقتل ابنة عمه الأثيرة إلى قلبه. كل ما في الأمر، كما يقول، أنه لم يستطع تحمل ما علمه فجأة خلال حفل زفاف ابن عمه شقيق الفتاة بأن قرانها سيعقد على شاب غيره، وكان المسدس الذي أحضره معه للاحتفال بالعرس أقرب إلى يده وغضبه مما يريد. يدّعي إبراهيم أنه وإياها كانا متفقين على الزواج، لكن عمّه رفض زواجهما “لقد أدخل في رأسها أنني لست إلا طالب سنة أولى في كلية الحقوق ما زلت في بداية الطريق، ولا أملك شيئاً”.

ماذا لو لم تكن الفتاة ذات السبعة عشر عاماً ابنة عمك، هل كانت أصابعك ستضغط عى الزناد: “حتى ابنة عمي لم يكن لي الحق بأن أقتلها. لماذا فعلت ذلك؟ لا أعرف”.

قصة إبراهيم حلقة في سلسلة

أصبح إبراهيم اليوم منبوذاً، رغم أنه لم يفعل سوى “ما تفهّمه الناس وتساهلوا معه دائماً”، كما يقول. فهو لم يتلق أية زيارة من أهله وأقاربه وأصدقائه منذ سجن في آذار الماضي حتى اليوم. ويضيف “إن ذلك يسبب لي أصعب المعاناة “. وبغض النظر عن العقوبة التي سيحكم بها، رفض جميع أهله توكيل محام له.

إن استنكار الأهل تصرف ولدهم في مثل هذه الحالات ظل لزمن طويل نادراً، فالشائع أن يتكاتف الأهل في المجتمع المحلي مع ولدهم ظالماً أو مظلوماً، لكن شيئاً ما قد تبدل، كما يبدو.

لدى استطلاعنا رأي 15 عازباً و15 متزوجاً في الرقة حول هذه الجريمة، جاءت نتائج استبيان: 100% في جواز رفض ابنة العم للزواج من ابن عمها لدى الشريحتين.

عدّ 10 متزوجين من العينة أن جرائم الحيار ما تزال موجودة في مجتمعنا، مقابل 14 عازباً و خمسة متزوجين نفوا وجودها، مقابل عازب واحد. وبينما نفى 9 متزوجين و10 عازبين مسؤولية الأهل عن التداعيات الجرمية التي قد تصل حد قتل ابنة العم، اعتبروا بالنسبة ذاتها أن المسؤولية تقع بكاملها على الفاعل. وأجمعوا كلهم على أن حادثة إبراهيم لا تتناسب مع مستوى تعليم القاتل، وأنه لا بد أن يكون للثقافة دور في الحد من هذه الظاهرة.

“هن” الضحية دائماً

يرى الباحث التراثي «محمود الذخيرة» من الرقة: “أن المرأة الجميلة لا تتزوج سوى أحد أبناء العم حتى وإن كان ابن عمها لا يضاهيها في شيء، حيث يجرونها إليه جراً.

في ريف الميادين بدير الزور حيّرت عام 1994 الفتاة “طليعة” (16 عاماً) لابن عمها علي (5 سنوات)، لمجرد أنها كانت باهرة الجمال. والمفارقة أن طليعة راحت ترعى الطفل”علي”، حتى تزوجا عام 2006، وقد بلغت هي الثامنة والعشرين بينما لم يتجاوز علي 17 عاماً، والزواج ما زال مستمراً حتى الآن.. عرفت بالقصة ناشطة نسائية في المنطقة، فنقلتها إلى سهام الخاطر(*) المشرفة على الجمعيات الأهلية في دير الزور.

يضيف الباحث «الذخيرة»: “يأتي الحيار أحياناًَ للمحافظة على الميراث من أن ينتقل إلى غرباء، أو عندما يكون مشهوداً للفتاة بالنشاط والمثالية في الأعمال الرعوية أو الحقلية أو المنزلية. الجوهر في الظاهرة أنها عسف يقع على الفتاة، وهي التي تدفع ثمنه غالباً”.

الحل.. قتل وانتحار”

في أواخر 2008 أقدمت فتاة في مقتبل العمر على شرب مبيد سام أدى إلى وفاتها، عندما أرغمت على الزواج بابن عمها، كما أكد الطبيب الشرعي في الرقة «د.اسماعيل عبد اليوسف».

وفي شتاء 2008 قتل شقيق أخته لأنها رفضت بأعلى صوتها الزواج بأحد أبناء عمومتها.

وفي شباط 2008 أيضاً انتحرت فتاة بشنق نفسها في حادثةٍ سارت باتجاه معاكس، عندما رغبت بالزواج بابن عم لها، فعارضها أهلها لأسباب كيدية.

