أنفاق غزة.. "شركات استثمارية" تكسب أرباحا مضاعفة

25 أكتوبر 2010

الحياة الجديدة/محمد عثمان- بين دهاليز قطاع غزة وسراديبها الرطبة تقبع آلاف القصص عن معاناة مواطنين أنهكهم الانقسام والحصار. فتفاصيل الحياة اليومية تختفي في تلك المناطق ويكاد لا يُعرف عنها شيء بما فيها قصص يستغل أصحابها تلك المعاناة وهم يركبون موجة “الغاية تبرر الوسيلة” و”الحاجة أم الاختراع” ليصلوا في آخر المطاف إلى مبتغاهم في الربح السريع. وهذا ما تحتفظ به الذاكرة الإنسانية على مر التاريخ، من استغلال البعض لظاهرة “تكاثر” الأنفاق في قطاع غزة للثراء السريع دون أن تتخذ السلطات أي إجراءات رادعة.

الطمع دليل إدانة

في قطاع غزة، المحاصر إسرائيليا منذ أربع سنوات، يحاول الفلسطينيون إيجاد حل لثنائية الجوع والبطالة بهدف التخفيف من آثارها الكارثية، فزادت ظاهرة حفر الأنفاق التي مكنت أهالي القطاع من إدخال العديد من السلع المهربة من الأراضي المصرية، من طعام وأدوية إلى الأسمنت والسيارات. إلا أن هذه الأنفاق أدت إلى استغلال المواطن المحتاج سعرا وجودة بسبب جشع التجار واحتكارهم للسوق، إضافة إلى تهريب كل أنواع السموم والمخدرات، في ظل صمت الحكومة المقالة في غزة، لا بل وتشريع الجهات الرسمية لعمليات التهريب، كما تشير العديد من مؤسسات حقوق الإنسان العاملة في قطاع غزة وكذلك اتهام المواطنين للحكومة بذلك.

أنفاق غزة ساهمت جزئيا في كسر محدود للحصار، ولكنها في الوقت  ذاته جاءت بالمال الوفير للمهربين وأصحاب الأنفاق والتجار، وكذلك الجهات الحكومية التي تستقطع مبالغ من المهربين، مما أدى إلى حراك اجتماعي غير مسبوق.

إلا أن هذا المال قد يضيع في أي لحظة. هذا ما حدث مع “صلاح” أحد الشباب الغزيين في بداية عقده الرابع، الذي عمل في حفر الأنفاق منذ ما يقارب الأربع سنوات حتى أصبح يمتلك أحدها. جنى صلاح الكثير من المال لكنه طمع في المزيد، فحفر أكثر من نفق دفعة واحدة ما أدى إلى فقدانه كل ما جمع وعدم استطاعته الاستمرار في الحفر بسبب نفاذ أمواله ما حال دون صرف مستحقات العمال اليومية، على عكس المئات من أمثاله الذين استغلوا تلك الثروات التي جمعوها في شراء أراضي وسيارات فخمة وبناء العمارات.

“أمراء الأنفاق” لا يأتون من شريحة أو طبقة اجتماعية بعينها، بل يمكن لكل من يمتلك بضعة ألاف من الدولارات أن يتحول إلى “أمير نفق” بامتلاكه واحداً منها أو بمشاركته آخرين. وخناك أيضا من يختار ما يطلق عليه “نظام الخير” والمتمثل بالمساهمة في حفر النفق دون مقابل حتى يتم إكماله، وعند بدء عمليات التهريب يصبح من عمل مجاناً في الحفر، شريكاً بالملكية وتحتسب له نسبة معينة يحددها مسبقا مع صاحب النفق الأصلي، بحسب ما قاله بعض أصحاب الأنفاق.

ورغم عدم وجود إحصائية دقيقة حول أعداد “أمراء الأنفاق” إلا أن الأرقام تتحدث عن حوالي الألف، موزعين بين أصحاب حصريين وشركاء مجتمعين للنفق الواحد، ومنهم من يفضل العمل دون الافصاح عن طبيعة عمله.

“أمراء” و”فقراء”

مقابل “أمراء الأنفاق”، هناك من هم مثل “حسام” الموظف الحكومي والذي يتقاضى ألفي شيقل شهريا (ما يقارب 550 دولارا)، والتي أصبحت لا تكفيه حتى الثلث الأول من الشهر بسبب الغلاء الفاحش لأسعار البضائع المهربة عبر الأنفاق. وكغالبية سكان القطاع المقدر عددهم بمليون وخمسمائة وأربعين ألف نسمة، حسب إحصائية مركز الإحصاء الفلسطيني للعام 2010، تزداد حاله سوءا أكثر وأكثر. وشتان ما بين الطبقتين كما وكيفا.

ولا يقتصر استغلال الأنفاق على رفع أسعار المواد المهربة، بل أدت الحاجة المادية وارتفاع معدلات البطالة إلى توجه الكثيرين للعمل في حفر الأنفاق دون الاكتراث إلى ما قد يشكله العمل في الأنفاق من مخاطر، حيث تشير إحصائيات مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة على أن عدد قتلى عمال الأنفاق منذ بداية العام 2010 وحتى آب/أغسطس من العام نفسه وصل إلى 24 قتيلا.

أم منصور البطنيجي، في العقد السادس من عمرها، كانت تعاني من ضيق الحال المادية هي وأبناؤها منصور ونائل وإبراهيم وعائلاتهم قبل أن يعملوا بالأنفاق في العام 2009 وتتحسن حالتهم المادية. لكن الفرج لم يدم طويلا، إذ قتل ثلاثة من أبنائها جراء قصف إسرائيل لأحد الأنفاق، فأصبحت فقيرة “المال والعيال”، إلا من ابن أصبح معيلا لها ولأسر إخوته.

تقول الأم المكلومة “قال لنا صاحب النفق سوف أفتكر أطفال أبنائك الذين قتلوا من خلال مساعدتهم ماديا. وها هو يواصل شق النفق ولم يعطنا أي شئ“. وتضيف بمرارة وخوف من المستقبل “الحكومة في غزة أعطت عائلاتهم التي تتألف من ستة أشخاص على الأقل راتب شهري بسيط، باسم إبراهيم 600 شيقل (حوالي 165 دولاراً)، وعائلة نائل 700 شيقل (حوالي 185 دولاراً)، وعائلة منصور 800 شيقل (حوالي 215 دولار) ، وهذه المبالغ لا تكفي أي شئ على الإطلاق“.

الأنفاق منذ البداية هدف وجدوى

أنفاق قطاع غزة، تروج قصتها في كل مكان، وترتبط بالحصار، إلا أنها ليست بجديدة، كما يوضح رئيس قسم الاقتصاد في جامعة الأزهر الدكتور سمير أبو مدللة في تقرير مطول بعنوان “اقتصاد الأنفاق بقطاع غزة: ضرورة وطنية !! أم كارثة اقتصادية واجتماعية؟!! ”  المنشور في مجلة سياسات الفصلية التي تصدر عن معهد الدراسات العامة في رام الله، العدد 12، نيسان 2010 “الحديث عن التهريب والأنفاق في مدينة رفح جنوب غزة هو حديث عن ظاهرة تاريخية في المرحلة الممتدة من 1949 وحتى الآن“.

قبل عام 2000 “اتسم عمل الأنفاق في عمليات تهريب المخدرات والذهب، أي الممنوعات التي تدر أرباحاً هائلة، ونادراً ما كان يهرب السلاح للمقاومة، ومع بداية انتفاضة الأقصى في أيلول/سبتمبر من العام 2000 بدأت الأنفاق تأخذ منحى آخر، وهو تهريب السلاح لفصائل المقاومة، وازداد عددها وتوسع نشاطها“.

ويشغل “أمراء الأنفاق” عمالاً غالبيتهم من الأطفال والشباب لحفر الأنفاق مستخدمين مجموعة من الأدوات، منها الحفارات الآلية الصغيرة “المقادح” وأدوات بدائية مثل الأوعية البلاستيكية الكبيرة “الجالونات” لنقل الطين والرمال خارج الأنفاق، التي يتراوح طول أقصرها ما بين 250 إلى 300 متراً وأطولها إلى 1500 متراً تمتد عبر الحدود بين مدينة رفح والاراضي المصرية. وهنالك بعض الأنفاق التي يضطر حافروها للحفر بشكل أعمق بسبب طبيعة الرمال، حتى يصلوا إلى التربة الطينية أو الصخور. ويترواح عمق الأنفاق ما بين 9 أمتار إلى 23 مترا، ويتحدد  عمق النفق وعرضه وفقاً للسلعة المهربة، فأنفاق تهريب السيارات يصل عمقها إلى 15 مترا ويتم حفرها بشكل مائل باتجاه قطاع غزة، لتسهيل حركة عجلات السيارات.

وتقدر أجور الحفارين وفقاً لطبيعة الحفر ومتطلباته، فإذا قاموا بحفر نفق وثبتوا الأخشاب فيه، يتقاضون عن كل متر مبلغا يصل إلى 170 دولاراً أمريكياَ مقسما على أربعة أو خمسة عمال يعملون بنظام “الوردية”، وتصل كلفة حفر النفق الواحد الى 30 ألف دولار على الأقل.