إلا أن ما حدث للفتاة آرزية (15 عاماً) ظهر 22/6/2009 كان مؤثراً جداً..، إذ شنقت نفسها في إحدى غرف منزلهم الريفي بحبل ربطته إلى السقف مستعينة بكرسي ووسادتين. وفقاً لمدير مدرسة القرية تسربت آرزية الجميلة من المدرسة في وقت مبكر. أحبت شاباً غير ابن عمها “ع” الذي يعمل في اليونان، والحب في هذه الحالة لعنة. ضغط عليها والدها للزواج بابن عمها القادم من أثينا لعقد القران.. فانتحرت. (ضبط الشرطة 359).

قال عم الفتاة مختار القرية : الفتاة كانت متمسكة بابن عمها، لكن أمها لم ترغب به، فانتحرت الفتاة. لدينا قصتان ولا بد أن تبدو إحداهما أكثر إقناعاً.

في ريف الميادين بدير الزور تزوجت “كاملة” (18 عاماً) مرغمة من ابن عمها عبد الله (29 عاماً) الذي يعمل في الزراعة، ولم تستطع التخلص من ذلك الزواج الذي استمر 3 سنوات إلا بإلقاء نفسها في نهر الفرات، نهاية 2007.

– الحيار في معادلة الحياة الزوجية والعائلة

سجلت محافظة دير الزور 784 حالة طلاق مقابل 17887 واقعة زواج خلال عام 2008، أي لم تتعدَ نسبة الطلاق 4 %. وفي الرقة بلغ عدد عقود الزواج المسجلة عام 2008 لدى ديوان المحكمة الشرعية 3532 واقعة زواج و2685 واقعة تثبيت زواج، بينما بلغ عدد دعاوى التفريق والمخالعة والنسب 1072 دعوى أي قرابة 30 % من العقود المسجلة. منها 800 دعوى تقريباً (75 %) دعاوى تفريق ومخالعة رضائية، بينها 500 دعوى تقريباً دعاوى بين الأقارب، 50 % من المتداعين أبناء عمومة، وفي 250 دعوى يطالب المتخاصمون بإنهاء الزواج بأي شكل كان.

فشل عائلي وعاطفي أيضاً..

فاطمة أجبرها والدها على الزواج بابن عمها المحكوم بجرائم متعددة، وهي اليوم مطلقة تقيم ببيت والدها مع أطفالها الأربعة، وتتمنى لو أنها طلقت قبل وقت طويل. “رزقية” التي تلقب بالمرأة ذات الأصابع الذكية لإتقانها الخياطة وتجهيزات العرائس، حُيرت لابن عمها غير المتعلم عندما كانت في السادسة عشر، وبعد إنهائه الخدمة العسكرية تزوج بغيرها. عمرها اليوم 21 عاماً ولا يتجرأ أحد على خطبتها. “لأن ابن عمي سيمنعه على الأرجح، وقد يسبب له المتاعب”، كما همست رزقية للباحثة الاجتماعية «سهام الخاطر» في دير الزور.

أما عائشة (17 عاماً) التي حُيِّرت لابن عمها عبد الرزاق وتزوجها منذ 3 سنوات، في إحدى قرى ريف دير الزور، فلم تجد مفراً إلا في الطلاق خلال العام الماضي 2008، رغم وجود طفلين. تقول عائشة إنها حملت دائماً مشاعر أخوة لعبد الرزاق، لأنهما عاشا وترعرعا في بيت واحد ولم تتصور يوماً أنها ستتزوجه. لكن الأهل شاؤوا ذلك.

الحيار في الدين

يقول مدير الأوقاف السابق في محافظة الرقة «خضر الشيخ»: إن الحيار مخالف للإسلام، يتعارض مع الإيجاب والقبول الذي يعد الركن الركين في الزواج، ويقدح بهامش الحرية التي تكفّل بها الدين وأقرتها النظم والقوانين. لذلك فالإسلام ينهى عنه ويحذر منه لما تترتب عليه من مفاسد تلحق بالفرد والمجتمع على حد سواء. وجاء النهي في قوله تعالى: [.. فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن]. وأما الحكم فقد ثبت في صحيح البخاري: أن خنساء بنت جذام زوّجها أبوها وهي كارهة وكانت ثيباً، فأتت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فردَّ نكاحها.