وتفتقر عمليات حفر الانفاق إلى أبسط شروط السلامة، فالنفق معرض للانهيار في أية لحظة بسبب طبيعة التربة وعدم تثبيتها من الداخل بأدوات تؤمن عدم انهيارها. كما أن العمال معرضون للصعقات الكهربائية لعدم الأخذ بنظام كهربائي آمن.

تحولات محورية من المقاومة إلى التجارة

ورغم أن معظم الأنفاق تعمل بشكل علني إلا أنه لا يمكن حصر أعدادها بدقة، فبعض الأنفاق لا يعرف مكانها لأسباب أمنية خشية قصفها إسرائيليا، أو تلك التي يتم من خلالها تهريب السيارات والمخدرات والأدوية. وقد مرت فترات ازداد عدد الأنفاق فيها بشكل ملحوظ، بينما تناقصت في فترات أخرى وخاصة في الربع الأخير من عام 2009 عندما بدأت الحكومة المصرية بناء الجدار الفولاذي الفاصل بين رفح الفلسطينية والمصرية. ويشير الدكتور أبو مدللة في تقريره إلى أن عدد الأنفاق “قد تزايد من 20 نفقاً في منتصف 2007 إلى أن وصل حسب بعض التقديرات إلى 500 نفق متعدد الأشكال والأغراض حتى نوفمبر 2008، ويقدر البعض أن عدد الأنفاق وصل إلى حوالي 800 تقريباً سواء الجاهزة وتعمل أو التي قيد الإنشاء“.

الزيادة الهائلة في أعداد الأنفاق جعلت غايتها تتغير، فعلى الرغم من أنها اتخذت مشروعيتها من الحصار، إلا أنها تحولت إلى تجارة غير مشروعة، وغدت عملية التهريب تختلط فيها الدوافع بالأسباب، بعد أن تم تشريع عملها، كما يؤكد أبو مدللة في تقريره “البعض من أعضاء المجلس التشريعي من قيادة حركة “حماس” اعتبر أن الأنفاق مهمة للتخفيف من الحصار، وأن الأنفاق تحل بعض المشاكل جراء الحصار الإسرائيلي فيما يتعلق بمتطلبات الحياة الأساسية. وتختلط الدوافع والأسباب لدى العاملين بصورة مليئة بالتناقض والمفارقات، بدءاً من أسباب البطالة والفقر والحاجة، وصولاً إلى جشع التجار والعصابات عبر تهريب كل أنواع السموم والمخدرات، مروراً بما بينهما من متنفذين وكبار“.

الأنفاق اصبحت مؤسسات تجارية تشبه الشركات الاستثمارية التي تتعامل بنظام الأسهم والحصص، وهو ما يشير إليه الدكتور أبو مدللة في تقريره “يوجد بالنفق أكثر من شريك وتدار عبر الأسهم، حيث يحدد سعر السهم وعدد الشركاء ونظام توزيع الأرباح على المساهمين“.

ولا يختلف نظام المساهمة والشراكة في الأنفاق عن أي نظام آخر، فمن يدفع عشرة آلاف دولار على سبيل المثال في كلفة حفر النفق يكون شريكا في حصة، ومن يدفع الضعف يكون شريكا في حصتين وهكذا. عدا عن ذلك فان “الأمين المصري” والذي تتمثل مهمته في جلب البضائع إلى النفق في الجانب المصري منه، وإنزالها وحراسته دون أن يكون قد دفع في تكاليف حفر النفق أي شئ، فيحصل على نسبة 50% من عائدات النفق الإجمالية.

كارثة اقتصادية وإنسانية والهم الربح السريع

الباحث في جذور قضية الأنفاق يكتشف أنها تسببت بكارثتين اقتصادية وإنسانية، فعلى الصعيد الاقتصادي لا يجري تصدير أي مادة أو سلعة من غزة إلى الخارج كالورود والخضراوات وغيرها من السلع، بمعنى أن اقتصاد غزة استهلاكي 100%، والنقد يسير باتجاه واحد فقط وهو الجانب المصري لسد فاتورة الواردات، وهو ما يؤكده الدكتور أبو مدللة، ويضيف “يقدر البعض بأن الاستيراد الشهري عبر الأنفاق يتراوح ما بين 35-40 مليون دولار، مع العلم بأنه لا يتم تصدير أي سلع إنتاجية للخارج ويقدر حجم الاستيراد السنوي بـ 650 مليون دولار سنوياً، وتقدر الأرباح التي يجنيها أصحاب الأنفاق والعاملين من 200-300 مليون دولار في حالة احتساب نسبة ربح من 30-50% تقريباً وتصل بعض الأحيان نسبة الأرباح إلى 100% وبالتالي تحقق ضعف الأرباح السنوية“.

وتجدر الإشارة إلى أن المواد الأكثر تهريبا كانت مع بداية عمل الأنفاق هي المسليات مثل “الشيبس” والمشروبات الغازية، والتي مازالت تهرب بشكل كبير، تليها مواد البناء كالأسمنت وحديد التسليح والسيراميك، وقد بقيت الدراجات النارية ثنائية وثلاثية العجلات تهرب بشكل كبير منذ بداية حفر الأنفاق حتى أصبحت شوارع القطاع تمتلئ بها. وقد تم تهريب عدد قليل من السيارات.

المراقب لما يتم تهريبه عبر الأنفاق، يجد أن المواد المهربة لا تعتبر مواد أساسية، بل فيها الكثير من الكماليات. فقد جاء في دراسة أعدتها اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار عن الآثار الاقتصادية للحصار على قطاع غزة، أن قطاع الإنشاءات على وجه التحديد واجه انخفاضا وتدهورا حادا ومتواصلا منذ منتصف 2007، حيث توقفت أكثر من 90% من شركات المقاولات عن العمل بسبب عدم توفر الأسمنت والحديد والحصمة التي ارتفعت أسعارها في السوق السوداء والمهربة عبر الأنفاق، إن وجدت، إلى أكثر من 800%.

وفي هذا السياق يؤكد الدكتور ماهر الطباع مدير العلاقات العامة في الغرفة التجارية بقطاع غزة “إن ما يتم تهريبه شهريا عبر الأنفاق لا يتجاوز 10% مما كان يتم استيراده من مواد البناء مجتمعة عبر المعابر الرئيسية والذي كان غير محدود وحسب حاجة المجتمع إليه، وهذه النسبة الضئيلة لمواد البناء المهربة عبر الأنفاق ترجع إلى سببين هما غلاء أسعارها بشكل كبير جدا، والأخر هو صعوبة نقلها عبر الأنفاق“. أما المسليات والمشروبات الغازية، فتهرب في الحصار بكميات تصل ما بين 70 إلى 75% وتباع بأسعار مضاعفة عن أسعار المعابر الرئيسية.

ولا يقتصر تأثير عمل الأنفاق على حسابات الربح والخسارة الاقتصادية، بل وعلى الصعيد الإنساني، فقد ازداد عدد القتلى والجرحى من عمال الأنفاق، إذ يؤكد دكتور الاقتصاد في جامعة الأزهر معين رجب أن الرغبة في الثراء السريع كان هاجس المستثمرين والتجار الكبار الذين يرغبون في تعظيم أرباحهم، وبالتالي تنامت طبقة من الأغنياء التي حققت أرباحا وفيرة. وفي المقابل وقعت الكثير من المآسي تمثلت بزيادة أعداد القتلى والجرحى من العاملين في الأنفاق بسبب إهمال مشغليهم وعدم توفر معايير السلامة، حيث وصل متوسط عدد الضحايا بين قتلى وجرحى من خمسة إلى ستة أشخاص شهريا بحسب منظمات حقوق الانسان العاملة في قطاع غزة.

الإحصاءات الخاصة بمركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة، والتي يقوم الباحثون الميدانيون فيه بجمعها ميدانيا، تشير إلى أن أعداد ضحايا الأنفاق قد وصلت منذ العام 2006 حتى أيار/مايو 2010 إلى 157 قتيلا من بينهم 4 اطفال و478 جريحا، من بينهم 17 طفلاً. ومنذ بداية عام 2010 حتى نهاية آب/أغسطس بلغت حصيلة القتلى 24 من بينهم طفلان والإصابات 219 جريحا من بينهم  طفلاً. وكل تلك الأعداد هي نتيجة عدم توافر شروط السلامة في الأنفاق. أما “الشهداء” نتيجة القصف الإسرائيلي للأنفاق فقد وصلت أعدادهم إلى 12 شهيداً من بينهم طفل.1 هذا التزايد في أعداد القتلى والجرحى تعتبره مؤسسات حقوق الانسان مؤشراً على عدم اتخاذ الحكومة المقالة إجراءات وقائية لحماية العمال.

الأنفاق وقانونية الاستثنائي

وتغاضٍ حكومي

تأخذ قضية أنفاق غزة أيضا، بعداً قانونياً كما يوضح مدير وحدة البحث الميداني في “مركز الميزان لحقوق الإنسان” المحامي سمير زقوت “نرى أن التهريب عبر الأنفاق يتم خارج نطاق القانون، ولا يوجد أي شئ يشرّع التهريب، وهي غير قانونية والمجتمع تعامل معها على أنها خطوة لكسر الحصار الإسرائيلي الظالم، لكن للأسف إن ما لمسناه نحن كمنظمات حقوق إنسان أنها لم تشكل ردا على الحصار بل أسهمت بآثار سلبية كثيرة“.