لا بد من نهاية

في حادثة مريم (23 عاماً) من ريف البوكمال تطورت الوقائع بطريقة درامية، غير متوقعة، حُيّرت لابن عمها، تزوجها. راح يسومها أشد العذاب وتبين لها أنه مدمن مخدرات. عجزت عن إقناع أهلها بمساعدتها على الطلاق فلجأت إليهم مرة هرباً من الاضطهاد، ولحق بها زوجها أحمد (28 عاماً) ليرغمها على العودة، فنشبت مشادة بينه وبين شقيقها الجامعي “ماجد”. دافع ماجد عن شقيقته، وفي لحظة هياج ضرب أحمد على رأسه وأرداه قتيلاً. واليوم ينفذ ماجد حكما بالسجن لمدة 12 عاماً، بدأه في 3/8/2002. (دعوى أساس رقم 17)

يقول المحامي أحمد حسن العلي من نقابة المحامين بالرقة: “تكون جرائم الحيار عادة بلا مدعٍ شخصي لأسباب اجتماعية، لأن الضحية هي ابن العم أو ابنة العم، والجاني عضو في العائلة”. ويضيف: “غالباً ما يكون الجاني في جرائم الحيار مرتكباً الجريمة لأول مرة في حياته. ويعقب جريمة الحيار غالباً إسقاط للحق الشخصي عن الفاعل، ما يرتب مفاعيله على قرار الحكم، إذ يتاح للقاضي منح الأسباب المخففة التقديرية والقانونية. – قصص من الحسكة، والحال واحد

(ج .ع – 19 عاماً) التي أجبرت على الزواج بابن عمها، علقت لنفسها مشنقة في غرفتها في مدينة المالكية بالحسكة، رغم أنها أم لطفلة، عندما منعها زوجها من إتمام دراستها، ليصبح يوم 12/2/2008 الأخير في حياتها.

في إحدى قرى المالكية أيضاً أقدمت (غ . ن) هذا العام 2009 على حرق نفسها في حمام المنزل، بعد زواج بابن عمها استمر أربع سنوات.

في قرية تل جمال التابعة للحسكة أُجبر الشاب (ج . و) المتعلم والموظف على الزواج بابنة عمه غير المتعلمة التي تكبره سناً، وتزوجت شقيقته ابن عمها (زواج مقايضة). لم يسفر زواج (ج . و) عن إنجاب أطفال رغم انقضاء 6 سنوات، فهدد بقتل نفسه لو استمر الزواج، وأنهاه فقام شقيق زوجته بتطليق أخته في 7/7/2009 رغم أن لديهما طفلين.

تهديد.. ووعيد وانتحار

أجبرت (ل.ع) من مدينة القامشلي على الزواج بابن عمها وكانت النتيجة إنجاب 3 أطفال، توفوا بعد ولادتهم “والسبب عامل الوراثة”، كما اعتقدوا. فانتهى الزواج بالانفصال في 5/9/2008، إلا أن أبناء العائلتين ما زالا يتوعدون بعضهم بالانتقام. والفتاة (م.ع) التي تحمل إجازة جامعية تشعر اليوم أنها مهددة بالانتقام من قبل ابن عمها غير المتعلم الذي يعمل في إحدى دول الخليج، بعد أن فسخت خطوبتها عنه وتزوجت بآخر.

عام 2008 علقت الفتاة (ش.م) من ناحية الجوادية بالحسكة حبلاً في حظيرة الأغنام وشنقت نفسها، عندما اكتشفت أن ابن عمها الذي وعدها بالزواج بعد تخرجه من الجامعة، تزوج بفتاة من العاصمة،(الضبط 578 تاريخ 2/7/2008).

هذه الحادثة تشبه ما حصل في مدينة الحسكة عام 2002 للسيدة (ف.خ) التي قتلت نفسها عندما اكتشفت أن زوجها الذي سافر إلى أوروبا بعد وعده لها باللحاق به قد تزوج من أجنبية.

وفي إحدى قرى دير الزور نصّب عمٌّ نفسه وكيلاً عن ابنة أخيه (م. و)، بعد أن توفي والدها، ليكتب كتابها على ابنه في 2/2/2009 فما كان من الفتاة إلا أن ألقت نفسها من السطح وأصيبت بكسور عديدة، ما تزال تعاني منها، بينما ينتظرها إتمام الزواج قسراً، ليرسم لها مصيراً مجهولاً.