وبينما تؤكد الجهات الرسمية أنها لا تمنح التراخيص لحفر الأنفاق، فإن الحقيقة تقول عكس ذلك. المستشار القانوني لبلدية رفح محمود يوسف يؤكد أن البلدية “لا تعطي أي تراخيص للأنفاق، وإنما تحاول تنظيم العمل العشوائي والفوضى على الحدود. إذ يتقدم أصحاب هذه الأنفاق بطلب لاشتراك كهرباء عادة لمنزل مهجور أو بيت قديم. وبعد أن يحصل مقدم الطلب على اشتراك الكهرباء يتبين أنه يستغله في حفر نفق جديد وبالتالي تقرر أن يدفع رسوم مضاعفة في هذه المناطق والتي تلقت فيها البلدية في بداية عمل الأنفاق مئات الطلبات”.

وسواء أقر المستشار محمود يوسف بتشريع حفر الأنفاق أو لم يقر فإن ما يجري على أرض الواقع عملية تشريع للعمل الاستثنائي وغير القانوني والفوضوي والذي بدأ به صاحب النفق، هذه ما تؤكده بعض الوثائق التي حصلنا عليها.

فخلال إعدادنا للتحقيق، كشف لنا المحامي سمير زقوت وثيقة تشير إلى تورط بلدية رفح، في تشريع عمل الأنفاق، فيقول زقوت “استغلت بلدية رفح ظاهرة الأنفاق واستفادت منها بشكل مادي وعلى نحو كبير وأصبحت تمنح ترخيصا لحفر الأنفاق يسمى “تجارة عبر الحدود” ومن خلالها تفرض على كل من يحفر نفقا أن يدفع مبلغا من المال مما أسهم وبشكل كبير في الزيادة المضطردة في عدد الأنفاق“.

ويضيف زقوت “الادعاء بأن ما تمنحه البلدية هو ترخيص لمنازل سكنية عارٍ عن الصحة وادعاء يدحضه الأمر الواقع. إن الأنفاق تدر أرباحا خيالية على أصحابها وعلى المهربين”.

ويشير زقوت إلى وثيقة “التجارة الحرة” والتي حصلنا على نسخة منها، والتي وجهها رئيس بلدية رفح المهندس عيسى النشار بتاريخ 9/9/2008 إلى مدير الدائرة المالية في البلدية وتنص على قرارين، الأول على جباية عشرة آلاف شيقل (ألفين وخمسمائة دولار) سنوية كرسوم لتجارة الأنفاق وهذا ما أكده كل أصحاب الأنفاق الذين قمنا بالتحدث معهم. والثاني على زيادة رسوم المعاملات الرسمية إلى ثلاثين شيقل (تسعة دولارات) كحد أدنى لجميع المعاملات (مرفق صورة عن الوثيقة).

وثيقة “التجارة عبر الحدود” تفند أقوال المستشار محمود يوسف. فهي عبارة عن تشريع لعمليات التهريب عبر الأنفاق وفرض الضرائب عليها. وتؤكد بأن الأنفاق ما هي إلا وسيلة للكسب المادي للبلدية ولأصحابها على حد سواء. ويتضح من خلالها بأن غلاء أسعار البضائع المهربة بدأ بالاتفاق مع الحكومة المقالة في غزة، التي توجهنا إلى المتحدث الرسمي باسمها إيهاب الغصين بكتاب رسمي للحديث حول الأنفاق، إلا أنه رفض مذيلاً الكتاب بكلمة “نأسف” وبرر ذلك بوجود قرار رسمي من وزير الداخلية في الحكومة المقالة بعدم التعاون مع أي صحافي يريد تغطية مسألة الأنفاق، وعلى أساسه رفضت اللجنة الحكومية المسئولة عن عمل الأنفاق ومراقبتها التعامل معنا (مرفق نسخة من الكتاب).

احتيال وأمنيات باستمرار الأنفاق واستغلال الحاجة

وتنتشر بين أهالي قطاع غزة العديد من الحكايات حول عمليات احتيال أبطالها أصحاب أنفاق، والتي لم تتكشف ظروفها وتفاصيلها بشكل كامل بسبب التعتيم عليها من قبل الحكومة المقالة.

في تقريره يشير الدكتور أبو مدللة إلى هذه القضية “تم هدر نحو 600 مليون دولار من أهالي قطاع غزة، جمعها تجار وحافرو الأنفاق من المواطنين بحجة تشغيلها تحت وعودات بأرباح تصل إلى 50%“. وهذا ما يؤكده أحد ضحايا عملية الاحتيال هذه، والذي فضل عدم الكشف عن هويته، حيث يقول “العملية برمتها هي احتيال لا أكثر ولا أقل، فقد قام أربعة أشخاص باستخدام أناس محترمين كإمام مسجد “واجهات” وإقناعهم بجلب أشخاص يريدون استثمار أموالهم عبر الأنفاق مقابل نسبه على كل شخص يأتون به، وفي المقابل يحصل كل من أراد استثمار أمواله على نسبة أرباح مقدارها ما بين 10-12%. وبالفعل أصبح هؤلاء الأشخاص يجلبون تجارة كتمويه على أنها عبر الأنفاق ويتم بيعها حتى لو كانت بخسارة، ويتم إعطاؤنا النسبة المتفق عليها من المكسب، وبعد ذلك أصبحنا نعطيهم المزيد من المبالغ وابقاء المال الذي نكسبه عندهم لاعادة استثماره وتشغيله من جديد، وبالتالي ازدادت الأموال التي يقومون بجمعها، وكل ذلك كان ضمن تمثيلية واحتيال، وقد جاء بعد ذلك أحد الأشخاص الذي يجمع أموال لاستثمارها بمكاسب تصل إلى 50% وهذا ما أغرى الناس. ولكن بعد ذلك ادعى هؤلاء أنهم خسروا الأموال بعد أن هربوا إلى خارج قطاع غزة، وحتى الآن لا نعرف مصيرهم ومصير أموالنا.”

لا شك أن التهريب عبر الأنفاق، يفتح المجال لعمليات احتيال لكنها محصورة، إلا أن ما يلفت النظر هو حجم الاستغلال. فخلال اعدادنا للتحقيق، فتحت إسرائيل المعابر جزئيا وأدخلت عدة سلع كانت محظورة. وتبين في الحال مدى الاستغلال، حيث انخفض سعر هذه السلع إلى أكثر من النصف. وهو ما يؤكده أحد التجار الذي فضل عدم ذكر اسمه “نشتري البضائع من الأراضي المصرية ويستلمها صاحب النفق ويأخذ أجره على كل كيس يدخله. ويتحدد سعر الكيس من أية بضاعة حسب الوقت والوزن. في السابق كان يتقاضى صاحب النفق مقابل كل كيس وزنه 40 كيلوغراما عبر النفق 40 دولارا أما الآن، وبعد الفتح الجزئي للمعابر، فيتقاضى خمسة دولارات“.

ولدى سؤال أحد أصحاب الأنفاق ويدعى “أبو سالم” إن كان يتمنى أن تغلق الأنفاق وتفتح المعابر بشكل رسمي أم أنه يرغب في بقائها. لم يخف رغبته بقوله “أنا أحب أن تفتح المعابر ويتنفس الناس، وأيضا أتمنى أن تعمل الأنفاق لأنها كلفت أموالا كثيرة. ولا تنسى أن هناك الكثير من البضائع مازالت ممنوعة من الدخول عبر المعابر. ولكني شخصيا لا أتمنى أنه حينما تفتح المعابر وتدخل كل شئ أن تغلق الأنفاق لأنها كلفت آلاف الدولارات. وإذا ما أرادوا إغلاقها فيجب عليهم أن يعطونا تعويضا ومن ثم نغلقها“.

أسعار في السماء ومرابح خيالية

وأحوال الناس في الحضيض

بعملية حسابية بسيطة حول الأرقام التي يتحدث عنها “أبو سالم” فإنه يجني شهريا في ظروف “عمل الأنفاق الصعبة” ثلاثة آلاف دولار شهريا وهو ما لا يرضيه، ويوضح “قبل حرب غزة الأخيرة 2008-2009 كانت الأسعار جيدة وكان هناك مكسب، أما الآن فقد أعمل في اليوم مائة دولار. وهذه الأيام الأسعار تعيسة جدا. لسببين هما فتح المعابر ودخول البضائع بشكل كبير من الأنفاق“.

في بدايات الحصار وعمليات التهريب عبر الانفاق، كانت أسعار البضائع المهربة مرتفعة جداً. فعلى سبيل المثال وصل سعر طن الأسمنت في ذلك الوقت إلى 4200 شيقل (1150 دولار) علما أن سعره الأصلي يتراوح بين 350 إلى 400 شيقل (95 إلى 105 دولار). وبذلك نجد أن سعره ارتفع في تلك الفترة حتى نهاية شهر مايو 2010 عشر مرات. أما اليوم فقد وصل إلى 700 شيقل (190 دولار) أي ضعف سعره الأصلي. ويرجع “أبو سالم” الغلاء إلى آليات اقتصاد السوق حيث يشير إلى أن “العرض والطلب هو الذي يحدد أسعار الأسمنت وحديد التسليح وغيره. فمثلا قالوا المعابر فتحت فانخفض سعر الأسمنت“.