أثر غير متوقع.. للتعليم

في إحدى قرى الرقة تقدم خريج كلية حقوق في ربيع 2009 إلى الفتاة التي أحبها مدة 8 سنوات، ففوجئ بمعارضة إخوتها الشديدة، ومعظمهم طلبة جامعيون، قائلين إنها لن تتزوج سوى ابن عمها أو تبقى بلا زواج، رغم أن الفتاة تجاوزت 28 من العمر. لتأكيد وقائعها اتصلنا بالشاب الجامعي بطلها فرفض التأكيد أو النفي، تساءلنا: هل الصمت بداعي الحرج أو الخوف.؟ استمر الصمت، وتفهمنا. هذا النوع من الأحداث في أرياف المنطقة الشرقية (الرقة، دير الزور، الحسكة) والشمالية (حلب) وبعض أرياف المنطقة الوسطى (حمص وحماة)، يظلّله مفهوم “العيب الاجتماعي”، وليس مستبعداً أن تصل تداعيات فضح الأمر حد قتل من يتابع الحادثة. في إحدى قرى البوكمال في دير الزور، بقيت معلمة المدرسة حنان (23 عاماً) محيرة خمس سنوات من ابن عمها محمد خريج المعهد المتوسط الهندسي، وكان أشقاء محمد يقومون بإيذاء أي شخص يتقدم لخطبتها. ولم تفلح محاولاتها الكثيرة في إقناع والدها تحريرها من هذا الزواج الذي تم أخيراً في آذار عام 2008، واستمر خمسة أشهر إلى أن تناولت جرعة كبيرة من الدواء محاولة الانتحار، فتم طلاقها.

قصة مشابهة حدثت مع بثينة التي تحمل الثانوية وابن عمها خالد خريج المعهد المتوسط الصناعي. حاولت الفتاة استعطاف والدها “المحامي” فسخ خطوبتهما لأنها لم تقتنع بخالد زوجاً لها، فاصطدمت بإصرار الوالد على “أنه لا يجوز رفض الزواج بابن العم بأي حال”. أقدمت على الانتحار بتجرع علبة دواء كاملة، كانت كافية على ما يبدو لإزالة غشاوة عن عيني والدها فوضع حداً للخطوبة.

وقعت الحادثة صيف 2007 في قرية أخرى من قرى البوكمال، وتابعتها الباحثة الاجتماعية سهام الخاطر من موقعها كمشرفة على الجمعيات الأهلية في المحافظة.

تحدّي الحيار

في مطلع العام الحالي 2009 تنافس في الرقة اثنان من أبناء العمومة على الزواج بابنة عم لهما تحمل إجازة في الأدب العربي. أحدهما مهني والآخر جامعي. وإذ احتدمت الأمور بين العائلتين تدخل والد الفتاة، وهو غير متعلم، ومنع زواجها من الإثنين، فتزوجت شخصاً من خارج العائلة يعمل موظفاً، مسقطاً عن ابنته سطوة الحيار.

و”صبحة” الأبنة لأبوين ريفيين سمعت منذ كانت طفلة صغيرة صوت عمها يقول: صبحة لولدي جاسم. ولم تبلغ صبحة الخامسة عشرة من عمرها حتى زُوِّجت جاسمَ فعلاً. في الـ 25 كانت قد أنجبت عشرة أولاد. وفي لحظة صحو قبل فوات الأوان عادت إلى الدراسة، وراحت تدرس مع ابنها الأكبر للحصول على الثانوية، ثم نالت إجازة في الحقوق. وهي اليوم في طريقها لنيل شهادة الدكتوراه، وما تزال زوجةً لجاسم.(2)

ملاحظة حول التوثيق

وُثِّقت الأحداث التي تضمنها هذا التحقيق استناداً إلى الوثائق الرسمية عندما تسنت لنا، وإلى مرجعية شهود العيان الاجتماعيين، حيث لم يتسن لنا الحصول على وثيقة رسمية. الوثائق المتعلقة بمثل هذه الأحداث يُضيَّق أمر تداولها عادة، وقد تحور فيها الوقائع. في ضبط حادثة الفتاة (ش.م) رقم 578 سُجّلت الحادثة، انتحاراً بسبب الفشل الدراسي، بينما يؤكد شهود «كثيرون من أهل القرية أن الحقيقة غير ذلك. تقول سهام الخاطر: في أحداث “العيب الاجتماعي”، كثيراً ما تصور الوقائع بغير صورتها الحقيقية، لكأن الناس يخجلون من بعض ما يندفعون إلى فعله بقوة العرف، أو تجد لهم المؤسسة القانونية سبلاً لتخفيف المساءلة والعقوبة، بقبول روايتهم للوقائع على عواهنها، دون تدقيق كثير أو بحث جاد عن الحقيقة”». (1) قصيدة “حمدة” من ديوان للشعر البدوي عنوانه “قصة حمدة”، إصدار 1988.

(2) نشرت هذه القصة الزميلة رنا داوود بجريدة “البعث” في 4/11/2008، زاوية “كلام الناس”. وهي تؤكد أن قصتها واقعية وتعرف المرأة معرفة شخصية.

 شكراً لمصادرنا في دير الزور والحسكة والرقة .. سناء ولمياء و نضال، الذين زودونا ببعض القصص.

نفذ هذا التحقيق بالتعاون مع شبكة أريج (إعلاميون من اجل صحافة استقصائية عربية ) www.arij.net وبإشراف: إبراهيم ياخور


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.