المستهلك لا حماية له

رئيس الجمعية الفلسطينية لحماية المستهلك في قطاع غزة الدكتور سعود السويركي يؤكد أن الأنفاق أحدثت مشكلة بشقين “الأول ان هناك انفلات بالأسعار وليس ارتفاعا لأن سعر بعض السلع تضاعف عدة مرات نظرا لشح السوق منها وأيضا لحاجة المواطن إليها“. أما الشق الثاني، يضيف السويركي، “فهو جودة هذه السلع. نحن كمستهلكين نرى أن هناك سلعا مهربة منتهية الصلاحية ومنخفضة الجودة وغير مطابقة للمواصفات إطلاقا وأخرى لا يوجد عليها حتى بطاقة بيان، لأن عملية إدخال البضائع عبر الأنفاق هي ليست عملية رسمية ولا تخضع لمعايير الجودة. وهنا تكمن أهمية تفعيل الدور الرسمي لجهات الاختصاص فيما يتعلق بمسألة السلع والأسعار“.

عمليات تهريب البضائع التي لا تتوافق مع المواصفات تحصل رغم أن قانون حماية المستهلك يشدد على ضرورة توفير الحماية للكثير من المواد والتي تؤدي إلى توفير الحماية الإجرائية إلى المستهلكين وأيا كان مصدر هذه السلعة ومنتجها طالما دخلت إلى الأسواق الفلسطينية، وبهذا ينص قانون حماية المستهلك رقم (21) لسنة 2005 في المادة السابعة “يجب أن يكون المنتج مطابقاً للتعليمات الفنية الإلزامية، من حيث بيان طبيعة المنتجات ونوعها ومواصفاتها الجوهرية ومكوناتها، ويخضع لذلك أيضاً عمليات التعبئة والتغليف التي تشمل عناصر التعريف بالمنتج والاحتياطات الواجب اتخاذها عند الاستعمال والمصدر والمنشأ وتاريخ الصنع وتاريخ انتهاء الصلاحية، وكذلك طريقة الاستخدام، مع مراعاة ما تنص عليه القوانين والأنظمة والقرارات ذات العلاقة، وخصوصاً المتعلق منها بسلامة البيئة“.

وهنا يؤكد الدكتور السويركي “أصحاب الأنفاق أصبحوا بالفترة الأخيرة يسوقون المنتجات التي لها رواج اقتصادي بالأسواق، وهم يبحثون عن السلع التي يتمكنوا من بيعها ثم يجلبوا أخرى. ولكن إسرائيل لجأت في الفترة الأخيرة للسماح بشكل جزئي بإدخال بعض السلع فأصبحت متوافرة بكميات أكبر في الأسواق مما أحدث حالة من توازن الأسعار قياسا مع الأسعار الباهظة التي كانت قبل“.

وبالتالي يكون المستورد الأساسي هو المسؤول عن أي خطر يتعرض له المستهلك، وفي حالة الأنفاق يكون صاحب النفق والتاجر، فالمادة العاشرة من نفس القانون تنص “يكون المزود النهائي مسئولا عن الضرر الناجم عن استخدام أو استهلاك المنتج المحلي أو المستورد الذي لا تتوافر فيه شروط السلامة أو الصحة للمستهلك أو عدم الالتزام بالضمانات المعلن عنها أو المتفق عليها، ما لم يثبت هوية من زوده بالمنتج وأثبت كذلك عدم مسؤوليته عن الضرر الناجم“.

مبررات تشريعية للاستغلال

وعلى الرغم من إجماع الجهات الرسمية كالمجلس التشريعي في قطاع غزة على أن الأنفاق أدت إلى استغلال المواطنين إلا أنها لم تفعل شيئاً للحد من هذه الظاهرة، بل وضعت المبررات السياسية لها وغضت الطرف عنها.

النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني عن كتلة “التغيير والإصلاح” وعضو لجنة الأمن والداخلية جمال سكيك يبرر ما وصل إليه الحال “نحن محاصرون ولا يوجد شئ يدخل إلى قطاع غزة إلا بموافقة إسرائيلية لدرجة يحددون الزر والدبوس والإبرة الذي يدخل. وبناء عليه نحن نشكر الحكومة التي فتحت الباب لإدخال المستلزمات من بترول وغيرها حيث وصل سعر البترول إلى شيقل ونصف بينما كان بستة وبخمسة شواقل“.

ويجد سكيك أن هناك ما هو أخطر من رفع التجار للأسعار، إذ يقول “الخطورة الكبرى بالمهربات والممنوعات الخطيرة التي يريد الناس الغنى من ورائها على حساب المحرمات والتي من المفترض أن يعي الأمن والداخلية والمراقبين في الحكومة لأنه من الممكن ألا يدخل فقط الأترمال وإنما مواد أخطر منه“.

ولعل أغرب ما في الأمر أن يأتي هذا الإقرار من عضو في لجنة الداخلية والأمن في المجلس التشريعي، والتي من مهامها الرقابة على أداء الحكومة. الأمر الذي يشير إلى عدم قدرة اللجنة على مراقبة الخلل والفساد والقيام بإجراءات للقضاء عليه.

مبررات أصحاب الأنفاق

“ريحة البر ولا عدمه”

مبررات الجهات الرسمية كانت نتيجتها الحتمية مبررات يأتي بها بعض أصحاب الأنفاق ومنهم “أبو وديع” الشريك في أحد الأنفاق. فهو يرى أن “الأنفاق حلت المشكلة من خلال مساعدتها في فك الحصار عن, غزة ريحة البر ولا عدمه مثلما يقولون. اليوم حينما أذهب لشراء الدقيق والأرز والمؤن التي منعت من الدخول عبر المعابر وأصبحت تدخل عبر الأنفاق فمثلا كان ثمن الشئ منها قبل الحصار بعشرة شواقل والآن في ظل الحصار بخمسة عشر شيقلا يعني موجودة وتسد الحاجة“.

وفي سياق حجم الاستغلال في الثلاث سنوات الأولى يكشف “أبو وديع” عن جرائم ترتكب بحق المواطنين تظهر فوارق الربح بعد الفتح الجزئي للمعابر، فيوضح “الكيس المعبأ بالبضائع من أي نوع في بداية الأنفاق كان يأخذ أصحاب الأنفاق عليه ثلاثمائة دولار من التاجر لكن اليوم يأخذون عليه ثمانية أو عشرة دولارات. وفي بداية الأنفاق من كان يدخل مائة كيس أفضل من اليوم الذي يدخل 2000 كيساً“.

الشرع ضد

ولئن لاقت ظاهرة انتشار الأنفاق ترحيباً من الحكومة المقالة وبعض المؤسسات الرسمية، صدرت مواقف مغايرة عن المؤسسة الدينية. يقول الشيخ جودت المظلوم عضو رابطة علماء فلسطين “موقف الدين من أصحاب الأنفاق والمهربين يقضي بأن يقدموا للمحاكمة وأمام الناس يحكم عليهم حتى يكونوا عبرة لمن اعتبر، وأرى كذلك أن يغرموا بغرامات مالية باهظة حتى تكون رادعا لهم وحتى لا يعودوا إلى فعلتهم هذه“

استطلاع رأي الشارع

في استطلاع لعينة عشوائية من 75 فردا  (40% منهم إناث)، أجري يومي الأربعاء والخميس الموافقين 18 و 19/8/2010، أجاب 75% من أفراد العينة أن الأنفاق قد حلت المشكلة التي أحدثها الحصار الإسرائيلي من عدم إدخال البضائع إلى القطاع. وفي المقابل اشتكى 85% من المستطلعة آراؤهم بأن أصحاب الأنفاق قاموا باستغلال المواطنين.

في حين أن النسبة تجاوزت 90% ممن قالوا بأن بضائع الأنفاق كانت غالية الثمن. وقد حمل 45% من عينة الاستطلاع الحكومة المقالة مسؤولية الغلاء مقابل 50% اتهموا أصحاب الأنفاق. ويعتقد 83% من أفراد العينة بأن الأنفاق قد صنعت طبقة جديدة من الأغنياء، وقد جاءت النسبة متقاربة في اختيار أصحاب هذه الطبقة حيث أجمع 85% ممن قالوا بذلك بأنهم التجار وأصحاب الأنفاق والمهربون.

ويعتقد 89% بأن أصحاب الأنفاق قاموا باستخدام طرق غير مشروعة للثراء السريع، وقد أجمع من اعتقد ذلك على أن طرق الثراء السريع كانت من خلال تهريب بضائع ذي جودة منخفضة وأخرى منتهية الصلاحية اضافة الى المواد المخدرة مثل الاترمال، وهو دواء مسكن للالام يستعمل لبعض العلاجات الا ان البعض يسيء استخدامه كمخدر ما يؤدي الى الادمان.

وقد حمل45% من أفراد العينة مؤسسات المجتمع المدني المسئولية بعدم القيام بدورها في حماية المستهلك في غزة، في حين لم يلق باللوم عليها 40% منهم. بينما حمل 70% من أفراد العينة المجلس التشريعي مسئولية عدم الرقابة على الحكومة في غزة وعلى الأسعار.

ويرى 77% أن الأنفاق قد أضرت بقضية الحصار حيث أجمعت نفس النسبة على أن ذلك حصل من خلال إقناع العالم بأن كل شئ في غزة موجود من خلال الأنفاق. فيما يتعلق بالمعابر الرئيسية قال 88% بأن الأنفاق ليست بديلا عنها.

 تم إعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من شبكة إعلاميون من صحافة استقصائية عربية”أريج”www.arij.net وبإشراف الزميل وليد بطراوي.


تعليقاتكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.